عواقب الامور من الكتاب والسنة 306



خراب الديار (1)

«وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيراً * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً» (2) .
«فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون» (3) .
(1) وأما ما يعمر الديار فأمور ، منها :
1 ـ الصدقة .
2 ـ صلة الرحم .
3 ـ البر .
4 ـ حسن الخلق .
5 ـ إكرام الجليس .
(2) الإسراء : 4 ـ 5 .
(3) النمل : 52 .
روي عن ابن عباس أنه قال : استفدت من القرآن أن الظلم يخرب البيوت ويهدمها ، ثم استدل بالآية الكريمة «قتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا» .
وفي الحقيقة فإن تأثير الظلم في تخريب البيوت والمدن والمجتمعات لا يقاس بأي شيء ، فالظلم يأتي بالصاعقة المهلكة ، والظلم يزلزل ويدمر . . . . والظلم له أثر كأثر الصيحة ـ في السماء ـ المهلكة الميتة ، وقد أكد التاريخ مراراً هذه الحقيقة وأثبتها ، وهي أن الدنيا قد تدوم
عواقب الامور من الكتاب والسنة 307


«هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم
مع الكفر ، إلا أنها لا تدوم مع الظلم أبداً .
مما لا شك فيه أن عقاب ثمود قوم صالح كان بعد أن عقروا الناقة قتلوها وكما يقول القرآن في الآيات (65 ـ 67) من سورة هود : «فعقروها فقال : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكنوب * فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين» .
فبناء على هذه الآيات لم ينزل العذاب مباشرة بعد المؤامرة على قتل صالح ، بل الاحتمال القوي أن الجماعة الذين تآمروا على قتله أهلكوا فحسب ، ثم أمهل الله الباقين ، فلما قتلوا الناقة أهلك الله جميع الظالمين والآثمين الكافرين .
وهذه هي تنيجة الجمع بين آيات هذه السورة ، والآيات الواردة في هذا الشأن في سورتي الأعراف وهود .
لقد جاء بيان إهلاكهم بعد مؤامرتهم على قتل نبيهم صالح ، أما في سورتي الأعراف وهود فبيان هلاكهم بعد عقرهم الناقة .
ونتيجة الأمرين أنهم حاولوا قتل نبيهم ، فلما لم يفلحوا أقدموا على قتل الناقة (وعقرها) التي كانت معجزته الكبرى . . . ونزل عليهم العذاب بعد أن أمهلوا ثلاثة أيام .
ويحتمل أيضاً أنهم أقدموا على قتل الناقة أولاً ، فلما هددهم نبيهم صالح بنزول العذاب بعد ثلاثة أيام حاولوا قتله ، فأهلكوا دون أن يفلحوا في قتله . (الأمثل 12 : 94 ـ 95) .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 308

وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار» (1) .
«فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من اغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (2) .
«فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد» (3) .
«وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين» (4) .
«لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور» (5) .
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إياكم واليمين الكاذبة فإنها تدع الديار
(1) الحشر : 2 .
(2) العنكبوت : 40 .
(3) الحج : 45 .
(4) القصص : 58 .
(5) سبأ : 15 ـ 17 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 309

بلاقع (1) (2) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : اليمين الفاجرة تخرب الديار وتقصر الأعمار (3) .
في خبر المناهي إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن اليمين الكاذبة ، وقال : إنها تترك الديار بلاقع ، وقال : من حلف بيمين كاذبة صبراً ليقطع لها مال امرئ مسلم لقى الله عزوجل وهو عليه غضبان ، إلا أن يتوب ويرجع (4) .
عن علي عليه السلام : أربعة لا تدخل واحدة منهم بيتاً إلا خرب ولم يعمر : الخيانة ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والزنا (5) .
عن علي عليه السلام : الحجر الغصب في الدار رهن لخرابها (6) .
عن علي عليه السلام : لا يكون العمران حيث يجور السلطان (7) .
عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام : اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم تدع الديار بلاقع عن أهلها (8) .
(1) بلاقع : تقدم شرحه في ص : 216 .
(2) كنز العمال 16 : ، ح 46374 .
(3) مستدرك الوسائل 16 : 39 ، ح 13 .
(4) بحار الأنوار 104 : 202 والمقصود بـ : (صبراً) اليمين التي يحبس عليها الإنسان حتى يحلفها .
(5) بحار الأنوار 75 : 170 .
(6) غرر الحكم : 27 ، رقم 557 .
(7) غرر الحكم : 436 ، رقم 454 .
(8) بحار الأنوار 75 : 170 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 310


عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : في كتاب علي عليه السلام : ثلاثة لا يموت صاحبهن أبداً حتى يرى وبالهن : البغي ، وقطيعة الرحم ، واليمين الكاذبة يبارز الله بها ، وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم ، وإن القوم ليكونون فجاراً فيتواصلون فتنمي أموالهم ويثرون ، وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من اهلها وتنقل الرحم ، وإن نقل الرحم انقطاع النسل (1) .
عن الصادق عليه السلام في حديث الزنديق ، قال : وإن من أكبر السحر النميمة يفرق بها بين المتحابين ، ويحلب العداوة على المتصافيين ، ويسفك بها الدماء ، ويهدم بها الدور ، ويكشف بها الستور ، والنمام أشر من وطأ الأرض بقدم . . . الخبر (2) .
عن إسحاق بن عمار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : كان أبي يقول : تعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء وتقرب الآجال وتخلي الديار ، وهي قطيعة الرحم والعقوق وترك البر (3) .
أخرج ابن جرير عن ابن زيد ، قال : كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم طرحه على يهودي ، فقال اليهودي : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ، ولكن طرحت علي ، وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤنه
(1) الكافي 2 : 259 ، ح 4 . وسائل الشيعة 21 : 492 ، ح 1 .
(2) مستدرك الوسائل 9 : 151 ، ح 7 .
(3) وسائل الشيعة 16 : 74 ، ح 4 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 311

ويطرحونه على اليهودي ، ويقولون : يا رسول الله ، إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به ، حتى ماله عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعض القول .
فعاتبه الله في ذلك ، فقال : «إنا أنزلنا إليكك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيماً * واستغفر الله» ـ مما قلت لهذا اليهودي ـ «إن الله كان غفوراً رحيماً» ، ثم أقبل على جيرانه ، فقال : «ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم» ـ إلى قوله ـ «وكيلاً» ، ثم عرض التوبة ، فقال : «ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً» ما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه «ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً» وإن كان مشركا «فقد احتمل بهتاناً» إلى قوله «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى» ، قال : أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له ، وخرج إلى المشركين بمكة فنقب بيتاً يسرقه ، فهدمه الله عليه فقتله (1) .
(1) الميزان 5 : 190 ـ 193 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 312



الخسف والمسخ (1)

«فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين» .
[الأعراف : 166]
(1) ورد في التواريخ حكاية منقولة عن قارون تدل على منتهى الخسة وعدم الحياء ! ننقلها هنا حسب تفصيلها :
فقال له موسى عليه السلام : إن الله أمرني أن آخذ الزكاة ، فأبى فقال : إن موسى يريد أن يأكل أموالكم ، جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم ؟ قالوا : لا نحتمل ، فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل ألى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها ، فأرسلوا إليها فقالوا لها : نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك ، قال : نعم .
فجاء قارون إلى موسى عليه السلام ، قال : اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك ، قال : نعم فجمعهم فقالوا له : بم أمرك ربك ؟ قال : أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وان تصلوا الرحم ، وكذا وكذا ، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم ، قالوا : وإن كنت أنت ؟ قال : نعم ، قالوا : فإنك قد زنيت ، قال : أنا ؟
فأرسلوا إلى المرأة فجاءت ، فقالوا : ما تشهدين على موسى ؟ فقال : لها موسى عليه السلام أنشدتك بالله إلا ما صدقت . قالت : إذا نشدتني فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي ، وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله . فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي ، فأوحى الله إليه : ما يبكيك ؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتعطيك ، فرفع رأسه فقال : خذيهم
عواقب الامور من الكتاب والسنة 313


«أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون» (1) .
«أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً» (2) .
«فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين» (3) .
فأخذتهم إلى أعقابهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى ياموسى ، فقال : خذيهم ، فأخذتهم إلى أعناقهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى ، فقال : خذيهم ، فغيبتهم فأوحى الله : «يا موسى ، سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم ، فوعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم» . يقول القرآن الكريم في هذا الصدد «فخسفنا به وبداره الأرض» .
أجل حين يبلغ الطغيان والغرور وتحقير المؤمنين الأبرياء والمؤامرة ضد نبي الله أوجهاً ، تتجلى قدرة الله تعالى وتطوي حياة الطغاة وتدمرهم تدميراً يكون عبرة للآخرين . (الأمثل 12 : 299 ـ 300) .
(1) النحل : 45 .
(2) الإسراء : 68 .
(3) القصص : 81 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 314


«فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (1) .
قال صلى الله عليه وآ له وسلم : إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلةً حل بهم البلاء : إذا كان الفيء دولا (2) ، والأمانة مغنماً ، والصدقة مغرماً ، وأطاع الرجل امرأته ، وعسى أمه ، وبر صديقه ، وجفا أباه ، وارتفعت الأصوات في المساجد ، وأكرم الرجل مخافة شره ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، ولبسوا الحرير ، اتخذوا القينات (3) والمعازف ، وشربوا الخمور ، وكثر الزنا ، فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً أو مسخاً وظهور العدو عليكم ثم لا تنصرون (4) .
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال فبشرهم بريح حمراء تخرج من قبل المشرق فيمسخ بعضهم ويخسف ببعض ، «ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» (5) (6) .
(1) العنكبوت : 40 .
(2) دول : تقدم شرحها في ص : 277 .
(3) القينات : تقدم شرحها في ص : 278 .
(4) وسائل الشيعة 17 : 311 ، ح 31 .
(5) المائدة : 78 .
(6) كنز العمال 14 : 266 ، ح 38499 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 315


عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا أكلت أمتي الربا كانت الزلزلة والخسف (1) .
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لما عمل قوم لوط ما عملوا شكت السماء والأرض إلى ربهما ، فأوحى الله إلى السماء أن أحصيبهم ، وإلى الأرض أن اخسفي بهم (2) .
في خطبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : اعلموا ، رحمكم الله ، إن مثلكم في هذا اليوم كمثل ورق لا شوك فيه إلى أربعين سنة ، ثم يأتي من بعد ذلك شوك ، ورق إلى مائتي سنة ، ثم ياتي من بعد ذلك شوك لا ورق فيه حتى لا يرى فيه إلا سلطان جائر ، أو غني بخيل ، أو عالم مراغب في المال ، أو فقير كذاب ، أو شيخ فاجر ، أو صبي وقح ، أو امرأة رعناء . ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقام إليه سلمان الفارسي وقال : يا رسول الله ، أخبرنا متى يكون ذلك ؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا سلمان ، إذا قلت علماؤكم ، وذهبت قراؤكم ، وقطعتم زكاتكم ، وأظهرتكم منكراتكم ، وعلت أصواتكم في مساجدكم ، وجعلتم الدنيا فوق رؤوسكم ، العلم تحت أقدامكم ، والكذب حديثكم ، والغيبة فاكهتكم ، والحرام غنيمتكم ، ولا يرحم كبيركم صغيركم ، ولا يوقر صغيركم كبيركم ، فعند ذلك تنزل اللعنة عليكم ويجعل بأسكم بينكم وبقي الدين لفظاً بألسنتكم ، فإذا أوتيتم هذه الخصال توقعوا الريح الحمراء أو مسخاً أو قذفاً
(1) مستدرك الوسائل 14 : 333 ، ح 20 .
(2) دعائم الإسلام 2 : 455 . مستدرك الوسائل 14 : 347 ، ح 11 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 316

