ادب الطف ـ الجزء الثامن 137


غفـت بـرغـم المجد منها أعين كـم سهرت ترتاح حباً للوغى
غـمار هيجاهـا فريداً خاضهـا السبطُ وفيها زاخر الحتف طغى
غادٍ بها ورائـح يختطف الارواح حـتى لـم يـزل مـبلّـغـا
غـرائب الـطعن أراهـا بـغـتة ونال بالـصارم مـنها المبتغى
غارت مياه الأرض فالسبط قضى ظـماً ومـنها جـرعةً ما بلغا
غلالـة الـذلّ لـقد لـبستـهـا يا حرب ، والعار لها قد صغا

ومن الروضة الحسينية في حرف الهاء :
هان صعب الخطوب حيث تناهى لـرزايا الـهداة من آل طــه
هـم هـداة الأنام عـلماً ونسكا وبهـا بارئ الـنسائـم بـاهـا
هـدّ ركن الـهـدى غداة ألمّت بهـم الـحادثات مـن مبتداهـا
هـدمـت عـزهـا أباطيل قوم كان في الغيّ والضلال اقتداهـا
هـدرت للـوغى فـحول لويٍّ فـأطارت مـن الكـماة حشاها
هتـفت باسـمها الـمنايا بـيوم فـيه لـم تـبلغ النفوس مناهـا
هـال أقـدامهـا الكماة فطاشت لانـدهـاش بهـا فسيح خطاها
هـي في حـزمهـا أشدّ نفوذاً في حشا الخصم من نصول قناها
هجرت طيب عيشها واستطارت لوصال الحمـام حـيـن دعاها
هـل أتى مـثلها سمعت كـرام قـد سعـت للـردى بها قدماها
هاك مني جوى يزيل الرواسي وبـبرحـائـه يـضيق فضاها
هبّ حامي الذمار للحرب فرداً صـكّ داني الجموع في أقصاها

ومن رثائه في الإمام الحسين (ع) :
لتذكار يوم الطف عيشي منغصُ وطرف الهدى من صيّب الدمع أحوصُ
يمـثّلـه قـلبي لـعيني فتنثـني كـأن لـها داء الـعمى يـتـربـص


ادب الطف ـ الجزء الثامن 138


فيا ليت شعري هل أُصيب حشى الهدى بقـارعـة منها الهـدى يتـقلـّص
كـنازلـة فـي يـوم حـلّ ابن فاطم ثـرى كربلا فـيه الرواحل ترقص
باصحاب صـدق ناهـضين إلى العلا بأحساب مـجد في عـلاها تقعصوا
تعالى بهـا فخـراً سما المجد مذ غدت لنصر الهدى بالسيف والرمح تقعص
مساعير حـرب فيهـم تهتدى الـوغى بكل محياً ما عـن الـبدر ينقـص
اسـودٌ تحـامـاهـا الاسـود بسالـة بيـوم لها داعـي الردى يـتربص
قساور فـي الهـيجاء مـنهـا أراقـمٌ لهـا نفثة الـدرع الـمجهم تخلص
إلـى أن جـرى حكم الالـه فغودرت ضحايا على وجه البسيطة تـفحص
أُفـدّيهم صرعـى تـضوّع نـشرهـم بأنوار قدس نحوها الشمس تشخص
فعـاد فـتى الـهيجاء فـرداً بـعزمةٍ طموح الـردى يعطـو بها ويقلّص
يـراودهـا ثـبت الـجنان فلـم تخل سوى أنـه بـاز الـمنايا مغـرّص
أما ومـسـاعـيه الـحسان تـحفّـها مزايا لها طرف الكواكب أحـرص
فـلو شاء أن يـمحو بكـف اقـتداره سواد الورى فهو الحريّ الـمرخّص
ولكنه اخـتار الـمقـامـة راغـبـاً بمقعـد صـدق بـالنعيـم يقمـص
بسهـم الـقضا قـلب أُصيب فـغاله على عجل من أسهم الشرك مشقص
بضـاحـية هـيجاء يـذكـو شياحها وعين ذكاً من نـور معناه ترمـص
وأعظـم ما لاقى الحشا بـعد قـتلـه جوىً فيه يغلو الصبر والدمع يرخص
دخـولـهـم بالـصافنات وبالـقنـا خـدوراً تحامـاها الاسود فـتنكص
وقـد كنّ قـبل الـطف غـابات ملبد ببيض المواضي والقنا الخط تحرص
يـطوف عـلى أبـوابها مـلك السما خصوصاً ومن نور الإمامة يقبـص
فـأضحت تـقاضاها الـطغاة ديونها بنهـب وإحـراق ورحـل يقلـص
اسارى على عجـف من النيب هـزل صعاب إذا ما أمـعن الـسير ترهص
فايّـاً تقـاسى مـن جوى ، أخدورها هتكـن ولا حـام يـذب ويحـرص


