ادب الطف ـ الجزء الثامن 152


ومن درره هذه المرثية الحسينية التي أشرنا اليها :
عـطن بـذات الـرمل وهو قديم حـنت بـواديه الخماص الهيم
وتـذكـرت بالأنعـمين مـرابعاً خضر الأديـم ونبتهن عمـيم
أيام مـرتبـع الـركائـب باللوى خضـل ومـاء الواديين جميم
ومن العذيب تخب في غلس الدجى بالـمدلجـات مسومـات كوم
والـركب يـتبع ومضة من حاجر فـكأنـه بزمامـهـا مخطوم
سـل أبـرق الحـنّاء عن أحبابنا هـل حـيهم بالأبـرقين مقيم
والـثم ثـرى الدار التي بجفونها يـوم الـوداع تـرابـها ملثوم
واحـلب جـفونك ان طفل نباتها عن ضـرع غادية الحيا مفطوم
عجـباً لـدار الحي تنتجـع الحيا وأخـو الغوادي جفني المسجوم
ومولّـع باللـوم ما عرف الجوى سفهـاً يـعنف واجـداً ويـلوم
فـأجبـته والـنار بـين جوانحي دعنـي فرزئي بالحسين عظيم
أنـعاه مفـطور الفؤاد من الظما وبنـحره شجر الـقـنا محطوم
جمّ المناقب مـنه يضـرب للعلا عـرق بـأعياص الفخار كريم
فلقـد تعاطى والدمـاء مـدامة ولـقد تـنادم والـحسام نـديم
فـي حيث أوديـة النجيع يمدّها بـطل بخـيل الـدارعين يعوم
يغشى الطريد شبا الحسام ورأسه قـبل الفـرار أمـامـه مهزوم
لبّـاس محكمـة الـقتير مفاضة ينـدق فيهـا الـرمح وهو قويم
يعـدو وحـبات القلوب كأنـها عـقد بسلك قـناتـه مـنـظوم
ومضى يريد الحرب حتى أنـه تحـت اللواء يـموت وهو كريم
واختارأن يقضي وعمّته الضبا فيـها وظِلـته القـنا المحـطوم
وقضى بيوم حيث في سمرالقنا قِصـدٌ وفي بـيض الضبا تثليم
ثاوٍ بظـل السـمر يشكـرفعله في الحرب مصرعه بها المعلوم


ادب الطف ـ الجزء الثامن 153


فـدماؤه مـسفوكـة وحـريمه مهتوكـة وتـراثـه مقسـوم
عجباً رأى الـنيران بابن قسيمها بـرداً خـليل الله ابـراهـيم
وابـن النبي قـضي بجمرة غلة منـها يـذيب الجامدات سموم
وكـريمة الحسبين بابن زعيمها هـتفت عشية لا يجيب زعيم
هتـكوا الحريم وأنت أمنع جانباً بحـميةٍ فـيها تـصان حريم
تـرتاع مـن فـزع العدو يتيمة ويـأن مـن ألـم السياط يتيم
تطوي الضلوع على لوافح زفرة خـرساء تقـعد بالحشا وتقوم
في حيث قدر الوجد يوقد نارها ملـؤ الـجوانح زفرة وهموم
فتـعج بالحـادي ومن أحشائها جمعت شظايا مـلؤهن كلـوم
إما مررت على جسوم بني أبي دعـني ولـولوث الأزار أقيم
وأرواح ألـثم كـل نحـرٍ منهم قبـلي بأفـواه الـضبا ملثوم
وأشـمّ مـن تلك النحور لطائماً فـيهن خـفاق النسيم نـموم
وبرغمهم أسري وأترك عندهـم كـبداً تـرف عـليهم وتحوم
أنعى بدوراً تحت داجـية الوغى يطلعـن فـيها للـرماح نجوم
أكـل الحديد جسومهم ومن القنا صارت لأرؤسهم تنوب جسوم
ماتوا ضـرباً والسيوف بوقـفة فيها لأظـفار الـقنا تـقليـم
ومشوا لها قدماً وحائمة الـردى لهـم بأجنحة السيوف تـحوم
وقضوا حقوق المجددون مواقف رعفت بـهنّ أسنـة وكلـوم
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 154


