ادب الطف ـ الجزء الثامن 307


ونجـوم مـن الرصافة أُلبسن حـمـى بابـل بـرود ضيـاء
أم سطـور بهـا حباني حبيب هـو مـن مهجتي قريب نًـائي
أسكـرتني ألفاظـهـا ومعـا نيها فقل في ا لكؤوس والصهباء
وسبتنـي صـدورهـا وقـوا فيها فقل في المشـوق والحسناء
هيجت لي شوقاً بها كان قدماً كامـناً فـي ضمائـر الأحشاء
لفتىً ينتمي إذا انتسـب النـا س فـخـاراً لأكــرم الآبـاء

وفي الثانية :
فكم أهاجـت في الأسى لي مهجة إلى حمى الزوراء ما أشوقها
وكـم أذالـت في الهوى لي مقلة إلى مغاني الكرخ ما أرمقها
وكـم روت لي عنك في أسنادها مـودّةً في الدهر ما اصدقها
وكم دعت بالفضل من ذي لهجة عليـك بالثنـاء ما أنطقهـا

استوطنت هذه الاسرة مدينة بغداد منذ العهد العباسي ، وتنسب اسرتهم إلى قبيلة (ربيعة) قال الشيخ حمادي نوح فيهم :
مسحت ربيعة في خصال زعيمها في الافق ناصية السماك الأعزل

ويقول الشيخ يعقوب من قصيدة فيهم :
من القوم قد نالت ربيعة فيهم علا نحوها طرف الكواكب يطمح

ولهم يد بيضاء في تشجيع الحركة العلمية والأدبية ، وكانت مواسم أفراحها وأتراحهم مضامير تتبارى بها شعراء العراق ، ومن مشاهيرهم في القرن الثالث عشر الحاج مصطفى الكبير المتوفى سنة 1232 هـ واشتهر بعده ولده الحاج محمد صالح المولود سنة 1201 هـ وكان على جانب عظيم من الورع والنسك ، له حظ وافر من العلوم العربية وقسط من علوم الدين غير أن مزاولته للتجارة صرفه عن مواصلة الدراسة ، وكان محباً للعلم والأدب والعلماء والشعراء لهم

ادب الطف ـ الجزء الثامن 308


عليه عِدات يتقاضونها شهرياً وسنوياً ، ومن أعماله الخالدة الحصون والمعاقل والملاجئ التي بناها للزائرين وقوافل المسافرين بين بغداد وكربلاء ، وبين كربلاء والنجف ، وبين بغداد والحلة ، وبين بغداد وسامراء ، وكانت وفاته سنة 1287 هـ وحمل باحتفال عظيم إلى النجف ودفن مع ابيه المصطفى في مقبرة لهم قرب باب الطوسي ، وهذه دواوين معاصري آل كبة تطفح بمديحهم والثناء عليهم ، كديوان السيد حيدر والشيخ صالح الكواز والشيخ حمادي نوح والسيد مهدي السيد داود والملا محمد القيم والشيخ عباس الملا علي النجفي وأمثالهم ، فهذا الشيخ صالح الكواز يهنئ الحاج محمد صالح كبة بقدوم ولديه : الحاج محمد رضا والحاج مصطفى من الحج سنة 1286 بقوله من قصيدة :
طـربت فعـمّ الكرام الطرب وضوء ذكاء يمـدّ الشهـب
كأن سـرورك في العالميـن يجاري نـوالك أنـّى ذهـب
إلـى قـول قائلهـم صادقاً كأنا ريـاض ومنـك السحب
فمن كان ذا شأنه في الزمان كان حقيقـاً على أن يحـب
ومَـن شاطـر الناس أمواله فقد شاطرته الرضا والغضب
ليهنِ ابا المصطفى والرضا رضا الله والمصطفين النجب
وقـد شكـر الله سعييهمـا وأعطاهما منـه نيل الارب

وقد ألّف السيد حيدر الحلي كتاباً جمع فيه ما قيل في هذه الاسرة لحدّ سنة 1275 هـ وسماه (دمية القصر) وهذا الشيخ حمادي نوح يقول من قصيدة وهي في ختان العلامة الحاج محمد حسن كبة :
فتورة اللحظ تتلو آية الوسن إن الظبا أنحلتها سورة الفتن
وقرطك انتثرت دلاً سلاسله أم اتخذت الثريا حلية الاذن
يبين فيه صفاء الخد منطبعاً ومن سنا الخد إن عاينته ببن


