ادب الطف ـ الجزء الثامن 266


المـلاقـون بـابـتسـام وبـشر وابتهـاج ركـائـب الـوفـاد
وأولـوا العـزم والبسالة والحزم ، وحلـم أرسـى مـن الأطـواد
إن ريب المنون شتتهم في الأرض بـيـن الأغـوار والأنـجـاد
مـن طـريح على المصلى شهيد قد بكتـه أمـلاك سبع شـداد
يا بـن عـمّ النبي يا واحـد الدهر وكهف الورى ويا خير هـادي
أنـت كفـؤ البـتول بين البـرايا يا عـديـم الأشبـاه والأنـداد
عـجباً للسماء كيـف استقـرت ولها قـد أُميـل أقوى عمـاد
والـثرى كيف مـا تصدّع شجواً وبـه خـرّ أعـظـم الأطواد
وقـلـوب الأنام لـم لا أُذيـبت حين جبريل قـام فيـهم ينادي
هـدّ ركن الهـدى وأعلام ديـن الله قد نكسـت بسيف المرادي
واصيب الإسلام والعروة الوثقى وروح التقـى وزين العـبـاد
إن أتقى الأنام أرداه أشقى الخلق ثانـي أخـي (ثمـودَ وعـاد)
فلـتبكّيـه عيـن كـل يـتيـم وعيون الأضيـاف والـوفـاد
يا لـرزء قـد هدّ ركن المعالي حيث سرّ العداة فـي كل نادي
عدّه الشامـتون في الشـام عيداً أموياً مـن أعظـم الأعـيـاد
ومصـاب أبكـى الأنـام حقيق فيه شـق الأكـبـاد لا الأبراد
وقتيل بالسيف ملقـى ثـلاثـاً عافر الجسم فـي الربى والوهاد
لسـتُ أنسـاه إذ أتتـه جنـود قد دعاها لحربـه ابـن زيـاد
فغدا يحصـد الرؤوس ويؤتـي سيفـه حقـه بـيـوم حصـاد
كاد أن يهلـك البـريـة لـولا أن دعاه الاله فـي خيـر نادي
بأبي ثاويـا طـريحـاً جريحاً فوق أشـلائـه تجـول العوادي
وبأهليَ من قد غدا رأسه للشام يهـدى علـى رؤوس الصعـاد
ونساء تطـارح الـورق نوحاً فوق عجف النياق حسرى بوادي


ادب الطف ـ الجزء الثامن 267


السيد باقر القزويني

المتوفى 1333

أفـدي قتيـلاً بالعرى مُلقـى علـى وجه الثرى
يـا أكـرم النـاس أباً وواحــد الـدهـر إبـا
رزؤك يا بـن النُجبـا أوهـى مـن الدين عُرى
أوهى عُرى الدين وقد هزّ من العـرش العـَمـد
لم يجـدنـي فيه الجَلد فكيـف والـدمـع جرى
وأعظم الرزء كـمـد نساء خيـر الخلـق جـد
تُسبى لـذي كـلّ أحد تُهدى إلى شـرّ الـورى
لا كافـلٌ ، ولا ولـي قـد سلبـوهـنّ الحلـي
تندبُ نوحـاً يا (علي) هـذا حسيـنٌ بالـعـرى
هاتيـك يـا رب الابا عترة أصـحـاب العَبـا
أفناهـم حـزّ الضبـا يا ليت عينـيـك تـرى
لهنّ ما بنـي العـدى نَوحٌ يُنـيـبُ الجلـمـدا
تدعو إذا الصبـح بَدا يا صبح لا عـُدتَ تُرى
* * *

وله هذا البند في الإمام الحسين (ع) وقد قرئ في دارهم بالحلة والهندية في العشرة الاولى من المحرم في مجلس عامر بمختلف الطبقات .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 268


