ادب الطف ـ الجزء الثامن 281


كيـف تغضـي وعـداك انتهرت محكـم الديـن وسامـوه زوالا
أخـرّت أكـرم مقــدامٍ بــه يـوم (خم) بلـغ الديـن الكمالا
أمنـت سطـوة مرهـوب اللقـا فاستقـادتـه على الأمن اتكالا
ولـتـيـمٍ وعــدّيٍ أمـــره آل يـوم اغتـصـبـوا لله آلا
وبـه مـن عبـد شمس لعبـت فتيـة منهـا شكا الداء العضالا
أتـرى حقـك مـا بيـن العـدا تتـهـاداه يـمـينـاً وشمـالا
وشـبـا عضبـك مغمـود ولا ينتضي عن غضب الله انسلالا
يـا لمـوتـورٍ علـى أوتـاره يتردى بـردة الصبـر اشتمالا
غـرّ إمهـالك جبـّار الـورى وبه الغيّ على الرشـد استطالا
نـاكلاً عـن مـدرج الحق ولم يـر مـن بطشـك بأساً ونكالا
أعلـى ثـارك في طيب الكرى تمنح الجفـن وحاشاك اكتحـالا
والظبـا مـا ألفــت أجفانهـا طمعاً في طلـب الثـار نصالا
والمـذاكـي يتصاهلـن وكـم لك مـن طول الثوا تشكو ملالا
زعجت في صوتها بيض الظبا وعليـه هـزّت السمـر الطوالا
فـأثـرهـا للـوغ ضـابحـة فـي ذراهـا هبـة الاسد صيالا
بالمـواضي والقنا السمـر التي نفثـة المـوت يعلّمـن الصلالا
ينثنـي القـرم عـن الطعن بها خـوف لقياه من الروح انفصالا
والمنـايا تسبـق الطعـن إلـى نفسه مـن قبل أن يلقـى القتالا
والمـلأ البيـداء عـدلاً بعـدما ملئـت ظلماً وجـوراً وضـلالا
واحتكمك بالسيف فيمـن بشبـا جـورها جرح الهدى عزّ إندمالا
وانتقـم مـن فتيـة أفـناكـم ظلمها جـرح الهدى عزّ إندمالا
وانتقـم مـن فتيـة أفنـاكـم ظلمها في الحكـم سمـّاً وقتـالا
كـم لكم في الأرض مطلول دم طبـق الآفاق نـوحاً يـوم سالا
والـذي قـد طلّ بالطف لـه مادت الخضرا وركن العز مالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 282


أو مـا وافاك مـا في كـربلا مـن حـديث يـنسف الشـمّ الثقالا
نـزل الكـرب بـها إذ دعيت آلـك الأطـهار للــحرب نـزالا
يوم حـرب ملأت صدر الفضا عصباً يقـتادهـا الغيّ عـجـشالا
سادهـا نشوان في أندى الورى رأسه لو قيس ما سـاوى النعـالا
فرأى مـن بأس خواض الوغى شدة قـد فـنيت فيهـا انذهـشالا
لم يـكن إلا على شـوك الـقنا ماشياً في منـشهـشج العز اختيالا
حـامـلاً ألـوية الـعـزّ إلـى مـوقـف فيـه يراهـنّ ظـِلالا
لـذرى العـزّ بـه هــمّتـه قوضت عـن مهبط الضيم ارتحالا
بقـروم شحـذت في عـزمها قضب الهنـشد وسنّوها صقـشالا
أنهـلوها يوم سلـّوهـا دمـاً فيه قـد درّت طلى الشوس سجالا
فهـم الآساد في الحـرب وقد كان يـوم السلـم يـدعوها رجالا
وهـم غاية طــلاب النـدى ولـهم راجية قـد شـدّ الـرحالا
ما دعـاهـا لـنزال أو نـدى هـاتـفٌ إلا أجابـشتـه عجـالا
فـهـي للداعي ولـلراجي لها تـمنح الـقصـد نـزالاً ونـوالا
أرضعت طـفلهم الحرب سوى أنـه يأبى عـن الـدرّ فـصـالا
عـوذت بـالبيض من شبّ لها أمّـه الهيجـاء أن يلقى اكش تهالا
يـعـقد العـز لناشيهـا علـى رايـة قد زانهـا الفخـر جـمالا
ما تثـنـت في اللقـشا إلا رأى غادة قـد هـزّت الـعطف دلالا
زفّهـا المجـد لكفـؤ إن سرى يـقدم الجمع بهـا جـلّ فـعـالا
وجـلاها لـكريــم نـفسـه كرمت في ملتقى المـوت خصالا
خضبت من بـعد ما زفّـت له بـدم الأبطـال طـعناً ونصـالا
ولـهـا طاب اعتناقاً في دجـا مـعـرك فيه منى حـوباه نـالا
وجثـت في موقف دقّـت بـه أنف مَـن بالسوء يبغيها اغتيـالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 283


