ادب الطف ـ الجزء الثامن 237


الشيخ كاظم الهر

المتوفى 1330

لكـن يـوم الطـف أشجى فـادح وأمضّ يـوم الأسى مشحـون
لم أنسَ في أرض الطفوف مصائبا بقيـت وأفنـت سالفات قرون
تفنى الليالـي وهـي باق ذكرهـا فـي كل وقت لا تزال وحين
يـوم بـه سبـط النبـي محمـد تـبكي له حـزناً عيون الدين
يـوم بـه نادى الحسين ولم يجـد بيـن العـدا من ناصر ومعين
يـوم به شمـر الخنا يـرقى على صـدر إلى علم النبي مكيـن
يـوم بـه قـد زلـزلت زلزالها سبق الطباق ودك كل رصين
لا غرو إن مطرت سحائب مقلتي بـدم كمنهل السحاب هتـون
وبقيـة الله الـذي ينمـى الـى جـدٍّ لأسـرار الكتاب مبيـن
يبقـى ثلاثـاً بالتـراب معفـراً دام بحـدّ حسامها المسنـون
ملقـى ولكن نسج أنفاس الصبـا أضحى له بـدلاً مـن التكفين
* * *

آل الهر اسرة ادبية علمية لها شهرتها ومكانتها(1) ولعل أشهرهم هو الشيخ كاظم المولود في كربلاء عام 1257 هـ شب وترعرع على حب العلم والكمال فقد درس المقدمات وسهر على علمي الفقه والاصول بالدراسة على أفذاذ عصره فكان مثالاً صالحاً ومفخرة تعتز به كربلاء ، يقول الشيخ السماوي في إرجوزته :

(1) تنحدر من اسرة عربية عريقة بعروبتها تعرف بـ (آل عيسى) .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 238


وكالأديب الكاظم بن الصادق ظريف آل الهر في الحقائق
فشعـره كان لأهـل البيت مشتهـر كغـرّة الكميـت

كان عالماً فقيهاً وكانت له حوزة للتدريس في مدرسة حسن خان ، وله ديوان شعر جلّه في مدح آل البيت صلوات الله عليهم ، لم يزل مخطوطاً ، كتب عنه الشيخ محمد السماوي في (الطليعة) والسيد الأمين في (الأعيان) وترجم له أخيراً الأديب سلمان هادي الطعمة في مؤلفه (شعراء من كربلاء) واستشهد بشيء من غزله ورثائه ومراسلاته وقال : توفي سنة 1330 عن عمر يقدّر بالستين ودفن بكربلاء .
أقول رأيت له قصائد مطولة ومنها مرثية في الإمام الحسن السبط ، وثانية في الامام السجاد علي بن الحسين ، وثالثة في رثاء الامام جعفر بن محمد الصادق ، ورابعة في الامام باب الحوائج موسى بن جعفر ، وخامسة في الامام محمد الجواد عليه السلام مما جعلني أعتقد أنه رثى جميع أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم . وهذه قطعة غزلية من شعره :
وسيتك مـن خـود الغواني غادة فيهـا دمـاء العاشقين تبـاح
تختـال مـن مرح الدلال بقدّها ويروق في ذات الدلال وشاح
نشوانة الأعطاف من خمر الصبا رجراجة الأرداف فهي رداح
للكاعـب النهديـن شوقي وافـر ومـديد طرفي نحوها طماح
ريحان الصب المشـوق وروحه سيان عـذب رضابها والراح
رقّـت شمايلهـا وراقت منظراً وزها بروض خدودها التفاح
مالت كغصن البان رنحه الصبا قلبـي عليـه طائـر صداح
نشـرت ذوائـب جعدها وكأنما نشـر العبير بنشرهـا فياح