ادب الطف ـ الجزء الثامن 309


بالصالح العمل ابيضّ الدجى ورعاً وفيـه أشـرقت الأيـام بالمـنن
وفيـه أشـرقت الـدار التي لبست صنيع أخلاقه لا صنعـة اليمـن
أبـا الرضا ونفيس الـذكر ينحـته مـن الحشا لك حباً جهـد مفتتن
واحـرّ قلبـاه كـم أحني على كمدٍ هذي الضلوع وأطويها على شجن
يـدي مـن المال صفر لم تنل إرباً وهـذه فضلاء العصر تحسـدني

ومن شعر السيد حيدر يخاطب المترجم له الحاج محمد حسن كبة :
ودار عـلاً لـم يكن غيرها لدائـرة الفخر من مركز
بها قد تضمّن صـدر النديّ فتى ليـديه الندى يعتزي
صليب الصفاة صليب القناة عـود معاليـه لم يُغمـز
أرى المدح يقصر عن شأوه فاطنب إذا شئت أو أوجز
فلست تحيط بـوصف امرء نشا هـو والمجد في حيّز
ربيب المكارم ترب السماح قرى المعتفي ثروة المعوز
تـراه خبيـراً بلحن المقال بصيـراً بتعميـة المُلغـز
نسجـن المكـارم أبـراده وقلنا لأيدي الثنا : طرزي

وقال يخاطبه في اخرى ، مطلعها :
قل لأم العلى ولدت كريما رقّ خُلقا وراقَ خلقـا وسيمـا
بـدر مجـد مدحته فكأني من مساعيه قد نظمت النجوما

وقال فيه :
كـم مقامات نُهى حـررها ليس فيهـا للحريريّ مقامـه
وأنيقـات بهى لـو شاهها جوهريّ الشعر ما سام نظامه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 310


وقال في مدحه :
بـاتـت تعاطينـي حُمـياهـا بيـضاء كالبـدر محيـاها
جاءت مـن الفردوس تهدي لنا نفحـة كافـور بـمسراهـا
لـو لم تكن من حورها لم يكن رحيقهـا بيـن ثنـايـاهـا
بـتّ كما شئـت بهـا ناعمـا مـعانقـاً مـرتشفـاَ فاهـا
في روضة تَروي صباها الشذا عن (حسن) لا عن خزاماها
مـن لـم يدع الفخر من غاية إلا وقـد أحـرز أقصاهـا
تنميـه مـن حيّ العلا اسـرة أحلى مـن الشهـد سجاياها
هـم أنجـم الأرض بأنوارهم أضـاء أقصاهـا وأدناهـا

وخمس قصيدة الحاج محمد حسن التي اولها :
ناديتُ مَن سلب الكرى عن ناظري وتجلـدي بقطيعـة وفراق
مـن أخلـج الغزلان في لفتاتـه والشمس من خدّيه بالاشراق

وللسيد حيدر في المترجم له مدائح على عدد حروف الهجاء 28 قصيدة عدا ما قاله في أفراد آل كبة من القصائد المطولة فانه لصلته الوثيقة بهم وبالحاج محمد حسن خاصة فقدم قدّم له من شعره بكل مناسبة تكون .
والحاج محمد حسن ابن الحاج محمد صالح عالم كبير ومجتهد يؤخذ عنه الرأي الفقهي هذا بالاضافة إلى النماذج الأدبية التي قدمناها ، نشأ ببغداد ورباه والده تربية عالية ولما هاجر إلى النجف انكبّ على التحصيل واتصل بالشيخ اغا رضا الهمداني والشيخ عباس الجصاني وأخذ عنهما ثم هاجر إلى سامراء يحضر حوزة السيد المجدد الشيرازي وبعد وفاة السيد لازم أبحاث الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي وهو مثال عالٍ في التقى والورع والتضلع في الفقه والاصول وعلى جانب كبير من رياضة النفس حتى قال معاصروه ومعاشروه أنه لم يكلّف

