ادب الطف ـ الجزء الثامن 108


وهذا وقت زوار و(نوطٍ) فباحثنا بتنقيح المناط

ومن نوادره قوله :
تسمّى بالقريض اليوم مَن ليس لـه أهلا
أتـونا بالمـقاطيـع وكلٌ يدّعى وصلا

وقال يداعب الشربياني :
للشربيانيّ أصـحاب وتلمذةٌ تجمّعوا فرقاً مـن هاهـنا وهنا
ما فيهم مَن له بالعلم معرفة يكفيك أفضل كل الحاضرين أنا

وقال ممازحاً الخطيب الاديب ... لما تزوّج بامرأة ثيبة بعد ان تزوّج بامرأتين قبلها :
بشراك في لؤلؤة قـد ثقبت أنفع من لؤلؤة لـم تثـقب
ومهرة وطّأ شخص ظهرها أحسن من جامحة لم تركب
ومنهج قد سلكت فيه الخطا أحسن من نهجٍ جديد متعب
وقد وجـدنا في الكتاب آية قدّم فيـها الله ذكـرالثـيّب
اسم العجوزفي المقال طيب لأنـه وصف لبنت العـنب
مرت عليها أربعون حـجة فـهي إذاً كالصارم المجرب
عـرّفها الـدهر تقلـباتـه فساتـصفها عـارفة التقلب
ومَن يسبّ الثيبات سـائني لأنه قـد سبّ ظلـماً مذهبي
خديـجة بنت خـويلد على ما نقـلوا أعـزّ أزواج النبي(1)
بك الاثـافي كمـلت ثلاثة ففز بـها كالمرجل المنصّب


(1) لا شك أ ن خديجة بنت خويلد هي أفضل زوجات النبي وام المؤمنين حقاً . إذ هي أول امرأة آمنت برسول الله وبيتها أول بيت بني في الاسلام وكان النبي (ص) كلما ذكرها بكى فقالت له السيدة عائشة : ما لك يا رسول الله وقد أبدلك الله بخير منها ، قال : والله ما أبدلني بخير منها ، آوتني إذ طردني الناس وصدقتني إذ كذبني الناس ، ورزقني منها الولد إذ حرمني من غيرها . وعلى ما يقول النسابة الشهير ابن أعثم الكوفي أن خديجة لم تتزوج بغير رسول الله ، وهي سيدة نساء قريش ولمكانتها في نفس رسول الله (ص) أنه لم يتزوج بغيرها ما دامت هي في قيد الحياة ، ولما ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد حزن النبي (ص) وسمى ذلك العام بـ عام الحزن .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 109


أضف إلى ذلك رقة غزله وخفة روحه فحينما تدرس غزله وتشبيبه تراه يسيل رقة وعاطفة ويبدع ما شاء له الابداع في الخيال والتصوير فاستمع اليه في حائيته الرائعة والتي تناهز التسعين بيتاً ـ وهذا مقطع منها :
هـزوا معـاطفـهم وهـنّ رماح ونضوا لواحـظهم وهـنّ صفاح
شاكين ما حمـلوا السـلاح وإنما منهـم عليهـم أهـبـة وسـلاح
ونشـرن ألـوية الشعـور عليهم سـوداً وكـل طـرفـه السـفاح
وتعمّـدوناباللـحاظ فـلا تـرى مـن عاشـق مـاأثخنـته جراح
آرام وجـرة لا يـدون قـتـيلهم وأسـيرهـم لم يرج فـيه سراح
فتح الجـمال لهم وفـي وجناتهم كتب ابن مقـلـتها هـو الفـتاح
بشراك يا من ذاق بـرد ثغورهم أعرفـت ماروح الهـوى والراح
ونعمت يامن شـمّ طيب خدودهم أرأيت كـيـف الـورد والتـفاح
لا تحـسبن لـئالـئاً فـي خـده لكـنه عـرق الـحـيا الـرشاح
قدحت خـدودك في فؤادي جذوة والورد خيـرصـنوفـه الـقداح
وأضيق ذرعـاً من خلاخلك التي ضاقـت على ساقيك وهي فساح
وحشاءأخـفق مـن جناحي طائر إن يخفـقا لك قرطـق ووشـاح
ماذايعيب بـك النصـوص ثكلته حـاشـاك بـل غشـتني النصاح
الطرف سـاج ، والسوالف صلتة والجـيد أتلـع والجـفون مـلاح
يا يـوسف الحـسن البديع جماله لي مـثل يعـقـوب علـيك نياح
إن أوعـدت بالصدّ فهـي جهينة أو واعـدت بالوصل فهي سجاح