ادب الطف ـ الجزء الثامن 139


أم السبط والأطياب صرعى على الثرى لها نسجت من بارع الريح أقمص
أم الناهـك السجـاد والـقيـد عـضّه وأغـلالـه جـيد الإمامة تقرص
أألله حـامـي الــدين كـوكب عـزه بـه لبني الـزرقاء أعداه تشخص
تـجرّعـه صابا وإن هـو يـشتـكـي لـغوباً اليه السوط بالقسـر يخلص
إلـى الله أشكـو لوعه : ترقص الحشا جـوىً ولديها أدمع العين ترخص

وقال في الامام الحسين عليه السلام :
القلـب أزمـع عن هـواه وأعرضا لمـا نـأى عـنه الشباب مقوّضا
فـالشيـب داعـية المنون وواعـظ بمـثاب حجة فاحص لن يدحضا
أو بـعد ما ذهـب الـصبا أيدي سبا تـرجـو البقاء أسالمتك يد القضا
هـيهات فاتـك مـا تـروم فـإنـه وطرٌ تقضّى من زمانك وانقضى
وأقـم لـنفسك مأتـماً حـيث الـذي أضحى يؤمّك عنك أمسى معرضا
فالـجسم أنحـله الفـتور وعـاث في أحشاك عـضب النائبات المنتضى
روّح فـؤادك بالـتـقـى وأرح بـه نفساً بيوم معادها تلقـى الـرضا
وأنـدب أئـمتك الكـرام فـقد قضى هـذا الـزمان عليهم ما قد قضى
ما بـين مـن لـعب السمام بـقلـبه فـوهى وكـان لشانئيه مـمرضا
ومـن اغـتدى طعم السيوف بمعركٍ لـقنا نـفوس الـدارعين تمخضا
حـذر الــدنيـة بـاذلاً حـوبـاءه ومَن ارتدى بالعزّ لا يخشى القضا
فمـتى أُبـاء الضيم حـلّ بساحـها ذلٌ وتـرضى طـرفها أن يغمضا
فـانـظر بعـين القـلب قتلى كربلا حـيث الـعدو بـجمعه سدّ الفضا
لـم تلـو جيداً للـدنـية واصـطلت هيجـاء غـرب لسانها قد نضنضا
بأبي الـذين تـسرعـوا لحـمامهـم دون الحسين فاحرزوا عين الرضا
رووا صدى البيض الحداد وفي الحشا شعل الظـما تشتد لا شعـل الغضا
كـم أنـعش الـعافين فـضل نوالهم واخصوصب الوادي بذاك وروّضا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 140


وارتاح بـالـعز الـمؤيد جارهم ونزيلـهم نـال الـكرامة والرضى
ما شاقهم زهر الجنان إلى الردى وحـرير سندسهـا وعيش يرتضى
لكنـما غـضباً للـدين آلـهها قامت لنصر المجتبى ابن المرتضى
فقضوا كما شاؤا فتلك جسومهم فـوق الصعـيد بنورها الهادي أضا