ادب الطف ـ الجزء الثامن 239


الشيخ محمد رضا الخزاعي

المتوفى 1331

يـا منـزل الأحباب والمعهـدا حيّاك وكـافّ الحيـا مـرعدا
وانهـلّ منك الروض عن ناظر إن ظلّ يبكـي يُضحك المعهدا
وافترّ ثغر الروض واسترجعت فيـك ليالـي الملتقـى عـوّدا
أنـى وسلمـى قرّبـت للنـوى عيسـاً وللتـوديع مـدّت يـدا
مـا بالها لا رُوّعـت روعـت قلبي لدى المسرى برجع الحـدا
بـانت فمـا ألفيت في عهـدها إلا فتيـت المسـك والمـرودا
هلا رعت عهد الصبا وارعوت كيـلا تجـوب البيـد والفد فدا
صـدّت وظنـي أنها أنكـرت منـي بيـاض الشيـب لما بدا
لـم تدر أن الشيـب في مفرقي قـد بان مـذ بـانت بنو أحمدا
بـانوا ولي قلـب أقام الجوى فيـه وجنبـي جانـب المرقدا
كـم أعقبوا لي يـوم ترحالهم وجـداً بـأكناف الحشا مـوقدا
إن لـم أمت حزناً فلي مـدمع يحي الثـرى لـو لم أكن مكمدا
يهمـي ربـابـاً في ربا زينب يـروي شعاب الطف أو يجمدا
كـم صبية حامت بها لا ترى إلا مـقـامـاة الظمـا مـوردا
يـا قلـب هلا ذبت في لوعة قـد كابدوهـا تقـرح الأكبـدا
فـاجزع لما لاقت بنـو أحمد بـالطف إن الصبـر لن يحمدا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 240


حيـث ابـن هنـد أمّ أن تنثنـي للمـوت أن تلقـي له مقـودا
فاستأثـرت بالعـز فـي نخـوة كم أوقـدت نار الوغى والندا
قامـت لـدفع الضيم في موقف كادت له الأبطـال أن تقعـدا
شبـوا لظـى الهيجاء في قضبهم لمـا تـداعوا أصيداً أصيـدا
يمشـون فـي ظل القنا للـوغى تيهـاً متى طيـر الفنا غـرد
مـن كـل غطـريف له نجـدة يـدعو بمـن يلقـاه لا منجدا
يختـال نشـوانـاً كـأن القنـا هيـف تعاطيه الـدما صرخدا
سلـوا الضبا بيضاً وقد راودوا فيهـا المنايا السـود لا الخرّدا
حتـى قضوا نهب القنا والضبا مـا بيـن كهـل أو فتى امردا
أفـدي جسـوماً بالفلا وزعت تحكي نجومـاً في الثرى ركّدا
أفديهم صرعـى وأشـلاؤهـم للسمر والبيض غدت مسجـدا
هـذي عليهـا تنحنـي ركعـاً وتلك تهـوى فـوقهـا سجدا
وانصاع فـرد الدين من بعدهم يسطو على جمع العدى مفردا
يستقبـل الأقـران فـي مرهف مـاض بغيـر الهام لن يغمدا
أضحت رجال الحرب من بعده تـروي حديثاً في الطلا مسندا
مـا كلّ من ضـرب ولا سيفه ينبـو ولـو كان اللقا سرمـدا
يهنيـك يا غوث الورى أروع غيـران يوم الروع فيك اقتدى
لا يـرهب الأبطال في موقف كلا ولا يعبـأ بصرف الـردى
مـا بارح الهيجاء حتى قضى فيها نقـيّ الثـوب غمر الردى
ولـو تـراه حـامـلاً طفـله رأيـت بـدراً يحمـل الفرقدا
مخضبـاً مـن فيـض أوداجه ألبسه سهـم الـردى مجسـدا
تحسـب أن السهـم في نحره طـوق يحلـّي جيـده عسجدا
ومـذ رنـت ليلى اليه غـدت تدعـو بصوت يصدع الجلمدا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 241


تقـول عبـد الله مـا ذنبه منفطمـاً آب بسهـم الردى
لم يمنحوه الورد إذ صيروا فيـض وريديه له مـوردا
أفـديه من مرتضع ظامياً بمهجتـي لـو أنه يفتـدى
فطر مـن فرط الصدا قلبه يا ليت قد فطر قلبي الصدا
* * *

الشيخ محمد رضا بن ادريس بن محمد بن جنقال بن عبد المنعم بن سعدون ابن حمد بن حمود الخزاعي النجفي ، ولد بالنجف عام 1298 ونشأ بها وتوفي سنة 1331 عن عمر يناهز الثلاثين سنة . وجده حمد هذا هو شيخ خزاعة المشهور المعروف بـ (حمد ال حمود) ترجم له صاحب (الحصون المنيعة) وجاء في الطليعة : كان فاضلاً مكباً على الاشتغال في النجف لتحصيل العلم ملتزماً بالتقى وكان أديباً مقلّ الشعر في جميع أحواله فمن شعره :
سقتني الأماني الهنا والسرورا فكان شـرابي شـراباً طهـورا
وأزهـر كوكب روض الفخار وغصن العلى عاد غضّاً نضيرا

والقصيدة محبوكة القوافي على هذا النفس العالي رواها الخاقاني في شعراء الغري وروى له غيرها في التشبيب والغزل والفخر والحماسة والمراسلات ، ويقول إن والد المترجم له كان من ذوي الفضل وترجم له السيد الأمين في (أعيان الشيعة) ج 44 / 343 وذكر من مراثيه للحسين قصيدته التي أولها :
مشيـن يلئن الأزر فوق قنا الخط ويسحبن في وجه الثرى فاضل المرط


ادب الطف ـ الجزء الثامن 242


السيد عباس البغدادي

المتوفى 1331

يرثي الحسين (ع) عام 1297 :
دهـى الدين خطب فادح هـدّ ركنه ودكّ مـن الشم الـرعان ثقالهـا
غـداة بأرض الطف حرب تجمعت وحثّت على الحرب العوان رجالها
لشتـنحر أبـناء الـنبـي مـحمـد بأسيافهـا مـا للنبـي ومـا لـها
أمـا كان يـوم الفتح آمنها وقـشد أعـزّ ببيض الـمرهفات حجالهـا
فكيـف جـزته في بنـيه بغدرهـا عشية جـاءتهـم تقـود ضلالهـا
كأنـي باد الـغاب من آل غالـب وقد تخـذت مـر المنون زلالهـا
فيامـا أُحيلاهـم غـداة تقـلـدوا من البيض بيض المرهفات صقالها
فايمانهـم تحكي ندىً سحب السمـا وأوجههم في الحرب تحكي هلالها
فـثاروا وأيـم الله لـولا قضـاؤه لمـا نالـت الأعـداء منهم منالها
فسل كـربلا تنبيك عما جرى بهـا فحين التقـى الجمعان كانوا جبالها
نعـم ثبتوا فيها إلى أن ثووا بـهـا فعـطّر نشـر الأكـرمين رمالها
وعاد فريد الدهر فـرداً يرى العدى تجـول وقـد سلّـت عليه نصالها
فصال بسيف ثاقـب مثل عـزمه ورمـح ردينـيٍّ يشـبّ نـزالهـا
فتعـدوا فـراراً حين يعدو وراءها وتنثـال حيـث السيف منه أمالها
وقـد ملأ الغبرا دما مـن جسومهم وضيّـق بالكفـر الطغـام مجالها
فوافاه منهم في الحشى سهـم كافر فليـت بقـلبي يـال قومي نبالها


ادب الطف ـ الجزء الثامن 243


ألا منـجد ينحـو البقـيع بـمقـلـة تهل كغيث المـزن منها إنهلالهـا
فيحثـو الثرى مستنهضاً أسـد الثرى مـن اتخذت نقع الـجياد اكتحالها
ومـَن ضربت فـوق الضراح قبابها فمرّت على شهـب السماء ظلالها
بني مضر الغـرّ التي سادت الـورى وقـد ملأت ستّ الجهات نوالـها
ألستم بها ليل الوغـى يـوم معـرك وفرسانها عنـد اللقا ورجالـهـا
فـكيف قعـدتم والفـواطـم حسـراً وأنتـم إذا جار العـدو حمىًٍ لها
فـوالله لا أنـسى المصـونـة زينباً غـداة استباح الظالمـون رحالها
لها الله مـن ولـهانـة بيـن نسوة ركبن مـن النيب العجاف هزالها
تجوب بها شـرق البـلاد وغربهـا وتنحـو بـها سهل الفلا وجبالها
تـحنّ فيجـري من دم القلب دمعها حنين نياق قـد فقـدن فصالهـا
وأعظـم رزء صدّع الصخر رزؤه وأخمد من شمس الوجود اشتعالها
وقوف بنات الوحي حسرى بمجلس بـه سمعـت آل الطليـق مقالها
* * *

السيد عباس الموسوي البغدادي ، ابن علي بن حسين بن درويش بن أحمد بن قاسم بن محمد بن كاسب بن قاسم بن فاتك بن أحمد نصر الله بن ربيع ابن محمود بن علي بن يحيى بن فضل بن محمد بن ناصر بن يوسف بن علي بن يوسف بن علي بن محمد بن جعفر (الذي يقال له الطويل وبه عرف بنوه بنو الطويل) ابن علي بن الحسين شيتي (ويكنى بأبي عبد الله) ابن محمد الحائري وقبره في واسط وهو المعروف بـ (العكار) ابن ابراهيم المجاب بن محمد العابد بن الامام موسى الكاظم بن المام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر ابن الامام زين العابدين عليهم السلام .
كان من خطباء بغداد البارزين بل خطيبها الأول ، اشتهر بالفضل والصلاح . ولد سنة احدى وسبعين ومائتين بعد الألف هجرية 1271 بمدينة بغداد ونشأ

ادب الطف ـ الجزء الثامن 244


فيها . درس النحو والمنطق وقد سجل المترجم له مبدأ تدرجه على الخطابة في كتابه (المآتم المشجية لمن رام التعزية) فقال :
كنت في عنفوان الشباب شديد الاشتياق إلى استماع المراثي الحسينية وأتطلب المجالس التي تعقد لمصابه فتبيّن أبي مني ذلك فقال : أتحب أن تكون ذاكراً لمصاب سيد الشهداء فأطرقت براسي حياءً منه ، وعرف مني الرغبة فجعلني عند سلطان الذاكرين وعز المحدثين الملّه محمد بن ملّه يوسف الحلي الشهير بآل القيم وذلك سنة 1284 هـ فبذل إلى الجد والجهد والقصائد الغرر وأفاض من بحر تلك الدرر ، وكان عندنا يومئذ ببغداد فبقيت ملازماً له حتى بلغت من العمر سبعة عشر سنة فزوجني أبي من ابنة معلمي المزبور وذلك سنة الف ومائتين وسبع وثمانين 1287 هـ(1) وبقيت معه التقط من نائله ست سنوات ، ثم مضى بعدها للحلة الفيحاء وفيها قومه وعشيرته ، وهم يعدون من اشرافها فمكث فيها ستة أشهر وتوفي فيها سنة الف ومائتين وثلاث وتسعين 1293 هـ تغمده الله برحمته .
أقول كتب الشاب المهذب السيد جودت السيد كاظم القزويني ترجمة وافية للسيد عباس الخطيب وعدد فيها مآثره وذلك في مخطوطه (الروض الخميل) وأن وفاته عصر السبت 14 شعبان سنة 1331 .

(1) وهي شقيقة الشاعر الشيخ حسن القيّم ، فكان القيّم يعتزّ بهذه المصاهرة فلما توفي السيد علي والد السيد عباس نظم في رثائه وذلك سنة 1316 فقال :
تخطّى الـردى في فيلق منه جرار اليه فأخلى أُجمـة الأسـد الضـاري
وفـلّ شبا عضب يصمم في العدا بأقطـع مـن ماضي الغرارين بتـار
أبا أحمـد جاورت في ذلك الحمى أخا المصطفى غوث الندا حامي الجار
لقـد حملوا بالأمس نعشك والتقى فيا لك نـعشاً والتقـى معـه ساري
=
ادب الطف ـ الجزء الثامن 245


ورثاه جمع من الادباء منهم السيد حسون ابن السيد صالح القزويني البغدادي بقصيدة مطلعها :
مصاب عرا قد أرعب الكون هائله به المجد عمداً قد أُصيبت مقاتلة

ورثاه الشيخ قاسم الحلي نجل المرحوم الشيخ محمد الملا بقصيدة عامرة في 35 بيتاً ، مطلعها :
عصفت على الدنيا بأشأم أنكد صرّ بها نسفت جبال تجلـدي

ورثاه ولده السيد حسن بقوله :
تزلزلت الدنيا وساخت هضابها غداة انطوى تحت التراب كتابها

وهذه المراثي موجودة في ديوانه المخطوط الذي جمعه ولده السيد حسن وفرغ منه في ىخر صفر سنة 1345 هـ ومعها قصائد في مدائحه وخاصة ما قيل فيه عند رجوعه من حج بيت الله مع والده السيد علي . مؤلفاته :
ترك المترجم له من الاثار : 1 ـ المجالس المنظمة في مقاتل العترة المحترمة .

= ووسـدت فيـها حفرة جاء نشرها بمسكيّة مـن نافح الطيـب معطار
أبـا حسن صبراً وإن مـضّ داؤها رزايا سقاكم صـرفها رنق أكدار
فكم حازم في الخطب يبـدي تجـلّداً وزند الجوى من نار مهجته واري
تسـيء الليالي للـكـرام كأنـمـا تطالبهـم فـي النـائبات بـأوتار
بقيـت برغـم الحاسـديـن بنعمة يوفـرها عمـر الزمان لك الباري
فكم أفـوه أخـرسن مـنك لسانـه شقـاشق فحـل بالفصاحة هـدار
دعـوه وغايـات الفخـار فـإنـه جرى سابقـاً كم يكبُ قط بمضمار
تطيب بـك الأفـواه ذكـراً كأنما بكل فـم أودعـت جـونة عـطار
فلا زال نوء اللطف يسقي ضريحه بمنسكب من هاطل العفـو مـدرار
ادب الطف ـ الجزء الثامن 246


2 ـ ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين 3 ـ معاجز الائمة 4 ـ مقتل الحسين عليه السلام 5 ـ سلسلة الأنوار في النبي المختار 6 ـ الرحلة الرضية ـ منظومة تبلغ الألف بيتاً نظمها عند زيارته للامام الرضا (ع) سنة 1300 هـ .
أقول وله قصيدة تنشد في المجالس الحسينية ومنها :
فيا راكباً مهرية شأت الصبا كأن لها خيط الخيال زمام

كنت أرويها كثيراً وأنشدها .
وهو أبو الأشبال الأربعة : 1 ـ السيد حسين ، 2 ـ السيد حسن ، 3 ـ السيد صالح ، 4 ـ السيد هاشم ، رأيتهم واستمعت إلى خطبهم وأحاديثهم . وبعد لقد قضى السيد عباس عمراً في خدمة المنبر الحسيني واعظاً ومرشداً ومحدثاً وناصحاً ، ومنابر بغداد تشهد له ومحافلها تذكره بكل إعزاز وفخر .
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 247


الشيخ علي الجاسم

المتوفى 1332

إن جزتَ نـعمان الاراك فيـمـم حيـي بـه الحيّ النزيل وسلّـم
فالروض فـي مغناه يضحك نوره ببكاء غادية السحـاب الـمرزم
قـد رصعـته بقطـرهـا فكأنمـا نثـرت عليـه لآلئاً لـم تنظـم
واسأل بجـرعاء اللوى عن جيرة رحـلوا ولـم يـروا ذمام متيم
باتوا فأبقـوا لـوعـة مـن بينهم قد أرقصت قلب المشوق المغرم
وارحمتاه لتـائـق كتـم الهـوى فأذاعـه رجاف دمـع مسجـم
تتصاعد الزفـرات مـن أنفسـاه عـن حـرّ نار في الفؤاد مكتّم
نضح الحشى مـن ناضريه أدمعا يـوم النوى لكنما هـي من دم
يا بعـد دارهم على ابـن صبابة قـد زودتـه أمضّ داء مسقـم
فكأنهـم مـذ شـطّ عنه مزارهم تركـوا حشـاه بين نابي أرقـم
لـم ينسـه عهـد الديار وأهلهـا إلا مـصاب بنـي النبي الأكرم
بالطف كـم معها أريـق دم وكم منهـا استحـلّ محـرّم بمحرم
يوم أتت حرب لحرب بني الهدى فـي فيلـق جـمّ العديد عرمرم
فـاستقبـلته فتـية مـن هـاشم مـن كل ليـث للقـراع مصمم
منه يـراع المـوت بابن حفيظة حامي الحقيقـة باللـواء مـعمم
قـوم إذا سلّـوا السيوف مواضياً صقلـوا شباهـا بالقضاء المبرم


ادب الطف ـ الجزء الثامن 248


لـو قارعت يومـاً بقارعة الوغى صعب القياد ربيعة بن مكدم(1)
لتقـاصرت منـه خطـاء رهبـة وانصـاع منقـاداً بأنف مرغم
لـم تدرّع مـا كان أحكـم نسجها داود مـن حلق الدلاص المحكم
لكنها أدرعـت بملحمـة الـوغى حلـق الحفـاظ بموقف لم يذمم
في مـوقف ضنكٍ يـكاد لهـوله ينـهـدّ ركـنا يـذبل ويلملـم
يمشون تحـت ظلال أطراف القنا نحو الردى مشي العطاش الهوّم
يتسارعـون إلى الحتـوف ودونه جعلـوا القلـوب دريّة للاسهـم
وهـووا على حرّ الصعيد بكربلا صرعى مضرجة الجوارح بالدم
فكأنما نجـم السماء بـهـا هوى وكأنها كانـت بـروج الأنجـم
وبقـي ابن امّ الموت فرداً لم يجد فـي الـروع غير مهند ومطهم
فنضا حساماً أومـضـت شفراته وـمضَ البروق بعارض متجهم
وتكشفت ظلـمات غاشية الـوغى عـن وجـه أبلج بالهـلال ملثم
وسقى العدى مـن حرّ طعنة كفه كأساً مـن السم المـداف بعلقم
وعـن الدنيـة أقعـدتـه حـمية نهضت بـه مـن عـزة وتكرم
شكـرت له الهيجاء نجـدته التي تردي من الأقران كـل غشمشم
حمدت مواقفـه الكريمة مذ بهـا لفّ الصفـوف مـؤخـراً بمقدم
ومعـرّض للطعـن ثغـرة نحره ليس الكـريم على الـقنا بمحرم
فهوى صريعاً والهدى في مصرع أبكى بـه عين السـماء بعنـدم
منه ارتوت عطشى السيوف وقلبه مـن لفح نيران الظما بتضـرم
وعليه كالأضلاع بـين ضلـوعه مما انحنين مـن القنا المتحطـم
وأمض خطب قد تحكمـت العدى بكرائـم التنزيـل أي تـحـكم
من كل محصنة قعيـدة خدرهـا لا تـستبيـن لناظـر متـوسم


(1) ربيعة بن مكدّم يضرب به المثل في الجاهلية في حمايته للظعن بعد مقلته .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 249


قـد أصبحت بعـد الخفارة تتقـي ضـرب السياط بكفها والمعصم
ومروعة جمعت على حرق الأسى منهـا شظـايا قلبهـا المتألـم
تدعـو ودفاع الحـريق بقـلبهـا من حرّ ساعرة الجوى المتضرم
وتقـول للحـادي رويـدك فاتـئد هـذي معاهـد كـربلاء فيـمم
قف بي أُقيـم على مصارع إخوتي نـوحاً كنوح الثاكـلات بمـأتم
أنعاهم فـرسان صـدق لـم تكن هيابة عنـد اللقـا فـي المقدم
وتعج تنفـث عـن حشى حـرانةٍ عتباً نـوافذة كوخـز الأسهـم
هتفـت بعليا هاشم مـن قـومهـا شمّ الانـوف لها المكارم تنتمي
لا عذر أو تزجي الجياد إلى الوغى مـن كل أشقـر سابح أو أدهم
حتى تجـول بها على هام العـدى وتعـوم مـن دمها ببحر مفعم
أتسـومـها ضيماً اميـة بعـدمـا كانت لها قـدماً مـواطئ منسم
أكلت ضباها البيض شلـو زعيمها مـا آن تهتف هاشم بالصيلم(1)
قومـوا فكـم ولجـت ذئاب امية لكم غـداة الطف أُجمة ضيغـم
كم حـرمة بالطف قـد هتكت لكم مـن سلـب أبراد وحرق مخيم
كم منكـم مـن ثاكـل عبرى ولا مـن ثاكل منهـم ولا مـن أيّم
ومخـدرات الـوحي بيـن اميـة تسبى بـرغمكـم كسبي الديلـم
* * *

الشيخ علي بن قاسم الأسدي ولد سنة 1240 بالحلة وامتد عمره إلى 93 سنة وكان في ريعان شبابه وعنفوان كهولته معدوداً في جملة قراء الحلة وذاكريها في المحافل الحسينية وله في انشاد الشعر من االرثاء وغيره تلحين خاص وطريقة معروفة امتاز برقة نغمتها على غيره ، وتعرف حتى اليوم بـ (الطريقة القاسمية)

(1) الصيلم هو الهقاف بحلف الفضول أشرف حلف أُسس في الجاهلية لنصرة المظلوم وردع الظالم ، ولما جاء الاسلام أيّده وأقرّه ، وسمي بالفضول لفضله أو لأن الذين قاموا به أسماؤهم فضل وفضيل وفاضل وكان الذي دعى لتأسيسه الزبير بن عبد المطلب لقصة حدثت في مكة :
ادب الطف ـ الجزء الثامن 250


وكان هو المنشد الوحيد يومئذ لأكثر قصائد معاصريه في الحلة والنجف وبصورة خاصة لشعر السيد حيدر الحلي(1) .
لم يكن مكثراً من نظم الشعر وتوجد من شعره في الغزل والمدح والنسيب والرثاء جملة في مجموعة عند ابن اخت له في الحلة يعرف بالشيخ أحمد الراضي ، لأن المترجم له لم تك له ذرية حيث لم يتزوج قط وتوفي في جمادى الأولى سنة 1332 ونقل إلى النجف ودفن في وادي السلام ، نقل الشيخ اليعقوبي عن مجموعته طائفة من غزله ومديحه ورثائه واليكم هذه القطعة في الغزل وهي من قصيدة :
لله مـن رشأ قـد زارنا سحراً كأنما فـرعه مـن جنحه الداجـي
إذا رنا ينفث السحر الحلال فلم يترك لهاروت سحراً طرفه الساجي
فيا له قمـراً تسبيـك طلعتـه يـغشى العيـون بنور منه وهـاج
فهـزّ أعـطافه دلاً على نغـم واختال يخطـر مـن زهو بديباج
وطاف فـي أُخت خديه موردة ممـزوجة بملـّث القطـر ثجـاج
ما راق للعين شيء مثل منظره في الحسن إي وسماه ذات أبـراج
لو أن إكليله المعقوص من شعر يـراه كسرى قـد تاه فـي التاج

وللشاعر عدة قصائد في رثاء أهل البيت عليهم السلام رأيتها في مخطوطة الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي والتي هي اليوم في حيازة ولده الخطيب الشيخ موسى اليعقوبي واليك مطالعها :
1 ـ يــا غــاديـاً يــطــوي بـمسراه السهـولة والوعورة
2 ـ أيها الممتـطي الشملـة يطـوي في سراه أديـم تلك النواحـي
3 ـ أبا الفضل يا ليث الكريهة إن سطا يُراع الردى منه بضنك الملاحم
4 ـ أقـم المطـي بساحـة البطـحاء في خير حـيٍّ مـن بني العلياء
5 ـ مـا بال هـاشم عن بني الطلقاء قعـدت ولـم توقد لظى الهيجاء
6 ـ انتثري يـا شهـب أبـراج السما لقـد أطـلّ فادح قـد عـظما


(1) البابليات للشيخ اليعقوبي .


السابق السابق الفهرس التالي التالي