عواقب الامور من الكتاب والسنة 339



العذاب (1)

«قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباَ من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون» (2) .
«ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون» (3) .
«ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلكم فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون» (4) .
(1) وأما ما يدفع العذاب فأمور ، منها :
1 ـ وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس .
2 ـ الاستغفار والتوبة .
3 ـ وجود العباد الركع .
4 ـ وجود الصبيان الرضع .
5 ـ وجود البهائم الرتع .
6 ـ أداء أمر الله وسنة نبيه خالصاً لله خاشعاً له .
7 ـ قراءة سورة الحديد والمجادلة في الفريضة .
(2) الأنعام : 65 .
(3) الأعراف : 154 .
(4) الأنعام : 42 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 340


«قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرةً هل يهلك إلا القوم الظالمون» (1) .
«إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها آتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كان لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» (2) .
«وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً» (3) .
«ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون» (4) .
«وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين» (5) .
«فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (6) .
(1) الأنعام : 47 .
(2) يونس : 24 .
(3) الإسراء : 58 .
(4) الأعراف : 95 .
(5) الأنبياء : 11 .
(6) العنكبوت : 40 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 341


«قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون» (1) .
«فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون» (2) .
«ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين» (3) .
«إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير» (4) .
«فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون» (5) .
«ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون» (6) .
«وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب
(1) يونس : 50 .
(2) الأعراف : 165 .
(3) التوبة : 26 .
(4) التوبة : 39 .
(5) التوبة : 55 .
(6) التوبة : 84 ـ 85 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 342

لعلهم يرجعون» (1) .
«فصب عليهم ربك سوط عذاب» (2) .
«فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها» (3) .
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : أما بعد ، فلا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله لهم الناقة ، وكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج تشرب ماءهم يوم ورودها ، وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في المغارة وعتوا من أمر ربهم فعقروها ، فأهلك الله من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها (4) .
عن الأصبغ بن نباته ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما بال أقوام غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدلوا عن وصيه ، لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب ؟ ثم تلا هذه الآية : «ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار» (5) (6) .
عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : أوحى الله إلى شعيب : إني معذب من قومك
(1) الزخرف : 48 .
(2) الفجر : 13 .
(3) الشمس : 14 .
(4) بحار الأنوار 11 : 393 .
(5) إبراهيم : 28 ـ 29 .
(6) الكافي 1 : 271 ، ح 1 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 343

مائة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم ، وستين ألفاً من خيارهم ، فقال عليه السلام : يا رب ، هؤلاء الأشرار ، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله عزوجل إليه : داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي (1) .
عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من لم يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه وحضر عذابه (2) .
عن محمد بن عرفة عن الرضا عليه السلام أنه سمعه يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله (3) .
علي بن إبراهيم ، باسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام دخل حديث بعضهم في بعض ، قالوا : لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً وأبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر ، قال هامان لفرعون : إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه ، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل ، فتابع الله عليهم بالآيات وأخذهم بالسنين ونقص الثمرات ، ثم بعث عليهم الطوفان فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام ، وامتلأت بيوت القبط ماءً ولم يدخل بيوت بين إسرائيل من الماء قطرة ، وأقام الماء على وجه أرضيهم لا يقدرون على أن يحرثوا . . .
(1) تهذيب الأحكام 6 : 181 ، ح 21 .
(2) الكافي 5 : 59 ، ح 13 .
(3) وسائل الشيعة 16 : 118 ، ح 5 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 344


