ادب الطف ـ الجزء الثامن 322


وثـاكلـة تـنـاديـه بصـوت يـزلزل شجـوه شمّ الجبال
عزيـز يـا بـن امّ عليّ تـبقى ثلاثاً في هجير الشمس طال
أخـي انظـر نساءك حاسـرات تستّـر باليميـن وبالشمـال
سرت أسرى كما اشتهت الأعادي حـواسر فوق أقتاب الجمال
* * *

الشيخ حسن الحمود أديب موهوب يتحدر نسبه من اسرة عربية تنتمي إلى قبيلة (طفيل) ووالده العالم الجليل والفقيه الكبير الشيخ علي هاجر من الحلة إلى النجف وهو علي بن الحسين بن حمود توجه وهو في سنّ الكهولة وأكبّ على طلب العلم حتى نال درجة الاجتهاد مضافاً الى تقاه وورعه وموضع ثقة المجتمع على اختلاف طبقاته فكان يقيم الصلاة وتأتم به في الصحن العلوي الشريف مختلف الطبقات إلى أن توفي 7 شوال 1344 بعد مرض ألزمه الفراش أعواماً ولقد رزقه الله ولدين فاضلين هما الحسن والحسين أما الثاني وهو الأصغر فكان من المجتهدين العظام وممن يشار اليهم بالبنان وقد توفي قريباً وهو من المعمرين ، وأما الأول وهو المترجم له فقد كان من نوابغ عصره ومولده كان حوالي سنة 1305 في النجف ونشأ بها في كنف والده ، ومن أشهر أساتذته الذين اتصل بهم واستفاد منهم في العربية وآدابها هو الشيخ محمد رضا الخزاعي والشيخ عبد الحسين بن ملا قاسم الحلي والسيد مهدي الغريفي البحراني ثم هو من خلال ذلك شديد الملازمة لحضور نادي العلامة الجليل السيد محمد سعيد الحبوبي وقد كتب بخطه الجميل ديوان الشيخ محمد رضا الخزاعي وهناك مخطوطات أدبية كتبها بخطه ، توفاه الله يوم الثلاثاء 11 ربيع الثاني سنة 1337 الموافق 1 كانون الثاني 1919 ودفن في الصحن الحيدري أمام الإيوان الذهبي وجزع عليه أبوه جزعاً شديداً بان عليه أثره كما أسف عليه عارفوه وأقام له مجلس العزاء الفاضل الأديب السيد علي سليل العلامة الجليل السيد محمد سعيد الحبوبي ورثاه بقصيدة مطلعها :
أو بعد ظعنك تستطاب الدار فيقرّ فيها للنزيل قـرار


ادب الطف ـ الجزء الثامن 323


وظهرت شجاعته الأدبية يوم دعي إلى بغداد لأداء الامتحان في عهد الدولة العثمانية بدل من أن يساق لخدمة الدفاع المصطلح عليها بـ (القرعة) وكان رئيس اللجنة السيد شكري الألوسي وعندما استجوب بمسائل دينية وعربية نحوية وصرفية أكبره الرئيس الالوسي فمنحه ساعة ذهبية فارتجل المترجم له قصيدة أولها .
يـافكـر دونك فانظمها لنا دررا مـن المدائح تتلوها لنا سـورا
ويا لساني فصّلها عيـون ثنـى تزان فيه عيون الشعر والشعرا
ويا قريحة جودي في مديح فتى تجاوز النيرين الشمس والقمرا

خلف آثاراً منها رسالة في علم الصرف وهي اليوم عند ولده الشيخ أحمد وديوان شعره الذي جمعه ولده المشار اليه يقارب 1500 بيتاً وهو مرتب على حروف الهجاء ومن أشهر قصائد رائعته التي نظمها في الصديقة الطاهرة فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وملاؤها شجاء وأولها :
سل أربعا فطمت أكنافها السحب عن ساكنيها متى عن افقها غربوا

