ادب الطف ـ الجزء الثامن 251


السيد ناصر البحراني البصري

المتوفى 1332

لـم لا نجيـب وقـد وافى لنا الطـلب وكـم نولّي ومنا الأمـر مقتـرب
ماذا الـذي عن طـلاب العـز يقعـدنا والخيـل فينا وفينا السمـر واليلب
تأبى عـن الـذل أعـراق لنا طهـرت فـلا تلـمّ علـى ساحاتها الريـب
هي الـمعالي فمـن لم يـرق غاربهـا لم يجـده النسب الوضاح والحسب
أكرم ببطن الثـرى عن وجهـه بـدلاً إن لـم تنل رتبة من دونها الرتب
كفاك فـي تـرك عـيش الذل موعظة يوم الطفـوف ففي أبنائه العـجب
قطب الحروب أتى يطوي السابسب من فـوق النجائب أدنى سيرها الخبب
يحمي حـمى الديـن لا يلوي عزيـمته فـقد النصيـر ولا تـعتاقه النوب
وكيـف تثني صروف الدهـر عزمته وهي التي من سناها تكشف الكرب
أخـلق بمن تشـرق الـدنيا بـطلعتـه ومـن لعلياه دان العجـم والعـرب
ركـن الـعبـادة فيهـا قـام يبعـثه داعي المحبة لا خوف ولا رغـب
قـد ذاق كاس حـميا الحـبّ مترعة وعنه زال الغطا وانـزاحت الحجب
لم أنسـه لمحاني الطـف مـرتحـلاً تسري بـه القـود والمهرية النجب
حتـى أناخ علـيها في جـحاجحـة تهـون عندهـم الجلّى إذا غضبـوا
أسـود غاب يـروع المـوت بأسهم ولا تقوم لهم اسـد الوغـى الغـلب
الـضارب الهام لا يـأدي قـتيلهـم والسالب الشـوس لا يـرتدّ ما سلبوا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 252


أيمانهـم في الوغى ترمي بصاعقة وفي الندى من حياها تخجل السحب
واسـوا حسيناً وباعـوا فيه أنفسهم ووازروه وأدّوا فيـه مـا يـجـب
حتى تولـوا وولّى الدهـر خلفهـم ومـا بقي للعلى حبـل ولا سبـب
وظل سبـط رسـول الله منفـرداً لا إخـوة دونه تحمي ولا صحـب
يا سيداً سمـت الأرض السماء به وأصبحت تغبط الحصبا بها الشهب
إن تبق ملقى على البوغاء منجدلاً مبضع الجسم تسفي فوقك التـرب
فـربّ جـلاءً قـد جلّيت كربتها ورب هيجا خبا منها بـك اللهـب
فيك المدايح طـابت مثلما حسنت فيك المراثي وفاهت باسمك الندب
أرى المعالي بعـد السبط شاحبـة منها الوجوه ومنها الحسـن مستلب
وكيـف لا تنـزع العلياء جـدّتها ومفخـر الدين قد أودى به العطب
* * *

السيد ناصر السيد أحمد ابن السد عبد الصمد البحراني البصري . يتصل نسبه بالسادة آل شبانه وينتهون بنسبهم غلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام . كان من العلماء الأعلام هاجر إلى النجف وحضر بحث الشيخ مرتضى الانصاري رحمه الله فاعجب الشيخ به وطلب من أبيه إبقاءه في النجف الأشرف للاشتغال ولو مقدار سنتين ثم سافر للبصرة وكان الطلب من أهلها بالبقاء عندهم إذ كانت مؤهلات رجل الاصلاح متوفرة فيه وهكذا أصبحت شخصيته الوحيدة في البصرة ونال بها زعامة الدين والدنيا وخضع له الامراء والوزراء وهابه الملوك والسلاطين وامتثل أمره القاصي والداني ، وكان قاعدة رصينة للفضيلة وتحقيق الحق وان صدى احاديثه وسيرته حديث الأندية وسيبقى لأنه مثال من أمثلة الاستقامة والعدالة .
قال صاحب أنوار البدرين : للسيد من المصنفات كتاب في التوحيد على قواعد الحكماء والمتكلمين ، استعرته منه وطالعته في بعض أسفاري ولا أنسى

