ادب الطف ـ الجزء الثامن 294


باب مدينة علم الرسول واسد الله الغالب في ميدان تحجم من الدخول فيه الأبطال الفحول ، فمن أجل ذلك لا يستبعد ردّ ذكاء له بعد الافول ولا سيما وهو في طاعة مولاها ومَن كان في طاعة مولاه لا بدّ أن يخصه ويتولاه . والسلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته(1) ومن روائعه قوله ناظماً حديث الكساء وهو من الأحاديث الشريفة المروية في كتب الفريقين والصحاح المعتبرة ، وأوله :
روت لنا فاطمـة خيـر النسا حديث أهل الفضل أصحاب الكسا
تقــول إن سـيــد الأنـام قـد جائنـي يـوماً مـن الأيـام
فقـال لي إنـي أرى في بدني ضعفـا أراه اليـوم قـد أنحلني
قـومي ، علي بـالكسا اليماني وفيـه غطينـي بـلا تـوانـي
قالـت فجـئتـه وقـد لبّيتـه مسرعـة وبـالكسـا غطيتـه


(1) وحديث ردّ الشمس من المتواتر ، ذكره الفريقان في كتبهم ونظمه الشعراء في قصائدهم يقول عبد الحميد بن أبي الحديد في إحدى علوياته الشهيرة :
يا من له ردّت ذكاء ولم يفز بنضيرها من قبل إلا يوشع
ويقول عبد الباقي ا لعمري :
وتضيق الأرقام عن خارقات لك يا من ردّت اليه الذكاء
ويقول الشيخ ابن نما في اطعام أهل البيت لليتيم والمسكين والأسير ومنهم علي عليهم السلام :
جـاد بالقرص والطوى ملأ جنبيه وعاف الطعام وهو سغوبُ
فاعاد القرص المنيرَ عليه القرص ، والمقرض الكرام كسوب
وقال بعض شعرائهم :
بحـب علي غلا معشر وقالـوا مقالاً بـه لا يـلي
فحاميم في مدحه أُنزلت وردت له الشمس في (بابل)
وقال حسان بن ثابت :
يا قوم مَـن مثل علي وقد ردّت عليه الشمس من غائب
أخو رسول الله بل صهره والأخ لا يعـدل بالصاحب
ادب الطف ـ الجزء الثامن 295


وكنـت أرنـو وجهه كالبـدر فـي أربـع بعـده ليال عشـر
فما مضى الا يسيـر من زمن حتـى أتـى أبـو محمد الحسن
فقـال يـا أُمـاه إنـي أحـدُ رائـحـة طـيـبة أعـتـقـدُ
بـأنهـا رائـحـة النـبـي أخـي الوصي المـرتضى علي
قلت نعم ها هو ذا تحت الكسا مدثـّر بـه تغطـى واكتسـى
فجـاء نحـوه ابنـه مسلّمـاً مستـأذناً قال له ادخـل مكرما
فمـا مـضى إلا القليـل إلا جـاء الحسيـن السبط مستقـلا
فقـال يـا ام أشـمّ عنـدك رائحـة كأنهـا المسـك الذكي
وحق مـن أولاك منـه شرفاً أظنهـا ريـح النبي المصطفى
قلـت نعـم تحت الكسا هـذا بـجـنبـه أخـوك فيـه لاذا
فـأقبل السبـط لـه مستأذنـاً مسلّمـاً قـال لـه ادخـل معنا
وما مضى من ساعـة إلا وقد جـاء أبـوهما الغضنفر الأسد
أبـو الأئمـة الهـداة النجبـا المـرتضى رابع أصحاب العبا
فـقـال يـا سيـدة النسـاء ومَن بها زوجـتُ في السمـاء
إنـي أشـمّ في حماك رائحة كأنهـا الـورد النديّ فايحـه
يحكي شذاها عرف سيد البشر وخير من لبّى وطاف واعتمر
قلـت نعم تحت الكساء التحفا وضـمّ شبليـك وفيـه اكتنفا
فجـاء يستأذن منـه سائـلاً منه الدخول قال فادخل عاجلا
قالت فجئـت نحوهـم مسلّمه قـال ادخلي محبـوّة مكرّمـه
فعندما بهـم أضاء المـوضع وكلهـم تحت الكساء اجتمعـوا
نادى اله الخـق جـلّ وعـلا يُسمـع أملاك السموات العلـى
أقسـم بـالـعـزة والجـلال وبـارتفاعـي فـوق كل عالي
مـا مـن سمـا رفعتها مبنيّه وليس أرض في الثـرى مدحيّه
ولا خلقـتُ قمـراً منـيـراً كلا ولا شمسـاً أضاءت نـورا
وليس بحـر في المياه يجري كـلا ولا فلـك البحار تسـري