ادب الطف ـ الجزء الثامن 311


كل أحد بأي أمر حتى ا لزوجة والخادم وكان يتولى اموره بنفسه ، ففي كل ليلة يستمر في مراجعة دروسه إلى منتصف الليل فكانت عجوز إيرانية تقصد وجه الله في خدمته فاذا رأته قام ليحضر طعام العشاء قالت : اجلس فأنا آتيك بطعامك ، فيجلس . وبعد فهو صاحب الثورة العراقية التي أكسبت العراق إستقلاله ، وبفتواه المباركة نهض العراق واستبسلت العشائر حتى أرغموا الانكليز على إعطاء العراق استقلاله ، لقد كان تلميذه ومرافقه الحاج محمد حسن كبة يتلقى منه دروساً عملية تزيد وتنمو معه كلما ازداد تعلقاً باستاذه هذا وأخذ منه سيرة صالحة وسريرة طيبة وقد أجاز بالفتوى ورواية الحديث . له مؤلفات تبلغ الستين .
فقد كتب رسالة في الطهارة وفي الصلاة والصوم وشرح كتاب الحج من دروسه التي تلقاها وله حاشية على المكاسب وحاشية على المعالم والفوائد الرجالية والرحلة المكية أُرجوزة نظمها لما سافر للحج سنة 1292 .
وفاته بالنجف الأشرف في أواخر شعبان ومدفنه بمقبرتهم الشهيرة بباب الطوسي . خلف أولاداً ثلاثة : محمد صالح ، رشيد ، معالي محمد مهدي كبة ، وأربعة عشر بنتاً .
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 312


الحاج حَبيب شعبان

المتوفى 1336

أتقـعد مـوتوراً بـرأيـك حـازم وفي يـدك العـليا من السيف قائم
مـتى تـملأ الدنيا بهـاءً وبهجـة وعدلاً ولا يبقى على الأرض ظالم
فلله يـوم الـطف لا غـرو بعـده مـدى الدهـر حزناً أن تقام المآتم
غـداة أبـيّ الضيم جهـّز للوغـى كـراماً اليـها الدهر تنمى المكارم
بـدور هـدى قد لاح في صفحاتها مـن الـنور وسم للهـدى وعلائم
وخرّوا على وجه الثرى سغب الحشا وأجسادهـم لـلمرهـفات مطاعم
عطـاشا يبـلّ الأرض فيض دمائهم وقـد يبسـت أكبادها والغلاصـم
وأضحى فريـداً في الجموع شمردل بـصارمه الوهاج تطفـى الملاحم
وروى الضبا من جسمه وهو عاطش وأطعـمها من لحمـه وهو صائم
شـديد القوى ما روعت عزمه العدا وقـد وهنت مـنه القوى والعزائم
* * *

آل شعبان من البيوت القديمة في النجف ، ومن الاسر التي كانت لها نيابة سدانة الروضة الحيدرية في عهد (آل الملا) أما اليوم فلهم الحق في خدمة الحرم الحيدري فقط وفي أيديهم صكوك ووثائق رسمية (فرامين عثمانية) هي التي تخولهم الحق في تلك الخدمة .
أما المترجم له فقد كان أبوه بزازاً فمالت نفسه هو إلى طلب العلم فاشتغل

