ادب الطف ـ الجزء الثامن 208


يـا لك الله أيّ خطـب جسيـم جللٌ هـوّن الخطـوب الجسامـا
يـوم أذكت عصائب الشرك بغياً بحشـا صفــوة الجليـل أوامـا
هـو فـردٌ لكن تـراه الأعادي حيـن يسطـو بهم خميسـاً لُهاما
سامياً صهـوة الطمّر كأن الطر ف قـد قـل مـن هضاب شماما
ترجف الأرض خيفة حين يسطو مثـل فلك فـي لجة البحـر عاما
وتمـور السمـا إذا شاهـدتـه سـلّ مـن بـأسه الشـديد حساما
لـفّ أجنـادهـا وكّهـم منهـا البيـض قسـراً ونـكّس الأعلاما
أسـد الله ما رأى الأسـد فـي الهيجـاء إلا أعـادهـا أنـعامـا
بـطل أيسـر العـزائـم منـه إن عـدا ساطيـاً يـروع الحماما
فـدعاه المـولى إلـى الملأ الأ علـى فلبّى طـوعاً وكف احتجاما
ولذاك اختـار الشهـادة حتـى نـال فيهـا مـا حيـّر الأوهامـا
فـرمته العـدا بـأسهـم حقـد ليـت قلبـي عنـه تلقّى السهامـا
فهـوى منـه فـي سماء لويٍ بـدر مجـد يجلو سنـاه الظلامـا
ونعـاه الـروح الأمين ونـادى قتـل اليـوم مـَن به الديـن قاما
أي خطـب قـد هـدّ من كعبة الاسلام في عرصة الطفوف دعاما
ورمـى آل هاشـم بـرزايـا نكسـت مـن وقـوعن الهـامـا
يـوم سارت من العراق عداهم بنسـاهـم أسـرى تـؤم الشئامـا
ثـاكلات يندبن حـزناً ويذرفن دمـوعاً تحكـي السحـاب انسجاما
وتجيـل الألحاظـرعباً فلم تلق سـوى كافـل يقاسـي السقـامـا
يـا لقومي لفادح أورث القلـب غليـلاً وفيـه أذكـى ضـرامـا
يـوم ثارت حربٌ على آل طه فـأبـادتـهـم إمـامـا إمـامـا
أيّ يـوم هالت عصائب هنـد عـروة الـدين بالقـراع انفصاما
أي يـوم جـبّـت لآل نـزار بشبـا البيـض غاربـاً وسنامـا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 209


أي يـوم لخاتـم الرسـل فلـّت مخـذماً فيـه شيـّد الاسلاما
وأراقــت دمـاء كــل أبـيٍّ جلّ يوم الهوان من أن يضاما
يابن بنـت النبي إن فاتني نصر ك بالكـف لـم يفتني كلامـا
لـي فيـه علـى عداكـم حسام شفـرتاه تحكي الحمام الزؤاما
مـع أنـي لأخـذ ثـارك شوقاً أرقـب المجتبى الامامَ الهماما
سوف أطفي الغليل من كاشحيكم فـي كفاح تزلـزل الأعلامـا
ولـدى قـائم الشريعـة سيفـي في اللقا يـرشح الدما والحماما
وليـوث خلفـي لآل (غـري) منهـم تغتـدي الليوث سوامـا
تنشـئ الموت في ظباها إذا ما أبصرتني للحرب أبدي ابتساما
يـا بـن طـه اليك لؤلؤ نظم فاق فـي سمطه اللآلي نظاما
فاقبلن من (محمد) ما غدا في فـم قاليـك علقمـاً وسمامـا
وبثغـر المحـب نحلة شهـد يفضح الشهـد طعمها والمداما
وعليكم مـن ربكم صلـوات وسـلام يغشـى علاكم دواما