وقال :
أخذ الريم منك سحر العيون وروت عنك مائسات الغصون
واستفاد الهلال منك ضياءاً حـين قابـلته بشـمس الجبين


ادب الطف ـ الجزء الثامن 110


وسرت من لما كنفحة سكر أخذت بعضها ابنة الزرجون
ومـن اللؤلؤ الـذي بثناياك صـفاء بـاللؤلؤ المكـنون

أجل ، وإن شعره رحمه الله يبلغ ـ ولا شك ـ أضعاف ما نشر في ديوانه المطبوع وذلك لأن مثل تلك المقاطيع والنتف التي تتفق عرضاً وتجري سنوحاً مما لا يمكن تقييد شواردها ورهن أوابدها ، واهتم بجمع ديوانه شيخنا المصلح الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وأخذه بنفسه في سنة 1331 هـ حين سافر إلى لبنان والديار المصرية ووقف على طبعه في صيدا بمطبعة العرفان وصدره بمقدمة نفيسة وعلّق على الديوان حواشي هامة تتضمن بالإيجاز تراجم مَن جاءت أسماؤهم في الديوان مع تهذيب الديوان وتنقيحه .
وبعد أن يكن السيد جعفر أبدع في نواحي كثيرة من شعره فإن روائعه في شهداء الطف تمتاز على باقي أدبه ، فكأن ذكرى أولئك الشهداء الذين كرهوا الذل وأنفوا من الضيم وجادوا بنفوسهم الزكية ودمائهم الطاهرة في سبيل الحق والكرامة توقظ بين جوانحه شعلة الثورة الهاشمية وهل تدري أن إحدى هذه القصائد الحسينية بل أجودها وأشهرها نظمها بساعتين ، وهي رائعته التي مطلعها :
وجه الصباح عليّ ليل مظلم وربيع أيامي عليّ محرم

وكان ذلك في شهر المحرم فلا تسمع إلا ناع وناعية ونادب لسيد الشهداء ونادبة ، فمرّ الشاعر في هذا الجوّ وتمشى في الصحن العلوي واسترسل بنظم هذه القصيدة التي تزيد على السبعين بيتاً وكلها من الشعر المنسجم أمثال قوله في أصحاب الحسين :
متقـلـدين صـوارمـا هنـديـة من عزمهم طبعت فليس تكهم
إن أبرقت رعدت فرائص كل ذي بأس وأمطر من جوانبها الدم

ويصف بطولة أبي الفضل العباس حامل راية الحسين والأخ المواسي بأسمى ما تكون من أنواع المواساة ، ففي زيارته : أشهد أنك نعم الأخ المواسي لأخيه :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 111


عبست وجوه القوم خوف الموت و العباس فيـهم ضاحـك يتـبسم
قلب اليمين على الشمال وغاص في الأوساط يحصد بالرؤس ويحطم
وثنى أبـو الفضل الفـوارس نكّصاً فرأوا أشدّ ثباتهـم أن يهـزموا
مـاكـرّ ذو بـأس لـه متـقـدماً إلا وفـرّ رأسـه الـمـتـقـدم

ثم يشير إلى فارس العرب ربيعة بن مكدم المعروف بحامي الضعينة فيقول :
حامي الضعينة أين منه ربيعة أم أين مـن علـيا أبيه مـكدّم
قسماً بصارمه الصقيل، وإنني في غير صاعقة السما لا أقسم
لولا القضا لمحا الوجود بسيفه والله يقـضي ما يـشاء ويحكم

ثم ينحدر إلى شجاء مصرع هذا البطل وفجيعة الحسين بهذا الأخ المحامي فيقول عن لسان الحسين :
أأخي يهـنيـك النعيـم ولـم أخـل ترضـى بأن أُرزى وأنت منعّـم
أأخي من يحـمـي بنـات محـمـد إن صرن يسترحمن مَن لا يرحم
لسـواك يلـطـم بـالأكـف وهـذه بيض الضبا لك في جبيني تلطـم
ما بين مصرعك الفظيع ومصـرعي إلا كمـا أ دعـوك قبـل فتنعـم
هـذا حسامـك مـن يـذلّ به العدا ولـواك هـذا مـن بـه يتقـدم
هوّنـتَ يابـن أبـي مصارع فتيتي والجرح يسكنـه الـذي هـو أألم
يا مالكاً صـدر الشـريعـة إننـي لقليل عمري فـي بكـاك متمـم