ألا يا أيها الراكب يفري كبد البيد ، بتصويب وتصعيد ، على متن جواد أتلع الجيد ، نجيب تخجل الريح بل البرق لدى الجري ، إلى الحلبة في السبق ذراعاه مغاراً ، عج على جيرة أرض الطف ، وأسكب مزن الطرف ، سيولاً تبهر السحب لدى الوكف ، وعفر في ثراها المندل الرطب بل العنبر خديك ، ولجها بخضوع وخشوع بادي الحزن قد ابيضت من الأدمع عيناك ، فلو شاهدت من حلّ بها يا سعد منحوراً شهيداً لتلظيت أُوارا ، فهل تعلم أم لا يا بن خير الخلق سبط المصطفى الطهر ، عليه ضاق برّ الأرض والبحر ، أتى كوفان يحدو نحوها النجب ، وقد كانوا اليه كتبوا الكتب ، وقد أمّهم يرجو بمسراه إلى نحوهم الأمن ، فخفّت أهلها بابن زياد وحداها سالف الضغن ، وأمّت خيرة الناس ضحى بالضرب والطعن ، هناك ابتدرت للحرب أمجاد بهاليل ، تخال البيض في أيديهم طيراً ابابيل ، فدارت بهم دائرة الحرب وبانت لهم فيها أفاعيل ، وقد أقبلت الأبطال من آل علي لعناق الطعن والضرب ، ونالت آل حرب بهم الشؤم بل الحرب ، كما قد غبروا في أوجه القوم وغصت منهم بالسمر والبيض رحى الحرب ، كرام نقباء نجباء نبلاء فضلاء حلماء حكماء علماء ، وليوث غالبية ، وحماة هاشمية ، بل شموس فاطمية وبدور طالبية ، فلقد حاموا خدورا ، ولقد أشفوا صدورا ، ولقد طابوا نجاراً أسد مذ دافعوا عن حرم الرحمن أرجاس ، فما تسمع إلا رنة السيف على الطاس ، من الداعين للدين هداة الخلق لا بل سادة الناس ، ولو تبصر شيئاً لرأيت البيض قد غاصت على الرأس ، ففرت فرق الشرك ثباً من شدة البأس ، ولا تعرف ملجى لا ولا تعقل منجى ، لا ولا تدري إلى أين تولي وجهها منهم فرارا ولم يرتفع العثير إلا وهم صرعى مطاعين ، على الرمضاء ثاوين ، بلا دفن وتكفين تدوس الخيل منهم عقرت أفئدة المجد ، ومجّت منهم البوغا دماً عزّ على المختار أحمد ، ففازوا بعناق الحور إذا حازوا علاءً وفخارا ، ولم يبق سوى السبط وحيداً بين

ادب الطف ـ الجزء الثامن 269


أعداه ، فريداً يا بنفسي ما من يتفداه ، وإذ قد علم السبط بأن لا ينفع الأقوام إنذار ، ولا وعظ وتحذير وإزجار ، تلقاهم بقلب ثابت لا يعرف الرعب وسيف طالما عن وجه خير الخلق طراً كشف الكرب ، وناداهم إلى أين عبيد الامة اليوم تولون ، وقد أفنيتم صحبي وأهلي فإلى أين تفرون .
وقد ذكرهم فعل علي يوم صفين ، وفي جمعهم قد نعبت أغربة البين ، وما تنظر أن صال على الجمع سوى كف كميٍّ نادر أو راس ليث طائر في حومة البيد ، ترى أفئدة الفرسان والشجعان والأقران من صولته في قلب رعديد ولما خطّ في اللوح يراع القدر المحتوم أن السبط منحور ، هوى قطب رحى العالم للارض كما قد خرّ موسى من ذرى الطور ، صريعاً ضامياً والعجب الأعجب أن يظمى وقد سال حشاه بالدم المهراق حتى بلغ السيل زبى الطف ، لقىً ينظر طوراً عسكر الشرك وطوراً لبنات المصطفى يرمق بالطرف ، هناك الشمر قد أقبل ينحو موضع اللثم لخير الخلق يا شلت يدا شمر ، فكان القدر المقدور واصطك جبين المجد إذ شال على الرمح محيّا الشمس والبدر ، وداست خيلهم يا عرقبت من معدن العلم فقار الظهر والصدر ، طريحاً بربى الطف ثلاثاً يا بنفسي لن يوارى ، وأدهى كل دهماء بقلب المصطفى الطاهر توري شرر الوجد ، هجوم الخيل والجند ، على هتك خدور الفاطميات وإضرام لهيب النار في الرحل بلا منع ولا صدّ ، وقد نادى المنادى يا لحاه الله بالنهب ، وقد جاذبت الأعداء أبراد بنات الوحي بالسلب ، فيا لله للمعشر من هاشم كيف استوطنوا الترب ، وقرّت فوق ظهر الذل والهون وقد أبدت نساهم حاسرات بربى البيد بنو حرب ، على عجف المطايا بهم تهتف بالعتب ، أفتيان لوي كيف نسري معهم ليس لنا ستر ، ومنا تصهر الشمس وجوها بكم لم تبرح الخدر ، ألا أين الحفاظ اليوم والغيرة والباس ، ألا أين أخو النخوة والغيرة عباس ، أتسبى لكم مثل سبايا الترك والديلم ربات خدور ما عهدنا لكم عن مثله صبر ،