وقال أيضاً في رثاء الامام عليه السلام :
يـا دهـر حسبك جائرا تسطو فاقصر أمالك بالوفا ربطُ
كـم شامـخ بالـعز ملـتمـع بمـلاط فـخر زانه ملط
بـيدي صـروفك لا بـهدم يد سامي ذرى عـلياه ينحطّ
ومـهذب فـيه العـلى شمخت سبـط الـيدين لسانه سلط
إن عـطّ مـلبسه لـحـادثـة فـقلوب أهل الفضل تنعط
وإذا العـلى بـرزت بـجليتها فـعلاؤهـا لعقودها سمط
خبطـت بـه الدنيا وكم بوغىً لحسامـه إن زارهـا خبط
الله كـيف جـمعتَ غـاشـية يـا دهـر لما تجتمع قـط
في كربلا من حيث جاش بـها من حزب آل امية رهـط
يـوم بـه جمـع ابـن فاطمة عـزماً لـه الأفلاك تنحط
بأمـاجـد من دونـه احـتقبت أذراع حـزم نسجها سبط
قامـت عـلى ساق عـزائمها فجثت وبرق سيوفها يخطو
وعـلى الـظما شربت دماءهم بيض الضبا والذبّل الرقط
لـم تنتهل مـن بـارد عـذب أحشاؤهـا وغليلـها يعطو
حتى قـضت والـفخر يغبطها وإلـى القيامـة ذلك الغبط
فـغدا ابـن فاطـمة ولا عضد إلا العلـيل وصارم سلـط
بأبـي الـوحيد وطوع راحـته يـوم الهياج القبض والبسط


ادب الطف ـ الجزء الثامن 141


يسـطو فـتصعق من بوارقه وبـعزمه كـف الردى يسطو
يا روضـة الـدنـيا وبهجتها ودليـلها إن راعـها خـبط
تقضي ظماً والـماء تـشربه عصب الشقا والوحش والرط
الله أكـبـر أيّ نـازلــة بالـدين قـام بعبئـها السبط
سلـبت مـن الـدنيا أشعتها وبـها السماء اغـتالها الشط
يقضي ابن فاطمة ولا رفعت سـوداء مـلؤ إهابهـا سخط

وهذا نموذج من شعره في الغزل ـ وهذه القطعة من الروضة :
سل عن جوى كبدي لظى أنفاسي تخبرك عنه وما له من آس
سـفك الـغرام دمي ولا من ثائر كمهلهل فـيه عـلى جساس
سـيان حـدّ السيف والمقل التي بسوادها يبيض شعر الراس
سرّ الهوى أودعت قـلبا واثـقاً لولا الدموع وحرقة الأنفاس
سأقـول إن عـدنا وعاد حديثنا واها لقلبك مـن حديد قاسي

ومن غزله قوله :
أهلاً بها بعـد الصدود هيـفاء واضحة الخدود
بكـر كغصن الـبلاد باكره الصبا بربى زرود
تختال في بـرد الصبا أحـبب بهاتيك الـبرود
فسكرتُ في نـغماتـه وطربت فيه بغير عـود
حتى إذا صال ا لصبا ح على الدجنّة في عمود
ألـوى فـقمتُ معانقا شغفـا بـه جـيداً بجيد
مضنى الحشاشة قائلاً حـذر القطيعة والصدود
عُدلي بوصلك وادّكـر يا ظبي (أوفـوا بالعقود)
حتى تريح من الجوى قـلباً بـه ذات الوقـود
فـرنا إليّ بمـقـلـة تصطاد هـاصرة الاسود


ادب الطف ـ الجزء الثامن 142


متلفتاً كالريم حلأ ه الزماة عن الورود
حذر الوشاة فليتهم فزعوا لقاطعة الوريد
وتذكر العهد القديم فجاد بالوصل الجديد