مـوقف قـد حلقـت رهبتـه بحشـا الأسـد وأنستهـا المصالا
ليس تشكـو سأم الحـرب وإن شكت البيض مـن الضرب الكلالا
لـم تـزد إلا نشاطاً في وغى جـدها ألفـى ضواريهـا كسالـى
عـزةً حنـّت إلى ورد الردى دون أن تسقـى على الهون الزلالا
فأشادوهـا معالٍ لـم يصـب طائـر الوهـم لأدنـاهـا منـالا
وبها قـد هتـف اللطف الـى حضرة القـدس فلبـّتـه امتثـالا
فتداعـوا وهـم هضب حجىً وتـهـاووا قمـراً يتلـو هـلالا
لـم تجد حرّى على لفح الظما وهجيـر الشمـس ريـّاً وظـلالا
كـم صريع عثرت فيـه الظبا عثـرةً عـزّ عليـهـا أن تقـالا
والعوالـي وسـدته بعـدمـا قطرته عن ذرى الخيـل الرمـالا
ومعرّى لـم يجد برداً سـوى صنعـة الـريح جنوبـاً وشمـالا
يـا قتيلاً ثكلـت منـه وقـد عقمـت عـن مثلـه الحرب ثمالا
وجـديلاً شرقت بيض الظبـا بـدمـاه والقنـا السمـر انتهـالا
وقفـت بعـد أفلاك الوغـى فـي ملـمٍ قطبُهـا الثابـت غالا
فهـوى والكـون قـد كاد له جـزعاً يفنى بمـن فيـه اختلالا
ثاوياً نحت القنا في صرعـة قصرت عن شكرها الحرب مقالا
يتشكـى صـدره مـن غلّـةٍ لـو تلاقي زاخـراً جـفّ وزالا
جـرت الخيـل عليه بعدمـا قُظُبـاً لاقـى وسمـراً ونـبـالا
فهـو طوراً للعوالي مـركـز وهـو طـوراً صار للخيل مجالا
بأبي مـن بكت الخضرا لـه بـدم عـن لـونه الافق استحالا
وعـليه المـلأ الأعلى بهـا حـرقاً لازمه الحـزن انفصـالا
فغـدى النوح لـه شأناً وقد كـان تقديسـاً وحمـداً وابتهـالا
وعليـه قمـراهـا لبســا ثـوب خسف أفـزع الكون وهالا
وبكته الأرض بالمحل ومـا كاد يجـري فـوقها الغيث انهلالا
يا مريد الرفد لا تعقل فمـن تبـرك النجـب بمـغنـاه عقـالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 284