ادب الطف ـ الجزء الثامن 270


ونستاق أُسارى حسراً بين عداكم ليزيد شارب الخمر ، لقد خابت فغضّت بصراً عن عتبهم إذ حال ما بينهم الموت ، ونادت بعلي هتفاً مبحوحة الصوت ، على مثل بني المختار يا عين فجودي واسكبي أدمعك اليوم غزارا ، ويا قلب لآل المرتضى ويحك فاسعدني أوارا ، فعليهم عدد الرمل سلام ليس يحصى وثناء لا يُجارى .
* * *

هو السيد باقر ابن السيد هادي ابن السيد ميرزا صالح ابن السيد مهدي القزويني . ودوحة آل القزويني كل أغصانها شعراء وعلماء وادباء فكلهم أهل فضل وأدب وكرم . أرسله والده مع اخوته في عنفوان صباه إلى النجف لتحصيل العلم وما كانوا يفارقونها إلا في شهور التعطيل ، وقد برع المترجم له فأتقن العلوم العربية بمدة وجيزة على جماعة من الأساتذة وكان آية في الذكاء مؤهلاً لنيل المقامات العالية التي بلغها أسلافه الكرام ، وجلّ ما حصل عليه من الأدب هو من عمه السيد أحمد وعم أبيه السيد محمد ، ولما اقترن بإحدى كرائم خاله السيد موسى بن جعفر عقدت له مهرجانات أدبية ألقت فيها القصائد والتهاني .
ولد في ربيع الاول سنة 1304 وتوفي في جمادى الثانية سنة 1333 . قال عنه أخوه العلامة السيد مهدي القزويني في مقدمة ديوانه المخطوط الذي سماه بـ اللؤلؤ النظيم والدر اليتيم ـ كان عالماً فاضلاً مهذباً كاملاً ، حديد الذهن جيد الفهم ، حلو التعبير وسل مَن به خبير : له منظومة في الصرف محلاة بأحلى بيان ، ومتن مختصر في المعاني والبيان ومنظومة في نسبه الشريف . قال الشاب البحاثة السيد جودت القزويني : وقفت على نسخة بالية طمست أكثر أوراقها من منظومته في الصرف وهي تنيف على 500 بيتً ، أولها :
قال فقير الزاد للمعاد محمد الباقر نجل الهادي