وهي مشهورة محفوظة وقد ترجم له الكاتب المعاصر علي الخاقاني في شعراء الحلة ترجمة ضافية وذكر طائفة من أشعاره ونوادره وغزلياته ومراسلاته أما قصائده الحسينية فاليك مطا لعها :
1 ـ هنّ المنازل غيّرت آياتها أيدي البلى وطوت حسان صفاتها

69 بيتاً
2 ـ لست ممن قضى بحبّ الملاح لا ولا هائماً بذات الوشاح

54 بيتاً
3 ـ ما شجاني هوى الحسان الغيد لا ولا همتُ في غزال زرود

58 بيتاً
4 ـ من هاشم العلياء جبّ سنامها خطب أحلّ من الوجود نظامها

42 بيتاً

ادب الطف ـ الجزء الثامن 324


5 ـ ألا دع عيوني لهتانها وخلّ حشاي لنيرانها

50 بيتاً
وله من قصيدة في الإمام الحسين (ع) :
خلـت أربع اللـذات واللهـو والانس ولـم يبق منها غير أطلالها الدرسِ
وقفـت بها والـوجـد ثقّف أضلعي ومن حرقي كادت تفيض بها نفسي
اسـائلها ايـن الذيـن عهـدتـهـم تضيئين فيهـم كنت يا دار بالأمس
فلـم تطق التعبيـر عمّـا سـألتهـا لتخبـرني آثار أطلالهـا الخـرس
فأجريـتُ دمـعي في ثـراها تذكراً لأربع طـه سيـد الجـنّ والانـس
لقـد أقفرت مذ غاب عنها ابن فاطم وأضحت مزار الوحش خاوية الاسّ
سـرى نحـو أرجاء العراق تحوطه أسودٌ لورد الموت أظما من الخمس
أفاعي قناهم تنفث الموت في العـدا إذا اعتقلـوها وهـي ليّنـة اللمـس
وبيض ضباهم يدهش الحتف ومضها ويتـرك أسـد الغاب خافتـة الحسّ
تهادى كـأمثال النشاوى إلى الـردى إذا غنّـت البيض الرقاق على الترس
أباحـوا جسوم القـوم بيض سيوفهم فلم تر غير الكف في الأرض والرأس
ولـما دعاهـم ربـهــم للـقائـه هلمـوا أحبائي إلى حضـرة القـدس
هووا للثرى نهـب الصفاح جسومهم عـراة على البوغاء تصهر بالشمس
تجـول عليها العـاديات نهـارهـا وتأتي عليها الـوحش تنحب إذ تمسي
كـرام تفانوا دون نصر ابـن أحمد وأقصى سخاء المرء أن يسخ بالنفس

وله في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومصرعه قصيدة مطلعها :
عج بسفح اللوى وحيّ الربوعا وأذل قلبك المعنّى دموعا

واخرى في الصديقة فاطمة الزهراء (ع) أولها :
لا رعى الله قيلة وعـراها سخط موسى وحلّ منها عراها