مشيراً إلى مالك بن نويره وحزن أخيه متمم عليه ورثائه له .
وهذي احدى روائعه في سيد الشهداء :
أدرك تراتك أيهـا المـوتـور فلكم بكـل يـد دم مهدور
عذبت دماؤكـم لشـارب علّها وصفت فلا رنق ولا تكدير
ولسانها بك يا ابن أحمد هاتف أفهكذا تغضي وأنت غيور


ادب الطف ـ الجزء الثامن 112


ما صــارم إلا وفـي شـفـراتـه نحـر لآل محـمـد منـحـور
أنـت الـولـي لـمـن بظلـم قتّلوا وعلى العدى سلطانـك المنصور
ولو أنك استـأصلت كـل قبـيـلـة قتـلا فـلا سـرف ولا تبـذير
خذهـم فسـنـة جـدكـم مـا بينهم منسيـة وكتـابكـم مهـجـور
ان تحتـقـر قـدر العـدى فلربمـا قد قـارف الذنـب الجليل حقير
أو انهـم صغـروا بجنـبـك همـة فالقـوم جـرمهـم علـيك كبير
غصبوا الخـلافـة من أبيك وأعلنوا ان النبوة سـحـرهـا مـأثـور
والبضعـة الزهراء امـك قد قضت قرحـى الفـؤاد وضلعها مكسور
وأبـوا على الحسن الزكي بأن يرى مثـواه حيـث محـمـد مقبـور
واسـأل بيـوم الطف سيفـك إنـه قد كلـم الأبطـال فهـو خبـير
يـوم أبوك السـبـط شمـّر غيرة للديـن لـمـا أن عنـاه دثـور
وقد استغاثـت فـيـه ملـة جـده لما تـداعـى بيتهـا المعـمـور
وبغـير أمـر الله قـام محكـّمـاً بالمسلميـن يـزيـد وهـو أمير
نفسـي الفـداء لثـائـر فـي حقه كالليث ذي الوثبـات حيـن يثور
أضحـى يقيـ العـدل وهـو مهدم ويجبّـر الاسـلام وهـو كسيـر
ويذكّر الأعـداء بطشـة ربـهـم لو كـان ثمـة ينفـع التـذكيـر
وعلى قلوبهـم قـد انطبـع الشقـا لا الوعـظ يبلغهـا ولا التحـذير
فنضى ابن حيدر صارمـاً ما سله إلا وسلـن مـن الـدمـاء بحور
فكـأن عـزرائيـل خـط فـرنده وبـه أحاديـث الحمـام سطـور
دارت حمالـيـق الكـمـاه وفـه فيدور شخص الموت حيـث يدور
واستيقـن القـوم الـبـوار كـأن اسرافيل جاء وفي يـديـه الصور
فهوى عليهم مثل صاعقـة السمـا فالروس تسقط والنفـوس تطـيـر
شاكي السلاح لدى ابن حيدر أعزل واللابس الـدرع الـدلاص حسيـر