ادب الطف ـ الجزء الثامن 271


ومن مؤلفاته مجموع في (الأدعية والاحراز) جمع فيه ما رواه عن مشايخه في الحديث والاجازة وعلى رأسهم عمّ والده أبو المعز السعيد محمد القزويني وجدّه الميرزا صالح القزويني ، ويروي عنه بواسطة :
أوله : قد جمعت في هذه الأوراق صور أدعية واحراز وبعض الأخبار المروية جميعاً عن أهل بيت العصمة الواصلة إليّ إجازة روايتها وقراءتها حذراً على شموسها من الافول وإشفاقاً على أوراقها من الذبول .
أخبرني السيد جودت القزويني أن نسخة الأصل عند السيد عبد الحميد القزويني التي أضاف اليها ما استجدّ له من الاحراز ، قال رأيته في مكتبته في قضاء (طويريج) وله أرجوزة في المنطق لم يعثر عليها ، أما ديوانه الذي ينيف على الألف وخمسمائة بيت في أغراض مختلفة فتوجد نسخة منه أو أكثر في مكتبات آل القزويني ، فمن نتفه ونوادره قوله في العتاب متضمناً قاعدة منطقية :
أمن المـروءة أن تبيظتح لعاذل وصلا وتهجر مدنفاً مشتـاق ا
خلفتني بجفاك (مفهوم) الضنى وغدا فؤادي للجوى (مصداقا)

وقال متضمناً قاعدة اصولية :
وآعد بالوصل إذ تحقق أني بطول الهوى مطوق
فقمـتُ بالانتظار حولا لعلّ باب الوفـاء يطرق
تعبداً بالدليـل (صرفا) لأن لفظ الدليـل (مطلق)

وله في الجناس :
وشـادن قـلـت لـه صلني ، فلمـا وصـلا
لم يُبق ، لي لا والهوى بالوصل صومٌ (وصلا)

ومن ثنائياته قوله :
السيف قد ينبو ـ أخا المجد ـ والـ جواد قد يكبو ، وقد يعثر
والمـاجـد الحـبـر إذا زلـّت الـ أقدام في صاحبـه يعـذر


ادب الطف ـ الجزء الثامن 272


وله :
لما رأى نار وجدي قد أضرمتها شجوني
أباح رشـف لمـاه وقال (يا نار كوني)

ومن طرائفه قوله مشطرا :
(يقول أنا الكبيـر فوقروني) وأكبر منـه جثـمـان البعـيـر
أكلّ كبير جسـم عظـمـوه (ألا ثكلتك أمـك مـن كـبـيـر)
(إذا لم تأت يوم الروع نفعاً) ولا في السـلـم تسمـح باليسيـر
ولا تسمو بعلـم أو بخلـق (فما فضل الكبـيـر على الصغير)

وقال مخمساً ، والاصل لبعض الادباء :
عاشرت أبناء الورى فهجرتهم وبلوت جلّ قبيلتي فعرفتهم
فغدوت منفرداً وقـد نـاديتهم يا إخوة جرّبتهـم فوجدتهم
من إخوة الأيام لا من إخوتي
فاخترت من حسن التجنب عنهم ما لو سئلت لكنت أجهل مَن هم
هيهات أطمـع بعـد ذلك فيهـم فلأنفضـنّ يـديّ يـأساً منهم
نفض الأنامل من تراب الميت

ومن نوادره ما رسمه بخطه قائلاً : تطرق ديارنا تصوير سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين معكوساً عما وجد في خزائن اليونان ، مصوراً بالقلم في ماضي الأزمان ، فأمر عمي السيد محمد(1) سلمه الله جمعاً من الادباء بأن ينظم كل بيتين . وبعد أن نظم هو حرسه الله ، أمرني وأمر ابن عمي السيد محسن بأن ينظم كلانا ، فخدمنا تلك الحضرة إذ امتثلنا أمره ، والذي يحضرني منها بيتاه ـ حفظه الله وهي هذه :

(1) هو أبو المعز السيد محمد القزويني المتوفى 1335 هـ .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 273


هو تمثال حيدر الطهر فأعجب ليدٍ صوّرت له تمثالا
زره وألثمـه واستلمـه وعظّم شكل تمثاله تنل آمالا

وبيتاي هما :
قيل لي في مثال حيدر شرّف نور عينيـك إنـه نبـراس
قلتُ عن ضمّه العوالم ضاقت عجباً كيف ضمه القرطاس