وله في الامام الحسين عليه السلام :
بأيّ حـمى قـلب الـخلـيط مـولـع وفـي أي واد كـاد صـبرك ينزع
وقـفـن بـهـا لـكنهـا أيّ وقـفـة وجـدن قـلوباً قد جرت وهي ادمع
تـرجـّع ورقـاء الصدى في عراصها فتنسيك مَـن في الأيك باتت تـرجّع
مضـت ومضـى قـلب المشوق يؤمها فلا نأيها يدنـو ولا القلب يـرجـع
فـأسـرعـت دمعي فيهم حيث أسرعوا وودعـت قـلبي فيهـم حيث ودعوا
كـأن حـنيني وانـصباب مـدامـعـي زلازل إرعـاد بـه الـغيث يـهمع
جـزعـت ولـكن لا لـمن كان ركبهم ولولاك يوم الطف ما كنت أجـزع
قضت فيك عطشى من بني الوحي فتية سقتها العدى كأس الردى وهو مترع
بيـوم أهـاجـوا للـهيـاج عجـاجـة تضيّع وجه الشمس مـن حيث تطلع
بفيض نجيـع الـطعن والسـمر شـرّع ويسود لـيل الـنقع والـبيض لمّـع
بخـيل سـوى فـرسانـها ليس تبتغي وقـوم سـوى الـهيجاء لا تتوقـع
تـجرد فـوق الـجرد فـي كـل غارة حـداد سيوف بينـها الموت مـودع
عليها مـن الـفتيان كـل ابـن بجـدة يـردّ مـريع الـموت وهـو مروع
أحـب اليها فـي الـوغـى ما يضرها إذا كـان مـن مال الـمفاخـر ينفع
ومـا خـسرت تـلك الـنفوس بموقف يحـافـظ فـيها المجد وهـي تضيع
تُـدفـّع مـن تـحت الـسوابـق للقنا نفـوساً بغـير الطـعن لا تـتدفـع
كـأن رمـاح الـخـط بـين أكفـهـم أراقـم في أنـيابهـا الـسمّ منقـع
ولمـا أبـت إلا الـمعالـي بـمعـرك بـه البيض لا تحمي ولا الدرع تمنع
هـوت في ثـرى الغبرا ولكن سما لها علـى ذروة العـلياء عـزٌ مـرفّع
فبـين جـريـح فهـو للبيض أكـلـة وبيـن طـعين وهـو للسمر مرتع
ثـوت حـيث لا يـدري بـيوم ثوائها اصيبت اسود ام بنو الوحي صـرّع
فـمنعـفر خـداً وصـدر مـرضض ومخـتضبٌ نحـراً وجسم مـبضع