ادب الطف ـ الجزء الثامن 296


إلا لأجل من هم تحت الكسا مـن لـم يكن أمرهم ملتبسـا
قال الأمين قلت يا رب ومن تحـت الكسا بحقهم لنـا أبن
فقال لي هم معـدن الرساله ومهبـط التنزيـل والجـلاله
وقال هـم فاطمـة وبعلهـا والمصطفى والحسنان نسلهـا
فقلـت يا رباه هل تأذن لي أن أهبط الأرض لذاك المنزل
فأغتدي تحت الكساء سادسا كمـا جُعلـت خادماً وحارسا
قـال نعـم فجـاءهم مسلّماً مسلّمـاً يتلـو عليهـم (إنّما)(1)
يقـول إ ن الله خصكم بهـا معجـزة لمـن غـدا منتبها
أقرأكم رب العـلا سلامـه وخصكـم بغايـة الكرامـه
وهـو يقـول معلناً ومفهما أمـلاكه الغـر بـما تقدمـا
قـال عليٌ قلـت يا حبيبي مـا لجلوسنـا من النصيـب
قال النبي والذي اصطفاني وخصني بالـوحي واجتبانـي
ما إن جرى ذكر لهذا الخبر في محفل الإشياع خير معشر
إلا وأنـزل الاله الـرحمه وفيهم حفـت جنـود جـمـّه
مـن الملائك الذين صدقوا تحرسهـم في الدهر ما تفرقوا
كـلا وليـس فيهم مهموم ُ إلا وعـنـه كشفـت همـومُ
كلا ولا طالب جاجة يرى قضاءهـا عليـه قـد تعسرا
إلى قضى الله الكريم حاجته وأنزل الرضوان فضلاً ساحته
قال عليٌ نـحن والأحباب أشياعنا الذيـن قدمـاً طابـوا
فـزنا بما نلنا ورب الكعبه فليشـكـرنّ كل فـرد ربـّه
* * *
يا عجباً يستأذن الأميـن عليهــم ويهجـم الخـؤن
قال سليم قلت يا سلمان هل دخلوا ولم يك استأذانُ
فقال إي وعزّة الجبـار . . . . .


(1) آية« إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 297


الشيخ عبد الحسين الجواهر

المتوفى 1335

حـقّ أن تسكبـي الدمـوع دماء يـا جفـوني وأن تسيلي بكاء
زاد كـرب البـلا بـهـم فكـأن القلـب فيهـم مشاهـد كربلاء
شـدّ مـا قـد لقـي بها آل طـه مـن رزايـا تهـوّن الأرزاء
مزقتهـم بهـا الحـوادث حتـى عـاد أبنـاء أحمـد أنـبـاء
جمعت شملهم ضحى فعدا الخطب عليهـم ففـرقتـهـم مسـاء
وأبـوا لــذّة الـحيـاة بــذلٍّ ورأوا عـزة الفـنـاء بقـاء
يتهـادون تحـت ظـل العـوالي كالنشاوى قد عاقروا الصهباء
أوجب المصطفـى عليهـم حقوقاً أحسنـوها دون الحسيـن أداء
وقضوا تشرب القنا السمر والبيض دماهـم حـول الفرات ظِمـاء
يـا بنفسي لهـم وجـوهـا يـودّ البـدر منهـا لو استمد السناء
* * *

الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ عبد علي ابن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ولد في النجف سنة 1282 وتوفي فيها سنة 1335 ودفن بمقبرة آبائه . وكان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً مشاركاً في الفنون له شهرته العلمية والأدبية متبحراً في الفقه والاصول قوي الذهن حادّ الفكر حلو اللفظ ، حضر على الحاج ميرزا حسين الخليلي وعلى الملا كاظم صاحب الكفاية وكان أخص أصحابه به . أعقب أربعة أولاد أشهرهم الشاعر الكبير ـ اليوم ـ محمد مهدي الجواهري أما الثلاثة فهم : عبد العزيز ، هادي ، جعفر .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 298


وهذه قطعة من شعره هنأ بها الشيخ عباس بن الشيخ حسن بزفاف ولده الشيخ مرتضى :
غناً عن الراح لي في ريقك الخصر وفي محياك عن شمس وعن قمر
وفـي خـدودك ما ماج الجمال بها للطـرف أبهج روض يانع نضر
يـانبعـة البـان لا تجنى نضارتها للعاشقين سوى الأشجان من ثمر
لي منك لفتة ريم عن هلال دجـى بغيهـب من فروع الجعـد مستتر
يهتزّ غصن نقاً يعطـو بجيـد رشاً يـرنو بـذي حَوَر يفترّ عن درر
تـوقّـدت كفـؤاد الصـب وجنته فمـاج مـاء الصبا منها بمستعر
وأطلـع السعـد بدراً مـن محاسنه بجنـح ليـل جعود منـه معتكـر
مـا أسفـر الصبح من لألاء غرته إلا وهـمّ هـزيع الليـل بالسفـر
أو سلّ صـارم غنج مـن لواحظه إلا احتقرت مضاء الصارم الذكر

والقصيدة مطولة ، وقال في المناسبات كثيرة من الشعر والنثر ما تحتفظ به مجاميع الادباء وخمس قصيدة السيد حسين القزويني في مدح الامامين الكاظمين عليهما السلام . وآل الجواهري من مشاهير الاسر العلمية في النجف واشتهرت بهذا اللقب بموسوعة ضخمة من أضخم الموسوعات الفقهية سميت بـ (جواهر الكلام) الفقيه الكبير الشيخ محمد حسن ، اجتمعت فيه زعامة روحية وزمنية(1) ونبغ علماء وشعراء فطاحل بهذه الاسرة وما زالت تحتفظ بمجدها وتراثها العلمي وشخصياتٍ هي قدوة في الورع والتقوى والسلوك الطيب .

(1) هو ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبد الرحيم ابن العالم العامل الاغا محمد الصغير ابن الاغا عبد الرحيم المعروف بالشريف الكبير ، ولما شرع بتأليف (جواهر الكلام) كان عمره 25 سنة . طبعت هذه الموسوعة عدة طبعات ، كان مولد المؤلف سنة 1202 تقريباً ووفاته غرة شعبان 1266 هـ ورثاه كثير من الشعراء منهم السيد حيدر الحلي وعمه السيد مهدي والشيخ صالح الكواز والشيخ ابراهيم صادق اوالشيخ عباس الملا علي والسيد حسين الطباطبائي وغيرهم من شعراء العراق ودفن بمقبرته الخاصة المجاورة لمسجده المعروف وذكر تفصيل ترجمته الشيخ اغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 299