وتقدم في هذا الكتاب بيتان للشيخ يعقوب النجفي المتوفى 1329 حول هذا التصوير المقدس .
ومن شعره في الغزل :
كم تمنيت والمحـال قرينـي أن يكـون الحبيـب طوع يميني
كم تحـدثت باسم ليلى شجوناً وهـو القصد في حديث شجوني
ما تخيلت أن فيـه شبـابـي ينقـضي بـين زفـرة وأنيـن
فلي الله مـن قتيـل لحـاظ من عيـون فـديتهـا بعيـونِ

وله :
ضاقت عليَّ مساكن البلد مذ بان عنـي منيـة الكبـد
أحبيب بعدك لم أجل أبداً عينيّ مـن وجـد على أحد
ما كنـت أعلم قبل بينكم أن النوى يوهي قـوى جلدي
هل لي بأوباتٍ أفوز بها منكم وابذل جلّ ما بيــدي

وأرسل كتاباً إلى والده الهادي من النجف عن لسانه ولسان إخوته يستعطفونه فيه بزيادة رواتبهم التي خصصها لهم في كل شهر ، أثناء دراستهم وذلك سنة 1325 نثبت قدر الحاجة منه : أدام الله مولانا وحرسه وحفظ ذلك الغصن الذي أثمر العز مذ غرسه وجعله مفتاحاً لكل فضل ارتجت أبوابه ومصباحاً تستضيء به أرباب العلم وطلابه ، أي ومننك السابقة وأياديك اللاحقة لأنت الذي لبست للندى غلالته والله أعلم حيث يجعل رسالته ، نعوذ

ادب الطف ـ الجزء الثامن 274


بك من إفلاس صال علينا بجنوده ، وفاجأنا بعدته وعديده ، يبتغي قتل كل مغسر ويرتّل ربي يسر ولا تعسر ، فتحصّن منه مَن تحصن وما لنا حصن سواك ، وتطامن للذل من تطامن وكيف يتطامن مَن يؤمل جدواك :
وأنت لنا درع حصين وصارم بهن على الدهر الشديد نصول
ونلقى جيوش العدم فيك فتنثني رماح لها مفلـولة ونصـول

فيا بقيت يا جمّ المناقب وزعيم العز من آل غالب منهلاً للوارد ومنتجعاً للوافد ، ترشد بهداك الساري وتكسو بفيض أناملك العاري ، فوفر أرزاقنا بما أنت أهله فإنك فرع الكرم وأصله ، فإنا لا نرجو بعد الله سواك ولا نقبل إكرام كل مكرم إلاك ، ولك الفضل أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً :
وارع لغرس أنت أنهضته لولاك ما قارب أن ينهضا

وقد صدر هذه السالة بقصيدة طويلة مدرجة في ديوانه المخطوط . وهذه قطعة من شعره الذي أبّن فيه عمّ والده وهو السيد حسين ابن السيد مهدي قدس سره :
اعاتب دهراً ليس يصغي لعاتب بجيش المنـايا لا يـزال محاربي
اعاتب دهراً جبّ غـارب هاشم وغالب غلبـاً من نـزار وغالـب
ولفّ لواء مـن لـويٍّ ونال من قصيّ العلا أقصى المنى والمآرب
وغار على بيت المكارم والهدى فأرداه ما بيـن النـوى والنوائب
وأفجـع في فقد الحسين محمداً وآل أبيـه خيـر مـاش وراكب
مصائبنا لم تحص عداً وهونت مصيبتـك الدهماء كل المصائب
نعتك السما يا بدرها نعي ثاكل إلى البلد القاصي بدمع السحائب(1)
فقدنـاك عيشاً إن تتابع جد بها فقدناك غوثاً للامور الصعـائب


(1) يشير إلى هطول الأمطار يوم وفاته .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 275