ادب الطف ـ الجزء الثامن 325


وله من قصيدة في مدح السيد محمد القزويني وهذا غزلها :
أتـى زائراً والليل شابـت ذوائبه يـرنحه غصـن الصبـا ويـلاعبـه
تـزرّ على البـدر المنيـر جيوبه وتضفـو على الغصن النضير جـلاببه
يقابـل ليـلاً صـدره افـق السما فتـرسـم فيـه كالـعقـود كـواكبـه
على وجنتيه أنبت الحسن روضـة حمـتهـا أفاعـي فرعـه وعقـاربـه
وفـي فمـه ماء الحياة الذي بـه يعيش ـ إلى أن ينقضي الدهر ـ شاربه
(ولعـت بـه غضّ الشبيبة ناشئاً) جـرى الماء في خـديه واخضرّ شاربه
فغادرنـي (قـوساً) مثقـّف قـدّه وصيّـرنـي رهـن الكآبـة (حاجبـه)
وقلت له زر . قال يفضحني السنا فقلـت لـه ذا ليـل شعـرك حاجبـه
فقال ظلام الليل لـم يخـف طلعتي فقلـت له أردى الكرى مَـن تـراقبـه
فجـاء وقـد مـدّ الظـلام رواقه تــمانـعـه أردافـه وتـجـاذبــه
فبتـنا وأثـواب العفـاف تـلـفّنا وسـادتـه زنـدي وطـوقي ذوائـبه
ونـروي أحاديـث الصبابة بـيننا فيعـذلني طـوراً وطـوراً اعاتـبـه
إلى أن أغار الصبح في نوره على دجى الليل وانجابت بـرغمي غياهبـه
فـودعني والـدمع يغلـب نطقـه وقـد غمـر الأرض البسيطـة ساربه
وفارقتـه لكـن قلي مـن جـوى جـرى أدمعاً مـن غرب عيني ذائبه
بـديع جمال عـن معانيه قاصـر بياني وقـد ضاقـت عليّ مـذاهبـه
غـدائره سـودٌ وحمـر خـدوده وصفـر تـراقيـه وبيض تـرائبـه
وخـطّ يـراع الحسن لاماً بخـده فسبحـان باريـه ويـا عـزّ كاتبـه
رقيـق أديـم الـوجه يجرح خده إذا ما النسيـم الغضّ هبـّت جنائبـه
إذا مرّ فـي وادي الأراك تغارُ من محـاسنـه أغـصانـه وربـاربـه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 326


الحاج مصطفى ميرزا

المتوفى 1338

يا راكـب القـود تجوب الفلا وتقـطع الأغـوار والأنـجدا
عـرّج على الطف وعرّس بها عني وقف في أرضـها مكمدا
وانـشد بها من كل ترب العلا من هاشم مَـن شئت أن تنشدا
فكـم ثـوت فيها بدور الدجى وكـم هـوت فيهانجوم الهدى
وكـم بها للمـجد مـن صارم عضبٍ على رغم العـلى أغمدا
كـل فتى يعطي الـردى نفسه ولـم يكـن يعـطي لضيم يدا
يخـوض ليل النقع يوم الوغى تحـسبه في جـنحه فـرقـدا
يـصدع قلب الجيش إما سطا ويصـدع الـظلماء إمـا بـدا
تلقاء مـثل الليث يـوم الوغى بأساً ومـثل الـغيث يوم الندى
إن ركـع الـصارم في كفـه خـرّت لـه هام الـعدى سجّدا
لم يعترض يوم الوغى جحفلاً إلا وثـنّـى جمعـه مـفـردا
سامـهم الـذل بهـا معـشر والـموت أحـلى لهـم موردا
ومــذ رأوا عـيشهـم ذلـة والـموت بالـعز غـدا أرغدا
خاضوا لظى الهيجاء مشبوبة واقتحموا بحر الـردى مـزبدا
وقـبّلوا خـدّ الـظبا أحـمراً وعـانقـوا قـدّ الـقنا أغـيدا
وجرّدوا من عزمهـم مرهـفاً أمـضى من السيف إذا جـرّدا
يفـدون سبط المصطفى أنفساً قلّ بأهـل الأرض أن تـفتدى


ادب الطف ـ الجزء الثامن 327


عجبت من قوم دعـوه إلى جـند علـيه بذلـه جنـّدا
وواعدوه النصر حـتى إذا وافى اليهم أخلفـوا الموعدا
وأوقدوا النار عـلى خيمة وتّدها بالشـهب مَـن وتّدا
يا بأبـي ظمآن مستـسقياً وما سقوه غير كأس الردى
ويا بروحي جسمه ما الذي جرى عليه من خيول العدا
وذات خـدر بـرزت بعده في زفرات تصـدع الأكبدا
وقومـها منها بمـرأىً فما أقربهـم مـنها ومـا أبعدا
فلتبك عين الدين من وقعة أبكت دماً في وقعها الجلمدا