ادب الطف ـ الجزء الثامن 253


أني قرضته بخطي ، وله منظومة في الإمامة ولا سيما في يوم الغدير ، قرأ عليّ سلمه الله جملة منها وله قصائد جيدة في رثاء الحسين عليه السلام بليغة . انتهى
ولد بالبحرين سنة 1260 هـ . وتوفي يوم الجمعة 22 رجب سنة 1331 في البصرة وعمره أكثر من سبعين سنة ونقل إلى النجف الأشرف في الفرات(1) وقال فيه السيد جعفر الحلي عدة قصائد مثبتة مشهورة . ومن شعره ما أجاب به السيد جعفر معتذراً عن تأخير رسالة :
يا جيرة الحي وأهـل الصفا قـد برح الوجـد بنا والخفا
قد لاح لي من أرضكم بارق ذكرني رسماً لسلـمى عـفا
فقلـت أهـلاً بأهيـل النقـا وإن بدا منهـم أشـدّ الجفـا
هيهـات أجفـوهم وقلبي لهم لم يـر عنهـم أبداً مصرفا
جـاء كتاب منـك تشكو به جفاه خـلٍّ عنك لـم يصدفا
لـكنما جشـمتـنـي خطـة كلفتـني فيها خـلاف الوفا
فحيـث أدليـت بعـذر لـنا قلناعفا الرحمـن عمن عفا
جرحت جـرحاً ثـم آسيتـه فأنت منك الدا ، وأنت الشفا

وقال أحد مترجميه : عالم البصرة والرئيس المطاع فيها وفي نواحيها ، حكي عنه أن كل آبائه إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام علماء فضلاء ادباء . وقد تخرج في النجف على الشيخ مهدي الجعفري والشيخ راضي النجفي ثم انتقل إلى البصرة وأقام فيها علماً ومرجعاً ، وكان آية في الذكاء وقوة الحافظة والملح والنوادر مع الجلالة والعظمة والوقار والهيبة وحسن المعاشرة لا يمل جليسه ، محمود السيرة محسناً إلى الفقراء والغرباء والمترددين شاعراً أديباً لم يعقب . وكان مولده رحمه الله بالبحرين ومن أجمل ما أروي له من الشعر قوله :

(1) دفن في أحدى غرف الساباط في الصحن الحيدري الشريف ، وهي حجرة السيد محمد خليفة .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 254


مني تعلمـت السحائب وكفهـا وبي اقتدت في نوحها الورقاء
أنّى لها ببلوغ شأوي في الهوى وأنا الفصيح وها هي العجماء

رأيتها في كتاب (أحسن الوديعة) ويتناقل الناس باعجاب عظمته وحسن سيرته وخشونته بذات الله وكيف كان لا تأخذه في الله لومة لائم حتى نقل لي بعض المؤمنين أن فلاحاً فقيراً ضربه أكبر اقطاعي بالبصرة وصدفة جاء هذا الثري لزيارة السيد فانتفض السيد غاضباً واقتص منه لذلك الفقير ، فما كان من هذا الثري المختال إلا أن يعتذر ويقبل يد السيد .
وعندما نقرأ ما دار من المراسلة بينه وبين الشيخ محمد جواد الشبيبي نعرف عظمة هذه الشخصية ونفوذها الاجتماعي . ذكره الشيخ النقدي في الروض النضير فقال : عالم علامة في علوم شتى من الرياضية والطبيعية والأدبية والدينية وكانت له حافظة غريبة قلّ ما توجد في مثله من أهل هذا العصر ، وكان على جلالته يباحث حتى المبتدئين من طلاب العلم ، ملك أزمّة قلوب الشرق عموماً حتى الملوك والحكام ، وكانت الدولة التركية تحترمه غاية الاحترام ، وكان لكلامه نفوذ تام لديهم ، وكان له توفيق غريب في الزعامة مع ديانة وأمانة ورصانة وعبادة وتقوى لإظهار أبهة العلم ، حسن الملبس والمأكل والمشرب ، يكره التقشف وأهله . وذكره السيد الصدر في (التكملة) فقال : حكي عن السيد ناصر أن كل آبائه إلى الامام موسى بن جعفر عليه السلام علماء فضلاء ادباء . وذكره المصلح الكبير الشيخ كاشف الغطاء في هامش ديوان (سحر بابل) فاطراه بما هو أهله .
وذكره صاحب الدرر البهية فقال : نزيل البصرة وعالمها والرئيس المطاع فيها وفي نواحيها ، وهو من آل شبانة ـ بيت كبير من بيوت الشرف والعلم والرياسة قديم في البحرين ذكر صاحب (السلافة) جماعة منهم .
وله خزانة كتب كبيرة ولكن لم يبق لها أثر حيت كان عقيما ومات ولم يعقب . توفي في رجب بالبصرة . أرخ وفاته السيد حسن بحر العلوم بقوله :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 255