ادب الطف ـ الجزء الثامن 155


كـأني بـها فـي كـربلا وهي كعبة سجـود عليها البيض والسمر ركع
فيا لـوجـوه في ثـرى الطف غيبت ومـن نـورها ما في الأهلة يسطع
ولـما تـعرّت بـالعراء جسومـهـا كساهـا ثياباً مجـدهـا ليس ينزع
وظمـآنـة كادت تـروي غـلـيلها بأدمعـها لـو كـان يـروي وينقع
فـذا جفنها قـد سال دمـعاً وقـلبها بكـف الـرزايا بات وهـو موزع
هـوت فـوق أجساد رأت في هوّيها حشاشتها مـن قـلبها فـهي وقّـع
تبـيت رزايـا الـطف تـأسر قلبها وتـطلقـه أجـفانها وهـي أدمـع
فـيا مـنجد الاسلام إن عـز مـنجد ويا مفزع الـداعي إذا عـزّ مفزع
حسامك مـن ضـرب الرقاب مثـلّمٌ ورمحك من طعن الصدور مصدّع
فما خضت بحر الحتف إلا وقد طغى بهـام الأعـادي مـوجـه المتدفع
إذا حـسرت سود الـمنايـا لـثامها وللـشمس وجـه للـغبـار مـقنع
ولـم أدر يوم الطعن في كل مـوقف قناتك ام طير القرى فيـه اطـمع
فـجمعت شمـل الديـن وهو مفرق وفرقت شمل الـشرك وهو مجمع
إذا لم تفدهم خطـبة سيفك اغـتـدى خطيباً على هاماتهم وهـو مصقع
لـه شعلة لـو يطلب الأفق ضوءها لأبصرت شمساً لم تغب حين تطلع
ولـو كـان سـمعٌ للصوارم لاغتدى مجيباً إلى داعي الوغى وهو مسرع
وقـفتَ وقـد حـمّلتَ ما لـو حملنَه الجبال الـرواسي أوشكت تتصدع
ورحّبتَ صـدراً في امـور لـو أنها سرت بين رحب ضاق وهو موسّع
بحـيث الـرماح الـمسمهريات تلتوي عـليك وبيـض المشرفيات تـلمع
فلا عجب مـن هاشم حيث لم تكـن تذب بـيوم الـطف عـنك وتدفع
إذا ضيعـوا حتى الوصي ولـم تـقم بنـصرتـه فالـيوم حـقك أضيع
تشيّع ذكـر الـطف وقـعتـك التـي بـقيت لـديها عـافـراً لا تشـيّع
لقـد طـحنت أضلاعـك الخيل والقنا بجنبك يـوم الـطعن فيهـن ضلّع


ادب الطف ـ الجزء الثامن 156


فنحرك منحور وصـدرك مـوطأ ورأسك مشهور وجسـمك مودع
إذا لـم تضيّـع حـق عهد جفوننا علـيك فـعهد الصبر منا مضيع
وإن جف صوب الدمع باتت قلوبنا لـهن عيـون فـي مصابك تدمع
وإن أدركت بالطف وتـرك هاشم فلا المجد منحخط ولا الأنف أجدع
تروّي القنا الخطاروهي عـواطش وتشبع ذؤبـان الـفلا وهي جوّع
تدافع عـن خـدر التي قد تقنعت بسوط الـعدى اذلا حـماة تـقنّع
أموقع يـوم الـطف أبقيتَ حرقة لـها كـل آن بـين جنبيّ موضع
سأبكيك دهري ما حييت وإن أمت فـلي مقـلة عـبرى وقلب مفجّع
بنـفسي أوصال الـمكارم واصلت سيوف الـعدى حتى انحنت تتقطع
مصـارعها في كـربلا غير أنها لها كل آنٍ نـصب عـينيّ مصرع
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 157


الشيخ محمد سعيد السكافي
المتوفى 1319

يقـلّ لدمعـي دمـاً أن يصوبا وللقلـب مـني أسىً أن يـذوبا
لـما قـد ألـمّ بـآل الـنبـي فأجرى الدموع وأورى الـقلوبا
ولا مـثل يـومهم في الطفوف فقد كان في الدهر يوماً عصيبا
غـداة حـسين وخـيل العدى تسـدّ علـيه الفضاء الـرحيبا
دعـته لـينقاد سـلس الـقياد وتـأبـى حـميتـه أن يـجيبا
فـهبّ لـحربـهـم ثـائـراً بفتيان حـرب تـشبّ الحروبا
فـمن كـل لـيث وغىً تتقي له في الـوغى الاسد بأساً مهيبا
وأروع يغشى الـوغـى باسما ووجـه الـمنية يـبدي قـطوبا
فكـم ثـلمت للـمواضي شبا وكـم حـطمت للـعوالي كعوبا
إلى أن ثـوت في الثرى جثّما تـضوّع من نشرها الترب طيبا
وأضحى فـريداً غريب الديار بنفسي أفـدي الـفريد الغـريبا
فراح يخوض غمار الحتوف ونــار حـشاه تـشبّ لـهيبا
وأضحى بجنب العرى عاريا كستـه الأعـاصير بـرداً قشيبا
وسيقت حـرائـره كـالإماء تجوب حـزونا وتـطوي سهوبا
ويا رب نـادبـة والـحشى يكاد بنـار الـجـوى أن يـذوبا
أريحانة المصطفى هل ترى درى المصطفى بـك شلواً سليبا
يعز على المصطفى أن يرى على التـرب خـدك أمسى تريبا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 158