بالحجارة ، وتصديق ذلك في كتاب الله عزوجل : «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون» (1) .
فقام إليه جماعة من الصحابة ، فقالوا : يا رسول الله ، أخبرنا متى يكون ذلك .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : عند تأخير الصلاة ، واتباع الشهوات ، وشرب القهوات ، وشتم الآباء والأمهات ، حتى ترون الحرام مغنما ، والزكاة مغرماً ، وأطاع الرجل زوجته ، وجفا جاره ، وقطع رحمه ، ذهب رحمة الأكابر ، وقل حياء الأصاغر وشيدوا البنيان ، وظلموا العبيد والإماء ، وشهدوا بالهوى ، وحكموا بالجور ويسب الرجل أباه ، ويحسد الرجل أخاه ، ويعامل الشركاء بالخيانة ، وقل الوفاء ، وشاع الزنا ، وتزين الرجال بثياب النساء ، وسلب عنهن قناع الحياء ودب الكبر في القلوب كدبيب السم في الأبدان (2) .
عن محمد بن الحنفية ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ، قيل : يا رسول الله ، وما هي ؟ قال : إذا كانت المغانم دولاً ، والأمانة مغنماً ، والزكاة مغرماً ، وطاع الرجل زوجته ، وعق أمه ، وبر صديقه ، وجفا ، أباه وكان زعيم
(1) الأنعام : 65 .
(2) بحار الأنوار 52 : 263 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 317

القوم أرذلهم والقوم أكرمه مخافة شره ، وارتفعت الاصوات في المساجد ولبسوا الحرير ، وأتخذوا القينات ، وضربوا بالمعازف ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، فليرتقب عند ذلك الريح الحمراء أو الخسف أو المسخ (1) .
عن أبي سعيد الخدري ، قال : . . . بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلي فلما جئته قال : يا أبا سعيد ، ادع لي بلالاً ، فلما جئته ببلال ، قال : يا بلال ، اصعد أبا قبيس فناد عليه أن رسول الله حرم الجري والضب والحمير الأهلية ، ألا فاتقوا الله جل وعز ولا تأكلوا من السمك إلا ما كان له قشر ومع القشر فلوس ، فإن الله تبارك وتعالى مسخ سبعمائة أمة عصوا الأوصياء بعد الرسل ، فأخذ أربعمائة منهم براً وثلاثمائة بحراً ، ثم تلا هذه الآية : «فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق» (2) (3) .
قال علي عليه السلام : والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لأعرف أنسابها ـ أي القردة الممسوخة ـ من الأمة لا ينكرون ولا يغيرون ، بل تركوا ما أمروا به فتفرقوا (4) .
جاء قوم إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وقالوا له : يا أمير المؤمنين ، إن هذه الجراري تباع في أسواقنا ، فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ضاحكاً ، ثم قال :
(1) الخصال : 500 ـ 501 .
(2) سبأ : 19 .
(3) الكافي 6 : 244 ، ح 1 .
(4) تفسير القمي 1 : 245 . بحار الأنوار 14 : 53 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 318

قوموا لأريكم عجباً ولا تقولوا في وصيكم إلا خيراً ، فقاموا معه فأتوا البحر فتفل فيه تفلة وتلكم بكلمات ، فإذا بجرية رافعة رأسها فاتحة فمها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : من أنت الويل لك ولقومك ؟ فقالت نحن من أهل القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يقول الله في كتابه : «إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً» (1) الآية ، فعرض الله علينا ولايتك فقعدنا عنها ، فمسخنا الله فبعضنا في البحر وبعضنا في البر ، فأما الذين في البحر فنحن الجراري ، وأما الذين في البر فالضب واليربوع (2) .
عن علي عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لتمنعن من مساجدكم يهودكم ونصاركم وصبيانكم أو ليمسخنكم الله قردةً أو خنازير ركعاً أو سجداً (3) .
وعنه عليه السلام أنه قال : القرون أربعة ، أنا في أفضلها قرناً ، ثم الثاني ، ثم الثالث ، فإذا كان الرابع اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، فإذا كان ذلك قبض الله عزوجل كتابه من صدور بني آدم ، ثم يبعث ريحاً سوداء ولا يبقي أحداً وهو ولي تبارك وتعالى إلا قبضه ، ثم كان الخسف والمسخ (4) .
(1) الأعراف : 163 .
(2) تفسير نور الثقلين 2 : 89 ـ 90 .
(3) مستدرك الوسائل 3 : 378 ، ح 1 .
(4) مستدرك الوسائل 14 : 342 ، ح 3 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 319