ادب الطف ـ الجزء الثامن 313


به ودرس وتأدب في النجف وكان فاضلاً كاملاً شاعراً أديباً وانتقل إلى كربلاء فقرأ على السيد محمد باقر الطباطبائي في الفقه مدة ، وكان من أخص ملازميه ثم سافر إلى الهند وذلك حوالي سنة 1325 وانقطعت أخباره إلى سنة 1336 فوردت كتب من رامبور تنبئ بوفاته هناك وكانت له هناك منزلة سامية عند أهلها .
أما ولادته كانت في حدود 1290 بالنجف . ترجم له صاحب الحصون فقال : فاضل ذكي وشاعر معاصر ، وأديب حسن المعاشرة ظريف المحاورة ، وترجم له السيد الأمين في الأعيان والشيخ السماوي في (الطليعة) وبعد الثناء عليه قال : وهو اليوم في الهند وقد انقطع عني خبره وكان أليفاً لي في النجف وشريكاً في بعض الدروس وله شعر في الطبقة الوسطى ولا يمدح غير أهل البيت عليهم السلام .
فمن شعره قوله يعدد فضائل الصديقة فاطمة الزهراء :
هـي الغيد تسقي من لواحظها خمرا لـذلك لا تنفـك عشاقهـا سكـرى
ضعايف لا تقوى قلوب ذوي الهوى على هجـرها حتى تموت به صبرا
ومـا أنا ممـن يـستليـن فـؤاده وينفثـن بالألحاظ في عقله سحـرا
ولا بالـذي يشجيـه دارس مـربع فيسقيـه مـن أجفانـه أدمعا حمرا
أأبـكي لرسم دارس حـكم الـبلـى عليـه ودار بعـد سكـانهـا قفـرا
وأصفي ودادي للـديـار وأهـلهـا فيسلـو فـؤادي ودّ فاطمـة الزهرا
وقد فرض الرحمن في الذكر ودّهـا وللمصطفـى كانـت مودتهـا أجرا
وزوّجها فـوق السمـا مـن أمينـه علـي فـزادت فوق مفخرها فخرا
وكان شهـود العقـد سكان عـرشه وكانـت جنان الخلـد منه لها مهرا
فلم تـرضَ إلا أن يشفـّعهـا بـمن تحبّ فاعطاها الشفاعة في الاخرى


ادب الطف ـ الجزء الثامن 314


حبيبة خيـر الرسل مـا بيـن أهـله يقبّلهـا شـوقها ويـوسعهـا بشـرا
ومهمـا لريـح الجنة اشتاق شمّهـا فينشق منهـا ذلك العطـر والنشـرا
إذا هـي في المحراب قامت فنورها بـزهرته يحكي لأهـل السما الزهرا
وإنسيــة حـوراء فالحـور كلّهـا وصائفهـا يعـددن خـدمتها فخـرا
وإن نسـاء العـالميـن إمـاؤهــا بهـا شرّفـت منهن مَن شرفت قدرا
فلـم يـك لـولاها نصيب من العلى لأنثـى ولا كانت خـديجـة الكبرى
لقـد خصّهـا الباري بغـرّ مناقـب تجلّـت وجلـّت أن نطيق لها حصرا
وكيـف تحيط اللسن وصفاً بكنه مَن أحاطـت بما يأتي وما قد مضى خبرا
ومـا خفيـت فضلاً على كل مسلم فيا ليـت شعري كيف قد خفيت قبرا
ومـا شيّـع الأصحاب سامي نعشها وما ضرّهم أن يغنموا الفضل والأجرا
بلـى جحـد القوم النبي وأضمـروا لـه حيـن يقضـي في بقيته المكرا
لقد دحـرجوا مـذ كان حياً دبابهـم وقـد نسبوا عنـد الوفـاة له الهجرا
فلما قضى ارتدوا وصدّوا عن الهدى وهـدّوا ـ على علم ـ شريعة الغرا
وحادوا عن النهج القـويـم ضلالـة وقـادوا عليا فـي حمايلـه قهـرا
وطـأطـأ لا جبناً ولو شاء لانتضى الحسام الذي من قبل فيه محا الكفرا
ولـكـنّ حـكـم الله جـارٍ وإنـه لأصبر مَن في الله يستعذب الصبرا

ومن قوله :
يـا أمـّة نبذت وراء ظهورها بعـد النبـي إمامهـا وكتابهـا
ماذا نقمتِ من الوصي ألم يكن لمـدينة العلم الحصينـة بابهـا
أم هل سواه أخ لأحمد مرتضى من دونه قاسى الكروب صعابها(1)


(1) عن أعيان الشيعة ج 20 صفحة 83 .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 315


ومن روائعه قصيدته الشهيرة التي لا زالت تتلى في المحافل الفاطمية والمقطع الأول منها :
سقاك الحيا الهطال يا معهـد الإلف ويا جنـة الفـردوس دانيـة القطف
فكم مرّ لي عيش حلا فيك طعمـه ليالي أصفى الـردّ فيها لمـن يصفى
بسطنا أحاديث الهوى وانطـوت لنا قلـوب على صافي المـودة والعطف
فشتتنـا صـرف الـزمان وإنـه لمنتقـد شـمـل الأحبـّة بالصـرف
كأن لم تدر ما بيننا أكؤوس الهوى ونحن نشاوى لا نمـلّ مـن الرشـف
ولـم نقض أيام الصبا وبها الصبا تمـرّ علينـا وهـي طيبـة العـرف
أيا منزل الأحباب مالك مـوحشـاً بـزهـرتك الأرياح أودت بما تسفـي
تعفيـت يـا ربـع الأحبة بعـدهم فـذكرتنـي قبـر البتـولة إذ عُفـيّ
رمتهـا سهام الدهر وهي صوائب بشجو إلى أن جُرّعت غصص الحتف
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 316