اليوم ناصر آل بيت محمد أرخ بجنات النعيم مخلد

وقال الشاعر الكبير مفخرة الحلة الفيحاء الشيخ حمادي نوح يمدح السيد بهذه القصيدة الغراء وقد أهداها له ، وهذا ما وجدناه منها :
أيسحرني عن غاية الشرف الهوى ويقمـرني عـن مركز الفخر قامر
عليّ لنعـت الـدار فياضة العـلا فرائـد ذكـر دونهـن الجـواهـر
إذا غـاب عن آفاق بابل ناصري فلي من أعالي البصرة اليوم (ناصر)
لـه سطعـت أفعال أروع ماجـد إذا غيبت شهـب المنى فهو حاضر
وأرقلـت الركبان في أمـر رشده إذا عاج مـنها وارد هـاج صادر
وإن جاهدتني في القريض عصابة تبـادرني في جـهـدهـا وأُبـادر
تصـوّر أتقـاني فـردّ مـقالهـا حميـداً بذكري وهو جذلان شاكـر
كأن مـعاليه على الدهـر أنجـم بسـود الأماني ناسعـات زواهـر

وذكر اليعقوبي في البابليات أن مقطعاً من هذه القصيدة يخصّ الإمام الحسين (ع) ومنه :
ليومك يابن المصطفى انصدع الهدى فما لصدوع الفخر بعـدك جابـر
ومَـن لسماء العـلياء يرفع سمكها ودارت بقطـب الكائنات الـدوائر
عفاءً على الـدنيا إذا مـاد عرشها وقـد ثلّه سيـف مـن البغي باتر
تـراق دمـاء الأصفيـاء عـداوة ودينهـم عـن كل فحشاء زاجـر
وتُنحـر قسـراً في الطفوف كأنها أضاع عراها في منى النسك جازر
وتهـدى بأطراف الرماح رؤوسها ليمـرح مأفـون ويفـرح فاجـر
ويقـدمها رأس ابن بـنت مـحمد بــه تتـجلـّى للسـراة دياجـر
منيـراً يـراعي نسـوة بعد قتلـه بـه لـذن حسرى ما لهنّ معاجر
محجبـة قبـل الـزوال بـسيفـه فمـا زال إلا والصفايا حـواسـر


ادب الطف ـ الجزء الثامن 256


عبد المهدي الحافظ

المتوفى 1332

هـي صعدة سمـراء أم قد هي وردة حمراء أم خـد
وافـى بـهـنّ غـزيـّل غـنج خفيف الطبع أغيد
مـتـقلّـد مـن لحـظـه سيفاً يـفوق عـلى المهند
كـالــبـــدر إلا أنـه أبهـى وأسنى بل وأسعد
شفـتـاه قـالـت للـعذار فما العقيق وما الـزبرجد
وافـتـرّ مبسمـه فـلاح خـلالـه الـدرّ المنضد
فـضح الـضباء بـأتلـع من جيده ، والغصن بالقد
ما مـرّ إلا والـجـمـال يصيح :صلوا على محمد
عـاتـبتـه يـوماً وقـلت إلى متى التعذيب والصـد
أيحـلّ قـتـلُ مـتـيـم غـادرتـه قـلـقاً مسهد
أدنى هـواك لـه الـسقام ومنه صفو العيش نـكّـد
فـأجـاب هـل لك شاهد في ذاك قلت الحال يشهد
فأزور من قولي واعرض مغضبـاً عـني وعربـد
فـزجـرت قـلبي قائلاً أرأيت كيف أساء بالـرد
ما آن أن تثـني عـنان الغـيّ عنه عساك ترشد
فاعـدل بنا نـحو الغري وعُـد بنا فـالعود أحمد


ادب الطف ـ الجزء الثامن 257


وامـدح بـه سـرّ الالـه وبابـه والـعيـن والـيـد
مَـن مهّد الايمان صارمه ولــلاسـلام شــيــّد
لـولا صـلـيل حسامـه لـرأيـت لات الـقوم يعبد
مـن خـاض غـمرتـها غداة حنين والهامات تحصد
إلا أبو حسنٍ أمـير النحل والـتـنـزيـل يـشـهـد
أم مَن تصـدّى لابـن ودّ ومَـن لشمـل الـقوم بـدد