وقال من قصيدة في الامام الحسين (ع) :
وقـائلة لي عـزّقلـبك بعـدهـم فقلت أصبت القول لو كان لي قلبُ
فقد أرخصت مني الدموع ولم أزل اغالي بـدمعي كلما استامـه خطب
رزية قـوم يمـموا أرض كـربلا فعـاد عبيـراً منهـم ذلك التـرب
أكارم يروي الغيث والليث عنهـم إذا وهبـوا مـلأ الحقائب أوهبـّوا
إذا نازلوا الأعـداء أقفـر ربعها وإن نـزلوا في بلدة عمّها الخصب
تخفّ بهـم يـوم اللقاء خيولهـم فتحسبها ريـحاً على متنها الهضب
إذا انتدبـوا يـوم الكريهة أقبلـوا يسابـق ندبـاً منهـم ما جد ندب
يـكلفهـم أبنـاء هنـد مـذلـة وتوصيهم بالعـزّ هنـدية قضـب
فيا لهفـة الاسلام مـن آل هاشم ووا حـرباً للدين مما جنت حرب
فأضحى إمام المسلميـن مجـرداً وحيـداً فلا آل لديـه ولا صحب
وظـلّ وليل النقـع داجٍ تحفـه نصول القنا كالبدر حفّت به الشهب
وقـد ولي الهنديّ تفريق جمعهم فصحّ (لتقسيم) الجسوم به الضرب
إلى أن قضى ظمآن والماء دونه (مباح على الـرواد منهله العذب)
بنفسي يـا مـولاي خدك عافـر وجسمك مطروح أضرّ به السلب
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 328


الشيخ اغا مصطفى ابن الاغا حسن ابن الميرزا جواد ابن الميرزا أحمد التبريزي من اسرة مجتهد الشهيرة بتبريز ، ولد سنة 1295 وتوفي فيها في أواسط شهر رمضان 1337 وجاءت جنازته إلى النجف الاشرف سنة 1338 درس بالنجف مدة حتى نال حظاً وافراً من العلم ورجع لمسقط رأسه .
كان كما يقول الشيخ الأميني في (شهداء الفضيلة) أحد أفذاذ الامة وعباقرة العصر الحاظر . ولد بتبريز سنة 1297 وتخرّج على الخراساني وشيخ الشريعة الأصبهاني وآية الله الطباطبائي اليزدي . له حاشية على الكفاية في الاصول لم تتم . رسالة في اللباس المشكوك ، أرجوزة في علمي العروض والقافية ، رسائل مختلفة في الفلكيات والرياضيات ، اما في الأدب فكان فارس ميدانه ، ولقد قال فيه الحجة المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء :
تركت سيوف الهند دونك في الفتك على العرب العربا وأنت من الترك
تبـرّزت مـن تبريز رب فصاحة بـها مـدنياً قـد حسبناك أو مكي
فكـم لك مـن نثر ونظم تزيّنـت بنفسهما المسكيّ كافـورة المسـك
سبكتَ مياه الحسن في حسن سبكها فيها لأبيك الخير مـن حسن السبك
لـو الملك الضليل يهـدى لمثلهـا لظـلّ يفـاديها وإن عـزّ بالمسك
وتسليه عن (ذكرى حبيب ومنزل) ويضحك إعجاباً بها مـن (قفا نبك)
إذا رحت تتلوها غـداً وهـو قائل فـديتك واللسن الأعاريب يا تركي
لباب معان يسحـر اللـب لفظهـا فيحسبـه نظـم اللئالـي بـلا سلك
ولكـن آي المصطفـى آيـة العلى أثارت فآثـرت اليقيـن على الشك
فتى زاد أيـام الصبا سمـك رفعة تقاصر شأو الشيب عن ذلك السمك
وتلقـاه قبـل الاخـتبار مهـذبـاً مخائله تغني اللـبيب عـن المسك

وللعلامة الشيخ محمد رضا الاصبهاني هذه الابيات كتبها اليه :
علوت في الفضل السهى والسماك فأنت بـدر والمعالي سماك
لاغـرو إن فقـت الثـريا عـلاً فأنت فـي ذلك تقفـو أباك
ومـذ حللـت القلـب أكـرمتـه وكيف لا يكرم مثلي حماك