وله :
عـذرتك أن تعنفني نصوحا وقلبـك لم يبت بأسى جريحا
تفاقـم فانطوت جمل الرزايا يـوازنه فيعـدلهـا رجيحـا
هـو الخبر الذي اتقدت لظاه بجانحة الهـدى لهباً صريحا
إذا ذبـح ابـن فاطمة عناداً فإن الديـن قـد أمسى ذبيحا
وميـز رأسـه بشبا العوالي قطيعاً يعـرب الكلم الفصيحا
يـرتل في السنان لكل واعٍ كتـاب الله تـرتيلاً صحيحا
تمـرّ به الرياح وقد مراها بأطيب من أريج المسك ريحا
وجـرده إبـاه الضيم نفساً إذا ذكـر الهوان نأت نزوحا
لـدى أبنـاء معركة وقته بمهجتها الذوابـل والصفيحا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 210


عشيـة لاذ عـز الفخـر فيـه ومـدّ له الهدى طـرفاً طمـوحا
ثـوى بثرى الطفـوف تعلّ منه مهنـدة السيـوف دمـاً سفـوحا
فأوسـع بيضة الـدين انصداعا وعطل في القصاص لها جروحا
تكفنـه العـواصف بيـن قوم ثلاثـاً لا تشـق لـه ضـريحا
وفـاح شذى الامامة من محيّاً عليـه دم الشهـادة قـد أفيحـا
بيـوم جرعتـه دمـاء حرب علـى ظمـأ وحُـرّم مـا أبيحا
وزلـزلها مـوطدة رعـانـا يميـل بهـا له قـدر أتيـحـا
أجلّك أيهـا البطـل المسجّـى ثلاثـاً أن تبيـت لقـى جريحا
مسجّـى بالثرى وعداك قسراً بصدرك أجرت الفرسَ الجموحا
عدىً أفنت ضلوعك بالعوادي لقـد أفنت مـن التنزيل روحا
تمنـّت أنهـا أفنتـك ظلمـاً علـى حنـق بها جسداً وروحا
وروح الله حين بكاك عيسى تشـرّفك فيـك عند الله روحا

وله :
أيـوم الطف طرت بها شعاعا نفـوساً سلّها الجـزع التياعا
وجزت ببكر خطبك كل خطب يسـوم الطود أيسره انصداعا
سليبـاً تستمـد الشمس منـه إذا بـزغت بضاحية شعاعـا
صـريعاً تشكـر الهيجاء منه إذا التفـت به البطل الشجاعا
فأصبـح في جنادلها عفيـرا يشرّف فضل مصرعه البقاعا
وأبنيـة يمنّـع فـي حماهـا طـريد بني الجرائم أن يراعا
فأمسـت والتهاب النـار فيها يحط قـواعداً علت ارتفـاعا
أيـدري الدهـر أي دم أضاعا وأي حـمـى لآل الله راعـا

وقال :
خولف المختار في عترته أهل بيت الوحي براً وولاءا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 211


وأقـام الديـن فيـهـم فـابـى قـومه فـي آله إلا الجـفـاءا
أوردوهـم كـدر العيـش إلـى أن أعـدّوهم دم النحـر ظماءا
وأجالـوا الخيـل حتـى طحنت خامس الغر الالى حلّوا الكساءا
طحنت صدر ابن بنت المصطفى يـوم في غرّ الهدى سنّ الأباءا
بـأبي الثـاوين لا ينـدبـهـم غير برح الحرب صبراً وبلاءا
وثـوت والديـن يدعو حـولها هكـذا مـن لبس الفخر رداءا
تلك أعلام الهدى سحب النـدى وليـوث الحـرب عزماً ولقاءا
ومـغـاويـر الحفيظـشات إذا قذفـوا الرعب المغاوير وراءا
عـانقت من دونه بيض الظبى لم يعانق رغدها البيض الظباءا
ووقتـه الطعـن حتى قطـّرت والقنـا فيهـا اعتدالاً وانحناءا
فـي مـراضي أغلب أوردهـا مـورد العـزة بـدءاً وانتهاءا
بأبـي الفـادي سنـا حـوبائه دون ايضاح الهدى حتى أضاءا
واقـرّوه على الرمـضا لقـى يتـردى من ثرى الطف كساءا
نسـج الريـح عـليـه كفنـاً فاكتسـى الرمـل بمثواه بهاءا
ونـواع حـوله تـدعو أسـىً بقتيـل لـم يجب منها الدعاءا

وله :
يـا راقداً عـن بعثه بطـراً أرأيت بعث معاشر رقدوا
بـولاء آل محمـد علقـت لك يا رهين الموبقات يد
بالطيبيـن ولـم يطب أبـداً من في سواهم قط يعتقد
تأمين أقصى الصبر يوردهم محناً يزول لبعضها أحد
مـا بين منفطر الحشا حرقاً أودى فغيّب جسمه الكمد
ودفينـة سـراً أبت سحـراً من أن يشيّع نعشها أحد
دفنـت وغصتهـا بمهجتها تغلي الفؤاد فينضج الكبد


ادب الطف ـ الجزء الثامن 212


وصـريـع محـراب يعمـه سيف ابن ملجم بالردى يفد
وبسـمّ جعـشدة قطعت كبـد يـرنو اليها الواحـد الصمد
وبكـربلا نُحـرت على ظمأ فئـة عليها الماء قد رصدوا
من كل بدر تقى إذا انتصبت خيـم الهـدى فبه لها عمد
وركيـن معـركة إذا رجفت فـكأنـه فـي قلبهـا وتـد
ولـجَ القـتـام كأنـه قمـر ونحـا الصـدام كأنه أسـد
يـرد الردى مـن دون سيده فكأنـه صافـي الروى يرد
صبـروا نفوس أكارم سلبت تحت العجاجة والقنا قصدوا
بفنـاء منقطـع القرين ثووا وبحفظ عـزة مجده انفردوا
وبجنب مصرع قدسه نحروا فلذاك في درجاتـه صعدوا
حشـدت عليـه ألوفهم فأتى يفنـي القبائـل وهو منفرد
في جحفـل من نفسه شرق بـالسيف لا يحصى له عدد
مـن معشر لم يخلفـوا أبداً لله مـا عهـدوا وما وعدوا
أودى ولا فـي سيفـه كلل وهـوى ولا بقـوامـه أوَد

وقال :
وأقمـار رشـد لوعدا البغي تمّها لما عولجت في كربلا بخسوف
سليبـة أبـراد الشهادة فـي ثرى يمـور عليها في هجير صيوف
يـرمّلها فـيض الدماء فتكتسـي بسـورة نكباء الرياح عصوف
لـدى جسد صكّ الصناديد فانثنت ألـوف توقـّى بأسـه بألـوف
ألا قد قضى ابن المصطفى متلافياً بقايـا الهـدى صبراً بشمّ انوف
وسلّ سيـوف الرشد ساخطة على بغاة على الشرك القديم عكوف
وينظـر صرعى يعلم المجد أنهم معاقلـه مـن تالد وطـريـف
صريعـاً تـواريه الأسنـة لمّعـاً بـأطراف مـرّان عليه قصيف


ادب الطف ـ الجزء الثامن 213


وله :
قـد خفـروا مـن محمد ذمماً ما خفـروها لغيـر محمـود
وجـرعوا آله ببيـض ظبـى كأس الردى في المواقف السود
كأن جـاري دمـا نحورهـم فيـض نداهـم بموطن الجود
مـن كل ذي غـرة له جلبت كل المـعالي بحشـد محشود
بادي المحيا إذا الوغى التهبت خاض لظاهـا ببـأس صنديد
يستعرض البيض في سنا قمر مـن وجـه باديه غير رعديد
قـد قلّـد الدين من صنائعه يـوم الـوغى أشرف المقاليد
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 214


السيد علي الأمين
المتوفى 1328

قال مخمساً أبيات السيد حسين ابن السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1325 وأصل الأبيات في مدح أمير المؤمنين علي :
بنفسي الحسين سقته عداه كؤوس المنون وساقت نساه
فقل للوصي وحامي حماه أبا حسن أنت عين الاله
فهل عنك تعزب من خافيه
أما هتفت بك بين الطغاة نساك وأنت حمى الضائعات
وأنت المرجّى لدى النائبات وأنت مدير رحى الكائنات
وإن شئت تسفع بالناصيه
أتقعد يا سيد الأوصياء ووترك بين بني الأدعياء
وتجثو وذا الكرب يقفو البلاء وأنت الذي امم الأنبياء
لديك إذا حشرت جاثية(1)
* * *
السيد علي السيد محمود الأمين كان عالماً محققاً مدققاً فقيهاً اصولياً قوي الحجة . ترجم له السيد الأمين في الأعيان فقال : كان ورعاً شاعراً أديباً نقاداً للشعر مهيباً مطاعاً نافذ الكلمة محمود النقيبة اتفقت على حبه وتعظيمه

(1) ظرافة الأحلام في النظام المتلو في المنام ، للشيخ محمد السماوي ، مرّ في صفحة 104 قصة هذه الابيات والحلبة الشعرية حولها ومنهم السيد المترجم له .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 215


جيمع الناس من جميع المذاهب . ولد في شقرا من قرى جبل عامل ـ لبنان في حدود سنة 1276 وتوفي ليلة السبت 11 شوال 1328 هـ فيكون عمره نحواً من اثنين وخمسين سنة قضاها في خدمة العلم إفادة واستفادة وتأييد الدين وقضاء حوائج المؤمنين . وبعدما حفظ القرآن في مدة يسيرة ولما يبلغ السبع تفرغ لطلب العلم وتوجه للنجف في حدود سنة 1290 وعمره نحو 14 سنة وكان يقول : بلغت الحلم في النجف فقرأ علوم العربية والاصول على الشيخ احمد ابن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ـ الذي كان وحيداً في توقد الذهن وطيب الأخلاق ، كما قرأ على الشيخ محمود ذهب ، هذا في السطوح وأما درس الخارج فقرأ في الفقه والاصول على الفقيه الشيخ اغا رضا الهمداني صاحب مصباح الفقيه وغيره من المصنفات وعلى الشيخ محمد حسين الكاظمي صاحب هداية الأنام في شرح شرائع الاسلام ، وفي الاصول على ا لشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية وغيرها ، وتخرج على يده في العراق ولبنان عدد كثير من العلماء والفضلاء وكان يقول : باحثتُ المطول للتفتا زاني أربع عشرة مرة ، وبقي في النجف الأشرف في خدمة العلم نحواً من إحدى وعشرين سنة ، وهذه ألوان من شعره ، قال مخمساً بيتين لبعض المتقدمين في مشهد الحوراء زينب بنت امير المؤمنين (ع) بقرية راوية من دمشق الشام :
لبنت خير الورى طراً وبضعته قبرٌ ملوك الورى تعنو لهيبته
فقلت مذ فزت في تقبيل تربته مَن سره أن يرى قبرا برؤيته
يفرج الله عمن زاده كربه
فذا إذا الطرف من بُعد تبيّنه رأى من العالم العلوي أحسنه
ومن يوم إن دهاه الخوف مأمنه فليأت ذا القبر إن الله أسكنه
سلالة من رسول الله منتجبه

روى السيد الأمين في الأعيان جملة من مراسلاته وما قيل في رثائه من النظم تغمده الله برحماته .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 216


الشيخ عبّود الطريحي

المتوفى 1328

الشيخ عبود الحاج سالم الطريحي شاعراً أديباً ظريفاً حاضر النكتة فكه الحديث ، ولد بالنجف عام 1285 وشبّ ونمى بين أديب وعالم ومؤرخ وتدرج على الخطابة مضافاً إلى الكسب ويلازم ديوان أبيه الشاعر الكبير الحاج سالم وهو حافل كل ليلة بالادباء والعلماء فمن حيث يريد ولا يريد نظم الشعر وبرع فيه ، فمن مرتجلاته في شهر رمضان :
أقبـل شهـر الله قم واستعد لصـومه مـع التقى والصلاح
شهـر به الرحمة قد أنزلت فأطلب به الرحمة وأرج السماح
دع الملاهي عنك وادعو به دعـا لنهـار ، ودعـا الافتتاح

ومرّ يحمل كمية من (الخيار) وذلك في تموز فجاء به لأهله وارتجل :
قد ذاب قلبي مـن هوى تموز من حرّه قد جفّ ماء الكوز
في السوق (رقيٌ) وإني مفلس بـردته بخيارة العطـروز

نظم في الغزل قصيدة مطلعها :
رق ماء الحسن في الخدّ الأسيل من غزال ناعس الطرف كحيل

ترجم له عبد المولى الطريحي في (الاسرة الطريحية) والخاقاني في شعراء الغري وذكر له مقطوعة شعرية في الإمام الحسين (ع) أولها :
إذا شئت النجاة من العقاب ومن هول القيامة والحساب
فبادر للحسين وقف وسلّم عليه بانكسـار وانتحـاب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 217


الشيخ حسين الكربلائي

المتوفى 1328

قال من قصيدة في رثاء الامام الحسين عليه السلام مطلعها :
ألا مَن مجيري من عيون فواتر لعبن بألباب الكماة القساور

إلى أن يتخلص لفاجعة كربلاء فيقول :
قضى ضامياً في الطف سبط محمد خميض الحشا تحت القنا المتشاجر
بأهلـي ونفسي صادي القلب طاوياً ومـن دمـه تروى شفار البواتر
رمتـه بنـو حـرب بأسهـم بغيها وليـس لـديه مـن محام وناصر
نسوا جـده الهادي النبي وضيعـشوا ـ بقتلهم السبط ـ قربى الأواصر
بعتبـة جـاؤا يطلبـون بثـأرهـم مـن الله لا مـن حيدر يوم عاشر
* * *

ترجم له صديقنا الأديب سلمان هادي الطعمة وذكر له جملة من النوادر وشيئاً من الشعر في الغزل ويكفينا أن أشرنا اليها ، كما ترجم له الشاب الاستاذ موسى الكرباسي في مؤلفه : البيوتات الأدبية في كربلاء ، ويؤسفنا أن هذا الكتاب لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من أغلاط مطبعية أما الشعر فيكاد أن يكون ممسوخاً . أملنا العناية بالكتاب في الطبعة الثانية بعون الله .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 218


السيد مهدي البغدادي

المتوفى 1329

شاهد هلال المحرم فقال :
تنهـلّ أدمـع مقلتي إن قيل لي هلّ المحرم
ما إن ذكرت مصيبة لكنمـا ذكـراه مـأتم

وشاهد مأتما لعزاء الإمام الحسين قد أقامه أحد العلويين وضرب خيمة على المأتم فقال :
ضرب الرواق يقيم مأتم جده وهو الحقيق بأن يقيم المأتما
متصدراً فـي دستـه فكأنه شخص النبي مخاطباً ومكلما
* * *

السيد مهدي البغدادي النجفي الشهير بأبي الطابو ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (ع) . ولد ببغداد عام 1277 هـ وهاجر أبوه إلى النجف فحمله معه ونشأ بها فدرس المقدمات من نحو وصرف ومنطق وبلاغة ، ذكره جمع من الاعلام منهم (صاحب الحصون) ومال إلى قرض الشعر ، وكان رحمه الله رقيق الروح خفيف الطبع ، ولع آخر حياته بالزراعة ، ومن آثاره الأدبية منظومة في المعاني والبيان أسماها (اللؤلؤ والمرجان) ومن ملحه ونوادره أن الخطيب الشيخ كاظم سبتي لما هاجر من النجف إلى بغداد حصلت منافسة بينه وبين خطيب بغداد السيد عباس الموسوي وانقسم البغداديون شطرين بين هذين الخطيبين واحتكموا إلى المترجم له فقال :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 219