يعزّ على المصطفى أن يرى بقـاني الدمـا لك شيباً خضيبا
يعزّ على المصطفى أن يرى بأيـدي الـعدى لك رحلاً نهيبا
ألانت قـناتي يـد الـحادثا ت وقد كان عـود قناتي صليبا
فهـل لليالي بـهـم أوبـة وهيهات ما قـد مضى أن يؤوبا
* * *

الشيخ محمد سعيد الاسكافي ابن الشيخ محمود بن سعيد النجفي الشهير بالاسكافي شاعر مبدع وأديب له شهرته في عصره ، ولد في النجف الأشرف 14 رجب 1250 هـ ترجم له صاحب الحصون المنيعة نقلاً عن (كنز الأديب في كل فن عجيب) تأليف الشيخ أحمد بن الحاج درويش علي الحائري البغدادي المتوفى 1322 فقال : الشيخ محمد سعيد ابن الشيخ محمود الشاعر ، الجامع لاشتات المفاخر ، كانت لابائه نيابة التولية والنظارة في الحضرة المنورة الحيدرية حينما كان الخازن لها هو المتولي للحكومة السنية في النجف برهة من الزمن وهو الملا يوسف ، ثم تغيرت الأحوال بعد وفاة أبيه وابن عم أبيه فصرفت عنهم هذه التولية . توفي والده الشيخ محمود بعد ولادة المترجم له بسنتين وشبّ الصبي وترعرع وتدرج على الأدب والعلم باللغتين الفارسية والعربية ومن أوائل نظمه قوله :
وأخ وفـيٌ لا أُطـيق فـراقـه حكم الزمان بأن أراه مفارقي
بان الأسى مذبان وابيضت أسى لنواه سود نواظري ومفارقي

ومما يجدر ذكره أنه من اسرة تعرف بـ (آل الحاج علي الهادي) ولم يكن من آل السكافي (البيت النجفي المعروف) وإنما يتصل بالقوم من طريق الخؤلة ، ومما يتحدث به المعمرون من أسرته التي أشرنا اليها أن أصلهم يرجع إلى الملوك البويهيين الذين ملكوا العراق في غرة القرن الرابع وأنشأوا العمارات الضخمة في النجف وغيرها من العتبات المقدسة ، وإذا صحّ ذلك فهم من أقدم البيوت

ادب الطف ـ الجزء الثامن 159


التي تقطن النجف زهاء الف عام ، وتوجد عند بقيتهم صكوك رسمية (فرامين) يتوارثونها خلفاً عن سلف قد صودق عليها من قبل الشاهات الصفويين والسلاطين العثمانيين تدل على قدمهم في النجف ورسوخ قدمهم في خدمة الروضة العلوية .
وشاعرنا المترجم له نال هذه الملكة الأدبية بحكما لتربية وأثرها من خاله الذي نشأ ي حجره وهو الشاعر المعروف الشيخ عباس بن الملا علي المتوفى سنة 1276 ومن ثمة تجد شاعرنا هذا يسلك في شعره طريقة خاله في الرقة والجزالة وحسن السبك وسرعة البديهة ومن غزله قوله متغزلاً ومتحمساً وقد كتبه بخطه الجيد فانه خطاط مليح الخط قال :
تذكرت عهداً بالحمى راق لي دهرا فهاجـت تـباريح الغرام لي الذكرى
وأومض من وادي الغضا لمع بارق فأذكى لنيران الغضا في الحشا جمرا
فـيا حـبذا تلك المغاني وإن نـأت ويامـا أُحيلى ا لعيش فيهـا وإن مرّا
فيـا طالـما بـالانس كانت أواهلا وان هـي أمست بـعد موحشة قفرا
عـشية عاطـاني الـمدامـة شادن أغـنّ غضيض الطرف ذوغرة غرا
حـكى الـغصن قـداً والجأذر لفتة وعين ألمها عيناً وبيض الضـبا نحرا
فبتـنا وقـد مــدّ الـظلام رواقه علـينا وأرخـى مـن جلابيبه سترا
وقـد هـدأت عنا العيون وهوّمـت سوى أن عـين النجـم ترمقنا شزرا
من العدل يا ظبي الصريمة أن ترى وصالي حراماً في الهوى ودمي هدرا
لـقد هـنت قـدراً في هواك وإنني لأعلى الـورى كـعباً وأرفعهم قـدرا
ويا رب لاح قـط ما خامـر الهوى حشـاه ولا فـاضت لـه مقلة عبرى
يلـوم فـلم أرع المسامـع عذلـه كـأن بـاذني عـنـد تـعنيفه وقـرا
وهيهـات يـصغى للملامـة وامق معنّى الحـشى مضنى أخـو كبد حرى
وقائـلـة مالـي أراك مـشمـراً لجـوب القفار الـبيد توسعـها مسرى
تجوب الفلا أو تركب البحر جاهداً فـلم تـتئد أن تقطـع الـبر والبحرا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 160


فقلت لها كفـيّ الملامـة إنمـا هلال الدجى لولا السرى لم يكن بدرا
سأفرى نحور البيد شرقاً ومغربا وأقطع من أجوازها السهل والـوعرا
لأمنية أحظـى بـها أو مـنية فان لم تك الاولى فيا حبذا الاخـرى

وللشاعر ديوان جمعه في حياته وروى لنا الأخ الخاقاني في (شعراء الغرى) طائفة من روائعه ، أقول واختار شاعرنا لنفسه أن يسكن في إحدى المدارس الدينية ويعيش عيشة طلاب العلم الروحيين فقضى شطراً من حياته في مدرسة (البقعة) بكربلاء المقدسة حتى ا ستأثرت بروحه الرحمة الالهية وحيداً لا عقب له ودون أن يتزوج وذلك ليلة الاربعاء سلخ ربيع الأول سنة 1319 هـ ودفن في صحن الإمام الحسين (ع) وكان عمره 69 عاماً .
ومن رثائه للحسين (ع) :
معـاهـدهـم بالسفح من أيمن الحمى سقاهـن وجافّ الـغمام إذا هـمى
وقـفت بـها كـيما أبـثّ صبابـتي فـكان لسان الـدمـع عنها مترجما
دهتها صـروف الحـادثات فلم تدعد بـها أثـراً إلا طـلولاً وأرسـمـا
بلى إنـها الأيـام شتى صـروفـها إذا ما رمت أصمت ولم تخط مرتمى
وليس كيـوم الـطف يـوم فـإنـه أسال مـن الـعين الـمدامـع عندما
غـداة استفزت آل حـرب جموعها لحرب ابن من قد جاء بالوحي معلما
فلـست تـرى إلا أصـمّ مـثقـفـاً وأبـض إصليـتا وأجـرد أدهـمـا
أضلّت عداها الرشد والهدي والحجى وباعـت هـداهـا يوم باعته بالعمى
أتحـسب أن يستسـلم السبـط ملقياً اليـها مـقاليـد الامـور مسلّـمـا
ليـوث وغىً لـم تـتخذ يوم معرك بـها أجـماً إلا الـوشيـج المقـوّما
ولم ترض غير الهام غمداً إذا انتضت لدى الروع مشحوذ الـغرارين مخذما
ومـذ عـاد فرد الدهر فرداً ولم يجد لـه منـجـداً إلا الحسام الـمصمما
رمـى الجيش ثبت الجأش منه بفيلق يـردّ لُهـام الـجـيش أغبـر أقـتما