أسطا علي البنّاء

المتوفى 1336

قـف على تـلك المغاني والـربا واسـك الأدمـع غيثاً صيبـا
واسـأل الـربع الـذي كنـّا بـه نسحـب الأذيـال فيـه طربا
واعقـل الـوجناء في أكفـانـه وانتشق مـن تربة طيب الكبا
لا عـدا مـرتبعـاً فـي رامـة بالحيا الوسمـيّ أمسى معشبا
مـربع اللـذات قـد عـنّ لنـا في حماه ذكـر أيـام الصبا
وبـنفسـي ظــبيات سنـحت تخـذت بيـن ضلوعي ملعبا
آه مـن بـرق علـى ذي رامة هـبّ في جـرعائه ثـم خبا
ذهبـوا والصبـر عن ذي لوعة يـا أعـاد الله لي مـَن ذهبا
أيهـا المغـرم فـي ذكر الحمى ومـغانيـه وهاتيـك الظبـا
دع مناح الـورق والغصن وخذ بالبكا في رزء أصحاب العبا
واندب الفرسان من عمرو العلى وابلغ الشكوى لهـم عن زينبا
تـلك أشياخكـم فـي كـربـلا أجـروا الخيـل عليها شزّبا
ونسـاكـم بعـد ذيـاك الحمـا سبيـت لـم تلق خدراً وخبا
نـكست راياتكـم فـي مـوقف جـدّلت فيـه الكرام النجبـا
ثـم تدعو قومهـا مـن غالـب جـردوا للثار مصقول الشبا
حـرّة الأحشـاء لكـن دمـعها ساكـب يحكي الغمام الصيّبا
أيهـا الراكـب هيما في للسري تقطـع الآكام حثّاً والـربى
نادهـم إن جئـتَ من وادي قبا يـا أُباة الضيم يا أهـل الإبا
حـلّ فيكم حادث في كـربـلا طبّـق الشرق أسى والمغربا
* * *

اوسطا على البناء الشاعر الأمي البغدادي . جاء في الدر المنتثر في رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر للحاج علي علاء الدين الألوسي إن هذا الشاعر

ادب الطف ـ الجزء الثامن 317


كان اعجوبة بغداد في هذا العصر فإنه ينظم الشعر مع كون أُمياً لا يقرأ ولا يكتب ومشغول بصنعة البناء بعمله وهو من أبناء الشيعة ، ومن شعره قوله في الحسين :
لمـن الجنود تقودها امـراؤهـا لقتال مَـن يـوم اللقا خصماؤها
قد غصت البيدا ببعض خيولهـم وببعض أجمعهم يضيق فضاؤها
وبنـو لـويٍّ الكريهـة شمّرت عـن ساعد قـد قرّ فيه لواؤها
سقـت المواضي من دماء أمية وكبـودها ظمأى يفيض ظماؤها
من بعد ما أردوا قساورة الوغى سقطـوا تلفّ جسومهم بوغاؤها
وبقي حمى الإسلام بين الكفر إذ همّازهـا فـي رمحـه مشاؤها
وحمى شريـعة جده في مرهف منـه تشيّـد فـي شباه بناؤهـا