وأنبت الله لهم في تلك السنة من الكلأ والزرع والثمر ما أعشبت به بلادهم وأخصبت ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصباً ، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية ـ عن علي بن إبراهيم وفي الشهر الثاني عن غيره من المفسرين ـ الجراد فجردت زروعهم وأشجارهم حتى كانت تجرد شعورهم ولحاهم وتأكل الأبواب والثياب والأمتعة ، وكانت لا تدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شيء ، فعجبوا ، وجزع فرعون من ذلك جزعاً شديداً . . .
ولم يدع هامان فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل ، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة ـ في رواية علي بن إبراهيم وفي الشهر الثالث عن غيره من المفسرين ـ القمل ، وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له ، وهو شر ما يكون وأخبثه ، فأتى على زروعهم كلها واجتثها من أصلها ، فذهب زروعهم ولحس الأرض كلها . وقيل : أمر موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس ، فأتاه فضربه بعصاه ، فانثال عليهم قملاً ، فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضه ، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملاً . . . فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة ، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل ، وأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحاجبهم ، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم ، ومنعتهم النور والقرار . . .
فنكثوا ، فأنزل الله عليهم في السنة الرابعة ـ وقيل : في الشهر الرابع ـ الضفادع فكانت تكون في طعامهم وشرابهم ، وامتلأت منها بيوتهم وأبنيتهم فلا يكشف أحدهم ثوباً ولا إناءً ولا طعاماً ولا شراباً إلا وجد فيه الضفادع ،

عواقب الامور من الكتاب والسنة 345

وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها ، وكان الرجل يجلس إلى ذقنه من الضفادع ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه ، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ، فلقوا منها أذىً شديداً . . .
ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم ، فلما كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم ، فسال ماء النيل عليهم دماً ، فكان القبطي يراه دماً واذا شربه القبطي يراه دماً والإسرائيلي يراه ماءً ، فإذا شربه الإسرائيلي كان ماءً ، واذا شربه القبطي كان دماً ، وكان القبطي يقول للإسرائيلي : خذ الماء في فيك وصبه في في ، فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دماً ، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضع الأشجار الرطبة ، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه دماً ، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم ولا يشربون إلا الدم . . .
فلما دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا ولم يخلوا عن بني إسرائيل ، ولما وقع عليهم الرجز ـ أي العذاب ـ وهو ما نزل بهم من الطوفان وغيره ـ وقيل : هو الطاعون أصابهم ـ فمات من القبط سبعون ألف إنسان ، وهو العذاب السادس (1) .
عن أبي جعفر عليه السلام : أن رسول الله سأل جبرئيل : كيف كان مهلك قوم لوط ؟
فقال : إن قوم لوط كانوا أهل قريه . . لا يتنظفون من الغائط ولا
(1) بحار الأنوار 13 : 81 ـ 83 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 346

يتطهرون من الجنابة ، بخلاء أشحاء على الطعام ، وإن لوطاً لبث فيهم ثلاثين سنة ، وإنما كان نازلاً عليهم ولم يكن منهم ولا عشيرة له فيهم ولا قوم ، وأنه دعاهم إلى الله عزوجل وإلى الإيمان واتباعه ، ونهاهم عن الفواحش ، وحثهم على طاعة الله ، فلم يجيبوه ولم يطيعوه ، وإن الله عزوجل لما أراد عذابهم بعث إليهم رسلاً منذرين عذراً نذراً ، فلما عتوا عن أمره بعث إليهم ملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين ، فأخرجوهم منها ، وقالوا للوط : أسر بأهبك من هذه القرية الليلة بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون .
فلما انتصف الليل سار لوط ببناته وتولت امرأته مدبرة فانقطعت إلى قومها تسعى بلوط وتخبرهم أن لوطاً قد سار ببناته ، وإني نوديت من تلقاء العرش لما طلع الفجر : يا جبرئيل ، حق القول من الله بحتم عذاب قوم لوط ، فاهبط إلى قرية قوم لوط وما حوت فاقلعها من تحت سبع أرضين ، ثم اعرج بها الى السماء فأوقفها حتى يأتيك أمر الجبار في قلبها ، ودع منها آية بينة من منزل لوط عبرة للسيارة ، فهبطت على أهل القرية الظالمين فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليه شرقيها ، وضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليه غريبها فاقتلعها ـ يا محمد ـ من تحت سبع أرضين إلا منزل آل لوط آية للسيارة ، ثم عرجت بها في جوافي جناحي حتى أوقفتها حيث يسمع أهل السماء زقاء (1) ديوكها ونباح كلابها ، فلما طلعت الشمس نوديت من تلقاه
(1) الزقو والزقي : مصدر ، وقد زقا الصدى يزقو ويزقي زقاء : أي صاح ، وكل صائح زاق . (الصحاح 6 : 2368 ـ زقا) .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 347