ادب الطف ـ الجزء الثامن 113


غيران ينفـض لبدتـيـه كـأنـه اسـدُ بآجـام الرماح هـصور
ولصوتـه زجل الرعود تطير بالأ لـباب دمـدمة لـه وهـديـر
قد طـار قلـب الجيش خيفة بأسه وانهاض منه جـناحه المكسور
بأبي أبـي الضيـم صـال وماله إلا المثـقف والحـسام نصـير
وبقلبه الهـم الـذي لـو بعضـه بثبير لـم يـثبت علـيه ثبـير
حزن على الدين الحنيـف وعربة وظـماً وفقـد أحـبة وهجـير
حتى إذا نفـذ القـضـاء وقـدّرا لمحـتوم فـيه وحـتم المـقدور
زجت لـه الأقـدارستهـم منـية فـهوى لقى فا نـدك منه الطور
وتعطل الفلـك الـمـدار كـأنما هو قطـبه وعـليه كان يـدور
وهوين ألويـة الشـريعـة نكصاً وتعـطل التهـلـيل والتـكبـير
والشمس ناشـرة الـذوائب ثاكل والأرض ترجـف والسماء تمور
بأبي القتيل وغسلـه علـق الدما وعلـيه مـن أرج الثـنا كافور
ظمآن يعتلـج الغليـل بصـدره وتبـلّ للخـطيّ مـنه صـدور
وتحكمت بيض السـيوف بجسمه ويح السـيوف فحكمهن يـجور
وغدت تدوس الخيل منه أضالعا سـر النـبـي بطـيها مسـتور
في فتية قد أرخـصـوا لفـدائه أرواح قـدس سـومـهن خطير
ثاوين قد زهـت الـربى بدمائهم فـكأنهـا نـوارهـا الممـطور
هم فتية خـطبوا العـلا بسيوفهم ولها النـفوس الـغاليات مـهور
فرحوا وقـد نعيت نفـوسهم لهم فكان لهم ناعي النفـوس بشـير
فاسـتنشقوا النقع المثـار كـأنه ندّ المجامـر مـنه فـاح عبـير
واسـتيقنوا بالموت نيل مـرامهم فالكـل منـهم ضاحـك مسرور
فكـأنما بيـض الحـدود بواسماً بيض الخدود لها ابتسـمن ثغور
وكأنما سـمر الرمـاح مـوائلا سمر المـلاح يزينـهن سفـور


ادب الطف ـ الجزء الثامن 114


كسروا جفـون سيوفهـم وتقحموا بالخـيل حيث تراكـم الجمهور
من كـل شهم ليـس يحـذر قتله إن لـم يكن بنجاتـه المـحذور
عـاثـوا بآل امـية فـكأنـهـم سرب البغاث يعـثن فيه صقور
حـتى إذا شـاءالمهيـمن قـربهم رجواره وجرى القضا المسطور
ركضوا بأرجلهم إلى شراك الردى وسعوا وكـل سعـيه مشـكور
فزهت بهم تلك العـراص كـأنما فيـهـا ركـدن أهـلة وبـدور
عاريـن طـرزت الـدماء عليهم حمر البـرود كـأنـهن حـرير
وثواكل يشـجي الغـيورحنـينها لـو كان ما بيـن العـداة غيور
حرم لأحمد قد هتـكن ستـورها فهـتكن مـن حرم الالـه ستور
كم حـرة لماأحـاط بـها العدى هربت تـخف العـدووهي وقور
والشمس توقـدبالهـواجر نارها والأرض يغـلـي رملـهاويفور
هتفت غداة الروع باسـم كفيلها وكفيلهابثـرى الطـفـوف عفير
كانت بحيث سـجافها يُبنى على نهـر المـجرة ما لـهن عـبور
يحمين بالـبيض البـواتر والقنا السـمر الشواجروالحماة حضور
ما لاحظت عـين الهلال خيالها والشهب تخطف دونـهاوتـغور
حتى النسيـم إذاتخـطى نحوها ألـقاه في ظل الـرماح عـثور
فـبدا بيـوم الغاظـرية وجهها كالشـمس يسترها الـسنا والنور
فيـعود عنها الوهـم وهو مقيدٌ ويردّ عنها الطرف وهـو حسير
فغدت تـودّ لو انّها نعـيت ولم ينـظر اليـها شـامت وكـفور

أما قصائده الخاصة بسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) والتي يتعذر ذكرها كاملة فنكتفي بالاشارة اليها ، وأوائلها :
1 ـ ألا لا سقت كفى عطاشا العواسل إذا أنا لم أنهض بثار الأوائل


ادب الطف ـ الجزء الثامن 115


2 ـ فـي طـلب العـز يـهـون الفـنا ولا يــروم الـعــزّ إلا أنــا
3 ـ يـا قـمر الـتم إلـى م الـسـرار ذاب محـبوك مـن الانـتـظـار
4 ـ يغرّ الفـتى بالدهـر والـدهر خائن ويصـبح في أمـن وما هـو آمن
5 ـ ذكـر الــمـنـازل وإلا حـبـه صـبٌ أذاب الـوجـد قــلـبـه
6 ـ الله أي دم فـي كـربـلا سـفـكا لم يجر في الأض حتى أوقف الفلكا
7 ـ مـا بال عيـنك لا تـملّ هيـامها وعصت بمـبرح وجـدها لـوّامها
8 ـ أتغضي فداك الخلق عن أعين عبرا تـودّ بأن تحـضى بطلعـتك الغرّا
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 116