أتراجم الخير من همج رعاع قد ابتدلوا بعباس (ابن سبتي)
فكانـوا يسجـدون إذا رأوه ولا عجـب فهم أبناء سبت

ومن مرتجلاته أن السلطان ناصر الدين شاه لما زار النجف أهدى (عصى) إلى بعض العلماء فقال السيد مهدي :
عصاً كعصى موسى ولكن تقلها يـدٌ طالما أحيت مكارمها الخضرا
وقـد قال قوم إنها سحر ساحر فقلت اخسؤا هذي التي تلقف السحرا

ترجم له البحاثة المعاصر علي الخاقاني في شعراء الغري فذكر جملة من بنوده ورسائله ومحاسن تواريخه التي نظمها في مناسبات تاريخية وحوادث ذات شأن وألواناً من شعره في الغزل والفخر والحماسة فهو يتحمس في قصيدة جاء في أولها :
بماضي رهيف العزم أقتحم الصعبا وبالهمة القعساء أقتلع الهضبا
عليّ أثام العرب إن ضلّ صارمي ولم يحتلب غلب الرقاب له شربا

وله الكثير من أدب المراسلات وأكثرها مع المرحوم السيد حسين القزويني ، فقد قال في مراسلة عام 1320 هذا أولها :
صنت سمعي عن عاذل فيك لاحي ظـن بالعـذل يستلين جماحـي
تـربـت كفـه فـقـد رام أمـراً دونـه وقـع داميـات الصفاح
أيـن حال الخليّ مـن ذي صبـا بات بـرت جسمه كبري القداح
قـد رمته يـد الغـرام سهـامـاً بـات منها علـى أمضّ جراح
لا تلمنـي فـلسـت أول صـبٍّ دنف القلب وهو في جسم صاح
إن صبا فهو لا إلى المقـل النجل وإن هـام لا بـذات الـوشاح
عمـرك الله هـل تعـود ليـال هي أصفى من الزلازل القراح
وأمـا والهـوى وخمـر ثناياك ولالاء جـيـدك الـوضـاح


ادب الطف ـ الجزء الثامن 220


مـا بأرض الغري بعـدك يحلـو في عبوقي ولا يلذّ اصطباحي
أرقـب الثـاقبـات والليـل داج لـم أخلـه ينشق عن إصباح
وإذا نـاحت الحمامـات في فرع أراك شـاطـرتهـا بـالنياح
أتـرى أجلـب الليالـي صفـاءاً ومـن الهـم أتـرعت أقداحي
ذهبـت بهجـة الـزمان وولـّت جدّة العمر وانطـفى مصباحي
أيهـا الممتطي جسـوراً من النيب تـلفّ الحـزون لـفّ البطاح
لا يشـق النسيـم منهـا غبـاراً بـغـدوٍّ إن أدلجــت ورواح
خض بها غامض السرى واقتعدها وأقمـهـا بـالمنـدل النفـاح
بـربـوع شقـيقـهـن خـدود بغـوان يبسمـن لا عن أُقاح
جـدّ قلـب المشوق فيها ولوعاً بنفـور لا بـالحسان المـلاح
علـم الصبر أننـي فيـه حـرٌ لم أدع ما عليه ضمت جناحي
ولـو أنـي جزعت مـا غلبتني ببـكاء حـمامـة أو نـيـاح
إن قلبـي مـن الزمان جريـح وجريح الزمان صعب الجراح
سل ربوع الغري هل لاح فيهـا بعد فقد الحبيب ضوء الصباح
أيـن شملي أم أين مجمع أُنسي فكأني قد كنت في ضحضاح
تعليق :
أقول والضحضاح هو القليل من الماء الذي لا يغمر القدم ، فلا تطلق العرب كلمة : ضحضاح إلا على الماء القليل ، ولكن المغيرة بن شعبة وهو المعروف ببغضه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، اختلق حديثاً كاذباً فزعم أن النبي (ع) قال : إن عمي أبا طالب في ضحضاح من نار . أبو طالب هو المحامي الأول عن بيضة الاسلام وهو الكافل للنبي والمدافع عنه بالنفس والمال والأهل والعشيرة وهو القائل كما رواه الالوسي في شرح القصيدة المطولة :
كذبتم وبيت الله نخلي محمداً ولما نطاعن دونه ونناضل