ادب الطف ـ الجزء الثامن 161


وكـرّ ففـرّت مـنه عدواً جموعهم فـرار بغاث الـطير أبصرن قشعما
تـقاسم مـنه الطرف والقلب فاغتدى يكـافـح أعــداءاً ويرعى مخيّما
تـناهب مـبيض الـضبا فـكـأنما غـدا لحـدود الـبيض فـيئاً مقسّما
ولمـا جـرى أمر القضاء بما جرى وقـد كان أمـر الله قـدراً محـتما
هـوى فـهوى الطود الأشم فزلزلت له الأرضون السبع واغـبرت السما
وأعـولـت الأمـلاك نادبـة وقـد أقامت لـه فـوق السماوات مـأتما
فأضحى لقى في عرصة الطف شلوه تـرضّ العوادي مـنه صدراً معظما
ويهدى عـلى عالي السنان بـرأسه لأنـذل رجـس في امـية مـنـتما
وينكـتـه بالـخيـزران شمـاتـة يـزيـد ويغـدو نـاشداً مـترنـما
(نـفلّق هامـاً مـن رجال أعـزةٍ عـلينا وهـم كانـوا أعـقّ وأظلما)
فـشلـّت يـداه حـين ينكت مرشفاً لمـرشف خـير الرسل قد كان ملثما
ولهفـي لآل الله بـعـد حـمـاتها وقـد أصبحت بـين المضلين مغنما
إذا استنجدت فتيانها الـصيد لم تجد بـرغـم العلى غير العليل لها حمى
تـجوم بهـا أجواز كـل تـنوفـةٍ وتسبى على عجف المصاعب كالإما
حـواسر من بـعد التخدّر لا تـرى لـها ساتـراً إلا ذراعـاً ومعـصما
وزينب تـدعـو والشجا يـستفزها أخاهـا ودمـع العـين يـنهلّ عندما
أخي يا حمى عزي إذا الدهر سامني هواناً ولم يترك لي الدهـر من حمى
لقد كان دهري فـيك بالأمس مشرقا فهـاهـو أمسى الـيوم بعدك مظلما
وقـد كـنت لـي طـوداً ألوذ بظله وكهـفاً متى خـطـب ألـمّ فألـما
أديـر بـطرفـي لا أرى غـير أيّمٍ تـجـاوب ثـكلـى فـي النياحة أيّما
رحـلت وقـد خـلفتني بـين صبية خماص الحشى حرّى القلوب من الظما
عدمـت حـياتي بعـد فـقـدك إنني أرى بعدك العـيش الـرغيـد مذمما
أرى كـل رزء دون رزئك في الورى فلله رزء مـا أجـلّ واعــظـمـا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 162


السيد ابراهيم الطباطبائي

المتوفى 1319

في رثاء الحسين :
قطعتُ سهول يثرب والهضابا عـلى شـدنيّة ثطـوي الشعابا
سرت تطوي الفدافد والروابي وتجـتاز الـمفاوز والـرحابا
إذا انبعثتَ يـثور لـهـا قتام لـوجه الـشمس تـنسجه نقابا
يجشمـهـا الـمهالك مشمعلٌ يخوض من الردى بحراً عبابا
هزبر من بنى الكرار أضحى يؤلّـب للـوغـى أُسداً غضابا
غـداة تـألبت أرجاس حرب لتدرك بالـطفوف لهـا طلابا
فـكّر عـليهم بـليوث غاب لهـا اتخـذت قنا الخطي غابا
إذا انتدبت وجردت المواضي تضيّق في بني حرب الـرحابا
وهـبّ بهـا لحرب بني زياد لـدى الهيجا قساورة صـلابا
فبـين مـشمرٍ للموت يصبو صبوّ مـتيـم ولـها تصابـى
وآخر في العدى يعدو فيغدو يكـسّر في صـدورهم الحرابا
إلى أن غودرت منهم جسوم تـرى قاني الدماء لها خضابا
وضلّ يدير فرد الدهر طرفا ينادي بالنصير فـلن يجـابـا
يصول بأسمر طوراً وطورا بـأبيض صـارم يفري الرقابا
وأروع لـم تـُروّعه المنايا إذا ازدلفـت تجـاذبـه جـذابا
يهـزّ مثقـفاً ويسلّ عضبا كومـضِ الـبرق يلتهب التهابا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 163