قال السيد الأمين في الأعيان وكتب المترجم له إلى صاحب سمير الحاظر وأنيس المسافر(1) :
أوضحت لي بهواك عـذرا لـو استطيع عليه صبرا
وشرعـت لي نهجاً سلكت مـن الصبابة فيه وعـرا
وأذاقـنـي طعـم الهيـام هـواك فاستحليت مـرا
وجلـوت لي كأس الغـرام فلـن أفيـق الدهر سُكرا
كـم عبـرة أطلقتها فغدت بـأسر الشـوق أسـرى
ميـل النـزيف أميـل من شغفي وما عاقرت خمرا
تذكي لواعج صبوتي ذكرى الحمـى والشـوق ذكرا
وزمـان أنس مرّ ما أمرى زمــان فـيـه مـَرّا
ولياليا شـقّ السـرور على النـدامـى مـنك فجرا
مـع كل منكسر الجفن اليه أهـدى الغنـج كسـرا
قـد أطلعـت شمس الطـلا منـه بليل الجعـد بدرا


(1) هو العلامة البحاثة الشيخ علي الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء وكتابه (سمير الحاظر وأنيس المسافر) ست مجلدات ضخمة بالقطع الكبير مخطوط بخطه ، فيه من كل ما لذّ وطاب ، طالعته ورويت عنه ، فيه من التفسير والحديث والمسائل الفقهية والمنطقية والكلامية والنوادر الأدبية والقصائد الشعرية وقد ملأ بالعلم والأدب .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 300


الشيخ محمد حسن الجواهر

المتوفى 1335

وأكبداً كظها حرّ ا لظمـا فغـدت تغلي بقفـر بحرّ الشمس مستعر
مـا مسّهـا بارد ساغـت موارده للجن والانس بين الورد والصدر
كم حرة لك يابن المصطفى هتكت بين المضلين من بدو ومن حضر
مـذهولة من عظيم الخطب حائرة لم تبق كفّ الجوى منها ولم تذر
وكم رؤوس لكم فـوق القنا رفعت مـثل الأهلة تتلو محكم السـور
وكـم رضيع لكـم يا ليت تنظـره يُغني محياه عن شمس وعن قمر
بالسهـم منفطـم بالخيـل منحطم بالسمر منتظـم بالبيض منتثـر
* * *

الشيخ محمد حسن ابن الشيخ أحمد بن الشيخ عبد الحسين بن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ، ولد في حدود 1293 وتوفي سنة 1335 في النجف الأشرف ودفن إلى جنب جده الشيخ محمد حسن في مقبرتهم . كان عالماً فاضلاً تقياً ورعاً شديد الذكاء سريع الفطنة بهي الصورة رائق الحديث له خط رائق وشعر رصين في شتى المناسبات خصوصاً في مراثي الأئمة الأطهار وله ارجوزتان الاولى في الكلام سماها (جواهر الكلام) والثانية في اصول الفقه . تتلمذ على الشيخ اغا رضا الهمداني والملا كاظم الخراساني قدس الله روحيهما ومنح اجارات عديدة تنص باجتهاده وأهليته لمجلس الفتوى من أساذتذه وغيرهم بالرغم من عمره القصير فقد ودع الحياة في العقد الرابع من عمره ، نظم فأبدع في النظم . قال في مطلع إحدى قصائده :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 301


لي بين تلك الضعون أغيـد مهفهف القدّ ناعم الخد
غصن نقاً فوق دعص رمل على رهيـف يكاد ينقد