ومنها :
وأهـتـف بـخير الخلق بعد المصطفى المولى المؤيد
وأطلق له العتب الممض وقل له أعـلمـتَ مـا قـد
فعـلت بـنو الطلقاء في أبنـاء فـاطـمـة وأحمـد
قــد جـمّعـوا لقتالهم مـن كل أشئم إثـر أنـكـد
جيشاً تغضّ به البسيطة مستحـيل الـحصر والعـد
وقفـت لـدفـعهم كماةٌ ـ لا تهاب الموت ـ كالسد
مـن كـل قـوم لا يرى للـسيـف إلا الـهام مغمد
فيهـم أبو السجاد يقدمهم عـلـى طـِرفٍ مـعـوّد
إن عارض الأبطال قطّ وإن عـلاهـم سيفـه قـد
فـرماه أشقى الأشقـياء هـناك بالسهـم الـمحـدد
فـاغـبرّت الأكوان منه وعاد طرف الشمس أرمـد
وتجاوبـت بالنوح أملاك السمـاء علـى ابن أحمـد
وغـدت بـنات الوحـي حسرى فوق مصرعه تردد
عـبراتها تنهلّ والأحشاء مـن حـزن تـوقـــّد
تتصفـح القتلى وتـدعو حـرّة الأكـبـاد يـاجـد


ادب الطف ـ الجزء الثامن 258


هذا حسينك في عراص الطـف مقتول مجرد
أنصاره مثل الأضاحي أصيد في جنب أصيد(1)
* * *

الحاج عبد المهدي بن صالح بن حبيب بن حافظ الحائري المتوفى بكربلاء سنة 1334 ودفن بها ، كان أديباً من أعيان تجار كربلاء وملاكهم يعرف التركية والفارسية والفرنسية ، انتخب مبعوثاً في زمن الدولة التركية كما انتخب رئيساً لبلدية كربلاء ، ترجم له السيد الأمين في الأعيان والأديب المعاصر سلمان هادي الطعمة وقال : إنه من ألمع شخصيات الأدب والسياسة في مطلع قرن العشرين ، ولد بكربلاء ونشأ في اسرة عربية تعرف بـ آل الحافظ تنتسب إلى قبيلة خفاجة ، هاجر جدها الأعلى ـ حافظ ـ من قضاء الشطرة واستوطن كربلاء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري ولمع منها في الأوساط التجارية والأدبية رجال عديدون منهم شاعرنا المترجم له .
درس شاعرنا في معاهد كربلاء العلمية وتلمذ في العروض على الشاعر الشيخ كاظم الهر وساعده ذكاؤه وفطنته فحفظ عيون الشعر وكان مجلسه المطل على الروضة الحسينية المقدسة محط أنظار رجالات البلد وملتقى أهل الأدب ، وشعره يمتاز بالرقة ودقة الفكر فمن ذلك قوله :
إلى الله أشكو ما أُقاسي من الجوى غـداة استقلـّت بالـحبيب ركائـبه
وأقفـر ربـع طـالما كان خالياً بـه فخلـت اكـنافـه ومـلاعـبه
فـبتّ أُقـاسي لـيلة مـكفهـرة وليس سوى الشعرى بها مَن اخاطبه
اكفكف فيها الدمع والدمع مرسل كـغيث هـمى لـما ارجحنّت كتائبه
وأذكـر داراً طالـما بـتّ آنساً بهـا بأغـنٍّ ما طـل الـوعد كاذبه
غريراً إذا ما قصّر الليل وصله أمـدّت ليـالينا الـقصار ذوائـبـه
أهمّ بلثم الغصن من ورد خـده فيـمنعني مـن عقرب الصدغ لاسبه


(1) سوانح الأفكار في منتخب الاشعار ج 2 / 193 .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 259


وهناك مراسلات أدبية من شعر ونثر مع الأديب الكبير الحاج محمد حسن أبو المحاسن فقد كتب للمترجم له يستدعيه لحضور مجلس انس يضم نخبة من الادباء فقال :
مـن مبلغ عني أبا صـالح قـول محـب صادق الودّ
ما بال مشتاق إلـى وصله مـعذّب بالهـجر والصـد
لا يهتدي الانس إلى مجلس تغيب عنه طلعة (المهدي)
ونحن كالعقد إنتظمنا فهـل يزينـه واسطـة الـعقـد