الشيخ عباس كاشف الغطاء
المتوفى 1315

قال في الحسين مرثية ، مطلعها :
إذا لم أنل وترى با ـــ المناصل فلا سار مهري تحت ظل العواسل(1)

هو الشيخ عباس كاشف الغطاء ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء النجفي المولد والمنشأ والمسكن والمدفن ، ذكره صاحب الحصون فقال : كان عالماً فاضلاً مجتهداً فقيهاً ، أصولياً محققاً مدققاً أديباً لبيباً بليغاً شاعراً ماهراً وجيهاً رئيساً عظيماً جليل القدر عظيم المنزلة مهيب المنظر حسن المخبر ، طلق اللسان فصيح البيان . إلى آخر ما قال . له مؤلفات : منها موارد الأنام شرح مبسوط على شرايع الإسلام ، رسالة في الشروط ، رسائل متفرقة في الاصول ، رسالة عملية في الطهارة والصلاة . توفي أول الغروب عندما قام لاداء الصلاة في طريقه الى كربلاء بقصد الزيارة للامام الشهيد الحسين سلام الله عليه وذلك على نهر الفرات ليلة الاثنين ثاني ربيع الأول عام 1315 ونقلت جنازته الى النجف في زورق مائي ودفن بمقبرة الاسرة ، ولم يخلف سوى ولده الهادي . رثاه فريق من الشعراء منهم : السيد رضا الهندي والشيخ عبد الحسين صادق ، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والسيد جعفر الحلي ، والشيخ جواد الشبيبي بقصيدتين . وذكره الحجة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في هامشه على (سحر بابل) فقال : هو أحد الأساطين الأعاظم والععد والدعائم ، من الطائفة الجعفرية الذين نهضوا باعباء الزعامة والتحفوا بأبراد المجد والكرامة . ويسترسل شيخنا بالاطراء والثناء بما هو حق وصدق .

(1) عن شعراء الغري .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 117


الملا عباس الزيوري
المتوفى 1315

قال في الحسين (ع) :
إلى كـم مـداراة الـعدى مـن مذاهبي وحتـى م سلطـان الهمـوم مـصاحبي
أما آن للـوقـت الـذي تـوعـدونـنا بـه أن نـرى فيـه علـوّ المـراتـب
ويظـهـر أمـر الله مـا بـين أهـله وتـخفى أمـور سنّـهـا كـل ناصـب
نـرى الشموس في شرق البلاد وغربها تجـوب الفيافي في ظهـور النجـائـب
يحـفّ بـهـم مـن آل أحـمـد أصيدٌ تحـفّ بـه الأمـلاك مـن كل جانـب
إذا ما سطا خـلـت الـبسيطة والسـما طـواهـا وعبّـا شرقهـا بـالمغـارب
يطالـب فـي ثـار الـحسين وفـتيـة قضت عـطشا بالطـف مـن آل غالب
وقـد خـلّفت فـي الـغاضـرية نسوة خماص الحشى وآهـاً لها مـن سواغب
إذا رفعـت رأسـاً إلـى الله أبـصرت رؤسـاً تعـلّى كـالنجـوم الثـواقـب
وإن طأطأت راساً إلى الأرض أبصرت جسـوماً كساهـا البـين ثوب المصائب
أو التفتت مـن شجـوهـا عن يـمينها ويسرتهـا أو بعـض تـلك الجـوانب
رأت صبية للـمرتـضى فـوق هـزّل مـن العـيس تسبى مـع نساء نـوادب
فـيا راكـباً كـوراً مـعـوّدة عـلـى اقتطاع الفيافي فـي القفـار السباسـب
إذا أدلجـت في الـسير تـحسب نـبلة قد انتزعت في القوس عن قوس حاجب
إذا لاحـت الأعـلام من سرّ مـن رأى فنادِ بـأعلى الصـوت يـا آل غالـب
ألا أيـن قـوم لـو تلاقـت جموعهـم لمـا رجعـت إلا بجـزر الكتـائـب