قـد مضـى مـن لـم يزل يوقرها يـوم تأتي تحمـل الآمـال مالا
إن تـرد تـثـقـلـهـا آمـالـهـا فبـوفر الجـود يصدرن ثقـالا
فلتقطّـع فيـه أحشـاهتـا جتـوىً مَـن على نائـله كانت عيـالا
وذوى روض الأمـاني بـعـدمـا كان يخضـلّ بجدواه اخضلالا
وجهـه ينـهـلّ بـالبشـر كمـا يـده بالجـود تنهـلّ انهـلالا
يـلـثـم الـوافـد منـه أيـديـاً سحبـاً تسبق بالوكف السـؤالا
يـا لخطـب نسـف البيـداء مـذ زلـزل الأجبال منهـا والتلالا
كـم قتيـل مـن بنـي الهادي به عنـد حرب دمُـه طلّ حلالا
واسيـر عـضـّه قـيـد العـدى ويتيم فـي السبى يشكو الحبالا
ونســاء سـجـَـفَ الله لـهـا حـرم المنعـة عـزاً وجلالا
قــد أحاطــت هيبـة الله بـه فهـو بالطـرف منيع أن ينالا
بـل لـو ان الـوهم في إدراكـه جـدّ لـم يـدرك لمعناه مثالا
حجبـت فيـه التـي مـا شامهـا أبـداً إلاه شخصـاً أو خـيالا
طـاشـت الأوهـام فيـه فـرأت كونهـا في عالـم الدنيا محالا
أصبـحـت بـارزة منـه علـى رغم عليا مضر حسرى وِجالا
ذعـرتها هجمـة الخيـل علـى خـدرها أمّتـه امـّاً ورعـالا
فانجلـت عنـه وقـد سُـد الفضا دونهـا تطلـب كهفـاً ومـآلا
وبعيـن الله أضحـت في السبـى تمتطي قسراً عن الخدر الجمالا
نصلت وخداً ومـن طول السرى عنقـاً كادت بـأن تفـن هزالا
كلما قـد هتفـت فـي قـومهـا إذ حدا الحادي بها والركب شالا
زجـرت بالشتـم مـن آسرهـا وعليهـا السوط بالضرب توالى
غـادرتـهـن الـرزايـا وُلّهـا إذ تـرادفـن عليهـن انثيـالا
يـا لهـا نـادبـة تـدعو ولـم تلـف للمنعة مـن فهر رجالا
قد مضى عنها المحامون الأولى دونها يـوم الوغى ماتوا قتالا
كلما حنـّت لقتـلاهـا شجـى أنست النيب من الثكل الفصالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 285


الشيخ حسن البدر

المتوفى 1334

ومـن ينظـر الدنيـا بعين بصيرة يجـدها أغاليطا وأضغـاث حالـم
ويـوقظـه نسيان مـا قبل يـومه على أنهـا مهما تكـن طيتف نائـم
ولا فـرق في التحقيق بين مريرها وما يُدّعى حلواً سوى وهـم واهتـم
فكيف بنعماهـا يُغـشرّ أخو حجى فيقـرع إذ عنـه انزوت سنّ نـادم
وهـل ينبغـي للعارفيـن ندامـة علـى فائتٍ غيـر اكتساب المكارم
ومـا هـذه الدنيـا بدار استراحة ولا دار لـذّاتٍ لغـيـر البهـائـم
ألـم تر آل الله كيـف تراكمـت عليهـم صروف الدهـر أيّ تراكم
أمـا شـرقت بنـت النبي بريقها وجـرعها الأعـداء طعـم العلاقم
أمـا قتل الكرار بغيـاً بسيف مَن بغى وطغـى فيمـا أتـى من مآثم
عـدوّ إلـه العالمين ابـن ملجـم واشقـى جميع الناس مـن دور آدم
وإن أنس لا أنس الحسين وقد غدا على رغم أنف الدين نهب الصوارم
قضى بعدما ضاقت به سعة الفضا فضاق لـه شجـواً فضاء العـوالم
فمـا لنـزار لا تقـوم بثـأرهـا فتـرضع حربـاً من ضروع اللهاذم
فهـل رضيت عن سفك آل أمية دماهـا بإجـراء الدمـوع السواجم
هبوا القتـل فيكـم سيرة مستمرة فهـل عرفتت كيف السبى ابنة فاطم
أهان عليكم هجمة الخيل جدرهـا كأن لم يكن ذاك الخبا خـدر هاشـم


ادب الطف ـ الجزء الثامن 286


لها الله من مذعورة حين اضرموا خباها ففـرت كالحمام الحـوائـم
فما بال قومي لا عدمت انعطافهم وكانوا أباة الضيم شحـذ العزائـم
أعاروني الصما فلم يسمعوا النـدا ألـم يعلمـوا أني بقيـت بلاحمي
أعيـذكم أن تستباح حـريمـكـم وتسبى نساكم فوق عجف الرواسم
أيرضى إباكـم أن تساق حواسراً كمـا شاءت الأعدا إلى شرّ غاشم
* * *