ترجم له صاحب الحصون المنيعة ترجمة ضافية وقال : جمع ديوانه بنفسه وبخطه الجيد ويبلغ خمسة عشر الف بيت كله من الرصين المحكم وأكثره في مدايح ومراثي أهل البيت عليهم السلام كما ضمّنه مفاكهات ومراسلات مع العلماء من أحبابه والادباء والاشراف من أترابه ، أقول وكان الشيخ السماوي يحتفظ بنسخة من الديوان ويقول البعض أنها مستنسخة من نسخة المرحوم الحاج مهدي الفلوجي الحلي ، وترجم له الشيخ اغا بزرك الطهراني في (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) وترجم له البحاثة المعاصر علي الخاقاني في شعراء الحلة .
جاء في (طبقات أعلام الشيعة) ج 2 صفحة 430 : الشيخ حسين الحلي ، هو الشيخ حسين بن مصبح الحلي النجفي فاضل جليل . كان من فضلاء عصره في النجف ، ويظهر من بعض الخصوصيات أنه كان من الأجلاء . استعار بعض الكتب العلمية في حدود (1240) كما على ظهر (إثبات الهداة) في النصوص والمعجزات في مكتبة السيد اغا التستري في النجف ، فالظاهر أن وفاته بعد التاريخ ، وهو جد الشاعر الشهير الشيخ حسن مصبح الحلي ابن حسين ابن المترجم ، المولود في حدود (1246) المتوفى في 1317 هـ كما ترجمناه في (نقباء البشر) م 1 صفحة 429 .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 143


الشيخ محمد نظر علي
المتوفى 1317

قال من قصيدة يرثي بها الحسين (ع) :
لهفي لـزينب بعد الصون حاسرة بين اللـئام ومنـها الـخدر مبتذل
تقول وآضيعتا بـعد الحسين أخي من لي وقد خاب مني الظن والأمل
وأخـرجـوا السيد السجـاد بينهم يساق قـسراً وبالاغـلال يـعتقل
إذا وَنـى قـنّعوه بالـسيـاط وإن مشى أضـرّ بـه مـن قـيده ثقل
وقـد سروا ببنات المصطفى ذللا تسرى بها في الفيافي الأنيق البزل
ما بيـن باكـيـة للخـدّ لاطـمة وبيـن ثاكـلة أودى بهـا الـثكل
وبـين قالـة يـا جـدنا فـعلوا بنا علـوج بني مروان ما فعلـوا

وقال :
يا قلـب ذب كـمداً لما قـد ناب أبـناء النبيّ
أيلـومني الـخالي بهم أين الخليّ من الشجيّ
قـد جـرعـتني علقما أرزاء نـهر الـعلقميّ
أجسامـهم فـوق الثرى ورؤسهم فـوق الـقنيّ
وعـقائل المختار تسبى بـعدهـم لابن الـدعيّ
وحملن من بـعد الخدور سوافـراً فـوق المطيّ
* * *

هو ابن الشيخ جعفر بن نظر علي ، وبجده هذا يعرف بين الحليين فيعبرون عنه بـ (الشيخ محمد بن نظر علي) ويلقبونه بالمحدث أيضاً لطول باعة وسعة