ادب الطف ـ الجزء الثامن 118


حسينكـم أمسـى وحيـداً وحـوله بنو هاشـم والصحب كلٌ بجانـب
ينادى ألا هل مـن نصير فلا يرى له ناصراً دون السيوف القواضب
ويـدعوهم حامـوا بنـات محمـد فليس يـرى غير القنا من مجاوب
فقوموا غضابا وأدفعوا عن نسائكم فقد أصبحت اسرى بأيدي الأجانب
متى تملأون الأرض قسطا بعدلكم كما ملئت من جور ظلم النواصب(1)
* * *

الملا عباس الصفار الزيوري ابن القاسم بن ابراهيم بن زكريا بن حسين بن كريم بن علي بن كريم بن علي ابن الشيخ عُقلَه الزَيوري البغدادي المنشأ ، الحلي المسكن المتوفى سنة 1316 مولده بغداد مات أبوه وهو طفل صغير وكانت أُمّه حلية الأصل فانتقلت بولدها هذا إلى الحلة ونشأ في حجور أخواله وتعلّم الشعر عندهم ويزعم بعض أقاربه في بغداد وسوق الشيوخ أن أصلهم يرجع إلى المقداد بن الأسود الكندي الصحابي المشهور ، وفي أواخر العقد التاسع من القرن الثالث عشر استوطن كربلاء على عهد السيد أحمد بن السيد كاظم الرشتي المقتول سنة 1294 وله فيه مدائح وتهاني كثيرة ، وحج المترجم له مكة المكرمة مع السيد المذكور سنة 1290 وقام بنفقاته ذهاباً وإياباً ولما عرج السيد بعد حجه نحو الاستانة كان المترجم له في صحبته ثم جاب البلاد اليمانية للسياحة وفي (عدن) شرع بتخميس علويات ابن أبي الحديد . قال الشيخ اليعقوبي في البابليات : وسمعت من جماعة ممن عاصره من البغداديين والحليين أنه كان من الذاكرين الخطباء ولكن شهرته الأدبية تغلبت على شهرته المنبرية . وإن له تخميساً لقصيدة العلامة الفقيه الشيخ حسين نجف التي جارى فيها الهائية الأزرية الشهيرة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام . وله تخميس لقصائد الكميت ـ الهاشميات ـ وسافر في آخر أيام حياته إلى ايران لزيارة المشهد الرضوي ولطبع منظوماته المذكورة هناك ففاجأه الأجل في طهران ودفن في بلدة (قم)

(1) عن الدر المنظوم في الحسين المظلوم مخطوط الخطيب السيد حسن الموسوي البغدادي .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 119


عند الشاه عبد العظيم ، وقيل في خراسان وذهبت قصائده بذهابه وقد تجاوز عمره الستين عاماً ، ومن شعره قوله :
سمتك أُمـك (نجما) لأن خـدك ثاقـب
فأكفف سهامك عني وارع الاله وراقب

وذكره الشيخ النوري في (جنة المأوى) وعبّر عنه بالفاضل اللبيب مادح أهل البيت وأثبت له أبياتاً من قصيدة طويلة يمدح بها الإمام المهدي ويذكر كرامة له اتفقت في 10 جمادى الاخرة سنة 1299 مع أخرس من أهالي (برمة) اسمه اغا محمد مهدي اطلق لسانه في (مقام الغيبة) بسامراء واحتفل في الصحن الشريف بأمر الإمام السيد ميرزا حسن الشيرازي بمناسبة ظهور تلك الكرامة ، وكان الزيوري مع الأخرس في الباخرة حين توجه من بغداد إلى سامراء وأشار إلى ذلك من الأبيات :
وفي عامها جئتُ والزائرين إلى بلدة سرّ مَن قد رأها
رأيت من الصين فيها فتى وكان سميّ إمـام هداها
وقـد قيّد السقم منه الكلام وأطلق من مقلتيه دماها

وفي هذه الكرامة نظم السيد حيدر الحلي قصيدته العامرة التي مطلعها
كذا يظهر المعجز الباهر ويشهده البرّ والفاجـر

وشاعرنا المترجم له ذكره الشيخ النوري في أول كتابه (دار السلام) وأثبت له أبياتاً يقرّض فيها ويؤرخ كتابه المذكور فيها :
الجهـبذ النوري حسين ومَن شـرّفه الله ببيـت الحـرام
أشـرق نور العلم عن فكره فجاء في تصنيف دار السلام
خيـر كتاب جـامع كاشف فيه عن الرؤيا حجاب الظلام
يعبّـر الرؤيا وينبيك عـن رؤيـا نبيٍ صادق أو إمـام
تالله لـو أن ابن سيرين قد طالعـه رأى لـه الاحتـرام