نضا للضرب قـرضابا صنيعا أبـى إلا الـرقاب له قرابا
رمى ورموا سهام الحتف حتى إذا ما أخطأوا مرمىً أصابا
إلى أن خـرّ مـنعفراً كسـته سوافـي الريح غادية ثيابا
فـوافـته الفـواطـم معولات بندب منه صمّ الصخر ذابا
وزيـنب ثاكـل تـدعو بقلب مصابٍ يـملأ الدنيا مصابا
أيا غيـث الورى إن عمّ جدب وغوثهـم إذا ماالـدهر نابا
لقـد سلـب العدى بالرغم منا رداء الصون قسراً والحجابا
على رغم العلى والدين أضحت بنـو حـرب تجاذبها النقابا
بفـرط حنينـها والدمع أمست تباري الرعد والغيث انسكابا
* * *

السيد ابراهيم ابن السيد حسين بن الرضا ابن السيد بحر العلوم . ولد قدس سره في النجف الأشرف سنة 1248 وتلمذ على أبيه في عامة العلوم الإسلامية من التفسير والفقه والأصول والكلام كما أخذ الأدب والشعر عن أبيه أيضاً وحتى إذا اشتد شبابه وقارب أو تجاوز العشرين من سنّيه برع في العلوم الأدبية وتضلع بها وتعمق في اللغة والمعاني والبيان والشعر ، ذكره صاحب الحصون المنيعة في الجزء السابع وقال في جملة ما قال : وكان يحذو في شعره حذو السيد الرضي ، والأبيوردي . وفي كتاب (حلى الزمن العاطل) : هو من أشهر شعراء هذا العصر بل من أفراد الدهر ، وهو على ما خوّله الله من شرف الحسب والنسب الركن العراقي لكعبة الفضل والأدب ، وأبيات قصائده مقام ابراهيم الذي ينسلون إليه من كل حدب ، كان قويّ ا لحافظة جزل الاداء يرتجل الشعر وربما دعي لمناسبة مفاجأة فيقول القصيدة بطولها ويمليها بعد حين على كاتبه الخاص باسترسال ، ورد مدحه على ألسنة الشعراء المعاصرين له كالسيد جعفر ابن السيد أحمد الخرسان النجفي ، والشيخ محمد السماوي ، والشيخ ابراهيم