ادب الطف ـ الجزء الثامن 329


وله من الشعر معارضاً قصيدة الشيخ محمد السماوي التي أولها :
وجهك في حسنه تفنن أنبت حول الشقق سوسن

قال في أولها :
سبحان من صاغـه وكوّن في غصنٍ وردةً وسوسن
أحـنّ مـن ثغره ومَن ذا رأيتـه لليتيـم ما حـن
شطـّر بالوجـد بيت قلبي وفيه كل الغرام ضمـّن
الله كـم مـن دقيق معنى للحسن ذاك الوشاح بيّن
ضمّن قلبي الأسى وعهدي بمتلف الحب لا يضمّن
لـولا ثنايـاه مـا حسبنا أن صغار الجمان أثمن

وكانت بينه وبين الشيخ اغا رضا الاصبهاني والشيخ جواد الشبيبي مراسلات ومما أرسل اليهما قصيدة أولها :
شهـدت ليس الشهد غير ريقها مـا ذاقهـا سواك يا سواكهـا
وغيـر أخلاق الرضا فهي التي ما أدركت أو لو النهى إدراكها
المـرتدي ببـردة العلـم التي سـدى التقى لحمتهـا وحاكها
تعـوّدت أنملـه البسـط فلـو هـمّ ببخل لـم يطق إمساكها
يابن الاولى قد وطأت أقدامهم هام السما فشرّفـوا أملاكهـا

وترجم له في (الحصون المنيعة) فقال : كان شاباً ظريفاً حسن الأخلاق طيب الاعراق ، جميل المعاشرة ، عالماً فاضلاً مهذباً كاملاً ، أديباً لبيباً ، شاعراً ماهراً ، وله شعر جيد السبك رائق اللفظ وله مطارحات ومراجعات مع شعراء عصره من شعراء النجف وغيرهم ، وكان من أصدقاء الشيخ اغا رضا الأصفهاني فكم دارت بينهما من مطارحات ومراسلات شعرية وأدبية . انتهى

ادب الطف ـ الجزء الثامن 330


السيد عبد المطلب الحي

المتوفى 1339

قم بنا ننشد العيس الطلاحا عن بلاد الذلّ نأياً وانتزاحا

الى ان يتخلص لموقف الحسين وبطولته فيقول :
بأبي الثابـت فـي الحـرب على قـدم مـا هـزّها الخوف بـراحا
كلما خفــّت بـأطـواد الحجـا زاد حلمـاً خفّ بالطـود ارتجاحا
مسعـر إن تخبـو نيـران الوغى جـرّد العـزم وأوراهـا اقتـداحا
لـم يـزل يرسي به الحلـم على جمـرها صبراً وقد شبّت رمـاحا
كلمـا جـدّت بـه الحـرب رأى جـدّها في ملتقى المـوت مزاحـا
إن يخنـه السيف والـدرع لـدى مـلتقى الخيـل إتقـاءً وكفـاحـا
لــم يخنـه الصبـر والعزم إذا صرّت الحـرب إدّراعـاً واتشاحا
رب شـهبــاء رداح فـلّهــا حيـن لاقـت منه شهباء رداحـا
كلـما ضاق بــه صدر الفضا صـدره زاد اتساعـاً وانشـراحا
فمشى قــدماً لهـا فـي فتيـة كأسـود الغاب يغشـون الكفاحـا
يسيقـون الجـرد في الهيجا إذا صائح الحي بهم في الروع صاحا
ويـمــدّون ولـكن أيــديـاً للعـدى تسبـق بالطعـن الرماحا
أيـدياً فـي حالة تنشـي الردى وبأخرى تمطـر الجـود سماحـا
فهي طوراً بالندى تحيي الورى وهي طـوراً أجـلٌ كان متاحـا
بـأبي أفـدي وجـوهاً منهـم صافحوا في كربلا فيها الصفاحا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 331