وله في اهل البيت عليهم السلام وما نالهم من حيف :
أبا صـالـح كلّـت الألسـنُ وقد شخصت نحوك الأعين
نعـجّ اليـك وأنـت العليـم فيـما نُسـرّ ومـا نُعلـن
أتغضي وقد عزّ أنف الضلال وأنـف الـرشاد له مذعن
ويـملك أمـر الهـدى كافـر فيغـدو وفي حكمه المؤمن
وأهـل التقى لـم تجـد مأمناً وأهـل الشقا ضمها المأمن
فهـذي البقيـة مـن معشـر قديماً لكـم بغيهـم أكمنـوا
هـم القـوم قد غصبوا فيئكم وغيـركم منـه قـد أمكنوا
أزاحـوكم عـن مقـام بـه بـرغم الهدى شرهم اسكنوا
أفي الله يظعن عنه الـوصي وشـرّ دعـيٍّ بـه يقطـن
تداعوا لنقض عهـود الألـى أسـروا النفـاق ولم يؤمنوا
فأيـن إلى أيـن نصّ الغدير ألـم يغنهـم ذلك الموطـن
فيـا بئسمـا خلفـوا أحمـداً بعتـرتـه وهـو المحسـن
لقـد كتمـوه شقاق النفـوس فلما قضـى نحبـه أعلنـوا
كأن لم يكونوا أجابـوا دعـاه ولـم يرعوا الحق إذ يذعنوا
وأعظم خطب يطيش الحلـوم وكـل شجـى دونـه هيـّن
وقـوف ابنة المصطفى بينهم وفي القلـب نار الأسى تكمن
وقد أنكروا ما ادعت غاصبين وكـل بمـا تدعـي موقـن
وتقضي فـداها نفوس الورى وتـدفن فـي الليل إذ تدفن(1)


(1) سوانح الأفكار في منتخب الأشعار ج 3 / 173 .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 302


الشيخ علي شرارة

المتوفى 1335

قال يرثي علي الاكبر ابن الحسين وقد استشهد مع أبيه بكربلاء
إذا ما صفاك الدهـر عيشاً مـروّـ قا أصابـك سهم الدهـر سهمـاً مفوّقا
فـلا تأمـن الدهـر الخؤون صروفـه حـذاراً وان يصفو لك الدهـر رونقا
وجـار على سـبـط النبـي بنـكبـة فـأردى لـه ذاك الشباب المـؤنقـا
علـى الديـن والدنيا العفا بعـد سيـدٍ شبيـه رسـول الله خَلقـا ومنطقـا
وخـُلـقـاً كـأن الله أودع حسـنـه اليـه انتهـى وصـلا وفيه تعرّقـا
حـوى نعتـه والمكرمـات بأسرهـا فحـاز فخاراً والمكـارم والتـقـى
تخطى ذرى العلياء مذ طال في الخطى فحـاز سما العليـاء سمتاً ومرتقى
ومـن دوحـة منها النبـوة أورقـت فطاهـا لها أصـل وذامنه أورقـا
فمـن ذا يدانيـه إذا انتسـب الـورى لـه المجـد ذلاً لاوي الجيد مطرقا
ولـم أنس شبـل السبط حيـن أجالها فـقـرّب آجـالاً وفـرّق فيلـقـا
يصـول عليهـم مثلمـا صال حيـدر فكـم لهـم بالسيف قد شجّ مفـرقا
كـأن قضـاء الله يـجـري بـكفـه ومـن سيفـه يجري النجيـع تدفقا
ولمـا دعـاه الله لـبـّاه مسـرعـاً فسـارع فيما قـد دعـاه تشـوقا
فخـرّ عـلى وجـه الصعيـد كأنـه هـلال أضاء الافق غرباً ومشرقا
فنـادى أبـاه رافـع الصوت معلنـاً أرى جدّي الطهرَ الرسولَ المصدّقا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 303


سقانـي بكأس لسـت أظمـأ بعـدها سقانـي زلالاً كـوثـريـاً معبّقـا
فجـاء اليه السبـط وهـو بـرجـوة يـرى إبنـه ذاك الشباب المـؤنقـا
رآه ضـريبـاً للسـيـوف ورأسـه كـرأس عليٍّ شقـّه السيف مفـرقا
فخـرّ عليـه مثلمـا انقـضّ أجـدلٌ وأجـرى عليـه دمعـه متـرقـرقا
فقـال علـى الـدنيا العفـا بتلهـف لمـن بعدك اخترتُ الرحيلَ على البقا
أرى الدهر أضحى بعدك اليوم مظلما وقـد كان دهـري فيك أزهر مشرقا
فأبعـدت عـن عيني الكرى وتركتني فريـداً وجفـن العيـن منـي مؤرقا
وأودعتنـي نـاراً تـؤجج في الحشا لهـا شعـلٌ بيـن الشغـاف تعلّقـا
مضيت إلى الفردوس حـُزتَ نعيمها وملكاً رقيـت اليوم أعظـمُ مرتقـى
* * *