الشيخ باقر حيدر

المتوفى 1333

قال في مطلع قصيدة في الامام الحسين عليه السلام وهي من القصائد المطولة :
إن لم أكن باكيـاً يوم الحسين دما لا والهـوى لم أكن أرعى له ذمما
لا أشكر العيـن إلا إن بكـت بدم أولا فيـاليتهـا تشكو قذى وعمى
وأنت يا قلب إن لم تنتثـر قطعـاً في أدمعي لم تكن في الحب منتظما
إن كنت مرتضعاً من حبّ فاطمة لا تترك الدمـع من أحشاك منفطما
فقد جـرت لحسيـن دمعهـا بدم فجارها في البكا وابك الحسين دما
ونكبة زلزلت في الارض ساكنها وأوقفت فـي السما أفلاكها عظما
تنسي الحوادث في الدنيا إذا قَدُمت وحادث الطف لا يُنسـى وإن قدما
يا بن النبـي الذي في نور طلعته زان الهدى وأزال الظلـم والظلما
أصات ناعيك في الدنيـا فأوقرها مسامعاً واشتكت أسماعهـا صمما
قد جلّ رزؤك حتى ليس يعظم لي في الدهر من بعد رزءٌ وإن عظما
لك الـفـرات أبـاح الله مـورده ففيم تصدر عنـه ظامياً ولمــا
إن كال قيل ـ ولا ذنب أتيت به ـ فمـا لطفلك منـه لم يبـلّ ظمـا
* * *

الشيخ باقر حيدر هو ابن الشيخ علي بن حيدر ولد في النجف ونشأ على الفضيلة واشتغل بطلب العلم الديني ورحل إلى سوق الشيوخ وهذه المنطقة تدين

ادب الطف ـ الجزء الثامن 276


بالولاء لهذا البيت ، فكان المترجم له موضع تقدير واحترام من كافة الطبقات . ترجم له صاحب الحصون ، وفي الطليعة : كان فاضلاً مشاركاً مصنفاً هاجر من بلده سوق الشيوخ إلى النجف فحضر على علمائها ثم هاجر إلى سامراء فحضر على السيد ميرزا حسن الشيرازي ثم عاد إلى النجف بعد وفاة السيد الشيرازي ثم عاد إلى محله واستقلّ بالزعامة وكان أديباً له مطارحات مع بعض الشعراء وله مراث للائمة الأطهار ، ومن آثاره حاشية على القوانين في مجلدين ، وتقريرات استاذه الشيرازي ومنظومة في الأصول . توفي في سوق الشيوخ سنة 1333 ونقل نعشه إلى النجف الأشرف وأعقب ثلاثة أولادهم ، الشيخ جعفر ، والشيخ محمد حسن والشيخ صادق ، وللمترجم له ديوان شعر يحوي فنون النظم وهذا نموذج من نظمه . مرثية للشهيد الحسين عليه السلام وهذا المقطع الأول منها .
سرى البرق يحدو المثقلات من الوطف فأقلـت عزاليهـا وخفّت على الطف
ولو أن مـاء العيـن يشفـي ربـوعها بكيت دماً لكـنّ دمعـي لا يشـفـي
فلله ما ضـمـتـه أكنـاف كـربـلا من الجـود والمجـد المؤثل والعرف
لقد حسد المسـك الفـتـيـت تـرابها فما مثله الداري من المسك في العرف
فلهفي لقوم صـرعـوا فـي عراصها عطاشى على الشاطـي وقلّ لهم لهفي
بها أرخصوا الأرواح وهـي عـزيزة فدىً لهـم روحي وما ملكـت كفـي
فما تضـرب الـهـامـات إلا تنصّفت وخير الظبـا ما يقسـم الهام بالنصف
بأيمانهم يستـأنس السيـف فـي اللـقا كما في التلاقي يأنـس الالف بـالالف


ادب الطف ـ الجزء الثامن 277


الشيخ طاهر السوداني

المتوفى 1333

هلّ المحـرم فاستهــل بـكائـي فيه لمصـرع سيـد الشهداء
ماعدت يا عاشـور غـلا عاد لي كمدي وهجتَ لواعج البرحاء
لهفي على تلك الجسوم على الثرى تصلى بحرّ حرارة الرمضاء
أسفاً على تلـك الـوجـوه كأنها الأقمار قد تُربِّن في البوغاء
من كل وضاح الجبيـن لهـاشـم يُنمى لرأس الفخـر والعلياء
* * *