ادب الطف ـ الجزء الثامن 164


صادق العاملي ، والشيخ عبد الحسين الحويزي ، والسيد محمد سعيد الحبوبي ، والسيد جعفر الحلي ، والسيد موسى الطالقاني ، والشيخ محسن الخضري وغيرهم وديوانه المطبوع بمطبعة صيدا ـ لبنان يحتوي على مختلف فنون الشعر ، وعدة مراثي لشهداء كربلاء . توفي رحمه الله في النجف الأشرف يوم الثلاثاء 6 محرم الحرام سنة 1319 هـ .
فمن شعره قوله في العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام :
قف بالطفوف وسل بها أفـواجها وأثر أبا الفضل المثير عجاجها
إن أُرتجت باب تلاحـك(1) بالقنا بالسيف دون أخـيه فكّ رتاجها
جـلّى لها قـمراً لهاشـم سافـراً رد الكـتائب كـاشفاً إرهاجها
ومشى لهامشي السبنتى(2) مخدراً قد هاج من بعد الطوى فأهاجها
أو أظلمت بالنقـع ضاحية الوغى بالبارقات البيض شبّ سراجها
فاستامها ضـرباً يكيـل طـفيفها ولاجّ كـل مـضيقـة فرّاجها
يلـقى الـوجوه الكالحـات فينثني يفـري بحـدّ صفيحة أوداجها
كـم سوّرت عـلقاً أساريب الدما فرقى بها علماً وخاض عجاجها
أسـد يعـدّ عـداه ثـلّـة ربقـة فغـدا بـبرثـنه يشلّ نعـاجها
ومطحطح(3) بالخيل في ملـمومة حرجت فوسّع بالحسام حـراجها
ما زلـت تـلقح عقـم كـل كتيبة حـتى إذا نـتجت أريت نتاجها
ولكـم طـغت غـياً ولـجّ بغيـّها فقطعت بالعضب الجراز لجاجها
ضجت من الضرب الدراك فألحقت بعـنان آفاق الـسماء ضجاجها
فإذا الـتوت عـوجاً أنابيب الـقنا بالطـعـن قام مقوّمـا إعواجها
ركب الـجياد إذا الـصريخ دعابه مـعرية لـم ينتظـر إسراجـها


(1) لا حك الشيء بالشيء الزقه .
(2) السبنتي : النمر .
(3) طحطح القوم : بددهم وأهلكهم .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 165


الباسـم العباس مـا من خطـة إلا وكـان نمـيرها واجـاجهـا
ورد الفرات أخو الفرات بمهجة رشفـت بمعـبوط الدما زجاجها
قـد هـمّ منه بنهـلـة حتى إذا ذكـر الحسين رمـى بها ثجّاجها
مزجـت أحبته لـه بنفـوسهـا نفساً مـن الصهباء خلت مزاجها
مـا ضرّ يا عباس جلواء السما لو وشحـت بك شهبهـا أبراجها
أبكيـك منـدجـلاً بأرض قفرة بك قد رفعت على السماء فجاجها
أبـكيك مبـكى الفاقدات جنينها ذكرت فهاج رنينهـا مـن هاجها
أبكيـك مقـطوع اليـدين بعلقم أجـرت يـداك بعـذبه أمواجهـا
وبـرغم أنف الدين منك بموكب تقضي سيـوف بني امـية حاجها
قـد كنت درتهـا على إكليلهـا قد زينت بـك فـي المفارق تاجها
ولحاجتي يـا أنـس ناظرة العلى لـو قـشد جعلتك للعيون حجاجها

ومن شعره في رثاء جده الحسين :
أشجـاك رسـم الدار مالك مـولـع أم هـل شجاك بسفح رامة مربع
وأراك مهـما جـزت وادي المنحني لك مقـلة عـبرى وقلب موجع
لا بل شجـاك بـيوم وقعـة كربلا رزء لـه السبع الشداد تـزعزع
يوم به كـرّ ابـن حـيدر في العدى والبيض بالبيض القواضب تقرع
يعــدو عـلى الـجيش اللهام بفتية بالحـزم للحرب العوان تدرعوا
يقتادهـم عـند الـكـريهة أغـلب ثبت الحشا من آل غالب أروع
من كل مرهـوب اللقاء إذا انـبرى نحو الكتائب والـذوابل شـرع
يعـدو فيغـدو الرمح يرعف عندما والسيف في علق الجماجم يكرع
حتى هروا صرعى ترضّ لهم قرى بسنابك الـجرد الـعتاق واضلع
وغدى ابن أمّ الـموت فرداً لا يرى عـوناً يحامـي عن حماه ويمنع
فغـدا يصـول بعـزمـة من بأسه كادت لـه الـشم الجبال تصدع


السابق السابق الفهرس التالي التالي