العرش : يا جبرئيل ، اقلب القرية على القوم ، فقلبتها عليهم حتى صار أسفلها أعلاها ، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل مسمومة عند ربك وما هي ـ يا محمد ـ عن الظالمين من أمتك ببعيد .
قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرئيل ، وأين كانت قريتهم من البلاد ؟
عن أبي جعفر بن علي عليه السلام ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل جبرئيل : كيف كان مهلك قوم صالح ؟
فقال : يا محمد ، إن صالحاً بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة ، فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير قال : وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها من دون الله ، فلما رأى ذلك منهم قال : يا قوم ، إني قد بعثت إليكم وأنا ابن ست عشرة سنة ، وقد بلغت عشرين ومائة سنة ، وأنا أعرض عليكم أمرين ، إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم في ما تسألوني ، وان شئتم سألت آلهتكم ، فإن اجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم ، فقد شنأتكم وشنأتموني . فقالوا : قد أنصفت يا صالح ، فاتعدوا ليوم يخرجون فيه .
قال : فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم ، ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا ، فلما أن فرغوا دعوه ، فقالوا : يا صالح ، سل ، فدعا صالح كبير
(1) بحار الأنوار 12 : 152 ـ 153 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 348

أصنامهم ، فقال : ما اسم هذا ؟ فأخبروه باسمه ، فناداه باسمه فلم يجيب ، فقال صالح : ما له لا يجيب ؟ فقالوا له : ادع له : ادعه غيره ، فدعاها كلها باسمائها فلم يجبه واحد منهم ، فقال : يا قوم ، قد ترون قد دعوت أصنامكم فلم يجيبني واحد منهم فأسلوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة ، فاقبلوا على أصنامهم ، فقالوا لها : ما بالكن لا تجبن صالحاً ؟ ، فلم تجب ، فقالوا : يا صالح ، تنح عنا ودعنا وأصنامنا قليلاً .
قال : فرموا بتلك البسط التي بسطوها وبتلك الآنية وتمرغوا في التراب وقالوا له : إن كنت كما تزعم نبياً رسولاً فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء ، فأخرجها الله كما طلبوا منه ، ثم أوحى تبارك وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم : إن الله قد جعل لهذه الناقة شرب يوم ، ولكم شرب يوم ، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك ، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم ، فمكثوا بذلك ما شاء الله ، ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : أعرقوا هذه الناقة واستريحوا منها ، ونرضى إن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم ، ثم قالوا : من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلاً ما أحب ؟
فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ولد زنا لا يعرف له أب يقال له : القدار ، شقي من الأشقياء مشؤوم عليهم ، فجعلوا له جعلاً ، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئاً ، فضربها ضربة أخرى فقتلها

عواقب الامور من الكتاب والسنة 349

وخرت إلى الأرض على جنبها ، وهرب فصيلها حتى صعد على الجبل فزعاً ثلاث مرات إلى السماء ، وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد إلا شركه في ضربته ، واقتسموا لحمها فيما بينهم ، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها .
فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم ، فقال : يا قوم ، ما دعاكم إلى ما صنعتم ؟ أعصيتم ربكم ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح عليه السلام : إن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم ، ولم يكن عليهم فيها ضرر وكان لهم أعظم المنفعة ، فقل لهم : إني مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيام ، فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم ، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث . فأتاهم صالح عليه السلام فقال لهم : يا قوم ، إني رسول ربكم إليكم وهو يقول لكم : إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم ، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا وأخبث ، وقالوا يا صالح : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ، قال : يا قوم ، إنكم تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة ، واليوم الثاني وجوهكم محمرة ، واليوم الثالث وجوهكم مسودة ، فلما أن كان أول يوم أصبحوا وجوه مصفرة ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : قد جاءكم ما قال لكم صالح ، فقال : العتاة منهم لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيماً .
فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة ، فمشى بعضهم إلى بعض ، فقالوا : يا قوم ، قد جاءكم ما قال لكم صالح ، فقال العتاة منهم : لو أهلكنا جميعاً ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ، ولم يتوبوا ولم يرجعوا .