ادب الطف ـ الجزء الثامن 144


أطلاعه في علم الحديث ، فقد كان ذا إحاطة واسعة بأحاديث النبي وأهل بيته الأطهار خصوماً ما ورد منها في صحاح الإمامية وما ألف بعدها من الكتب المعتبرة وقد استفاد كثيراً في هجرته من الحلة إلى النجف من منبر العلامة المتأله الشيخ جعفر التستري ومن ثمة اشتهر أمره بالصلاح والورع وحسن الأساليب في مواعظه وخطابته المنبرية ، ودرس عنده جماعة منهم الشيخ محمد حسين بن حمد الحلي ، وقد ترك جملة من الاثار والمجاميع المخطوطة كان قد دوّن فيها ما وعاه من مشايخه وما انتخبه من أُمهات الكثب في سيرة أهل البيت وآثارهم وقد تلف قسم منها وبقي بعضها عند صهريه على كريمتيه ، الأول منهما خطيب الفيحاء الشيخ محمد آل الشيخ شهيب (والد الدكتور محمد مهدي البصير) والثاني السيد جعفر ابن السيد محمد حسن آل السيد ربيع ـ من أطباء العيون في النجف ـ وكان المترجم له رحمه الله يحب العزلة ولا يغشى أندية الفيحاء على كثرتها يوم ذاك عدا نادي آل السيد سلمان في عهد المرحوم السيد حيدر وعمه السيد مهدي بن السيد داود لقرب بيته من بيوتهم . وما زال منقطعاً إلى التهجد والاذكار في مسجدهم الواقع تجاه داره وهو المعروف بمسجد (أبو حواض) . كانت ولادة المترجم له في الحلة سنة 1259 على التقريب ونشأ وتأدب فيها وكان يقضي شهري المحرم وصفر في البصرة للوعظ والارشاد في المحافل الحسينية كغيره من الخطباء فعاد في آخر سنّي حياته منها وقد أُصيب فيها بمرض الحمى النافضة (الملاريا) فلم تمهله إلا أياماً حتى أجاب داعي ربه سنة 1317 هـ أو قبلها بسنة ، ورثاه جماعة من شعراء الفيحاء الذين كانوا معجبين بفضله ونسكه منهم الأديب الحاج عبد المجيد الشهير بالعطار والشاعر الفحل الحاج حسن القيم ـ فمن قصيدة القيم قوله :
بادرا في بردة النسك أدرجاه واعقدا اليوم على التقوى رداه
لـي بقـايا كـبد بيـنكـما بالبـكا يـا ناظـريّ اقتسماه

وهذا الشيخ وان كان ذا موهبة شعرية ولكنه لا ينظم إلا في اهل البيت عليهم السلام . (انتهى عن البلابليات)

ادب الطف ـ الجزء الثامن 145


الشيخ محمد العوّامي
المتوفى 1318

مـصائب عـاشورا تـهيج تضرمي فلله من يوم بشهر محرم
بها المجد ينعى مصدر الفيض إذ غدا بلا قيّم يأوى إليه وينتمى

ومن قصيدة أخرى :
فيا مضر الحـمرا ويا أُسـد الشرى ويا غوث مَـن يبغي الندا ويريد
وأمـنع مَن في الأرض جاراً وجانبا وأمـنتح مـَن أمـّت اليه وفود
فـيا مطعمي الأضياف يـوم مجاعة ويا خـير مَن يبنىالعلا ويشيد
ويا مخمدي نار الـوغى إن تضرّمت وشبّ إلـى الحرب العوان وقيد
وبـدر واحـد يشهـدان لـهـاشـم ورب السما من فوق ذاك شهيد
ولـما بـدت من آل حرب ضغائن لثارات بـدر أظـهرت وحقود
وأخـرجت الـمولى الحسين مروّعاً وقـد سبقـت مـنكم اليه عهود
فلهفي عـليه مـن وحـيد مضيّـع على الماء يقضي وهو عنه بعيد
بنـي مضر مـاذا القعود عن العدا وفي كربلا مـولى الوجود فريد
وكيف بقـى ملقى ثلاثاً على الثرى تـواريه مـن نسج الرياح برود
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 146


الشيخ محمد بن عز الدين الشيخ عبد الله العوامي القطيفي . اشتهر بأبي المكارم لمكارم أخلاقه ، ولد رحمه الله سنة 1255 هـ ثالث شهر شعبان وبدت طلائع النبوغ على أساريره ونمت مداركه ومعارفه فأصبح منهلاً ينتهل منه وبحراً يغترف السائلون من عبابه ، حج سنة 1317 هـ فأبهر الحاج بعلمه وكرمه وسخائه وعطائه ، وعندما تشرف بزيارة الرسول صلى الله عليه وآله واستقرّ بالمدينة المنورة فاجأه السقام فمكث أياماً والمرض يلازمه حتى قبضه الله اليه في عصر يوم السابع والعشرين من شهر محرم الحرام سنة 1318 وعمره ثلاث وستون سنة فدفع بالبقيع ، وأولاده أربعة كلهم من أهل الفضل ، أما آثاره العلمية فهي :
1 ـ أجوبة المسائل النحوية ، كتاب مختصر .
2 ـ المناظرات في مسائل متفرقة .
3 ـ المسائل الفقهية .
4 ـ ديوان شعره يحتوي على : منظومة في عقائد الاصول ، من توحيد وعدل ونبوة وإمامة ومعاد .
شكوى وعتاب :
ترجمت في هذه الموسوعة بأجزائها الثمانية لمجموعة كبيرة من ادباء البحرين والاحساء والقطيف ممن كانوا في زوايا النسيان ذلك لأن بلاد البحرين من أقدم بلاد الله في العلم والأدب والتشيع لأهل البيت وعريقة في الشعر . وأمامنا ردم من القصائد لم نقف بعد على ترجمة أربابها وكم كتبنا واستنجدنا بعلمائها وادبائها ليزودونا بمعلومات عن تراثهم وحياة أسلافهم ، ولكن لا حياة لمن تنادي .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 147