كتب عنه الخاقاني في شعراء الغري وذكر مراسلة الشيخ محمد جواد الشبيبي له .
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 260


الشيخ مهدي الخاموش

المتوفى 1332

الشيخ مهدي ابن الشيخ عبود الحائري الشهير بـ الخاموش وهي كلمة فارسية تعني خفوت الصوت فيقال : خاموش شد(1) .
ولد بكربلاء حدود سنة 1260 وتوفي بها سنة 1332 وتدرج على مجالس العلم وأندية الأدب فبرع في الخطابة بحسن التعبير وجميل الاسلوب ونظم في كثير من المناسبات من مدح ورثاء وتهان وأعظم حسنة له أن تخرّج على يده السيد جواد الهندي خطيب كربلاء ، وعمّر المترجم له حتى تجاوز السبعين من العمر ومن قصائده المشهورة قيدته في الإمام الحسين عليه السلام ـ وأكثر شعره في أهل البيت :
أما والهوى والغانيات الكواعب بغير ذوات الدل لستُ براغب

وفي آخرها يصف ندبة عيال الحسين على مصارع القتلى :
تناديه مذ ألفته في الطف عارياً بأهلي مرضوض القرى والجوانب
فمن لليتامى يابـن امّ وللنسـا إذا طـوّحت فـيها حداة الركائب


(1) يقال أنه عرضت له لحّة في صوته فصار إذا تحدث للناس لا يسمع صوته كاملاً ، فكان بعض الايرانيين يقول عنه : خاموش شد ـ أي خفي صوته ، وسلاح الخطيب نبرات الصوت ، ولذا نجد الناجح من الخطباء هو ذو الصوت الجهوري . يقول ايليا أبو ماضي :
الصوت من نعم الاله ولم تكن ترضى السما إلا عن الصداح
ادب الطف ـ الجزء الثامن 261


السيد جواد الهندي

المتوفى 1333

رحلـتم ومـا بـيننا موعد وإثـركـم قـلبيَ المكـمد
وبتّ بداري غـريب الديار فلا مـونس لـي ولا مسعد
وفارق طـرفيَ طيب الرقاد وفي سهـده يشهـد المرقد
أُعللّه نـظـرة في النـجوم وشهب النجـوم لـه تشهـد
أقـوم اشـتياقـاً لكـم تارة واخرى على بعدكـم أقعـد
بكفي اكفكف دمعي الـغزير فـيرسلـه طـرفي الأرمد
يطارح بالنـوح ورق الحمام بـتذكاركـم قـلبي الـمنشد
وما كان ينشد مـن قبلكـم فقـيداً فـلا والـذي يعـبد
سوى من بقلبي لـه مضجع ومن بالطفـوف له مشهـد
ومـن رزؤه ملأ الخافقـين وان نـفـد الـدهر لا ينفد
فمـن يسأل الطف عن حاله يقـصّ علـيه ولا يجحـد
بـأن الحـسين وفـتـيانـه ظـمايا بأكنافـه استشهدوا
أبـا حسن يا قـوام الوجـود ويا من به الرسل قد سددوا
دريت وأنت نزيل الـغـري وفوق السما قطبها الأمجـد
بأن بـنيك بـرغـم الـعلى على خطة الخسف قد بددوا
مضوا بشبا ماضيات السيوف وما مُـدّ للـذلّ منهـم يـد
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 262