الشيخ علي شرارة ابن الشيخ حسن كان عالماً فاضلاً ملمّاً بكثير من العلوم ، ومن اسرة علمية دينية أصلها من جنوب لبنان ـ بنت جبيل ـ ولهم هناك أثر كبير على توجيه الناس نحو الخير ، والمترجم له أحد أعلام هذه الاسرة وصفة أحد المعاصرين فقال : أدركت أواخر أيامه وهو شيخ كبير معتدل القامة ، يقيم في إحدى حجرات الصحن العلوي الشريف وفي الزاوية الشرقية من جهة باب القبلة ويجتمع عنده العلماء والادباء كالسيد الحبوبي والشيخ محمد جواد الشبيبي وأمثالهما وكانت حجرته ندوة العلم والأدب وهو من الشعراء المكثرين طرق أبواب الشعر ونظم في الأئمة عليهم السلام ورثى أعلام عصره . قال الشيخ الطهراني في نقباء البشر : رأيت بخطه شرحاَ على اللمعة . وترجم له صاحب (ماضي النجف وحاضرها) وذكر جملة من شعره وقال : توفي حدود سنة 1330 في النجف وترجم له المعاصر علي الخاقاني في (شعراء الغري) وذكر مرثيته المرحوم المجدد الميرزا حسن الشيرازي واخرى في مراسلاته مع السيد المجدد وجملة من رثائه لأهل البيت عليهم السلام .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 304


الحاج محمد حسن كبّة

المتوفى 1336

عجبـاً وتـلك مـن العجائب والـدهـر شيمتـه الغـرائـب
ويـل الــزمـان وقـلّمـا يصفـو الزمان مـن الشـوائب
مــا أنـــت إلا آبــقٌ يـا ذا الزمـان فمـن أُعاتـب
فلكـم وكـم مـن غــدرة أوليـتـهـا الشـمّ الأطـائـب
أفهـل تـراتـك عنـد حـا ميـة الذمـار بهـا تطـالـب
إن الشهـيـد غــداة يـوم الطـف أنسـانـا المصائــب
لــم أنـس ساعـة أفردوه يصـول كالـليـث المحـارب
قــرم رأى مـرّ المنـون لدى الـوغى حلـو المشـارب
فبـرى الـرؤوس بسيفـه بـريَ اليـراع لخـطّ كاتـب
فـالأرض مـن وثـباتـه مـادت بهـم مـن كل جانب
حيـث التـلاع الـبيـض من فيض الدما حمرٌ خواضب
فردٌ يروع الجمع ليـس له سـوى الصمصـام صاحـب

منها :
مَن للرعيل إذا تزاحمت الكتائـب بـالكتـائـب
مَـن ذا يردّ إلى الحمى تلك المصونات الغرائب
من يطلق العاني الأسير مكبـلاً فـوق النجائب
أين الغطارفة الجحاجح والخضارمة الهواضب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 305


أيـن الالى بوجوههـا وسيوفها انجلت الغياهب
أم أيـن لا أيـن السراة المنتمـون عـلاً لغالب

منها :
سـرت الركائب حيث لا تدري بمن سرت الركائب
تسـري بهـنّ اليعملات حواسراً والصـون حاجب
وغـرائب بيـن العـدى بشجـونهن بـدت غرائب
هتفـت بخيـر قـبيلـة من تحت أخمصها الكواكب
قومـوا عجالا فالحسيـن ورهطـه صرعى ضرائب
قـطعـوا له كفـاً عـلى العافين تمطـر بالرغائـب
منعـوه مـن ماء الفرات وقـد أُبيـح لكل شـارب
لا أضحـك الله الـزمان ووجـه ديـن الله قاطـب
* * *