أوجـهـاً يشـرقـن بشـراً كلمـا كلـح العـام ويقـطـرن سماحـا
تتجلـى تحـت ظلـماء الـوغـى كالمصابيـح التماعـاً والتمـاحـا
أرخصـوا دون ابن بنت المصطفى أنفسـاً تـاقـت إلـى الله رواحـا
فقضـوا صبـراً ومـن أعطافهـم أرج العـز بثـوب الدهـر فاحـا
لـم تـذق مـاءً سـوى منبعـثٍ مـن دم القلب به غصت جـراحا
أنهـلـت مـن دمـهـا لـو أنـه كان من ظامي الحشا يطفي التياحا
أعـريت فهـي على أن تـرتـدي بنسيـج التـرب تمتـاح الرياحـا
وتـبقّــوا أجـدلاً مـن عــزّه لسوى الرحمـن لـم يخفض جناحا
يـتلقـى مـرسـل النبـل بصـد رٍ وسـع الخطب وقـد سدّ البطاحا
فقـضى لكـن عـزيـزاً بعـدما حطـم السمـر كما فـلّ الصفاحا
ثـاوياً مـا نقمـت منـه العـدى صرعة قـد أفنـت الشعر امتداحا
ونـواعيها مـدى الدهـر شجـى يتـجـاوبـن مسـاءً وصبـاحـا
وآ صـريعاً نهبـت منـه الضبـا مهجـة ذابـت من الوجـد التياحا
يتـلظى عـطشـاً فـوق الثـرى والـروى مـن حوله ساغ قـراحا
هـدموا فـي قتلـه ركـن الهدى واستطاحـوا عمـد الدين فطاحـا
بكـت البيـض عليـه شجـوهـا والمـذاكـي يتصاهلـن نيـاحـا
أيّ يـوم مـلأ الـدنـيـا أسـىً طبـّق الكون عجيجـاً وصياحـا
يــوم أضحـى حـرم الله بـه للمغـاويـر على الطـف مباحـا
أبـرزت منـه بنـات المصطفى حائـرات يتقـارضـن المـناحا
أيهـا المـدلـج فـي زيـافـة تنشـر الأكـم كما تطوي البطاحا
فـإذا جئـت الغـريـيـن أرح فلقـد نلـتَ بمسـراك النجاحـا
صل ضريح المرتضى عني وخذ غـرب عتـب يملأ القلب جراحا
قــل له يـا أسـد الله استمـع نفثـةً ضاق بهـا الصـدر فباحا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 332


كم رضيع لك بالطفى قضى عاطشاً يقبض بالراحـة راحا
أرضعته حُلُـم النبـل دمـاً مـن نجيع الدم لا الدرّ القراحا
ولكـم ربـة خـدر ما رأى شخصها الوهم ولا بالظن لاحا
أصبحت ربـّة كـور وبـها تـرقل العيس غـدواً ورواحا
سلبـت أبرادهـا فالتحفـت بوقار صانها عـن أن تباحـا
واكتسـت برداً من الهيبة قد ردّ عنها نظـر العيـن التماحا
لو تراها يوم أضحت بالعرى جـزعاً تنـدب رحلاً مستباحا
حيـث لا من هاشم ذو نخوة دونها في كربلا يدمي السلاحا
* * *

السيد عبد المطلب الحسيني ، ابن السيد داود بن المهدي بن داود بن سليمان الكبير . علم من أعلام الأدب ، كريم الحسب والنسب ، فجدّه لأبيه السيد مهدي بن داود وقد مرت ترجمته وعمّه السيد حيدر بن سليمان الذائع الصيت ، تجد مسحة حيدرية على شعره اكتسبها منه ، يقول الشيخ اليعقوبي في ترجمته : كان فصيح البيان جري اللسان كثير الحفظ ذكي الخاطر خصب القريحة مرهف الحس ، كان يعرض شعره على عمّه في حياته ورثاه بعد وفاته بثلاث قصائد ، وقد أطراه الشيخ محمد الجواد الشبيبي ـ شيخ الأدب في العراق ـ واليك نص ما قاله :
وقد أغرب مذ أغرب سيد بطحائها (عبد المطلب) عن رثاء لو وعته الخنساء لأذهلها عن صخر . ولد المترجم في الحلة حوالي سنة 1280 ونشأ فيها وكان جلّ تحصيله الادبي من عمه السيد حيدر وخاض المعارك السياسية وكان صوته يجلجل بشعره وخطبه داعياً لجمع الكلمة والوحدة الإسلامية وأثار حماسة العشائر الفراتية بنظمه باللغتين الفصحى والدارجة حتى احرقت داره بعد ما نهبت ، وهذه قصائد الوطنية المنشورة يومذاك في صحف بغداد تشهد بذلك .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 333