وأورد له جملة من الشعر وقال : كانت ولادته في سنة 1265 هـ وتوفي اوسطا على الشاعر المذكور يوم الاربعاء الثاني عشر من شهر رجب الفرد سنة 1336 هـ .
ثم قال في الهامش صفحة 166 من الدر المنتثر ما يلي : جاء في هامش صفحة 57 من مخطوطة الأصل ما نصه : إن هذا الشاعر أوسطا علي المذكور كان لا يجيد النظم إنما كان هناك شخص اسمه الشيخ جاسم بن الملا محمد البصير الذي كان ينظم له ، وهو في الحلة ، انتهى . أقول وروى لي الخطيب المعاصر السيد حبيب الأعرجي أنه سمع من خاله الشيخ جاسم الملة بأنه كان ينظم القصائد وينسبها للمترجم له ـ الاوسط على البناء ـ ولكني وجدتُ جملة من القصائد الرائعة في رثاء الحسين عليه السلام تنسب لهذا الرجل وكلها في مخطوط المرحوم السيد عباس الموسوي الخطيب المسمى بـ (الدر المنظوم في الحسين المظلوم) والمنقول لي أيضاً أن المرحوم السيد حسن ـ خطيب بغداد ـ ابن السيد عباس كان يقول : كنا ننظم شعراً في رثاء أهل البيت عليهم السلام وننسبه إلى اوسطا علي البناء ، وكان يبذل المال في سبيل ذلك . وللشاعر المترجم له ديوان شعر يملكه عبد الوهاب ابن الشيخ جاسم الملة خطيب الحلة ـ اليوم .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 318


محمود سبتي

المتوفى 1336

قال مخمساً ، والاصل للشيخ محسن أبو الحب :
خيـّب الدهـر فيكـم لي ظنـّا يـوم ناديتكم وعنكم ظعنـّا
صاح شمر وقد شفى القلب منا صوّتي باسم من أردتِ فإنّا
قد أبدناهم جميعاً قتالا
قد تركنا الجسوم فوق رمال ورفعنا الرؤس فوق عوالي
فاعـولي بعد منعة وجلال أنت مسبيـة على كل حال
فاخلعي العز والبسي الإذلالا

وقال مخمساً ، والاصل لعبد الباقي العمري :
يا مـن إذا ذكرت لديه كربلا لطم الخدود ودمعه قد أسبلا
مهما تمرّ على الفرات فقل ألا بعداً لشطك يا فرات فمرّ لا
تحلو فإنك لا هنيٌ ولا مري
أيـذاد نسل الطاهـرين أباً وجد عـن ورد ماء قد ابيح لمن ورد
لو كنتَ يا ماء الفرات من الشهد أيسوغ لي منك الورود وعنك قد
صدر الإمام سليل ساقي الكوثر

وقال مخمساً :
بوجد فقد أضحى فؤادي مضرما لمن أصبحت بعد التخدّر مغنما
فنادت وقـد فاضت مدامعها دما أقلّب طرفي لا حمىٌ ولا حمى
سوى هفوات السوط من فوق عاتقي


ادب الطف ـ الجزء الثامن 319


لقد سيّرت تطوي الضلوع على لظى وقد تركت جسم الحسين مرضضا
فنـادت ولكن لا تطيـق تـلفظـا أأسبـى ولا ذاك الحسام بمنتضى
أمامي ولا ذاك اللواء بخافق * * *

الشاب النابغ محمود ابن الخطيب الشهير الشيخ كاظم سبتي ، ولد بالنجف الأشرف سنة 1311 وقد أرخ أبوه عام ولادته بقوله :
أتاني غلام وضيئ أغر أضاء لعيني ضياء القمر
حمـدتُ الاله وسميتـه بمحمود أشكر فيمن شكر
منير به ظلمات الهموم تجلّـت فأرخ (بدر ظهر)

كان ذكياً فطناً حسن الخلق جميل الصورة بهيّ المنظر ، معتدل القد صبيح الوجه ، حلو الكلام لطيف الشمائل خفيف الروح ، أقبلت عليه القلوب وأحبته النفوس لما جبل عليه من لطف المعاشرة وطيب المفاكهة ، وحسن الشكل ، توسم فيه أبوه حدة الفهم والنبوغ وبرع بنظم الشعر باللغتين الفصحى والدارجة ودرس المبادئ من النحو والصرف وحفظ الشعر الرصين ولمع بين الذاكرين فكانت محافل خطابته تغصّ بالسامعين لجودة إلقائه وعذوبة حديثه فكان محط آمال أبيه ولكن المنية عاجلته وهو في ريعان الشباب وغضارة العمر فقد توفي ليلة الجمعة 26 جمادى الثانية 1336 وكانت النجف محاصرة بن قبل الانكليز ففتحت الأبواب ودفن في الصحن الحيدري بالقرب من إيوان السيد كاظم اليزدي . ترجم له في ديوان والده المطبوع بالنجف .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 320