الشيخ حسن القيِّم
المتوفى 1318

قال يرثي الامام الحسين (ع) :
إن تكـن جازعاً لها أو صبورا فليالـيك حـكمها أن تـجـورا
تصحبنك الضدين ما دمت حياً نـوبا تـارة وطـوراً سـرورا
ربـما استكثر الـقليل فـقـير وغـنيٌ بـها استـقل الـكثيـرا
فـكأن الـفـقير كـان غـنياً وكـأن الـغـني كـان فـقـيرا
فـحذاراً من مـكرها في مقام لـيس فـيه تـحاذر الـمحذورا
نذرت أن تسيء فـعلاً فأمست في بني المصطفى تقضّي النذورا
يـوم عـاشور الـذي قد أرانا كـل يـوم مصـابه عـاشـورا
يـوم حفـت بابن النبي رجال يمـلؤن الـدروع بـأساً وخـيرا
عـمروهـا في الله أبيات قدس جـاورت فـيه بـيته المعـمورا
ما تـعرّت بالطف حتى كساها الله فـي الخلـد سنـدساً وحريرا
لـم تـعثّر أقـدامها يوم أمسى قـدم الـموت بالـنفوس عـثورا
بقلـوب كـأنما الـبأس يدعو هالـقرع الخطوب كوني صخورا
رفعت جـرد خيلهم سقف نقع ألـف ا لـطير في ذراه الوكورا
حاليات يرشحن بالـدم مرجاناً ويـعـرقـن لـؤلـؤاً مـنثـورا
عشقوا الغـادة الـتي أنشقتهـم مـن شـذاهـا النقع المثار عبيرا
فـتلقـوا سهـامهـا بصـدور تـركـوهـن للـسهام جفـسيرا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 148


لازمـوا الـوقفـة التي قطّرتهم تحت ظـل الـقنا عفيراً عفيرا
فـخبوا أنجـماً وغـابوا بدوراً وهـووا أجبلا وغاضوا بحورا
مـن صـريـع مـرمل غسّلته من دماء السيوف ماء طهمورا
ومـعـرى عـلى الثرى كفنته أُمّـه الحرب نقـعها المستثيرا
عـفّر الـترب منـهم كل وجه عـلّم الـبدر في الدجا أن ينيرا
ونساء كـادت بأجنحة الـرعب شظايـا قـلوبـها أن تـطـيرا
قد أداروا بسوطهم فلك الضرب عليـهنّ فـاغـتدى مسـتديرا
صرن في حيث لو طلبن مجيراً بسوى السوط لـم يجدن مجيرا
لـو يـروم القطا المثار جناحاً لأعـارتـه قـلبها الـمذعورا
يا لـحسرى القـناع لم تلف إلا آثمـاً مـن أمـية أو كـفـورا
أوقـفوها عـلى الجسوم اللواتي صـرن للبيض روضة وغديرا
فغمرن النحور دمعاً ولـو لـم يـك قانٍ غـسلن تلك الـنحورا
علّ مستطرقاً يرى الليل درعـاً وعـلى نـسجه الـنجوم قتيرا
يبلغـن المهـديّ عـني شكوى قـلّ فـي أنها تضيق الصدورا
قل له إن شمـمت تـربة أرض وطأت نعله ثـراهـا العطـيرا
وتزودت نـظـرة مـن محـيّا تكتسي من بهـائه الشمس نورا
قـم فأنـذر عداك وهو الخطاب الفصل أن تجـعل الحسام نذيرا
كائناً للمنون هارون في البـعث لـموسى عـوناً لـه ووزيـرا
قـد دجا في صدورهم ليل غي فـيه يـهوى نجم القنا أن يغورا
أو مـا هـزّ طـود حلمك يوم كان للـحشر شـره مستطـيرا
يوم أمسى الحسين منعفر الخـد يـن فـيه ونـحـره منحـورا
أفـتديـه مخـدّراً صار يحمي بشبا السيف عـن نساء الخدورا
ليس تدري محبوكة الدرع ضمّت شخصـه في ثـباتـه أم ثـبيرا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 149