الشيخ طاهر ابن الشيخ حسن أديب معروف وعالم فاضل ، ولد في النجف 1260 ونشأ بها ودرس عند الشيخ حسن المامقاني وكانت عشيرة السودان في لواء ميسان تعتز به وتفتخر بعلمه وأدبه ، وكان ولده الشاعر الشهير الشيخ كاظم يتحدث عن شعر أبيه وعن ديوانه الذي يضم أكثر من ستة آلاف بيت غير أنه فقد في بعض أسفاره ولم يبق لديه إلا سبع قصائد في رثاء الإمام الحسين عليه السلام ، وللمترجم له شهرة أدبية . توفي في ميسان سنة 1333 هـ ونقل جثمانه إلى النجف ودفن في وادي السلام ، ذكره الشيخ النقدي في (الروض النضير) فقال : كان من أهل الفضل والأدب ، جميل اللفظ حسن المحاورة بديهي النظم وترجم له البحاثة المعاصر علي الخاقاني في شعراء الغري وروى جملة من أشعاره من رثاء وغزل ومراسلات .
أقول ورأيت في مخطوطة بمكتبة (حسينية الشوشترية) رقم 132 خزانة 131 جملة من المراثي الحسينية من نظم الشاعر المترجم له وهذه أوائل القصائد :
1 ـ أمـن دمنتي نجـران عيناك تهمل لك الخير لا يذهـب بحلمك منزل
2 ـ فيا ثاويـاً والـذل لـم يلـو جيده وردت الردى كالشهد عذب الوارد
3 ـ لا غمـضت هـاشـم أجفـانهـا إن لـم تسـل بالطعـن إنسانهـا
4 ـ اليك الوغى يابن الوغى تعلن الندبا فلبّ النـدا منها فيا خير مَن لبّى


ادب الطف ـ الجزء الثامن 278


الشيخ جواد الحلي

المتوفى 1334

من شامخات المجد دك رعانها خطب أطاش من الورى أذهانها

ومنها :
ما آمـنـت بالله لمـحـة نـاظـر مذ خالفتـه وحـالفت أوثـانها
ودعت لبيعتـهـا ابـن مَن بحسامه لله أذعنـت الورى إذعانـهـا
من معشـر لهـم العلـى ووليـدهم يسقى غـداة رضاعه ألبانـها
لهم الفواضـل والفضـائـل ناطق فيها الكتاب مفصّـل تبيـانـها
في هل أتى جاءت نصوص مديحهم ما كان أوضح للمريـب بيانها
وبآية التطهـيـر محـكـم ذكـرها قد خصها شرفاً وأعلـى شانها
يا ما أجلّ مكـانهـا بـذرى العلى بذرى العلى يا ما أجلّ مكـانها
فسرى لحـربهـم بأكـرم فتـيـة يذكي لهيب سيوفهـم نيـرانها
مرهوبة السطـوات إن هي جردت بيض السيوف وكسّرت أجفانها
كرهوا الحيـاة عـلى الهوان وإنما يتصعب الشهم الأبـيّ هـوانها
فجلوا دجى الهيجـاء بالغـرر التي قد علّمت شمس الضحى لمعانها
بأبي الاولى قد عانقـوا أسـل القنا والبيض حتـى وزعت جثمانها
وثوت كما يهـوى الحفـاظ لأنفس دون الهدى قد فـارقت أبدانها
نهبت جسـومهـم الصفـاح ومنهم تخذت رؤوسهـم القنا تيجانها


ادب الطف ـ الجزء الثامن 279


وفي آخرها :
ما بال اسد نزار وهـي إذا سطت تخشـى الأسود ضرابها وطعـانها
رقدت وما ثـارت إلى ثـاراتـها بالخيـل تحمـل للـوغي فرسانها
لا أدركت بشبا القـواضب مطلباً في المجد إن هـي حاولت سلوانها
لم يغنها عن قرع واتـر مجـدها بالبيـض قـرع بنانهـا أسنـانها
ألويّ دونك فالبسـي حلل الجوى وبفيض دمعـك فاصبغـي أردانها
هذا أبـو السجـاد غيـر مشيـع بثرى الطفوف مصافحـاً كثبـانها
* * *