الحاج محمد الحسن بن الحاج محمد صالح كبة البغدادي . ولد في شهر رمضان سنة 1269 في الكاظمية هو ابن القصر والثروة والنعمة فأصبح ابن العلم والشعر والأدب والثقافة . كان مثالاً للبر والاحسان والعطف والحنان وهو تلميذ الميرزا حسن الشيرازي(1) ثم الميرزا محمد تقي الشيرازي ، له أكثر من عشرة آلاف بيت شعر وقد نشر أكثره في (العقد المفصل) تأليف السيد حيدر الحلي وفي ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي وفي ديوان السيد حيدر الحي .

(1) السيد ميرزا حسن الشيرازي مرجع الطائفة الامامية في عصره ، أذعنت له الملوك هيبة وإجلالا ، مولده 1230 هـ بشيراز وهاجر إلى النجف عام 1259 هـ ودرس على الشيخ مرتضى الأنصاري فكان اللامع من تلامذته على كثرتهم وعند وفاة الشيخ رشح للرياسة . وانتقل إلى سامراء حيث اتخذها مقراً فازدهت به ازدهاء لم يسبق لها أن شاهدت مثله . وانتقل إلى جوار ربه سنة 1312 وكان يومه يوماً مشهوداً ارتجت له أرجاء العالم الاسلامي وحمل نعثه على الأكتاف من سامراء إلى النجف يتسلّمه فريق بعد آخر من عشائر العراق وبلدانه ودفن بجوار مشهد الامام أمير المؤمنين في مدرسته الواقعة ي الجهة الشمالية وقبره لا يزال يزار .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 306


توفي سنة 1336 ، كان مجلس آل كبة ندوة العلم والأدب وملتقى الأشراف وأرباب الفكر مضافاً إلى أنه مجتمع التجار فكان الحاج مصطفى ممن تدور عليه رحى التجارة في بغداد ورئاسة الجاه والمال وهو أخو المترجم له .
كتب رسالة للسيد ميرزا جعفر القزويني جمع فيها بين المنظوم والمنثور ، يتشوق بها اليه ويتقاضاه وعداً سبق منه في زيارته لبغداد ، واليك قسم المنظوم منها :
لـوعة الوجـد أحرقت أحشائي وفـؤادي في الحلـة الفيحاء
خامرتني الأشواق في مجلس الذ كـر فكان السهاد من ندمائي
أنـا لـم يصفُ لي الهنا بهواء مـذ تناءيتـم ولا عذب ماء
ومـحال صفـاء دجلـة مـالم يجرِ ماء الفرات في الزوراء
فعليـك السـلام ما سجع الورق سحيراً في بانـة الجرعـاء
مـن مشـوق إلى علا علـوىٍّ جاز هـام السماك والجوزاء

وفي نفس تلك الرسالة قوله :
فسل دراري الافق عن محاجري هـل غير بُعد نورها أرقهـا
وسل مغاني الكرخ عن مدامعي هـل غير قاني مزنها أغرقها
تلك مغانـي لـم تزل مزهـرة لو لم يكن حرّ الجوى أحرقها
وسـل حمامات تئـن لـوعـةً في الدوح بالهديل من أنطقها
ومـن غـداة راعني يوم النوى بـذائب مـن الحشا طوّقهـا

فأجابه السيد علي روي مقطوعيته وقافيتيهما ضمن رسالة تركنا نشر المنثور منها ، جاء في الاولى قوله :
أرجٌ مـن مـعاهــد الـزوراء نشـره فاح في حمى الفيحاء
أم عروس زفّت من الكرخ تمشي لي على الدل لا على استحياء


السابق السابق الفهرس التالي التالي