ادب الطف ـ الجزء الثامن 120


وكان عـنه آخذاً ما بـه قـد عبّر الرؤيا لكل الأنام
وخاطب النوري تاريخه إرقَ لقد فزتَ بدار السلام

ومن شعره تقريظه لكتاب (العقد المفصل) للسيد حيدر الحلي ، أثبته السيد حيدر في آخر الكتاب نظماً ونثراً :
كتابك تحـت كتاب الاله وفـوق كتابة كـل الورى
أقول وعيناي ترنـو اليه لقد جمع الصيد جوف الفرا
وأهتف إن قيس فيه سواه أيـن الثـرَيّا وأين الثري

وقال أيضاً تقريض للكتاب المذكور :
وافى مـذ وافاني غده ووفى لي فيما أقصده
رشاً بسيوف لـواحظه شمـل العشاق يبـدده
يشدو فيـرق لنغمتـه اسحاق اللحن ومعبـده
يـا ليلاً بـتّ اسامره ما أسرع ما وافى غده
تركيٌ نـاشٍ في عجم وصفاء اللون يبغـدده
بتنـا بقميصي عفّتنـا والحيّ تـولّت حسـّده
ولهيـب فؤاد أضرمه بزلال الريـق أبـرده
ويميت القلب وينشره سيـف عيناه تجـرده
زمن تجب النعماء له جحد الباري من يجحده
عجباً للخذ بنار الورد جـلا الأبصار تـوقده
أيعود زمان الفوز به ويشاهـدني وأُشاهـده
كمشاهدتي لكتابة من هو فـرد الدهر وسيده
هو حيد أهل العلم له ملك بـالنظـم يسـدده
وله مـن خالقه نظرٌ ما بيـن الخلـق يؤيده


ادب الطف ـ الجزء الثامن 121


مـولى للنظـم يـكمّلـه فيقيـم المـلك ويقعده
نفحات الطـي بعنصـره تبـدو ، والطيّب مولده
صلحـت لله سـريرتـه فالصالح مـا كتبت يده
يـا ثالث بـدري عالمنا بـل أنت لفضلك مفرده
مَـن قاسك في أحد فأنا في وصف علاك افنّده
مولى يحلو لي المدح به فلهـذا رصـت أُردده

ترجم له صاحب الذريعة وصاحب الحصون المنيعة وقالت : كانت لي معه صحبة وصداقة وسافر إلى عدن ونال منها ثروة عظيمة ، وكان عالماً بالايقاع مشهوراً بصناعة الموسيقي وقد تخرج عليه جماعة ، وكان له ديوان شعر قد جمعه في حياته وله شعر كثير في مدح الأئمة عليهم السلام وله اليد الطولى في التشطير والتخميس أقول : ذكر أكثره الخاقاني في (شعراء الحلة) واليعقوبي في (البابليات) ، وقال يرثي أمير المؤمنين عليه السلام :
أيا عين جودي في دم الدمع واجمدِ ويـا نار قلبي كيـف لـم تتـوقـّد
وهـذا أمير المؤمنين أصابه ابـن مـلجـم فـي محـرابـه بمـهنـد
فيا شمس غيبي يا نجوم تساقطـي فسـرّ هـداك مات في سيف ملحـد
فمن لليتامى والأيامى ومَـن بـه بنـو مضـر تعلـو بمجـدٍ وسـؤدد
وصيّك يا خيـر النبييـن رأسـه لقد شجّ في المحراب في سيف معتدي
تهدم مـن ذاك الحمى اليوم سوره فقـم وانشـر الرايات في كل مشهـد
ونادي بأعلى الصوت يا آل غالب غـدا الدهر في قطع مـن الليل أسود
أيضرب بالمحراب رأس عميدكم ويلتـذّ منكـم هـاشمـيٌ بتمـرقـد
سيـوفكم فـلّت أم الخيل عطّلت أُم السمـر أمسـت بينكـم في تـأوّد
فـوالله لا أنسـى عليـا وشيبـه يخضـب مـن قانى الـدم المتـورد
وحـفّ بـه أبناؤه وتصارخـت عليـه اليتامى مـن ذرارى محمـد


السابق السابق الفهرس التالي التالي