أعدت السيف كفه في قـراهـا فغدا في الوغى يضيف النسورا
صار موسى وآل فرعون حرباً والعصى السيف والجواد الطورا
وأصريعـاً بثوب هيجاء مدرو جـاً وفي درع صـبره مقسورا
كيف قرت في فقد مسكنها الأر ض وقـد آذنـت لـه أن تمورا
وقضى في الهجير ظام ولكـن بحشى حـرهـا يذيـب الهجيرا
صار سدراً لجسمه ورق البيض ونـقع الـهيجا لـه كـافـورا
أحسين تقـضي بغـير نصير مستظاماً فـلا عـدمت النصيرا
بأبـي رأسـك المشهرّ أمسى يحـمل الـرمح منـه بدراً منيرا
* * *

الشيخ حسن ابن الملا محمد القيّم الحلي أحد نوابغ عصره . كان شاعراً بارعاً من اسرة كانوا قوّاماً في بعض المشاهد فلذلك لقّب بالقيّم ، في شعره يحذو حذو المهيار ويعارض قصائده . كان أبوه أيضاً شاعراً خفيف الروح . والشيخ حسن القيم عارض قصيدة المهيار التي أولها :
لمن الطلول كأنهنّ رقوم تصحو لعينك تارة وتغيم

بقصيدة شهيرة يرويها أكثر خطباء المنبر الحسيني وأولها :
عطن بذات الرمل وهو قديم حنّت بواديه الخماص الهيم

ولد سنة 1278 هـ فاحتضنه أبوه ، وهو يومئذ استاذ الخطابة في بغداد والحلة ، حتى إذا نشأ وترعرع كان السيد حيدر الحلي ، والشيخ حمادي نوح من أوائل مَن تلقفوه وتعاهدوا ملكاته الأدبية . ثم كان له من حانوته الضيق الذي إذا أراد أن يدخله ينحني مع شدة قصره وضآلة جسمه ما يغنيه عن أن يمدّ يد الارتزاق لأحد ، حيث احترف فيه حياكة المناطق الحريرية المعروفة بـ (الحُيُص) ولعلّ هذه المهنة المتواضعة هي الباعث على الاعتقاد بأنه أُميّ لا يقرأ ولا يكتب رغم أن الشيخ محمد علي اليعقوبي يعلق على هذا الزعم بقوله :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 150