في تفسير الإمام العسكري عليه السلام في سورة البقرة عند قوله : «ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» (1) ، قال علي بن الحسين عليهما السلام : كان هؤلاء قوماً يسكنون على شاطئ بحر ، نهارهم الله وأنبياؤهم عن اصطياد السمك في يوم السبت ، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لأنفسهم ما حرم الله ، فخذوا وأخاديد وعملوا طرقاً تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق ، ولا يتهيأ لها الخروج إذا همت بالرجوع منها إلى اللجج . فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان الله لها فدخلت الأخاديد وحصلت في الحياض والغدران ، فلما كانت عيشة اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن صائدها ، فرامت الرجوع فلم تقدر ، وأبقيت ليلتها في مكان يتهيأ أخذهم يوم الأحد بلا اصطياد لاسترسالها فيه وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها .
فكانوا يأخذونها يوم الأحد ، ويقولون : ما اصطدنا يوم السبت ، إنما اصطدنا في الأحد ، وكذب أعداء الله ، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوا يوم السبت ، حتى كثر من ذلك مالهم وثراؤهم ، وتنعموا بالنساء وغيرهن لاتساع أيديهم به . وكانوا في المدينة نيفاً وثمانين ألفاً ، فعل هذا منهم سبعون ألفاً ، وأنكر عليهم الباقون ، كما قص الله تعالى : «واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر» الآية (2) .
(1) البقرة : 65 .
(2) الاعراف : 163 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 320


وذلك أن طائفة منهم وعظوهم وزجروهم ، ومن عذاب الله خوفوهم ومن انتقامه وشديد بأسه حذروهم ، فأجابوهم عن وعظهم : «لم تعظون قوماً الله مهلكهم» بذنوبهم هلاك الاصطلام «أو معذبهم عذاباً شديداً» .
فأجابوا القائلين لهم هذا : «معذرة إلى ربكم» ، هذا القول منا لهم معذرة إلى ربكم إذ كلفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربنا مخالفتنا لهم وكراهتنا لفعلهم . قالوا : «ولعلهم يتقون» (1) ونعظهم أيضاً لعلهم تنجع فيهم المواعظ فيتقوا هذه الموبقة ، ويحذروا عقوبتها . قال الله عزوجل : «فلما عتوا» حادوا وأعرضوا وتكبروا عن قبولهم الزجر «عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين» (2) مبعدين عن الخير مقصين .
قال : فلما نظر العشرة الآلاف والنيف أن السبعين ألفاً لا يقبلون مواعظهم ولا يحفلون بتخويفهم إياهم وتحذيرهم لهم ، اعتزلهم إلى قرية اخرى قريبة من قريتهم ، وقالوا : نكره أن ينزل بهم عذاب الله ونحن في خلالهم . فأمسوا ليلة ، فمسخهم الله تعالى كلهم قردة خاسئين ، وبقي باب المدينة مغلقاً لا يخرج منه أحد ولا يدخله أحد .
وتسامع بذلك أهل القرى فقصدوهم ، وتسنموا حيطان البلد فاطلعوا
(1) الأعراف : 164 .
(2) الاعراف : 166 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 321

عليهم فإذا هم كلهم ـ رجالهم ونساؤهم ـ قردة يموج بعضهم في بعض ، يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم ، يقول المطلع لبعضهم : أنت فلان ؟ أنت فلانة ؟ فتدمع عينه ، ويؤمي برأسه (بلا ، أو نعم) .
فما زالوا كذلك ثلاثة أيام ، ثم بعث الله عزوجل عليهم مطراً وريحاً فجرفهم إلى البحر ، وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام ، وإنما الذين ترون من هذه المصورات بصورها فأنما هي أشباهها ، لا هي بأعيانها ولا من نسلها .
ثم قال علي بن الحسين عليه السلام : إن الله تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك ، فكيف ترى عند الله عزوجل يكون حال من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وهتك حريمه ؟ ! إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فإن المعد لهم من عذاب الله في الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ .
فقيل له : يا بن رسول الله ، فإنا قد سمعنا منك هذا الحديث فقال لنا بعض النصاب : فان كان قتل الحسين عليه السلام باطلاً ، فهو أعظم من صيد السمك في السبت ، أفما كان يغضب الله على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟
قال علي بن الحسين عليهما السلام : قل لهؤلاء النصاب: فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه ، فأهلك الله تعالى من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ، ولم يهلك إبليس وهو أولى بالهلاك ، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات ، وأمهل مع إيثاره لكشف المخزيات ؟ ألا كان ربنا عزوجل حكيماً بتدبيره وحكمه في من أهلك وفي من استبقى ، فكذلك هؤلاء الصائدون للسمك في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين عليه السلام يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة ، «لا يسأل عما يفعل وهم