آثاره الادبية ::


1 ـ جمع ديوان عمه السيد حيدر ووضع له مقدمة ضافية طبعت مع الديوان سنة 1313 .
2 ـ جمع ديوان جده السيد مهدي في جزئين كبيرين .
3 ـ ديوانه الذي يجمع مجموعة أشعاره .
4 ـ شرح ديوان المهيار الديلمي بثلاثة أجزاء ، وهو من أسمى شروح ديوان المهيار .
اليك نبذة من روائعه فهذه قصيدته التي أنشأها سنة 1331 في الحرب الايطالية :
أيهـا الغرب منك مـاذا لقينـا كل يـوم تثير حرباً طحـونا
تظهـر السلـم للأنـام وتخفي تحت طيّ الضلـوع داء دفينا
أجهلتـم بـأننـا مـذ خلقنـا عـرب ليس ينزل الضيم فينا
ولنا نبعـة مـن العـزّ يأبـى عـودها أن يليـن للغامزينـا
قـد قفـونا آبـاءنا للمعالـي واليهـا أبنـاؤنـا تـقتفيـنا
علّمونا ضرب الرقـاب دراكا وعلى الطعن في الكلى درّبونا
نحن قـوم إذا الوغى ضرستنا لـم نبـدّل بشـدة البأس لينا
وإذا ما رحى الحروب استدارت نحـن كنـا أقطابهـا الثابتينا
مـا شربنا على القذا مذ وردنا وسوى الصفو لم نكن واردينا
لانـدي الوتـر للعدا إن وترنا وعلى الوتر لا نغضّ الجفونا
وإذا مـا نسبتنـا يـوم روع لـوغىً فهـي أمّنـا وأبونـا
شمـل الجـور شعبنا فـائتلفنا لدفـاع العـدو متـحـدينـا
قـل لايطاليـا التـي جهلتنـا بثبات الاقـدام هـل عرفونا
كيف ترجو كلاب (رومة) مـنا أن تـرانا لحكمها خاضعينـا
دون أن تفلـق الجماجم والهام بضرب يـأتي على الدارعينا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 334