عواقب الامور من الكتاب والسنة 350


فلما كان اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودة ، فمشى بعضهم إلى بعض ، فقالوا : يا قوم ، أتاكم ما قال لكم صالح ، فقال العتاة منهم : قد أتانا ما قال لنا صالح ، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل عليه السلام فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادم ، وقد كانوا في تلك الثلاثة أيام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن عذاب نازل بهم ، فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم ، فلم يبق لهم ثاغية ولا راغية ولا شيء إلا أهلكه الله ، فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين ، ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعينن ، وكانت هذه قصتهم (1) .
روي أن شعيباً النبي وأيوب ـ صلوات الله عليهما ـ وبلعم بن باعوراء كانوا من ولد رهط آمنوا لإبراهيم يوم أحرق فنجا ، وهاجروا معه إلى الشام ، فزوجهم بنات لوط ، فكل نبي كان قبل بني إسرائيل وبعد إبراهيم عليه السلام من نسل اولئك الرهط ، فبعث الله شعيباً إلى أهل مدين ولم يكونوا فصيلة شعيب ولا قبيلته التي كان منها ، ولكنهم كانوا أمة من الأمم بعث إليهم شعيب ، كان عليهم ملك جبار ولا يطيقه أحد من ملوك عصره ، وكانوا ينقصون المكيال والميزان ويبخسون الناس أشياءهم ، مع كفرهم بالله وتكذيبهم لنبيه وعتوهم وكانوا يستوفون إذا اكتالوا لأنفسهم ووزنوا له ، فكانوا في سعة من العيش
(1) الكافي 8 : 185 ـ 189 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 351

فأرسل إليه الملك : ما تقول في ما صنعت أراض انت أم ساخط ؟ فقال شعيب : أوحى الله تعالى إلي إن الملك اذا صنع مثل ما صنعت يقال له : ملك فاجر ، فكذبه الملك وأخرجه وقومه من مدينته ، قال الله تعالى حكاية عنهم : «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا» (1) فزادهم شعيب في الوعظ ، فقالوا : يا شعيب «أن نترك ما يعبد آبارنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» (2) ، فآذوه بالنفي من بلادهم ، فسلط الله ، عليهم الحر والغيم حتى انضجهم الله فلبثوا فيه سبعة أيام ، وصار ماؤهم حميماً لا يستطيعون شربه ، فانطلقوا إلى غيضة (3) لهم وهو قوله تعالى : «وأصحاب الأيكه» (4) ، فرفع الله لهم سحابة سوداء ، فاجتمعوا في ظلها فأرسل الله عليهم ناراً منها فأحترقتهم ، فلم ينج منهم أحد ، وذلك قوله تعالى : «فأخذهم عذاب يوم الظله» (5) (6) .
وعن ابن عباس : إن الله يبعث في آخر الزمان خمسة أنواع من العذاب : أولها : حيات ذوات أجنحة ينزلن ويحملن المطففين من السوق ، والثاني : سيول تغرق الحالفين بالكذب ، والثالث : تخسف بقوم الأرض وهم الذين لا يبالون من أين يأخذون من الحرام أو الحلال ، والرابع : تجيء ريح فتحمل قوماً
(1) الأعراف : 88 .
(2) هود : 87 .
(3) الغيضة : الغابة الجامعة للأشجار . (تاج العروس 1 : 19) .
(4) ق : 14 .
(5) الشعراء : 189 .
(6) بحار الأنوار 12 : 384 ـ 385 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 352

وتضربهم على الجبال فيصيرون رماداً وهم الذين يبيتون على لهوهم والخامس : تجي نار فتحرق بعض أصحاب السوق وهم أكلة الربا (1) .
عن الصادق عليه السلام : إن أهل الري في الدنيا من المسكر يموتون عطاشى ويحشرون عطاشى ، ويدخلون النار عطاشى (2) .
عن ابن عباس ، قال : ما ظهر البغي في قوم قط إلا ظهر فيهم الموتان (3) ولا ظهر البخس في الميزان إلا وظهر فيهم الخسران والفقر ، ولا ظهر نقض العهد في قوم إلا أديل عليهم وعدوهم (4) .
(1) مستدرك الوسائل 13 : 333 ، ح 19 .
(2) بحار الأنوار 76 : 139 .
(3) الموتان : تقدم شرحها في ص : 267 .
(4) اليقين (ابن طاووس) : 422 ـ 423 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي