ادب الطف ـ الجزء الثامن 166


تـلقـاه إن حـمي الوغى متهللا يلقى الوغى بأغرّ وجه يسطع
يسطو فيختـطف النفوس بصارم كالبرق يقـدح بالشرار فيلمع
وهوى برغم المكرمات فقل هوى من شامخ العلياء طـود أمنع
شلـواً تنـاهـبه الصوارم والقنا والرأس منه على قناة يرفـع
وابتزّ ضـوء الشمس حزناً بعده فالافق مغبرّ الجـوانب أسفع
لهفي لزينب وهي تنـدب ندبـها وجفونهـا تهمي المدامع همع
تدعـو مـن القلب الشجى بلهفة شجواً سكاد لها الصفا يتصدع
تدعو أُخيّ حسين يا غوث الورى في النائبات ومن اليه المفـزع
أحسين من يحمي الفواطم حسراً أمست ومَن للشمل بعدك يجمع
أسـرى تـقنّع بالسياط متـونها لهفـي لآل الله حين تـقـنـّع
سـلت بـراقعها الـعداة فعـاذر لـو أصبحـت بأكفها تتبرقـع

وقال أيضاً رحمه الله في رثاء حبيب بن مظاهر (رض) :
أحبيبُ أنـت إلى الحسين حبيبُ ان لـم ينـط نـسب فأنت نسيب
يا مـرحباً بابـن مظاهر بالولا لو كان ينهض بالـولا الـترحيب
شأن يشق على الضراح مرامه بعـداً وقـبرك والضريح قـريب
قد أخلصت طرفي عُلاك نجيبة مـن قومـهـا وأبٌ أعـزّ نجيب
بأبي المفـدّي نفسه عـن رغبة لم يـدعـه الترهيب والترغـيب
ما زاغ قلباً مـن صفوف امية يـوم استطارت للـرجال قـلوب
يا حامـلاً ذاك اللـواء مرفرفا كيف التوى ذاك اللوى المضروب
لله مـن عـلم هـوى وبـكفه علـم الحسين الـخافق المنصوب
أبـني الـمواطر بالأسنة رعّفا في حيث لا برق السيوف خلوب
غـالبتم نفـرا بضفة نـينوى فـغلبـتم والغالـب الـمغـلوب
كنتم قـواعد للهـدى ما هدّها لـيل الـضلال الـحالك الغريب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 167


شـاب وأشـيب يستهـل بوجـهه قمر السما والكوكب المشبوب
فـزهـيرها طـلق الجبين ويعـده وهـبٌ ولكـن للحياة وهوب
وهـلالـها في الروع وابن شبيها وبـريـرها المتنمر المذروب
والليث مسلمها ابن عوسجة الـذي سلم الحتوف وللحروب حريب
آسـاد ملـحـمـة وسـمّ أسـاود وشـواظ برق صوارم ولهيب
الراكبين الهول لـم ينكـب بهـم وهـنٌ ولا سـأم ولا تـنكيب
والـمالـكين على المكاشح نفسه والـعاتقين النفس حين تؤوب
قـوم إذا سمـعوا الصريخ تدفقوا جـريـاً كما يتدفق الشؤبوب
وفـوارس حـشو الـدروع كأنهم تحت الجواشن يذبل وعسيب
أو أنهـم في السابقات أراقم الـ ـوادي يباكرها الندى فتسيب
ساموا العدى ضرباً وطعناً فيهما غـنّى الحسام وهلهل الانبوب
مـن كل وضاح الجبين مغامـر ضرباً وللبيض الرقاق ضريب
إن ضاق وافي الدرع منه بمنكب ضخم فصدر العزم منه رحيب
مالان مـغمـز عـوده ولـربما يتقصّف الخطيّ وهـو صليب
ومعـمم بالسيـف معتـصب به واليوم يوم بالطفوف عصـيب
ما زال منصلـتا يـذب بـسيفه نمراً وأين من الأزلّ الذيب(1)
تلقـاه فـي أولـى الجياد مغامراً وسواه في اخرى الجياد هيوب
يلقـى الكتيبة وهو طلق المجتلي جذلان يبسم والحمام قطـوب
طـرب المسامع في الوغى لكنه بصليل قرع المشرفيّ طروب
واهـاً بني الكرم الاولى كم فيكم ندب هـوى وبصفحتيه ندوب
أبـكيـكم ولـكـم بـقلبي قرحة أبداً وجـرح في الفؤاد رغيب
ومـدامـع فـوق الخدود تذبذبت أقـراطها وحشاً تـكاد تذوب


(1) الأزل : الذي يتولد بين الضبع والذئب .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 168


حـنّ الـفؤاد الـيكم فتعلمت منه الحنين الـرازحات الـنيب
تهفو القلوب صوادياً لقبوركم فـكـأن هـاتيك القـبور قليب
قربت ضرائحكم على زوارها ومـزورها للـزائريـن مجيب
وزكت نفوسكم فطاب أريجها في حيث نشر المسك فيه يطيب
جرّت عليكم عبرتي هـدّابها فجرى عليكـم دمعيَ المسكوب
بكـرت اليكم نفـحة غروية وسرت عليكم شمال وجـنوب

حبيب بن مظاهر الأسدي زعيم بني أسد وصاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شهد معه حروبه وهو موضع أسراره قد أطلعه على علم كثير . وهو قائد ميسرة الحسين (ع) وأجل أصحابه من حيث العلم والعبادة وكفى في جلالته قول الحسين : رحمك الله يا حبيب كنت تختم القرآن في ليلة ، ولجلالته أفرد له الإمام السجاد قبراً مما يلي رأس الحسين عليه السلام .
تلك الصفوة من أصحاب الحسين أصبحوا مضرب المثل في الاخلاص والتفادي وفضّلوا على جميع من تقدمهم لأن غيرهم باشر الحرب وهو يأمل الحياة وهؤلاء كانوا آيسين من الحياة مصممين على الموت ، وكفى بجلالتهم قول الحسين : اللهم إني لا أجد أصحاباً أوفى من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ وأتقى من أهل بيتي .ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال : قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد ، ويحكم أقتلتم ذرية نبيكم ، قال : عضضتَ بالجندل ، أما إنك لو شهدتَ ما شهدنا لفعلتَ ما فعلنا ، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها تحطم الفرسان يميناً وشمالاً ، لا ترغب بالمال ولا تقبل بالأمان ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيره ، فما كنا صانعين لا أُمّ لك .
عدد الشاعر من أصحاب الحسين عليه السلام ستة وهم : زهير ، وهب ، هلال ، عابس بن شبيب ، برير ، مسلم بن عوسجة وها نحن نورد تراجمهم باختصار :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 169


1 ـ زهير بن القين البجلي من بجيلة ، شريفاً شجاعاً فاتكاً ، له في المغازي والحروب مواقف مشهورة مشهودة حدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا : كنا مع زهير بن القين عند رجوعه من الحج في السنة التي أقبل فيها الحسين إلى العراق فكنا نساير الحسين ، فلم يك شيء أبغض على زهير من أن ينزل مع الحسين في مكان واحد أو يسايره في طريق واحد ـ لأن زهير كان أولاً عثمانياً ـ فكان إذا نزل الحسين سار زهير ، وإذا سار نزل زهير ، فنزلنا في مكان لم يك لنا بدٌ من النزول به ، فكنا في جانب والحسين في جانب فبينا نحن نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين ، فقال يا زهير إن الحسين يدعوك ، فطرح كل إنسان منا ما في يده كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين ، فقالت زوجة زهير وهي ديلم بنت عمرو : يا سبحان الله أيبعث اليك الحسين بن فاطمة ثم لا تأتيه ، ما ضرك لو أتيته فسمعت كلامه ورجعت ، فذهب زهير على كره ، فما لبث أن عاد مستبشراً ضاحكاً سنّه ، فالتفت إلى أصحابه فقال : مَن شاء منكم أن يصحبني وإلا فهذا آخر العهد فإني قد عزمت على نصرة الحسين وأن أقيه بنفسي ، وقال لزوجته : الحقي بأهلك فإني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير . قالت خار الله لك اذكرني عند جدّ الحسين يوم القيامة . والتفت إلى أصحابه فقال احدثكم : إنا غزونا بلنجر(1) ـ وهي بلدة بالخزر ـ ففتح الله علينا وأصبنا غنائم كثيرة فقال لنا سلمان الفارسي : أفرحتم بما أصبتم فقلنا نعم ، قال إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم بين يديه .
ولازم نصرة الحسين ، ولشجاعته جعله الحسين على ميمنة أصحابه ولاخلاصه وإيمانه بالفكرة قوله للحسين لما أمر أصحابه بالتفرق عنه قال : والله يا أبا عبد الله لو علمتُ أني أقتل ثم أُحرق ثم أذر ، يُفعل بي هكذا سبعون مرة ما فارقتك ، وكيف لا أفعل وإنما هي قتلة واحدة ثم الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً . فجزاه الحسين خيراً ولما برز إلى القوم جعل يرتجز ويقول :

(1) تقع في منطقة أردبيل ، والوقعة سنة 32 من الهجرة في زمن عثمان .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 170


أنا زهير وأنا ابن القين أذودكم بالسيف عن حسين
إن حسينا أحد السبطين من عترة البرّ التقيّ الزين

2 ـ وهب بن عبد الله الكلبي ، ويقال أنه كان نصرانياً فأسلم على يد الحسين برز للقتال وهو يرتجز :
إني زعيم لك امّ وهب حسبي بيتي من عليم حسبي

وكانت زوجته تقول : لا تفجعني بنفسك يا وهب ، وامّه تقول : يا بني دع كلامها وانصر ابن بنت نبيك ، فقاتل حتى قطعت يده فقال : أرضيتِ يا اماه ، قالت لا والله حتى أراك مخضباً بدمك بين يدي الحسين ، فعاد إلى القتال وإذا بزوجته خلفه تنادي : قاتل يا وهب دون الطيبين آل رسول الله ، قال : الآن كنتِ تنهيني عن القتال ، قالت لا تلمني يا وهب ان واعية آل رسول الله صدعت كبدي وكسرت قلبي ، رأيت الحسين ينادي هل من ناصر . ولما قتل جاءت اليه زوجته في المعركة وجلست عنده تمسح الدم والتراب عن وجهه وتشكره ، فأمر الشمر بن ذي الجوشن غلامه قال له : ألحقها بزوجها فضربها بعمود على رأسها فماتت عند زوجها .
3 ـ هلال بن نافع البجلي أو الجملي ، والمراد به نافع بن هلال ذكره الجزري في أسد الغابة قال : كان سيداً شريفاً سريّاً شجاعاً من حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين وحضر معه في حروبه الثلاث في العراق ، ولما خطب الحسين أصحابه في ذي حسم وثب اليه نافع بن هلال الجملي فقال : يابن رسول الله والله ما كرهنا لقاء ربنا فإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك فسر بنا راشداً معافاً شرقاً إن شئت وإن شئت غرباً ، وفي يوم العاشر جعل يقاتل ويرتجز :
إن تنكروني فأنا ابن الجملي ديني على دين حسين وعلي

4 ـ عابس بن شبيب الشاكري بطل المغازي والحروب ، نشرت صحيفة من صحف العراق أن مندوبها سأل الوزير صادق البصام ؟ لو كنت حاضراً

ادب الطف ـ الجزء الثامن 171


يوم كربلاء مع الحسين ما كنت تتمنى أن تصنع ، قال : أتمنى أن أكون مثل عابس بن شبيب الشاكري . قال عز الدين الجزري : هو عابس بن شبيب بن شاكر بن ربيعة بن مالك بن صعب . وبنو شاكر بطن من همدان .
في الحدائق : كان عابس من رجال الشيعة رئيساً شجاعاً خطيباً ناكساً متهجداً ، وكانت بنو شاكر من المخلصين بولاء أهل البيت . وفيهم قال أمير المؤمنين يوم صفين ـ على ما ذكره نصر بن مزاحم المنقري في كتابه ـ لو تمّت عدتهم ألفا لعبد الله حق عبادته ـ كانوا من شجعان العرب وحماتهم حتى لقبوا بـ (فتيان الصباح) ويتجلى لك اخلاص هذا البطل وصراحته في المبدأ والعقيدة أن مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة وأقبلت عليه الشيعة وهو يقرء كتاب الحسين وهم يبكون ثم جعلوا يبايعونه عندها قام عابس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني لا اخبرك عن الناس ولا أعلم ما في نفوسهم وما أغرك منهم ولكني والله اخبرك بما أنا موطن نفسي عليه ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولاقاتلن معكم عدوكم ولأضربنّ بسيفي هذا دونكم حتى ألقى الله ولا اريد بذلك إلا ما عند الله ، ثم قام حبيب بن مظاهر وتكلم بنحو ذلك .
قال أرباب المقاتل : وتقدم عابس بن شبيب للقتال بين يدي الحسين وقال لمولاه شوذب(1) ما في نفسك أن تصنع اليوم ، قال اقاتل حتى أقتل ، قال ذلك الظن بك فتقدم بين يدي الحسين حتى يحتسبك كما احتسب غيرك ثم سلم على الحسين وقال : يا أبا عبد الله أما والله ما مشى على وجه الأرض قريب ولا

(1) يظن البعض أن شوذب مولى لعابس والحال أن مقامه أجل من عابس من حيث العلم والتقوى ، وكان شوذب صحابياً ـ كما يقو المامقاني في (تنقيح المقال) وحضر مع أمير المؤمنين في حروبه الثلاث وكان شجاعاً عابداً من اكابر الشيعة وحافظاً للحديث ، وأخذ أهل الكوفة العلم والحديث منه ، قال صاحب الحدائق الوردية : وكان شوذب يجلس للشيعة فيأتونه للحديث ، وكان وجهاً فيهم ، قال أبو مخنف : صحب شوذب عابساً مولاه في الكوفة إلى مكة بعد قدوم مسلم الكوفة وبعد بيعة الناس له .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 172


بعيد أعزّ علي ولأ احبّ إلي منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلت ، السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وهدى أبيك .
ثم مضى بالسيف مصلتاً نحو القوم ـ وبه ضربة على جبينه من يوم صفين ـ فطلب البراز ، قال ربيع بن تميم لما رأيته مقبلاً عرفته ـ وكنت قد شاهدته في المغازي والحروب ـ فقلت أيها الناس هذا أسد الاسود ، هذا ابن شبيب لا يخرجنّ اليه أحد منكم فأخذ عابس ينادي : ألا رجل . فلم يتقدم اليه أحد ، فنادى عمر بن سعد : ويلكم ارضخوه بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره فنودي : أجننت يا عابس . قال حب الحسين أجنني :
يلقى الرماح الشاجرات بنحره ويقـيم هـامـته مقـام الـمغفر
ما إن يريد إذا الرماح شجرنه درعاً سوى سربال طيب العنصر

ثم شدّ على الناس فو الله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من عسكر ابن سعد ، ثم أنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتلوه واحتزوا رأسه ، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول : أنا قتلته ، وهذا يقول أنا قتلته ، فأتوا عمر بن سعد ، فقال لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد ، كلكم قتلتموه . ففرق بينهم بهذا القول .
5 ـ برير بن خضير الهمداني ، شجاعاً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراء من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وكان من أشراف الكوفة ، قال للحسين : يابن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة . دخل الحسين خيمته ليطلّي ليلة العاشر من المحرم ، فوقف برير بن خضير وعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري على باب الفسطاط تختلف مناكبهما ، أيهما يطلّي على أثر الحسين تبركاً به ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ويضاحكه ، فقال عبد الرحمن : والله

ادب الطف ـ الجزء الثامن 173


ما هذه بساعة باطل ، فقال له برير : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيفاهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم الساعة .
6 ـ مسلم بن عوسجة الاسدي ، قال ابن سعد في (الطبقات) كان صحابياً ممن رأى النبي ، وهو رجل شريف عابد ناسك قال أهل السير : حملت ميمنة ابن سعد على ميسرة الحسين ، وكان في الميسرة مسلم بن عوسجة وكانت حملتهم من نحو الفرات فقاتل قتالاً شديداً لم يسمع بمثله ، فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه ويقول :
إن تسألوا عني فاني ذو لبد وإن بيتي في ذرى بني أسد

ووقعت لشدة الجلاد غبرة شديدة فلما انجلت الغبرة وإذا بمسلم بن عوسجة صريع فتباشر أصحاب ابن سعد فمشى اليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر وإذا به رمق ، فقال الحسين : رحمك الله يا مسلم ، وتلى قوله تعالى « فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» . ودنا منه حبيب فقال : إبشر بالجنة قال بشرك الله بخير ثم قال : لو لم أعلم أني بالأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك ، قال : أوصيك بهذا ، وأشار إلى الحسين :
نـصروه أحياءً وعـند مماتهم يوصي بنصرته الشفيق شفيقا
أوصى ابن عوسجة حبيباً قال قاتل دونـه حتى الحِمام نذوقا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 174


الشيخ محمّد الملا
المتوفى 1322

يرثي الحسين :
ومـروعة تـدعـو ولا حـام لـها والقـلـب مـحتـدم وأدمـعهـا دم
يـا فارياً كبـد الـفلاة بـهوجـل هـيماء من طـول السرى لا تـسأم
قـل عـن لسـاني لـلنبي مبـلّغاً خـبـراً بـه أحشـؤاه تـتـضـرم
يا جـد أسـواط العدى قـد ألـّمت متنـى وشـتمهم لـحيـدر أعـظـم
يا جـد مـا حال الـنسا لـما دعى الرجس ابن سعد على مخيمها اهجموا
يا جـدنا قـد أضرمـوا بـخيامنا نـاراً ، وفي الأحـشاء ناراً اضرموا
يا جـدّ ما مـن مقـلة دمعـت لنا إلا تـقـنعـنا السـياط ونـُشـتـم
يا جـدّ ذاب حشا الرضيع من الظما وسـقته عـن مـاء دماه الأسـهـم
يا جـدّ حُرّمـت الميـاه على أخي وأُبـيح قـسـراً للـظبا مـنه الـدم
يا جـدّ خلـّفنا حـبيبـك عـاريـاً والصـدر مـنه مرضض ومـهشم
يـا جـدّ غيرت الشموس وجوهـنا في السـبي والأعـداء ليست ترحـم
يـا جـدنا طـافـوا بـنا الأمـصار والأسـواق فوق العيـس فينا تـرزم
يـا جـد إن يـزيد يشتـم والـدي يا جدنا هــذا الـمصاب الأعظـم
يا جـد ينكث ثغـر سبطك بالعصا ثـمـلاً يـزيـد شامـت يـترنـم
او تصـبرن وذي بـنوك لحومهـا للسمر والبيـض القـواضـب مطعم(1)


(1) شعراء الحلة أو البابليات .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 175


الشيخ محمد الملا ابن الشيخ حمزة بن حسين التستري الأهوازي الحلي المعروف بالملا ، ولد سنة 1243 وتوفي سنة 1322 وحمل إلى النجف الأشرف ودفن هناك . أخذ عن السيد مهدي ابن السيد داود والشيخ حمزة البصير والسيد حيدر والشيخ حمادي نوح وأكثر ما أخذ عن الشيخ الحمادي . كان وراقاً مليح الخط لبق اللسان كفّ بصره في أواخر أيامه ، وهو مكثر مجيد ، وجد من شعره خمس مجلدات بالحلة أكثرها بخطه وأكثر شعره في أهل البيت عليهم السلام .
قال الشيخ اغا بزرك في الذريعة ج 9 قسم الديوان : هو الشيخ محمد بن حمزة بن الحسين بن نور علي التستري الأصل والحلي المولد والمسكن ولد بها سنة (1245) وتوفي في جمادى الثانية سنة 1322 ترجمه السماوي في الطليعة مفصلاً وذكر أن قصائده طويلة بين ثلثمائة بيتاً إلى المائة والسبعين ، وفي جملة منها ، الصدر تاريخ والعجز تاريخ ، وقد نظم ما يزيد على خمسين ألف بيتاً واستقصى حروف الهجاء مرتين أو ثلاثاً في رثاء الحسين . انتهى
وترجم له البحاثة المعاصر علي الخاقاني في شعراء الحلة وقال عنه : أديب كبير وخطيب مفوه ، طرق كافة النواحي بمحاضراته ومساجلاته ، وحصل على شهرة واسعة في الأوساط الأدبية عندما نظم رائعته في مدح الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقد أجاد بها إذ جارى بها بديعة الصفى الحلي والسيد علي خان الشيرازي ، ونوادره وملحة مشهورة مذكورة ، وكان الشيخ على ا لمعروف بأبي شعابذ يثور غضباً إذا قيل له (مرحبا) فنظم شاعرنا :
قال قـوم لـعليٍّ مـرحبا فغدا يعرض عنهم مغضبا
قلت لما عجبوا لا تعجبوا فمتى حبّ (عليٌ) (مرحبا)
ومن نتفه قوله :
مشوقـك يخفيك أشواقه ويعلمهن اللطيف الخبير
فأجمل تفصيلهن اللسان وفصّل إجمالهنّ الضمير


ادب الطف ـ الجزء الثامن 176


وقال :
إني لأعجب أن تسيء وأنت بالاحسان أحـرى
أحـيا بقربـك تـارة وأموت بالهجران اخرى

وقال في الوعظ :
يا من غدا الشيب له زاجراً يذكـره والجهـل ينسيه
تطمع من عمرك في رجعة وقد مضى أمس بما فيه

وله :
أخفيت هـواك وعلمني أن المـخفيّ سيتضـح
وأفاضت عيني أدمعها ويفيض إذا امتلأ القدح

وقال يصف داره الواقعة بشارع المفتي بجوار مرقد ابن عرندس الشاعر :
قد حوى منزلي خصالاً ثلاثاً حسنـها فـيه تعـجب الأفـكار
إنـه ضـيّق الـفِناء ولـكن في الشتا بارد وفي الصيف حار

وله من قصيدة في معارضة (يا ليل الصب متى غده) لأبي الحسن علي بن عبد الغني الحصري الضرير ، وقد نشرت في مجلة الحريه البغدادية سنة 1344 .
الـحب عـظيم مقـصده مـرٌ لا يحـلو مورده
إني قد همـت بحب رشاً الـبدر النـيّر يحـسده
من بات الصـبر يحاربه أرأيـت الـعاذل ينجده
قـل لي حـتى مَ تعـذبه وبنار الـهـجر تـخلّده
قد صحّ حديث غرامي إذ عن عدل قـوامك أنسده
أنواع الحسن بك اجتمعت ومحـبك حـزناً مفرده
أمن الانصاف يهيم هوى ويمـوت ولا تـتفـقّده
ومن قوله :
لو لاح لي شخص الزمان جهرة رويتُ منه ذابلي والمنصلا
لأنـه يـعطي الـعنان كل مَن لم يدرِ أيّ طـرفيه أطـولا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 177


وقال :
فتـنت بـها من عـالم الـذرّ فتنة فـأسكرني مـن قبل خلقي جامها
أشبهـها بـدراً وإنـي مـخطـئ فمن أيـن للـبدر المنير ابتسامها
فلا الورد ورداً إن تراءت خدودها ولا الغصن غصناً إن تثنى قوامها
ولاغـرو إما كـنت مشتـهراً بها وعـاث بقـلبي حبها وغـرامها
فمن أين لي صبر وصبري أسيرها ومن أين لي عقل وعقلي غلامها

وذكره صاحب الحصون المنيعة وأطراء هذا الذي مرّ مقتطف منه . توفي بالحلة صباح يوم الخميس 13 جمادى الآخرة عام 1322 ونقلت جنازته إلى الغري ودفن في وادي السلام ورثاه جماعة من الشعراء فأبدعوا وأجادوا منهم الشيخ حمادي نوح بقصيدة مطلعها :
الـيوم مجد شموس العترة انهـدما فليستفض وكف دمع المشرقين دما

ومنها :
يا عترة المصطفى لم تبق جوهرة محمد لم يصغها فيكم كلما

وديوانه كان يحتفظ به ولده الخطيب الشهير والشاعر البليغ الشيخ قاسم الملا ، ومن شعر الشيخ محمد قال يرثي الإمام موسى الكاظم عليه السلام :
مـن ربـع عزة قد نشقت شميما فأعـادني حيـاً وكـنت رميـما
وعلى فـؤادي صـبّ أي صبابة هـي صيرتني في الـزمان عليما
ومـرابـع كانـت مراتـع للمها راقـت ورقـّت في الـعيون أديما
أعلمـن يـوم رحيلهنّ عن اللوا أن الـهوى بالقـلب بات مقـيـما
أسهرن طرفي بالجوى من بعدما أرقـدنـه في وصلهـن قـديـما
كـم ليلة حـتى الصباح قضيتها معـهـن لا لـغـواً ولا تأثـيمـا
فـكأنني مـن وصلهـنّ بجـنة فيهـا مقـامي كـان ثـمّ كـريما
ماذا لقـيتُ مـن الغـرام وإنما فـيه ارتكبـت من الذنوب عظيما