الشيخ جواد ابن الشيخ عبد علي ترجم له اليعقوبي في (البابليات) فقال : سمعت من جماعة من شيوخ الحلة ان هذا الشاعر انحدر من اصل فارسي وإنما استوطن أجداده الحلة قبل قرنين أو أكثر وكانت ولادة المترجم له ونشأته في الحلة ، وحين رأى أبوه استعداده ورغبته بالعلم والأدب أرسله إلى النجف وهو ابن خمس عشرة سنة من اجل طلب العلم الديني فسكن مدرسة (المهدية) قرب مسجد الطوسي ومكث فيها مدة حياته الدراسية فحظي بقسط وافر من الفضل والأدب ثم هو يتردد على مسقط رأسه الحلة حتى إذا كانت سنة 1334 قدم الفيحاء جرياً على عادته وعداته فمرض ولازم الفراش وتوفي آخر ذي الحجة من السنة المذكورة وحمل جثمانه إلى النج الأشرف ، وعمره يوم وفاته يقارب الخمسين سنة .
كان المترجم له ناظما مكثراً جمع ديوان شعره في حياته وصار الديوان في حيازة أخيه الشيخ كاظم ، وله قطعة يهنئ بها العلامة الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء بزفاف ولده الشيخ محمد رضا ، وقصيدة يتوسل فيها بالنبي وآله أولها :
أبيتُ ونار الوجد ملء الحيازم أكفكف من فيض الدموع السواجم
تسـاررني أفعـى الهموم بناقع من السم تخشى منه رقش الأراقم


ادب الطف ـ الجزء الثامن 280


وله اخرى لامية في التهنئة أيضاً رواها الخاقاني في (شعراء الحلة) .
وترجم له هناك فقال : كانت له صحبة وعلاقة مع الخطيب الشهير الشيخ محمد علي قسام وبينهما مساجلات شعرية ، والمترجم له كان لبقاً سريع الجواب قوي البديهة قال الخطيب قسام : كنت احتفظ له بمجموعة من الشعر أكثرها في مراثي الامام الحسين ، وكان قصير القامة نحيف البدن خفيف العارضين .
ذكره صاحب (الحصون المنيعة) في كتابه (سمير الحاضر) وروى له طائفة من أشعاره في مختلف المناسبات ، وهذه إحدى روائعه :
كم تغاضيك علـى الجور احتمالا ولقد هـدّ تغاضيـك الجبالا
أيها الغائب كـم تشكـو الـورى لك من طول تخفّيك اعتلالا
قطعت أكبـادهـا الشكـوى أما آن أن تمنحها منـك وصالا
أترى الأرض عليـك اتسـعـت وعليهـا ضاقت الدنيا مجالا
أين عنـهـا لك قد طاب الثوى ولماذا دونـك المقـدار حالا
كـل يـوم لك منهـا ألـسـنٌ بفنون العتب ينشـرن المقالا
كلما زادتـك عتبـاً فـي النوى زدتها في وَعدِ لقيـاك مطالا
هل للقيـاك لهـا مـن منهـج كيف علّمـها للقيـاك احتيالا
أو ما ترنو إلـى صبـح الهدى فوقه امتدّ دجى الغـيّ وطالا
لك كم ضجّ الهدى يـا غـوثه وشكا الدين الحنيـفيّ انتحالا
يستغيـثـان إلـى عـدلك من أهل جور فيهما ساؤوا فعالا
يستثيـرانـك فـي ثـارهـما ومن الضرّ يبـثـانـك حالا
صرخا عن لوعـة واستنهضا خير ندب ثبتـا فيـه اعتدالا
أو ما ينهضـك العـزم الـذي ناره أذكى من الجمر اشتعالا
هل أبى سيفُك في يـوم الوغى والقنا الخطيّ سـألا واعتقالا


السابق السابق الفهرس التالي التالي