وقد رأينا كثيراً من مسودات قصائده بخط يده عند ولده المرحوم عبد الكريم ولقد توفق الاستاذ الخطيب الشيخ اليعقوبي لجمع وتحقيق ديوان الشاعر القيم ونشره في مطابع النجف الأشرف سنة 1385 هـ وعثرت أخيراً على مخطوطة للخطيب السيد عباس البغدادي وفيه مرثية نظمها شاعرنا في رثاء سيدة من آل القزويني في سنة 1317 ويعزي العلامة الكبير السيد محمد القزويني قال :
هـي نـفس تقـدسـت فـحباها محض تقديسها عُلاً لا يُضاهى
كـيـف منها الردى استطاع دنواً وبـأسد الـثرى يُحـاط خباها
يا لـنفس لـها نـفائس أوصاف بـها الله للـمـلائـك باهـى
سكنت خـدرهـا الـمنيع إلى أن سكـنت خـير مـرقـد واراها
فهـب اللـحد في ثـراه طـواها أفـهل يستطـيع طـيّ عـلاها
شكـرت أجرها صحيفتها الملآى بمـا قـدمـت فـيا بـشراهـا
فمضت والـعفاف يتبعها بالنوح والـنسك ثـاكـلا يـنعـاهـا
يا خطوب الزمان إن خلت أن لا عـاصم الـيوم للعلى من أساها
فـقـد استعصمت بـبأس (أبي القاسم) من كل معضل يغـشاها
بـدر عـلم وطـودُ حلم ولجيّ صـفات جـلّت فـلا تـتناهى
نير المحتد الـذي تتجلى الشمس فـيه فـيستشـف ضـيـاهـا
طاهر البرد معدن الرشد سامي المـجد غـوث الأنام في بأساها
فالـقوافـي بنعـته انـشقتنـا نفحات يحيى النـفوس شـذاها
جـمع الله فـيه شمل المعـالي وأعـزّ الالـه فـيه حـماهـا
سادة العالمين آل معـز الـدين فـيكم سـمت شريـعـة طـه
فبكـم تكشف الـحوادث عـنا وتـنال الـنفوس أقـصى مُناها
ولنا تُرسل السحائب من أنملكم حـفّـلا يـفـيـض نـداهـا
واليـنا شوارق الـعلم مـنكـم تـتجـلّى فـنهـتدي بـهـداها


ادب الطف ـ الجزء الثامن 151


وجمـيل اصطباركـم بشرّ الله بـه الصابريـن فـي أُخـراهـا
قـدس الله تـربـة عـطّرتها بنـت خـير الـورى بنشر تقاها
لا عداها صوب الغوادي لأني قلت أرخ (صوب الغوادي سقاها)

وفي المخطوطة قصيدة اخرى يرثي بها السيد علي الموسوي ويعزي ولده السيد عباس الخطيب سنة 1316 وأولها :
تخطّى الردى في فيلق منه جرار اليه فأخلى أُجمة الأسد الضاري

كتب عنه الدكتور البصير في مؤلفه (نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر) فقال : أخبرني شاهد عيان ثقة أن حانوته الصغير كان ندوة أدب خطيرة الشأن ـ ذلك لأنه كان يطلع تلاميذه من صغار الحاكة على خير ما يقرأ وخير ما ينظم ويرشدهم الى ما في هذا كله من سحر وجمال وفن وصناعة . وكان عارفو فضله من أهل العلم والأدب يختلفون إلى حانوته دائماً يستمتعون بحديثه العذب وأدبه الغض .
توفي رحمه الله سنة 1319 ولم يتجاوز الخامسة والأربعين . أما صفاته فقد كان أبيّاً وفياً ذكيّ القلب خفيف الروح بارع النكتة شديد التأمل في شعره كثير التنقيح له ، قرض الشعر وهو عامل بسيط فلم تحدثه نفسه في يوم من الأيام أن يتخذه وسيلة لجرّ المغانم وكسب الجوائز ولو أراد هذا لكان ميسوراً سهلاً ، ولكنه أبى إلا أن يصطنع الأدب للأدب وأن يقرض الشعر للشعر . ولذلك كان شعره رثاءً لأهل البيت أو غزلاً أو تهنئة لصديق أو مديحاً أو رثاء له ، أو نكتة تستدعيها مناسبة طريفة ، وللتدليل على ذلك نذكر إحدى طرفه وذلك أنه عاده في مرضه جمع من الأصدقاء وجاء أحد الثقلاء يهمّه أن يتكلم ولا يهمه أن يكون كلامه مفيداً ام غير مفيد مقبولاً أم غير مقبول ، فأكثر من الهذيان إلى أن قال : أكثر ما يؤذيك شدّة الحر ـ وكان الفصل صيفاً ـ فأجابه شاعرنا قائلاً : وكثرة الهذيان .

السابق السابق الفهرس التالي التالي