جاء في شعراء القطيف : هو العلامة الحجة الشيخ عبد الله بن محمد بن علي ابن عيسى بن بدر القطيفي كان مولده سنة 1278 في النجف الأشرف ونشأ بها وترعرع وتفيأ ظل والده المغفور له فقد كان من مشاهير عصره علماً وفقهاً وتحقيقاً ومن هذا النمير الصافي نهل مترجمنا ثم فوجئ بفقده في أيام صباه وسافر إلى وطنه القطيف وتلمذ على يد أعلامها كالشيخ علي القديحي وأمثاله ولم يزل حتى بلغ الغاية القصوى وإذا هو ذلك المجتهد الكبير والمصلح العام ثك كرّ راجعاً إلى النجف الأشرف وبقي مدة مواصلاً للطلب بين درس وتدريس وتأليف حتى طلبه عمّه إلى القطيف وبعد أن تزوج بأحد أكفائه توجه إلى مكة لاداء فريضة الحج وبعده أبحر من مكة المكرمة إلى النجف الأشرف من طريق جدّه ولا زال موئلاً لرواد العلم والحقائق مستقلاً بحوزة علمية لما عليه من النضوج العلمي والورع والتقى والصلاح وقد ارتوى من نمير علمه الصافي كثيرون من رواد العلم والحقائق كوالدنا المرحوم والشيخ حسين القديحي وأمثالهما .
توفي رحمه الله بالكاظمية سنة 1334 ودفن في جوار الكاظميين عليهما السلام وكان رحمه الله يقول الشعر بالمناسبات وأكثره في أهل البيت ومنه هذه المرثية :
متى فقدت أبنا لوي بن غالب إباها فلم ينهض بها عتب عاتب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 287


أمـا قرعـت أسمـاعهـا حنـّة النسـا اليهـا بمـا يرمى الغيـور بثـاقـب
فكـم نظمـت جمـر العتـاب قـلائداً على السمـع من قلب من الوجد ذائب
وكـم نثــرت كالجمر في صحن خدها مـذاب حشا مـن زفرة الغيظ لاهـب
وضجـت اليهـا بـالشـكايـة ضجـة تميـل بأرجـاء الجبـال الأهـاضب
أيـا إخوتـي هـل يرتضـي لكـم الإبا بـأن تعـرضوا عتـى بأيدي الأجانب
أيـا إخـوتي لانـت قناتي على العـدى فلـم يخش بطش الانتقـام محاربـي
أيا إخـوتـي هـل هنـت قدراً عليكـم فهانـت عليكم ـ لا حييت ـ مصائبي
أيـا إخـوتي تـدرون قد هجـم العدى علـي خبائـي واستباحـوا مضاربي
أيـا إخـوتي تـدرون أنـي غنـيمـة غـدوت ورحلـي راح نهبـة ناهـب
أهـان علـى أبنـاء فهـر مسيـرنـا إلى الشام حسرى فوق خوص الركائب
أهـان عليكـم أن نكـون حـواســراً كما شـاءت الأعـدا بأيدي ا لأجانب
أهـان علـى أبنـاء فـهـر دخـولنـا علـى مجلس الطاغـي بغير جلابـب
أتغضي على هضمي ، ألست الذي حمى بسمـر القنا خدري وبيـض القواضب
اتغضـي علـى سبـي وسلبي وهتكهم حمـاي كأني ليـس حامي الحمى أبي
أأسبـى ولا سمـر الـرماح شـوارع أمـامي ولا البيـض الرقـاق بجانبي
أأسبـى ولا فتيـان قومـي عـوابس يـرف لـواها في متـون السلاهـب
بهـا مـن بني عـدنان كل ابن غابة يرى الصارم الهندي أصدق صاحـب
كمـيٌ يـردّ المـوت من شزر لحظه مروع حشى من شدة الخـوف ذائب
همـام إذا مـا هـمّ بالكر في الوغى تدكدكـت الأبطـال تحت الشـوازب
فتأتي بهـا شعـث النواصي ضوابحاً تـقلّ بها مثـل الجبال الأهاضـب
يجيـؤون كـي يستنقـذوني وصبيتي مـن الأسـر أو واذل أبناء غالـب
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 288


(وله في رثاء أبي الفضل العباس عن لسان الحسين عليهما السلام) :
طـويت على مثـل وخـز الرماح ضلوعـي أو مثـل حزّ الصفاح
ورحـت كمـا بـي تمنّى الحسـود وقـد لان للدهـر مني الجمـاح
وبـتّ علـى مثـل شـوك القتـاد أردد أنـفـاس دامـي الجـراح
تغـيبـت فاظـلـمّ وجتـه النهـار بعينـي واسـود وجـه الصباح
فـقــدتـك درعـاً بـه أتـقـي مـن الـدهر طعن القنا والرماح
أبـا الفضل رحـت فـروح التقى عقيبـك قـد آذنـت بالـرواح
عـجيـب مقيـلك فـوق الثـرى ألـيس مقيلك فـوق الضـراح
مـن العدل تمسي ببطــن اللحود وانشـق بعـدك عـذب الرياح
مـن العـدل يألف جفني الكـرى وبـالتـرب إنسـان عينيّ طاح
مـن العـدل يـألف قلبي السلـو وأنـت الفقيـد وأنـت المنـاح
تـرانيَ إن أقـض وجـدا عليك علـيّ بـذا حـرج أو جـنـاح
تـرانـي إن أحتـرق بالـزفيـر عـليـك ألامُ وتلـحـو اللـواح
أأصغي وقد شل عضب الخطوب كـلا ساعـديّ ، إلـى قول لاح
أأصغـي وقـد فـلّ مني الزمان صفـيحة عـزم تفـلّ الصفـاح
خلـعـت سلـويّ لمـا سـطـا على صبري الدهر شاكي السلاح
سـأسكـب مـاء عيوني عليك لـميـت صبـري مـاءً قـراح


ادب الطف ـ الجزء الثامن 289


السيد محمد القزويني

المتوفى 1335

أحلمـا وكادت تمـوت السنـن لطـول انتظارك يابن الحسن
وأوشــك ديـن أبيـك النبـي يمـحى ويرجع ديـن الـوثن
وهـذي رعاياك تشكـو اليـك مـا نالها مـن عظيم المحن
تناديـك معـلنـة بالنـحيـب اليـك ومبـديـة للشـجـن
وتـذري لمـا نالـهـا أدمعـاً جريـن فلـم تحكهنّ المـزن
ولـم تـرم طرفـك في رأفـةٍ اليها ولـم تصغِ منـك الاذن
لقـد غـرّ إمهالك المستطيـل عـداك فباتوا على مطمئـن
تـوانيـت فاغتنمـوا فرصـة وأبدوا من الضغن ما قد كمن
وعـادوا على فيئكـم غائريـن وأظهـرت اليـوم منها إلاحن
فطبـّق ظـلمهـم الخـافقيـن وعـمّ على سهلهـا والحـزَن
ولـم يغتـدوا منـك في رهبة كأنـك يا ابن الهـدى لم تكن
فمـذ عمّنا الجـور واستحكموا بأمـوالنا واستباحـوا الوطـن
شخصنا اليـك بـأبصارنــا شخـوص الغريق لمـرّ السفن
وفيـك استغثنـا فإن لـم تكن مـغـيثـاً مجيـراً وإلا فمـن
إلـى مَ تغضّ علـى ما دهاك جـفنا وتنـظـر وقـع الفتـن
أتغضي الجفـون وعهـدي بها على الضيم لا يعتريهـا الوسن
ثناك القضـا أو لسـت الـذي يكون لك الشيء إن قلـت كـن
أم الـوهن أخـرّ عنك النهوض أحاشيـك أن يعتريـك الوهـن


ادب الطف ـ الجزء الثامن 290


أم الجبـن كهـم ماضيك مـذ تراخيت حاشا علاك الجبـن
أتنـسى مـصائـب آبـائـك التـي هـدّ مما دهاها الركن
مصاب النبي وغصب الوصي وذبـح الحسين وسـمّ الحسن
ولكـنّ لا مثـل يوم الطفوف فـي يـوم نائبـة في الزمن
غـداة قضى السبط في فتيـة مصابيح نــور إذا الليل جن
تغسّـل أجسـامهـم بالنجيـع وتسـدي لها الـذاريات الكفن
تفانـوا عطاشا فليـت الفرات لما نالهـم مـاؤه قـد أجـن
وأعظـم ما نالـكـم حـادث لـه الدمع ينهـلّ غيثـاً هتن
هجـوم العـدو على رحلكـم وسلـب العقايـل أبرادهـن
فغودرن ما بينهـم في الهجير وركبنّ من فوق عجف البدن
تـدافع بالساعـدين السيـاط وتستر وجهـاً بفضل الردن
ولـم تـرَ دافـع ضيـم ولا مغيثاً لها غير مضنى يحـن
فتـذري الدمـوع لمـا نالـه ويـذري الدموع لما نالهـن
* * *

السيد محمد القزويني نجل الحجة الكبير السيد مهدي القزويني ، ينتهي نسبه الشريف إلى محمد بن زيد بن علي بن الحسين ، وأمه كريمة الشيخ علي ابن الشيخ جعفر الكبير . كان رحمه الله موسوعة علم وأدب فإذا تحدث فحديثه كمحاضرة وافية تجمع الفقه والتفسير والأدب واللغة والنقد والتاريخ مضافاً إلى الفصاحة واللباقة وعذوبة الحديث وقوة الذاكرة ، تزينه سمات العبادة والورع فمن مميزاته أن يأمر بتقسيم الحقوق وهي عند أهلها دون أن يتسلّمها بيده ، يحرص كل الحرص على مصلحة الامة والرأفة بالضعيف فلا تأخذه في الله لومة لائم . كتب عنه الشيخ محمد علي اليعقوبي في (البابليات) وباعتباره تتلمذ عليه ولازمه مدة لا تقل عن عشر سنوات فقد أعطى صورة صادقة عنه وهو متأثر به كل التأثر فذكر أنه ولد في الحلة سنة 1262 وفيها نشأ وحين راهق البلوغ

ادب الطف ـ الجزء الثامن 291


هاجر للنجف الأشرف مع أخويه الكبيرين السيد ميرزا جعفر والسيد ميرزا صالح فدرس المعاني والبيان والمنطق على الكبير منهما وشطراً من الاصول عى الفاضلين الشيخ محمد والشيخ حسن الكاظميين والشيخ علي حيدر ثم رجع للحلة واشتغل بالتدريس فهذّب جملة من شباب الفيحاء وأعاد الكرّة للنجف لاستكمال الفضيلة مع أخويه المذكورين فاغترف من منهل الشريعة ما به ارتوى حتى أصبح معقد الأمل ونال رتبة الاجتهاد بشهادة المجتهدين وزعماء الدين وبعد وفاة والده السيد المهدي قدس الله نفسه وأخويه الكبيرين قام باعباء الزعامة الدينية في الحلة الفيحاء فكان المرجع في الأحكام الشرعية وموئلاً للمرافعات وفصل الخصومات وصلاة الجماعة في المسجد العام مواضباً على التدريس في الفقه والاصول وتربية النشء التربية الصالحة وقام باصلاحات عامة من تشييد مراقد علماء الحلة التي كادت أن تنطمس معالمها كمراقد آل طاووس في داخل البلد وخارجه ومرقد الشيخ المحقق أبي القاسم الهذلي ، وابن ادريس صاحب السرائر وابن فهد والشيخ ورام المالكي النجفي ، وآل نما ومقام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في آخر بساتين (الجامعين) على طريق (الكفل) وتاريخ الفراغ منه جملة (ظهر المقام) سنة 1317 وبالقرب منه مرقد السيد عبد الكريم ابن طاووس صاحب (فرحة الغري) ، ومنها تجديد عمارة مشهد الشمس وكان السيد المترجم له يقيم فيه الجماعة منتصف شوال من كل عام وتعطل الأسواق والأعمال بأمره للحضور والصلاة هناك إحتفاء بذكر ذلك اليوم الذي ردّت الشمس فيه للامام عليه السلام ، وخلّف كثيراً من الآثار العلمية منها منظومة في المواريث ، ورسالة في علم التجويد والقراءات ، ورسالة في مناسك الحج وغيرها وفي الترجمة ألوان من أدبه نثراً ونظماً تدلّنا على مواهبه ، اختاره الله ودعاه اليه فلبّى النداء فجر يوم الخميس خامس محرم الحرام أول سنة 1335 هـ في مسقط رأسه ـ الحلة ـ ونار الحرب العالمية الاولى مستعرة في وادي الرافدين بين الانكليز والأتراك ـ حُمل إلى النجف ودفن مع اسرته في مقبرتهم الواقعة في محلة العمارة . وترجم له صاحب الحصون المنيعة ترجمة وافية

ادب الطف ـ الجزء الثامن 292


استقى منها كل من تأخر عنه ، وكتب البحاثة علي الخاقاني في شعراء الحلة ملماً بالشارد والوارد عن حياته ومما قال : وكتب المترجم له إلى أخيه الميرزا صالح يطلب منه (راوية ماء) على أثر انقطاع الماء عن النجف وقد وعده أن يبعثها مع غلام اسمه (منصور) ليحمل بها الماء من شريعة الكوفة فقال :
فديناك إن البـركة اليـوم ماؤها لقد غاض حتى مسّ من أجله الضرّ
وليس سوى البحر الذي تعهدونه علـى أنـه والله لا يشـرب البحر
فـان لم تغثنـا من نداك عجالة بـراوية مـلأى ويحملهـا المهـر
بحيث بها منصور نحوي يستقي من الجسر ماءً ، ليت لا بَعُد الجسر
وإلا فإني قـد هلكت مـن الظما (وإن متّ عطشانا فلا نزل القطر)