عواقب الامور من الكتاب والسنة 322

يسألون» (1) .
ثم قال علي بن الحسين عليهما السلام : أما إن هؤلاء الذين اعتدوا في السبت لو كانوا حين هموا بقبيح أفعالهم سألوا ربهم بجاه محمد وآله الطيبين أن يعصمهم من ذلك لعصمهم ، وكذلك الناهون لهم لو سألوا الله عزوجل أن يعصمهم بجاه محمد وآله الطيبين لعصمهم ، ولكن الله تعالى لم يلهمهم ذلك ولم يوفقهم له ، فجرت معلومات الله تعالى فيهم على ما كان سطره في اللوح المحفوظ (2) .
(1) الأنبياء : 23 .
(2) تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 268 ـ 271 . تفسير الصافي 2 : 246 ـ 247 .
وقال الباقر عليه السلام : فلما حدث علي بن الحسين عليهما السلام بهذا الحديث قال له بعض من في مجالسه : يا بن رسول الله ، كيف يعاقب الله ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم وهو يقول عزوجل : «ولا تزر وازرة وزر اخرى» ؟
فقال زين العابدين عليه السلام : إن القرآن نزل بلغة العرب ، فهو يخاطب فيه أهل هذا اللسان بلغتهم ، يقول الرجل التميمي ـ قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه ـ : أغرتم على بلد كذا وكذا وقتلتم كذا ، ويقول العربي أيضاً : نحن فعلنا ببني فلان ، ونحن سبينا آل فلان ، ونحن خربنا بلد كذا ، لا يريد أنهم باشروا ذلك ، ولكن يريد هؤلاء بالعذل وأولئك بالإفتخار ان قومهم فعلوا كذا . وقول الله تعالى في هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم ، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين ؛ لأن ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن ، فلأن هؤلاء الأخلاف أيضاً راضون بما فعل أسلافهم مصوبون ذلك لهم فجاز أن يقال لهم : أنتم فعلتم ، أي إذ رضيتم بقبيح فعلهم . تفسير الامام العسكري : 271 ـ 272 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 323


عن أبان عن عبد الملك ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم ، فقال : تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم بكربلاء ، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بنوافل الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين عليه السلام وأصحابه كرم الله وجوههم ، وأيقنوا ألا يأتي الحسين عليه السلام ناصر ولا يمده أهل العراق ، بأبي المستضعف الغريب . ثم قال : وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين عليه السلام صريعاً بين أصحابه وأصحابه صرعى حوله ، أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ كلا ورب البيت الحرام ، ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين ، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم ، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام ، فمن صامه او تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطاً عليه ، وانتزع البركة عنه وعن اهله بيته وولده ، وشاركه الشيطان في جميع ذلك (1) .
وعن ابن عباس : إن الله يبعث في آخر الزمان خمسة أنواع من العذاب : أولها حيات ذوات أجنحة ينزلن ويحملن المطففين من السوق ، والثاني سيول تغرق الحالفين بالكذب ، والثالث تخسف بقوم الأرض وهم الذين لا يبالون
(1) وسائل الشيعة 10 : 459 ـ 460 ، ح 2 .
عواقب الامور من الكتاب والسنة 324

من أين يأخذون من الحرام أو الحلال ، والرابع تجيء ريح فتحمل قوماً وتضربهم على الجبال فيصيرون رماداً وهم الذين يبيتون على لهوهم والخامس تجيء نار فتحرق بعض أصحاب السوق وهم أكلة الربا (1) .
(1) مستدرك الوسائل 13 : 333 ، ح 19 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي