ادب الطف ـ الجزء الثامن 223


السيد باقر الهندي

المتوفى 1329

قال يرثي مسلم بن عقيل بن أبي طالب :
بـكتك دمـاً يابن عمّ الحسين مـدامع شيعـتك السفـاحه
ولا بـرحت هاطلات العيون تحييـك غـشاديـة رائحه
لأنـك لـم تـرو مـن شربة ثنـاياك فيهـا غدت طائحة
رموك من القصر إذ أوثقوك فهل سلمت فيك من جارحه
وسحبـا تجـرّ بـأسـواقهم ألسـتَ أميرهـم البـارحه
قُتلتَ ولـم تبكـك الباكيـات أمالك في المصر من نائحه
قُتلتَ ولـم تدرِ كم في زرود عليك العشية مـن صائحه

وصدرها الخطيب الأديب الشيخ قاسم ابن الشيخ محمد الملا بـ 14 بيتاً ، وذيّلها بـ 4 أبيات ، وأتمها الشاعر الشيخ محمد رضا الخزاعي بـ 9 أبيات على الوزن وهذا تصدير الشيخ قاسم :
لحيّكـم مهجـتي جـانحه ونحوكـم مقلتي طامـحه
واستنشـق الريح إن نسّمت فبالأنف مـن نشركم فائحه
وكم لـي على حيكم وقفـة وعينيَ فـي دمعها سابحه
تعايـشن أشباح تلك الوجوه فـلا برحت نحوكم شابحه
وكم ضبيات بها قد راعت بقيصوم قلبي غدت سارحه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 224


وكـم ليلة بسمار الحبيـب شـؤون الغرام لها شارحه
تقضّت ومن لي بها لو تعود فكيـف وقد ذهبت رائحـه
وعـدت غـريباً بتلك الديار أرى صفقتي لم تكن رابحه
كما عـاد مسلـم بين العدا غـريباً وكابـدهـا جائحه
رسول حسين ونعم الرسول اليهم مـن العترة الصالحه
لقـد بايعـوا رغبة منهـم فيـا بؤس للبيعـة الكاشحه
وقـد خذلـوه وقد أسلموه وغـدرتهم لم تزل واضحه
فيا بن عقيل فدتك النفوس لعظـم رزيتـك الفـادحه
لنبـك لها بمذاب القلـوب فمـا قـدر أدمعنا المالحه

والتذييل :
وكم طفلـة لك قد أعولت وجمرتها في الحشى قادحه
يعززها السبـط في حجره لتغـدو فـي قـربه فارحه
فـأوجعهـا قلبها لـوعة وحسـت بنكبتها القـارحه
تقول مضى عمّ مني أبي فـمـن ليتيمـته النـائحه
* * *

السيد باقر ابن السيد محمد ابن السيد هاشم الهندي الموسوي النقوي الرضوي النجفي ، عالم فاضل وأديب شاعر ظريف لطيف حسن الأخلاق حلو المعاشرة ذكي لامع نظم فأبدع وسابق فحلّق وله مراثي كثيرة في أهل البيت لا زالت تقرأ وتعاد في مجالس العزاء ويحفظها الجمّ الكثير من رواد المجالس حتى العوام ، سمعت من علماء النجف أنه كان إذا حدّث لا يملّ حديثه وينظم الشعر باللغتين الفصحى والدارجة ، فمن شعره قوله :
بزغت فلاح البشر من طلعاتها والسعد مكتوب على جبهاتها
بيض كواعب في شتيت ثغورها قد كان للعشاق جمع شتاتها


ادب الطف ـ الجزء الثامن 225


وافـت كأمثال الظبـاء وبـينها ذات الـدلال دلالها مـن ذاتها
نجـديـة بـدويـة أجفـانـهـا سـرقت من ألارام لحظ مهاتها
نشـرت علـى أكتافهـا وفراتها شمسِ سمات الحس دون سماتها
كالبيض في سطواتها والسحر في وخـزاتها والـريم فـي لفتاتها
سلّـت صحيفـة مقلـة وسنانة حتى رأينا الحتف في صفحاتها

وترجم له الخاقاني شعراء الغري فقال : هو أبو صادق ينتهي نسبه إلى الإمام علي الهادي عليه السلام ، شاعر شهير وأديب كبير وعالم مرموق . ولد في النجف الأشرف 1284 ونشأ بها على أبيه وفي عام 1298 سافر بصحبة والده إلى سامراء لتلقى العلم من الإمام الشيرازي ثم رجع مع أبيه سنة 1311 وعندما حلّ في سامراء أخذ الفقه والاصول من بعض الأساتذة .
ذكره فريق من الباحثين منهم صاحب الحصون المنيعة ونعته بالعالم الفاضل الأديب الكامل ، المنشئ الشاعر وذكر جملة من أساتذته ، أقول وأعطاني المرحوم السيد حسين ولد المترجم له ورقة فيها ترجمة شاعرنا وقال لي : إني كتبتها بخطي وحسب ما أعرف عن المترجم له وفيها : العلامة الفقيه الحكيم المتكلم السيد باقر نجل آية الله السيد محمد الهندي . ولد في غرة شعبان 1284 ونشأ منشأ طيباً في زمن صالح وتعلّم القرآن والكتابة في مدة يسيرة وكان مولعاً بالامور الاصلاحية وله في ذلك مواقف مشهودة وله مؤلفات لم تزل مخطوطة نحتفظ بها ، منها رسالة في (حوادث المشروطة) فيها ما يهم رجال الاصلاح والدعاة المصلحين كما كتب في الأخلاق . وكان شديد الولاء لأهل البيت عليهم السلام عظيم التعلّق بمودتهم ، وفي الليلة الثالثة من جمادى الثانية في سني إقامتنا بسر من رأي ، رأى في المنام كأنه جالس بحضرة وليّ الأمر وصاحب العصر وهو في قصر مشيد فجعل يخاطبه قائلاً : سيدي هل يغيب عنك ما حلّ باسرتك الطاهرة ولو لم يكن إلا ما جرى على امك الزهراء ، فحنّ الإمام عليه السلام والتفت اليه قائلاً :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 226


لا تراني اتخذتُ لا وعلاها بعد بيت الأحزان بيت سرور

ثم بكيا معاً حتى انتبهنا من النوم بصوت بكائه ونبهناه فقص علينا الرؤيا فاستشعر الوالد من ذلك صحة هذه الرواية (يعني وفاة الصديقة في الثالث من جمادى الثانية) لذا نظم على وزن هذا البيت قصيدته الشهيرة والتي أولها :
كل غدر وقول إفك وزور هو فرع عن جحد نص الغدير

واشار الى ذلك بقوله :
أفصبراً يا صاحب الأمر والخطب جليـل يـشذيب قلب الصبور
كيف مـن بعـد حمرة العين منها يا بن طه تهنأ بطرف قرير
فـكأنـي بـه يـقـول ويبـكي بسلـوٍّ نـزر ودمـع غزير
لا تـراني اتخـذت لا وعلاهـا بعد بيت الاحزان بيت سرور

واليك المقطع الأول من القصيدة :
كـل غـدر ، وقول إفك وزور هـو فرع عن جحد نصّ الغدير
فتبصّر تُبصر هداك إلى الحـق فـليس الأعمـى بـه كالبصير
ليس تعمـى العيون لكنما تعمى القلوب التي انطوت في الصدور
يـوم أوحـى الجليـل يأمر طه وهـو سار أن مُر بترك المسير
حطّ رحل السرى على غير ماء وكلا فـي الفلى بحـرّ الهجيـر
ثـم بلّغهـم وإلا فـما بـلّغـتَ وحيـاً عـن اللطـيف الخبيـر
أقـم المرتضى إماماً على الخلق ونـوراً يجلـو دجـى الديجور
فـرقـى آخـذاً بكـفّ علـي منبـراً كـان من حدوج وكور
ودعـا والمـلا حضور جميعاً غيـّب الله رشدهم من حضور
إن هـذا أميـركـم وولـيّ الأ مـر بعـدي ووارثي ووزيري
هـو مولىً لكل مَن كنت مولاه مـن الله فـي جميع الامـور


ادب الطف ـ الجزء الثامن 227


فأجابوا بألسن تظهر الطاعة والغدر مضمر في الصدور
بايعـوه وبعدها طلبوا البيعة منـه ، لله ريـب الدهـور

وقوله في مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من رائعة تتتكون من 90 بيتاً وهذا المقطع الأول :
لـيس يـدري بكنه ذاتك ما هو يـا بـن عـمّ النبي إلا الله
ممكن واجـب حـديث قـديـم عنك تنفـى الأنـداد والأشباه
لك معنى أجلى مـن الشمس لكن خبـط العارفـون فيه فتاهوا
أنـت فـي منتهى الظهور خفيّ جـلّ معنى عـلاك ما أخفاه
قلـت للقائليـن فـي أنـك الله أفيـقـوا فـالله قـد سـوّاه
هـو مشكاة نـوره والتـجلـّي سـرّ قـدس جهلتـم معناه
قـد براه مـن نوره قبل خلـق الخلـق طـراً وباسمه سماه
وحبـاه بكـل فضـل عظـيم وبمقـدار مـا حبـاه ابتلاه
أظهـر الله ديـنـه بـعلـشيٍّ أيـن لا أيـن دينـه لـولاه
كانت الناس قبله تعبد الطاغوت ربـاً ، والجبـتُ فيهـم اله
ونبيّ الهـدى إلى الله يـدعـو هـم ولا يسمعون منه دعاه
سله لما هـاجت طغاة قـريش مَـن وقـاه بـنفسه وفـداه
مَـن جلا كـربه ومَن ردّ عنه يوم فرّ الأصحاب عنه عَداه
مَـن سـواه لكل وجـه شديد عنه مَـن ردّ ناكلا أعـداه
لـو رأى مـثلـه النبـي لمـا وآخاه حيـاً وبعـده وصّاه
قام يوم الغدير يدعو ، ألا مـن كنت مـولى له فـذا مولاه
ما ارتضاه النبي من قِبلِ النفس ولكـنمـا الالـه ارتضـاه
غير أن النفوس مرضى ويأبى ذو السقـام الدوا وفيه شفاه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 228


وقوله مفتخراً من قصيدة ضاع أكثرها وهذا مطلعها :
لو لم تكن جُمّعت كل العلى فينا لكان ما كان يوم الطف يكفينا
يوم نهضنا كأمثال الأسود به وأقبلت كالدبى زحفاً أعادينا
جاؤا بسبعين ألف سل بقيتهم هل قاومونا وقد جئنا بسبعينا

وقال في إحدى روائعه رائياً آية الله العظمى الميرزا حسن الشيرازي وأولها :
خلا العصر ممن كان يصدع بالأمر فـدونك دين الله يا صاحب العصر
أيحسـن أن يبقـى كذا شرع أحمد بـلا نهـي ذي نهيٍ مطاع ولا أمر
عَفاً لكِ سامـراء كـم فيك غيبـة تغضّ جفـون الدين منها على جمر
ففي الغيبة الاولى ذعـرنا ولم نقم وفي الغيبة الاخرى أقمنا على الذعر

مرض في أواخر شهر ذي الحجة الحرام من سنة ثمان وعشرون بعد الثلثمائة والألف من الهجرة وانتقل إلى جوار ربه أول يوم من المحرم من السنة التاسعة والعشرين بعد الثلثمائة والألف ودفن بجوار والده في دارنا التي نحن فيها الآن(1) وإلى ذلك أشرتُ بقولي في رثائه :
نفسي فداؤك من قريب نازح أوحشتني إذ صرتَ من جيراني

أعقب من الأولاد : العلامة السيد صادق والعلامة السيد حسين وهذان السيدان عاصرتهما وزاملتهما وهما من أطيب الناس سيرة وأسلمهم سريرة سألتهما عن عمر أبيهما فقالا : قضى وعمره 45 عاماً ورثاه الشيخ محمد رضا الشبيبي بقصيدة أولها :
أتى الافق مبرياً فقيل هلاله ولو قيل قوس صدّقته نباله

ورثاه شقيقه العلامة الكبير شيخ الأدب السيد رضا الهندي بقصيدة أولها :
ما كا ضرّ طوارق الحدثان لو كان قبلك سهمهن رماني
يا ليت أخطاك الردى أو أنه لما أصابك لم يكن أخطاني


(1) أقول وتقع بمحلة الحويش إحدى محالّ النجف الأشرف .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 229


ومنها :
يـا أولاً فـي المكرمات فما لـه فيها وعنها في البريـة ثانـي
يـا واحـداً فيـه اتفقـن مكارم لـم يختلف فـي نقلهن اثنان
يـا لهجة المـداح بل يـا بهجة الارواح بـل يا مهجة الايمان
بمَ يشمت الأعداء بعدك لا غفوا إلا علـى حسـك من السعدان
ببقـاء ذكرك في الزمان مخلّداً أم بالفنـاء ، وكـل حيٍ فان
فليشمتـوا فمصاب آل محمـد ممـا يسـرّ بـه بنو مروان
فـارقتنا فـي شهـر عاشوراء فاتصلت به الأحزان بالأحزان
نبكي المغسـّـل بالقراح وتارة نبكي المغسـلَ بالنجيع القاني
وننـوح للمطـويّ فـي أكفانه أو للطريح لقىً بـلا أكفـان

ترجم له الشيخ السماوي في الطليعة قال : كان فاضلاً في جملة من العلوم حسن المعاشرة مع طبقات الناس فمن قوله :
أُحدّث نفسي إنني إن لقيته أبثّ اليه ما أُلاقي من الضرّ
فلما تلاقينا دهشت فلم أجد عتاباً فأبدلت المعاتيب بالعذر

وأرخ وفاة والده الحجة السيد محمد بقوله :
يا زائراً خير مرقد له الكـواكب حُسّد
سلـم وصلّ وأرخ وزر ضريح محمد 1323


ادب الطف ـ الجزء الثامن 230


الشيخ يعقوب النجفي

المتوفى 1329

من شعره في الحسين :
لقـد ضربـت فوق السماء قبابهـا بنـو مَـن سما فخـراً لقوسين قابها
فكانت لعلياهـا الثـريا هـي الثرى غـداة أناخـت بالطفـوف ركابهـا
وثارت لنيل العـز والمجد وامتطت مـن العاديـات الضابحات عـرابها
لقـد أفرغت فوق الجسوم دلاصها كـأن المنايـا ألبسـتهـا إهـابهـا
وقـد جـردت بيض الصفاح أكفها وهـزت مـن السمر الصعاد كعابها
أعدت صدور الشوس مركز سمرها طعـانـاً وأجفاـن السيـوف رقابها
سطت وبها ارتجت بأطباقها الثرى وكادت رواسي الأرض تبدي انقلابها
ولما طمت في الحرب للموت أبحرٌ غـدت خيلهـا منها تخوض عبـابها
وحيـن عدت منقضة فـي عداتها تـولّت كطيـر حيـن لاقـى عُقابها
فكم أطعمت أرماحها مهـج العـدا فمـا كان أقـرى طعنها وضرابهـا
إلى أن بقـرع الهام فلّت شبا الظبا ودقـت مـن الأرماح طعناً حـرابها
هوت وبرغم الدين راحت نحورها تعـدّ الأسيـاف الظـلال قـرابهـا
قضت عطشـاً ما بـلّ حرّ غليلها شـراب وفيض النحـر كان شرابها
ألا يا برغم الـدين تنشب ظفرهـا أميـة فـي أحشـاء طـه ونابهـا
فما عـذرهـا عنـد النبـي وآله وقـد صرعتهـم شيبها وشبـابهـا
فيـا بـأبـي أشـلاء آل محمـد عـوار نسجـن الذاريـات ثيابهـا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 231


فتلك بأرض الطف صرعى جسومها وأرؤسهـا بالميـد تتلو كتابهـا
ورأس ابـن بنت الوحي سار أمامها وشيبتـه صار النجيع خضابهـا
يميـل بـه الميـاد يمنـى ويسـرة فقـل للـويّ فيه تلـوي رقايها
وأعظـم خطـب للعيـون أسـالها كمـا سال يـمٌ ، والقلوب أذابها
ركـوب النسـاء الفاطميات حسـراً على النيب إذ ركبن منها صعابها
إذا هتفـت تدعـو بفتيـان قـومها فبالضرب زجـر بالسياط أجابها
تعـاتبهـم والعيـن تهمي دمـوعها فيـا ليـت كانوا يسمعون عتابها
بني غـالب هـلا تـرون نسـاءكم وقـد هتكـت آل الدعي حجابها
فيـا ليتكم كنتـم تـرون خـدورها غـداة أبـاح الظالمـون انتهابها
أتـرضون بعد الخـدر تسبى كأنكم بتلك المـواضي لم تحوطوا قبابها
وهـاتيكم مـن آل أحمـد صبيـة رأت مـن عداها بعدكم ما أشابها
مصائبكـم جـذت سـواعد هاشـم وقـد دكدكت لمـا أطلّت هضابها
فهل يصبرن قلب على حمل بعضها ولـو أنـه مـسّ الصفا لأذابـها
بنـي أحمـد يا من بهم شرعة الهدى أقيمـت وأوتـوا فصلها وخطابها
ومـا الناس يـوم الحشر إلا بأمركم تنـال ثـوابـاً أو تنـال عقابها
ألا فـأغيـثـوني هنـاك فـانـكم غيـاث البـرايا كلما الدهر نابها
* * *

الشيخ يعقوب ابن الحاج جعفر ابن الشيخ حسين ابن الحاج ابراهيم النجفي الأصل والمولد والنشأة . ولد في النجف سنة 1270 هـ وكان سادس اخوته وأصغرهم سناً وأقربهم إلى أبيه مكانة ، توسم أبوه فيه الذكاء والرغبة بطلب العلم فسهر على تربيته ، ويرجع الفضل للعلامة الحجة السيد مهدي القزويني في تنمية ملكاته العلمية والأدبية ثم لازم حضور منبر الواعظ الشهير والعلامة الكبير الشيخ جعفر الشوشتري فقد كان من النفر الذين دونوا الكثير من إملاته

ادب الطف ـ الجزء الثامن 232


وارشاداته ومن المنتفعين بفوائده وفرائده وهو الذي شجعه على تعاطي الخطابة وممارسة الوعظ لما لمسه فيه من تضلعه في علمي الحديث والفقه وأخبار أهل البيت . ترجم له ولده الخطيب الأديب الشيخ محمد علي في مؤلفه (البابليات) وذكر مراحل حياته كما ترجم له صاحب الحصون وقال : هو من خيار الوعاظ في العراق ومن شيوخ قرائها وادبائها ، نجفي المولد والنشأة والمدفن . كان شاعراً بليغاً وأديباً لبيباً ، تخرج في الوعظ على يد العلامة الشهير الشيخ جعفر الشوشتري ، وفي الأخلاق على الملا حسين قلي الهمداني . وترجم له العلامة السماوي في (الطليعة) وقال فيما قال : رأيته واجتمعت به وطارحته ، ونظم في الإمام الحسين عليه السلام (روضة) مرتبة على الحروف تناهز كل قصيدة منها مائتي بيتاً وتنيف . وفي (البابليات) أن للمترجم له ثلاث روضات الاولى في اللغة الفصحى وهي التي أشار اليها السماوي والثانية باللغة الدارجة والثالثة في النوحيات وهي أيضا باللغة الدارجة ، وقد عنيت بنشرهما مطابع النجف ، وأشار شاعرنا للروضة الاولى بقوله من أبيات :
إن تسمـو بالمال رجال فقـد سمـت لأوج الفخـر بي همتي
نشـأت في حجر المعالي إلى أن لاح وخـط الشيب في لمتي
حسبـي نظمي فهو لي شاهد عـدلٌ وقـد قامـت به حجتي
إنـي تنبـأت بشعـري فمـا مـن شاعـر لـم يك من امتي
فليغـرفـوا من أبحري كلهم وليقطفوا الأزهار من (روضتي)

قام بجمع ديوانه ولده الخطيب الشهير الشيخ محمد علي ورتبه على الحروف حتى إذا ما وقف على حرف الدال حدثت وقعة عاكف وذلك في الحلة أوائل محرم من سنة 1335 فتلف ما جمع وما لم يجمع . توفي المترجم له بالنجف الأشرف عشية الأربعاء ليلة الخميس رابع عشر ربيع الثاني من سنة 1329 ودفن في وادي السلام ، وهذه طائفة من أشعاره . قال في الموعظة وذم الدنيا .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 233


مـن بات في غفلة والموت طالبه فهـل يفـوت وينجو منه هاربه
جانب هواك لتحضى بالنعيم فهـل يصلى الجحيم سوى مَن لا يجانبه
إن رمـتَ مَنـّاً فـإن الله منـزله أو رمت صفحاً جميلاً فهو واهبه
أو شئـت تأمن من يوم المعاد فبت والجفـن كالغيـث إذ ينهل ساكبه
ففي غد ليس ينجو غير من صحب التقوى ومن غدت التقوى تصاحبه
فكيـف يلهـو امـرءٌ عما يراد به وللمنيـة قـد سـارت ركـائبـه
هل يؤمن الدهر من مكر ومن خدع وتلك طبقـت الـدنيـا مصائبـه
وليـس يصرفـه عمـا يـحـاوله عـذل ويثنيـه عنه مـن يعاتبـه
فكـن مـن الله في خوف وفي حذر إذ لـم ينـل عفـوه إلا مـراقبه

وأرخ جملة من الحوادث المهمة فأجاد وأُبدع منها تاريخه لانتصار الجيوش العثمانية علىا ليونان بقيادة المشير أدهم باشا في عهد السلطان عبد الحميد سنة 1314 ، قال :
سلطاننـا عبـد الحميد الذي صان حمى الاسلام والمسلمين
أعـزّ ديـن الله فـي موقف أذل فيـه الشـرك والمشركين
حرب بها اليونان قد شاهدت عاقبـة الطغيـان عين اليقين
فيـهـا أعـان الله أجنـاده على العـدا والله نعم المعيـن
أوحى له الذكـر بتاريخهـا لقـد فتحنا لك فتحـاً مبيـن

وقال في صورة للامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وجدت في متحف من متاحف اليونان ، أهديت للعلامة السيد محمد القزويني :
ملأ العوالم منه حيـدر هيبة وبوصفه حارت عقـول الناس
عجباً لمن ملأ البسيطة نـوره وتراه في التصوير في قرطاس(1)


(1) لقد نظم جماعة من الشعراء في هذه الصورة تجدون بعضها في ترجمة السيد باقر القزويني المتوفى 1333 في ترجمته الآتية في هذا الكتاب .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 234


وقال مؤرخاً وفاة استاذ العلامة الكبير الشيخ جعفر الشوشتري سنة 1303 :
قضى جعفر فالعلم يبكيه والتقى ويـرثيه محـراب ويندب منبـر
بكت رزءه شهب السما فتناثرت وحـق علـى أمثاله الشهب تنثر
إلى الـواحد الفرد التجأنا فجعفرٌ قضى شرعه أرخت مذ راح جعفر(1)

وله :
تجـود عيـوني بالدمـوع فتغرقُ ونـار جـوى قلبي تشب فتحرقُ
لركب سروا والقلب قد سار إثرهم فيا ركبهم مهلاً عسى القلب يلحق
وظـل فـؤادي مـن نواهـم كأنه جناح حمام إذ يـرفّ ويـخفـق
وقـد راح يهفو حيث يستاقه الهوى اليهم وشـوقاً كادت النفس تزهق
وسيان وجدي في الأحبة إن مضوا بهم شحطت عين الديار وإن بقوا
لئـن عـاد شمل الهمّ مجتمعاً بهم فقد راح شمل الصبر وهو مفرق
فبـتّ ولـي قلـبٌ يقطّع بـالنوى وطرف على الأحباب دام مؤرق


(1) الشيخ جعفر الشوشتري عالم كبير وواعظ شهير ، طبق العلم على العمل وهو أول من لقب بـ (العالم الرباني) كان يعظ في صحن الامام أمير المؤمنين عليه السلام فتحضر لاستماع مواعظه مختلف الطبقات حتى الحكام والولاة والقضاء في العهد العثماني وما زال العلماء والوعاظ والخطباء يستشهدون بأفواله ، وله جملة من المؤلفات أشهرها (الخصائص الحسينية) يذكر فيه مميزات الامام الحسين وأثر نهضته وفيه من الفلسفة حول ذلك ما لا يوجد في غيره من الكتب التي أُلّفت في الحسين .
ولقد تخرج على منبره جماعات من فطاحل العلماء وأكابر الوعاظ وكتبوا مؤلفات واسعة عن منابره وتأثيرها على المجتمع ولا عجب فما خرج من القلب دخل في القلب وما خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان ، وقد قيل : ما أحسن الدر ولكن على نحر الفتاة أحسن وما أحسن الموعظة ولكن من المتعظ أحـسن وفـي الآيـة الشـريفة «وما اريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه وفي الآية الاخرى «يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 235


وطلّـق جفني النوم من غيـر رجعة فبان ولـو عادوا يعود المطلـق
ووارق عـودي يـوم فـرقتنا ذوى فما هـو من بعد التفرق مـورق
ومـدّ دموعي عـن دم ذوب مهجتي وكيـف يمـدّ العين ما هو يحرق
لذا احمرّ مني الدمع وابيض مفـرقي أسى وبعيني اسودّ غربٌ ومشرق
أحـنّ وإن بانوا وأحنوا وإن جفـوا وأبكي وإن نامـوا وللصب أرقوا
وأهوى الحمى إذ كان معهدهـم بـه وأقلوا النقا إذا منه ساروا وأعنقوا
فإن أشأمـوا وخـداً فـاني مشئـم وإن أعرقـوا شوقاً بهم أنا معرق
فلا المـاء يحلـو بعدهم ويلذّ لـي ولا العيش مهما عشت وهو منمق
أقـول لدهـري يـوم فرّق بيننـا أيـا دهـر للاحباب أنـت المفرق
فهـل لخليط أسهر الجفن إذ نـأى إياب وهـل للنوم في العين مخفق
فقـال ألا للناس طـول زمانهـم لكل اجتـماع بعـد حيـن تفـرق
فقلـت لعينيّ اسكبـا أدمعاً دمـاً على جيرة مني صفا العـيش رنقوا
ومَن لي بصحب كم هنا لي سائغاً بهـم مصبح قبـل الثنائي ومغبق
فيـا عاذلـي فيهم ألـم تدرِ أنني بهـم واليهـم مستهـام وشيــق
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 236


الشيخ احمد درويش

المتوفى 1329

الشيخ أحمد درويش علي . برع في مختلف الفنون الأدبية وألّف وصنّف وأصبح أحد أقطاب الأدب في الأوساط العلمية ترجم له السيد الأمين في الأعيان والأديب سلمان هادي الطعمة قال عنه أنه بغدادي الأصل وكان أديباً فاضلاً له كتاب (كنز الأديب في كل فن عجيب)(1) وله ارشاد الطالبين في معرفة النبي والأئمة الطاهرين ، وأثنى عليه الشيخ اغا بزرك الطهراني فقال : هو الشيخ أحمد بن الشيخ درويش علي بن الحسين بن علي بن محمد البغدادي الحائري ، عالم متبحر وخبير ضليع ، ولد في كربلاء عصر عاشوراء 1262 كما رأيته بخطه نقلاً عن خط والده . نشأ محبا للعلم والأدب فجدّ في طلبهما حتى حصل على الشيء الكثير وكان الغالب عليه حبّ العزلة والانزواء وأصبح على أثرهما مصنفاً مكثراً في أبواب المنقول من السير والتواريخ والأحاديث والمواعظ مما يبهج النفوس ويبهر العقول فمن تصانيفه كتابه الكبير (كنز الأديب في كل فنٍّ عجيب) سبع مجلدات ضخام ذكر أنه ألّفه في مدة ثلاثين سنة رأيته بخطه الجيد عند ابن اخته وله الدرة البهية في هداية البرية جزئين أحدهما في المواعظ والثاني في الأخلاق وهما بخطه أيضاً عند ابن اخته أيضاً . وكتب عنه البحاثة خير الدين الزركلي في الاعلام . وجاء له من الشعر سواء في رثاء أهل البيت أو في أغراض أُخر أعرضنا عن ذكره أما قصيدته في الإمام الحسين (ع) التي رواها الكثير فنكتفي بذكر مطلعها وهي تزيد على الثلاثين بيتاً :
عجباً لعين فيكم لا تدمع عجباً لقلب كيف لا يتصدع


(1) أقول ورأيت من هذا الكتاب في مكتبة الآثار ببغداد عدة مجلدات ضخام ، وفي الجزء الأول منه ـ ترجمة لجدنا الأكبر السيد عبد الله شبر صاحب المؤلفات الكثيرة .


السابق السابق الفهرس التالي التالي