نـبحـونا مـهـوّليـن فـلـمـا ان زأرنـا عـاد النباح أنينـا
حـيث لـم تجدها المناطـيد نفعاً كلما حلّقـوا بهـا معـتدينـا
سائلـوهـا بنا غــداة التـقينـا والمنايـا يخطرن فيهـم وفينا
كيـف رعناهـم الغداة بضـرب جعـل الشـك في المنايا يقينا
زاحفـونـا بجـيشهم فزحـفنـا وقلبنـا على الشمـال اليميـنا
كشلما صلّت القواضـب خـروا للضبا لا لـربهـم سـاجدينـا
مـلأوا البرّ بالجـيوش كما قـد شحنـوا مثلهـا البحـور سفينا
كلما صاحت المـدافـع ثُـبـنا بصليل الضبـا لهـا مسكتيـنا
ونقـضـنا صفـوفهـم بطعـن لـم يـدع للطليان صفاً مكينـا
أنكـرونـا أنا بـنو تلـكم الأسد فلما ثـرنا لهـا عـرفـونـا
سـل (طـرابلسا) التي نـزلوها كيف ذاقوا بها العـذاب المهينا
كلـما بالفـرار جـدّوا تـرانـا بالضبا فـي رؤوسهـم لاعبينا
يـا رسـولي للمسلمين تحمّـل صرخـة تملأ الـوجود رنينا
وتعمـّد بـطحاء مكة واهتـف ببنـي فـاطم ركينـا ركينـا
وعلى الحي مـن نزار وقحطان فعـج وامـزج الهتـاف حنينا
الحراك الحـراك يـا فـئة الله إلى الحرب لا السكون السكونا
أبـلغا عـني الخـليفـة قـولاً غثـّه فـي المقاـل كان سمينا
أبـجدٍّ بالصلح نـرضى فنمسي نقـرع السن بعـده نـادمينـا
كيف ترضى على (الهلال) نراهم وهُـم فـي صليبهـم باذخونا
فارفض الصلح يابن مَن دوخوها بشبـا المرهفات روماً و(صينا)
يا بـن ودي عـرّج بإيران فينا إنهـا اليـوم نهـزة الطمعينـا
قـف لنبكي استقلالهـا بعيـون ننزف الدمع في الخدود سخينـا
وعلى مشهـد الرضا عج ففيه فَعـلَ الروس ما أشـاب الجنينا
تـركوا المسلمين فيه حصيـداً واستباحوا منه الرواق المصونا
لا تحدّث بما جـرى فيه إعلا ناً فإن الحديث كـان شجـونـا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 335


وشعره بهذا المستوى العالي سواءاً نظم في السياسة أو في الغزل أو المدح والرثاء ، ودّع الحياة بضواحي الحلة يوم 13 ربيع الأول سنة 1339 وعمره قد قارب الستين ونيران الثورة العراقية لم تخبو بعد في الفرات الأوسط . وحمل نعشه إلى النجف ودفن بوادي السلام ، كتب عنه السيد محمد علي كمال الدين في كتابه (الثورة العراقية الكبرى) وذكر قصيدة عبد الكريم العلاف في رثائه وهنا نورد رائعة اخرى من روائعه في رثاء جده الإمام الحسين (ع) :
أيقظتـه نخـوة العـزّ فثـارا يـمـلأ الكون طعنـاً ومغـارا
مستميتاً للوغـى يمشي علـى قدم لم تشك فـي الحرب عثـارا
يسبـق الطعنـة بالمـوت الى أنفس الأبطال في الـروع ابتدارا
ساهـراً يـرعى ثنايـا غـزّه بعيـون تحتسي النـوم غـرارا
مفـرداً يحمي ذمار المصطفى وأبـيّ الضيم مـن يحمي الذمارا
منتضٍ عـزماً إذا السيف نبـا كان أمضى من شبا السيف عرار
ثـابت إن هـزت الأرض به قـال قِـريّ تحـت نعليّ قرارا
طمعت أبناء حرب أن تـرى فيه للضيـم انعطافـاً وانكسارا
حاولت تصطاد منـه أجـدلاً نفض الـذل على الوكر وطارا
ورجت للخسـف أن تجذبـه أرقماً قـد ألـف العزّ وِجـارا
كيف يعطي بيـد الهـون إلى طاعة الرجس عن الموت حذارا
فأبـى إلا التـي إن ذكـرت هـزّت الكون اندهاشاً وانذعارا
تخلـق الأيـام فـي جـدّتها وهـي تـزداد علاءً وفخـارا
فـأتى مـن بأسه في جحفل زحفه سـدّ على الباغي القفارا
وليوث من بني عمـرو العلى لبسوا الصبرَ لدى الطعن دثارا
كـل مطعام إذا سيـل القرى يـوم محل نَحرَ الكوم العشارا
وطليـق الـوجه يندى مشرقاً كلما وجه السما جفّ اغبرارا
هـو ترب الغيث إن عامٌ جفا وأخـو الليث إذا ما النقع ثارا
أشعـروا ضرباً بهيجاء غـدا لهم في ضنكها الموت شعارا


السابق السابق الفهرس التالي التالي