واستمع إلى رقة عاطفته حيث يرثي أخاه الميرزا جعفر ـ وهو ممن يستحق الرثاء ـ إنه كتب بهذه القطعة إلى أخيه الآخر وهو الميرزا صالح ، واليك بعضها :
ومـن عجـب أنـي أبيـتُ ببلدة بهـا لشقيق الروح قد خط مضجع(1)
أحـاول أن أستاف تربتـه التـي هي المسك ، لا والله بل هي أضوع
وينهـض لي وجدي لمرقده الذي بـه ضمّ بـدر التم ، بل هو أرفع
لكيما أُطيل العتب لو كان مصغياً وأشكـو لـه بلواي لو كان يسمـع
فلما نشقت الطيب من أيمن الحمى كبـوت فـلا أدنـو ولا أنا أرجـع
يخيّـل لي كل (الغري) له ثـرىً وفـي كل نادٍ منـه للعين مـوضع

وقال في جده الحسين (ع) :
بنفسي بنـات المصطفى بعد منعـة غـدت في أعاديها تهـان وتضـرب
وتسلـب حتـى بالأنامـل يغتـدي لها عـن عيـون الناظريـن التنقـّب
ومذ أبصرت فوق الثرى لحماتهـا جسـومـاً بأطـراف الأسنـة تنهـب
فعارٍ عليـه الخيـل تعدو وعافـر على الأرض من فيض النجيع مخضب


(1) يقصد بلد النجف الأشرف حيث دفن أخوه فيه .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 293


غدت تمزج الشكوى اليهم بعتبها عليهـم وتنعى ما عراها وتنـدب
(أحباي لـو غير الحمام أصابكم عتبتُ ولكن ما على الموت معتب)

وحضر السيد أبو االمعز المحترم له في مجلس السيد عبد الرحمن النقيب ببغداد عام 1322 هـ فجرى حديث ردّ الشمس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأورد النقيب شكوكه حول صحة الحديث ، وأبو المعز يدلي بالبراهين الجلية والأخبار المتواترة من طرق الفريقين ، وعلى الأثر قال السيد أبو المعز :
قـد قلتُ للعلوي المحض كيف ترى حـديـث ردّ ذكاءٍ للامام علـي
فقال في النفس شيء منـه قلت لـه الأمر في ذاك ما بين الرواة جلي
فقال قـد قلـت تقليـداً فقلـت لـه أنت المقلـّد في علـم وفي عمل
وقـل لـه يا عـديم المثل مجتهـداً فيـوشع قبله في الأعصر الأول
وكـلما صحّ أن تلـقـاه مـكرمـة للانبيـاء عـدا اكرومـة لولي
ومشهـد الشمس في الفيحاء إن تـره كأنه فـي العلى نـار على جبل
وما رواه الطحاوي(1) وابن مندة من حديث (أسما) شِفاً فيه من العلل

وعند وصول هذه الأبيات أجابه النقيب برسالة يقول فيها :
قسماً بشرفك يا شمس المعارف والعلوم اليت أنارت بنورها الفجاج واهتدى بها السالكون في كل منهاج ، لقد أعجبني بل أطربني وأنعشني بل أهزني ما أحكمه فكرك من الآيات البينات والأبيات الأبيّات ، التي تعجز الفصحاء عن مباراتها والبلغاء عن الاتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، ولله درك لقد أقمت على المدعى عليه برهاناً حتى صار لدى الداعي عياناً ، لا شك فيه واطمأنت له النفس بلا ريب يعتريه ولا بدع ، فحضرة مولانا أمير المؤمنين

(1) الطحاوي هو الفقيه الحنفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي . وطحا قرية بصعيد مصر . وابن مندة أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد ولد باصبهان سنة 434 وتوفي سنة 513 وهو محدث إلى خمسة آباء كلهم علماء .


السابق السابق الفهرس التالي التالي