ادب الطف ـ الجزء الثامن 221


لعمـري لقد كلّفتُ وجداً بأحمد وأحببته حب الحبيب المواصل
وأبيض يستسقـى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل هاشم فهم عنـده في نعمة وفواضل

ويقول :
إصدع بأمرك ما عليك غضاضة وافرح وقرّ بذاك منك عيونا
والله لـن يصلـوا اليك بجمعهم حتى أُوسـدّ في التراب دفينا
ولقد علمـت بـأن ديـن محمد مـن خير أديان البـرية دينا
ودعوتني ، وعلمت أنك صادق فيما تقـول ، وكنتَ ثمّ أمينا

ويقول ـ كما رواه البخاري في تاريخه الصغير :
لقـد أكـرم الله النبي محمداً فاكرم خلق الله في الناس احمد
وشـقّ له مـن اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمد

ثم يخاطب أخاه الحمزة بن عبد المطلب ويقول :
صبوراً أبا يعلى على دين احمد وكن مظهراً للدين وفّقتَ صابرا
فقد سرني إذ قيل أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا

ثم يخاطب ولديه ، علي وجعفر :
إن عـليـا وجعفـراً ثقتـي عند ملمّ الخطوب والنوب
والله لا أخـذل النـبـي ولا يخـذله من بنيّ ذو حسبِ
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما أخي لامي من بينهم وأبي

تتمة ترجمة الشاعر :
الظاهر من شعره ـ والشعر مرآة قاله ـ انه كان قوي الشخصية صارم الارادة يقول الخاقاني في شعراء الغري : وله قصص تعرب عن ذلك ، ومن العجيب صلته بالعلامة السيد حسين ابن السيد مهدي القزويني فان أكثر بنوده

ادب الطف ـ الجزء الثامن 222


ورسائله وشعره ومراسلاته هي في السيد حسين ولكن يخفف العجب أن هذه الاسرة الكريمة أعني آل القزويني تتحلى بالظرف والأدب وسماحة النفس وطيب السريرة وحسن السيرة . مضافاً إلى أن المترجم له كان تلميذاً للسيد العلامة السيد حسين فهو يحفظ له هذا الحق وهو حق التلمذة . ذكر الخاقاني للمترجم له ثمانية بنود وجملة من الرسائل وعشرات من التواريخ والمراسلات ولنستمع اليه يؤرخ حبيبه وأليفه العلامة السيد حسين القزويني بقوله :
مـررت على قبـر الحسين وإنني لفـي عجب كيـف التراب يـواريه
ومَـن وسـع الدنيا علـوما ونائلا فكيف استطاعت هذه الأرض تحويه
تضمن هذا القبر بحرين : من ندى وعلـم وكـل مـنهمـا مـدّه فيـه
فمـا إن تغشـاه التـراب وإنـما بـأنواره بـاريـه أرخ (يغـشيـه)

وأورد نماذج من رجزه ومنظومته في (الشطرنج) ومدح ورثاء وغزل يتكون منها ديوان قائم بنفسه ، ومن ثنائياته قوله في مقام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمسجد الكوفة ، وهو المكان الذي استشهد فيه عليه السلام :
وعجبت من قوم قد ادعت الولا للمـرتضى صنو النبي محمد
أن لا تسيل نفوسهم في موضع سـالت عليه دمـاء أكرم سيد
أو لـم تكن تـدري بأن إمامها لاقى الحمام هنا بسيف الملحد


السابق السابق الفهرس التالي التالي