السيد جواد بن السيد محمد علي الحسيني الأصفهاني الحائري الشهير بالهندي الخطيب . ولد سنة 1270 . وتوفي بعد مجيئه من الحج في كربلاء سنة 1333 ودفن فيها كان فاضلاً تلمذ على الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري في الفقه وكان من مشاهير الخطباء طلق اللسان أديباً شاعراً . نقرأ شعره فنحسّ منه بموالاة لأهل البيت وتفجّع ينبع من قلب جريح ينبض بالألم لما أصاب أجداده وأسياده ، حدثني الخطيب المرحوم الشيخ محمد علي قسام ـ وهو استاذ الفن(1) ـ قال : كانت له القدرة التامة على جلب القلوب وإثارة العواطف وانتباه السامعين سيما إذا تحدث عن فاجعة كربلاء فلا يكاد يملك السامع دمعته ، ونقل لي شواهد على ذلك وكيف كان يصوّر الفاجعة أمام السامع حتى كأنه يراها رأي العين ، والخطيب قسام كان متأثراً به كل التأثر ويتعجب أن يكون مثل هذا من خطيب لم تزل اللكنة ظاهرة على لسانه .
رأيت له عدة مراثي لأهل البيت فاخترتُ منها ما وقع نظري عليه يقول الأخ السيد سلمان هادي الطعمة في (شعراء من كربلاء) كان مولد المترجم له في كربلاء في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، ونشأ وترعرع في ظل اسرة علوية تنتسب للامام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، بدأ تحصيله العلمي بدراسة الفقه على العالم الكبير الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري وغيره من علماء عصره ، وحين ما وجد في نفسه الكفاءة والقدرة على الخطابة تخصص بها وأعانه صوته الجهوري مضافاً إلى معلوماته التاريخية وجودة الالقاء فدعته بيوت العلماء للخطابة فيها واعتزّت به وأكرمته ، قال الشيخ السماوي في إرجوزته المسماة (مجالي اللطف بأرض الطف) :
وكالخطـيب الـسيد الجواد والصارم الهنـدي في النجـاد
فكم له شعـر رثى الحسينا أورى الحشى فيه وأبكى العينا
بكى وأبكى وحوى الصفات فـأرخـوه (أكـمل الخيرات)


(1) خطيب شهير خدم المنبر الإسلامي ردحاً من الزمن كما خدم المبدأ وهو من شعراء الحسين عليه السلام .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 263


وذكره السيد الأمين في الأعيان ، قال : رايته في كربلاء وحضرت مجالسه ، وجاء إلى دمشق ونحن فيها في طريقه إلى الحجاز لاداء فريضة الحج ومن شعره قوله :
الا هل ليلة فيها اجتمعنا وما إن جاءنا فيهـا ثقالُ
ثقال حيثما جلسوا تراهم جبالا ، بل ودونهم الجبال

ترجم له الخطيب اليعقوبي في حاشية ديوان أبي المحاسن وقال في بعض ما قال : وما رأيتُ ولا سمعت أحداً من الخطباء أملك منه لعنان الفنون المنبرية على كثرة ما رأيت منهم وسمعت ، فقد حاز قصب السبق بطول الباع وسعة الاطلاع في التفسير والحديث والأدب واللغة والأخلاق والتاريخ إلى غير ذلك ، توفي ليلة الأحد عاشر ربيع الأول 1333 وعمره يربو على الستين ، له ديوان شعر حاوياً لجميع أنواع الشعر وخير ما فيه رثاؤه لأهل البيت فاستمع إلى قوله في سيد الشهداء ابي عبد الله من قصيدة مطوّلة :
غريـب بأرض الطف لاقى حمامـه فـواصله بين الـرماح الشوارع
أُفـدّيـه خـواض المنايا غمارهـا بكـل فـتى نحو المنون مسارع
كماة مشوا حرّى القلوب إلى الـردى فلم يردوا غير الردى من مشارع
فمـن كـل طلاع الثنايـا شمـردل طلوب المنايا في الثنايا الـطوالع
ومن كل قرم خائض الـموت حاسراً ومن كـل لـيث بالحفيظة دارع
تفانوا ولما يبق منهـم أخـو وغـىً على حومة الهيجا لحفظ الودائـع
فلم أنس لما أُبرزت مـن خدورهـا حرائر بيت الوحى حسرى المقانع
سوافـر ما أبقـوا لـهـن سواتـراً تـسترّ بالأردان دون الـبراقـع
وسيقـت إلى الشامات نـحو طليقها نكابـد أقـتاب النياق الـظوالـع
وكافلـها السجـاد بـيـن عـداتـه يصفّد فـي أغلالـهم والجوامـع
تلـوح لـه فـوق الـعواسل أرؤسٌ تعـير ضياها للنـجوم الطوالـع


ادب الطف ـ الجزء الثامن 264


وله جملة من المراثي يجمعها ديوانه المخطوط ، وحين وافاه الأجل رثاه جملة من شعراء عصره منهم الشاعر الكبير محمد حسن أبو المحاسن ومطلع قصيدته :
ليومك في الأحشاء وجدٌ مبرّح برحت ولكن الأسى ليس يبرح

سبب اشتهاره بالهندي لسمرة في لونه أو لأنه ينحدر من سلالة كانت تسكن الهند والله أعلم ، وكان يجيد الخطابة باللغتين العربية والفارسية ، وأعقب ولداً وهو السيد كاظم المتوفى 1349 هـ وهو أيضاً من خطباء المنبر الحسيني وقد شاهدته بكربلاء .
وللسيد جواد الهندي في الحسين :
اقاسي مـن الـدهر الخـؤن الدواهيا ولـم ترني يوماً من الدهر شاكيا
لمن أظهر الشكوى ولم أرَ في الورى صديقـاً يـواسي أوحميماً محاميا
وإني لأن أُغضي الجفون على القذى وأمسي وجيش الهم يغزو فؤاديـا
لأجدر من أن أشتكى الـدهر ضارعاً لقـوم بهم يشـتد في القلـب دائيا
ويا ليـت شعري أيّ يـوميه اشتكى أيوماً مضى أم ما يكـون أمامـيا
تـغـالبني أيـامـه بصـروفـهـا وسـوف أرى أيـامـه واللـياليا
إباءً به أسـمو علـى كـل شاهـق وعزماً يدك الشامخات الـرواسيا
وإنـي مـن الأمجـاد أبناء غـالب سلالـة فهـر قـد ورثـت إبائيا
أبـاة أبـوا للضيم تـُلوى رقابـهم وقد صافحوا بيض الضبا والعواليا
غـداة حـسين حـاربتـه عبيـده ورب عـبيـد قـد أعـقت مواليا
لقـد سيـرتهـا آل حـرب كتائـباً بقسطلهـا تحكي اللـيالي الدياجيا
فنـاجزهـا حلـف المنايـا بفتـيةٍ كـرام يـعـدون المنـايا أمانيـا
فـثاروا لـهـم شمّ الأنوف تخالـهم غـداة جـثوا للموت شماً رواسيا
ولـفّوا صفوفـاً للـعدو بـمثـلهـا بحـدّ ظـبى تثني الخيول العواديا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 265


بحـيث غدت بيض الظبا في أكفهـم بقاني دم الأبطـال حمـراً قـوانيـا
واعطـوا رماح الخط مـا تستحقهـا فتشكر حتى الشحـر منهـم مساعيا
إلى أن ثووا صـرعى ملبين داعيـاً مـن الله في حـرّ الهـجير أضاحيا
وعافـوا ضحى دون الحسين نفوسهم ألا أفـتدي تـلك النفـوس الزواكيا
وماتـوا كراماً بالـطفوف وخلّفـوا مكـارم تـرويهـا الورى ومـعاليا
وراح أخو الهيجا وقطـب رجائهـا بأبيـض ماضي الحد يلقـى الأعاديا
وصال عليهـم ثابت الجأش ظاميـاً كما صال لـيثٌ في البهائم ضاريـا
فردت على أعقـابهـا منـه خيفـة وقـد بلغـت منها النفوس التراقـيا
وأورد فـي مـاء الطلى حـدّ سيفه وأحشاه مـن حـرّ الظماء كما هـيا
إلى أن رُمي سهمـاً فأصمى فـؤادَه ويـا ليـت ذاك السهم أصمى فؤاديا
فخـرّ علـى وجـه الصعيد لوجهه تريـب الـمحيا لـلالـه مناجـيـا
وكادت له الأفلاك تهوي على الثرى بأملاكهـا إذ خـرّ في الأرض هاويا
تنازع فيـه السمـر هنـدية الظبـا ومن حـوله تجـري الخيول الأعاديا
ومـا زال يستسقـي ويشكو غليلـه إلى أن قضى في جانب النهر ضامياً
قضى وانثنى جبريل ينعـاه معـولاً ألا قـد قضى مـن كان للدين حاميا
فلهفـي عليه دامـي النحر قد ثوى ثـلاث ليال فـي البسيطـة عـاريا
وقد عاد منه الرأس في ذروة القنـا منيـراً كبـد التـمّ يجلـو الدياجيـا

وللسيد جواد الحائري مرثية مطولة اخترنا منها :
أيّ طـرف يـلذّ طيب الرقاد في مصاب أقرّ طرف الأعادي
ما أرى للكـرام أذكى لهـيب في الحشا مـن شماتة الحسـاد
ولـذا منهـم النفـوس الزاكي طـربت للجـلاد يـوم الجلاد
سيما المصطفيـن فتيان فهـر سادة الخلـق حاظراً بعد بادي


السابق السابق الفهرس التالي التالي