الشيخ حسن الحمود

المتوفى 1337

أقيما بـي ولـو حـَلّ العقـال على ربـع بـذي سلم وضـال
قفا بـي ساعـة في صحن ربعٍ محـت آثـاره نـوبُ الليالـي
وشـدّا عقـل نضـوكما وحـلا وكاء العيـن بالـدمـع المـذال
هـو الـربع الـذي لم يبق منـه سـوى رمـم وأطـلالٍ بـوال
مضى زمـن عليـه وهـو حال بـأهليه فأضحى وهـو خالـي
لـو أنـك قـد شهدت به مقامي إذاً لبكيـت مــن جزع لحالي
وقفـتُ بـه ودمعـي كالعـزالي يصـوبُ دماً وقد عزّ العزا لي
أُسـرّح فـي معاهـده لحاظـي وقلبي في لظـى الأحزان صلي
اسـائـلـه وأعـلـم ليـس إلا صدى صوتي مجيباً عن سؤالي
ذكرت بـه بيوت الوحي أضحت بطيبة مـن بني الهادي خـوالي
غـدت للـوحش معتكفاً وكانـت قــديماً كعبـة لبني السـؤالِ
نـأى عنها الحسيـن فهـدّ منها بناء البيـت ذي العمـد الطوالِ
سرى ينحـو العراق بأسدِ غابٍ تعـدّ المـوت عيداً في النزالِ
تعـادى للكفـاح علـى جيـاد ضوامـر أنـعلتهـا بـالهلال
عجبت لضمّـرٍ تعـدو سراعـاً وفـوق متـونها شـمّ الجبال
نعـم لـولا عـزائم مـَن عليها رماها العجز في ضنك المجال
تسابـق ظلّهـا فتثيـر نـقعـاً بـه سلك القطا سبل الضلال


ادب الطف ـ الجزء الثامن 321


عليهـا غلمـة مـن آل فهـر شمـائلهـا أرقٌ مـن الشمـال
تمـدّ إلـى الطعان طـوال أيد إذا قصرت عـن الطعن العوالي
تسابـق للمنيـة كالـعطاشـى قـد استبقت إلى الـورد الزلال
وما بـرحت تحيي البيض حتى هـوت مثلَ البدور على الرمال
تساقط عن متون الخيل صرعى كما سقطـت مـن السلك اللئالي
غـدت أشلاؤهم قطعاً وأضحت صـدورهـم جفـيـراً للنـبال
وأصبح مفـرداً فـرد المعالـي يُثنـي عضبـه جمـع الضلال
عـدا فأطار قلـب الجيش رعباً ثنـى قلـب اليمين على الشمال
يكاد الـرمح يـورق في يديـه لما في راحتيـه مـن النـوال
فما بـأس ابـن غيلٍ وهو طاوٍ رأى شبليه في أيـدي الـرجال
بأشجع من حسين حين أضحى بـلا صحب يديـر رحى القتال
سطـا فاقتضّها بالرمح بـكراً والقحهـا عـوانـا عـن حيال
ولما اشتاق للاخـرى ووفـى بحـدّ حسامـه حـق المعالـي
هوى للترب ظامي القلب نـهباً لبيـض القضب والأسل الطوال
وثاوٍ في هجيـر الشمس عـارٍ تـظللـه أنـابيـب العـوالـي
أبى إلا الإبا فقضى عـزيـزاً كريـم العهـد محمـود الفعال
قضى عطر الثياب يفوح منها أريـج العـزّ لا أرج الغـوالي
وأرخص في فداء الدين نفساً يـفـدّيها القضاء بـكل غالـي
ومـا سلبت عـداه منـه إلا رِداً أبـلتـه غـاشيـة النبـال
وسيفـاً فـلّ مضربـه قراع الطلـى ومحـزّق الدرع المذال
لهيف القلـب تُروى من دماه ـ برغم الدين ـ صادية النصال
تفطـر قلبه وعـداه ظلـماً تـحلـئه عـن المـاء الحـلال
صـريعاً والعتاق الجرد تقفو الـرعال بجسمـه إثر الرعـال


السابق السابق الفهرس التالي التالي