ادب الطف ـ الجزء الثامن 178


خسرت لـعمرك صفقه الدهر الذي فـيه السفـيه غـدا يُـعدّ حليما
أتـروم بـدر نسيمـه وابى عـلى الأحـرار إلا أن يـهـبّ سموما
قـد سلّ صارمـه بأوجـه هاشم فـانصـاع فـيه أنفـها مهشوما
فمن الذي يهدي المضلّ إلى الهدى من بعدهم أو ينصف المظلومـا
وبسيبه يغـنى الـورى وبسيفـه يجلو عن الدين الحنيف همـوما
هـذا قـضى قـتلاً وذاك مغيباً خوف الطغاة وذا قضى مسموما
من مبلـغ الاسـلام أنّ زعيـمه قد مات في سجن الرشيد سميما
فالغيّ بات بموته طـرب الحشا وغـدا لمأتمه الـرشاد مـقيما
ملقى على جسر الرصافة نعشه فيه الملائك أحـدقـوا تعظـيما
فعـليه روح الله أزهـق روحه وحشا كـلـيم الله بات كـليـما
لا تألـفي لمسرة فهـرٌ فـقـد أضحى سرورك هـالكاً معدوما
منـح القلوب مصابه سقماً كما منع النواظر في الـدجى التهويما

وقال في الحسين (ع) ولاول مرة تنشر هذه القصيدة :
كـم ذا تحـنّ لـذلك السـرب فـي الحالـتين البعد والقرب
والـنفس إن عـلق الغـرام بها لا تنثـني باللـوم والعـتـب
أحـسبت تنـجو والـهلاك بما ألـقتك فـيه بـوادر الحـب
شرقـت جفـونك في مدامعها وشرقت حين ظـمأت بالعذب
فأنظر لنفسك نظـرة ابن نهىً ظهـرت له من باطن الحجب
فالمـرء مـرتهن بـما ربحت حـوباه في الـدنيا من الكسب
واجـزع لـما نال ابن فاطمة في كـربلا مـن فادح الخطب
نكـثت بـنو الـزرقاء بيعته بعـد الـعهود الـيه والـكتب
ولـحربه زحـفت فأرهـبها ما طار أعينـها من الرعـب
بفـوارس أسيافهـم جـعلت وحش الفلا والطير في خصب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 179


ثبـتوا ثبات عـميدهم بوغىً طحنت رحاها أرؤس الغلب
ووفـت وفـاءهم رماحـهم وسيوفهم بالطعن والضرب
بيض الوجوه تسل بيض ظباً جليت بهنّ حوالك الكـرب
شهدت لـهن بوقعهـن على هامات حرب حومةُ الحرب
وتـراكـم النقـع المثار وقد لمعـت بأفق سماه كالشهب
حـتى إذا سئمـت معيـشتها ما بين أهل الشرك والنصب
رامـت لأنفـسهـا بمـيتتها عزّاً به تحيى مدى الحقـب
فاستسلمت لقـضاء خالـقها فهـوت مـعفّرة على الترب
وسطا أبو الأشبال حين غـدا في الجمع فرداً فاقد الصحب
ذُعر الجحافل منه ليث شرى يخـتال بين السمر والقضب
ذو عـزمة إن ثـار ثائـرها في الشرق دكّ الشرق بالغرب
عـدم المغيث فلم يغثه سوى أخوين : لدن الرمح والعضب
ملأى من القتلى الفضا ،فبهم قد ضاق منهـا واسع الرحب
فأتاه أمـر الله حـين أتـى أدّيتَ ما حمّلت مـن صـعب
فأجاب دعـوة ربـه فـثوى نحو الشريعـة ظامي القلـب
وغـدت عـلى جثمانه حنقا تعـدو بـنو مـروان بالقـبّ
بسيوفهـم أعـضاؤه انتهبت وبـرحـله عـاثت يد النهب
يعـزز عـليه أن نـسوتـه تسري بـهاعـَنقا بـنو حرب
لا تنـقع الـعبرات غـلّتهـا وإن اسـتهلّ بـها حيا السحب
فتجيبـها الـست الجهات إذا ما أعـولت بـالـنوح والندب
مـن خوفهـا تصفرّ أوجهها ومـتونـها تـسودّ بالـضرب
إن حاولـت كتمان ما لـقيت فالـدمـع عـنه معلـناً يُنبـي
فالـوجـد مـنها قـدّ أفـئدة بثـت شكايـة ظـمّـأ سغـب


السابق السابق الفهرس التالي التالي