ادب الطف ـ الجزء الثامن 93


قضى فالمـعالي الغرّ تنـعى ثواكلا علـيه وغـرّ المكرمات نـوادب
قضى فاستـشاط الدين حزناً وأقذيت لـه مقـل أجـفانهنّ سـواكـب
قضى وهو مطوي الضلوع على ظما له شعـلٌ في حـرّها القلب لاهب
فليت عباب الـماء غـاض ولم تكن تـدرّ بمنهـل القـطارالسـحائب
وإن أنـسَ لاأنـسى عـقائـل أحمد وقـد نهـبت أحشاءهـن النوائب
تقاد برغم المـجدأسـرى حـواسراً وتطوى بـها أدم الفـلاة النجائب
بجاذبها في مشـرق الشـمس جانب ويقذفهامن مـغرب الشمس جانب
تحـنّ حنـين النيب وهـي ثـواكل تنازع منـهن القـلوب المصائب
ومـا بينها مقـروحة القـلب زينب تنادى ومـاغـير السياط مجاوب
وتدعو فتشجـي الصم زيـنب حسرة بسافح دمع عنه تـروى السحائب
أيا ثـاوياً لـم تـرو غـلّة صـدره وقد نهـلت منه القـنا والقواضب
أبعـدك أجـفاني يـمرّ بها الـكرى ويهنأ لي عيـش وتصفو مشارب(1)

وقال متوسلاً بالامام الحسين عليه السلام :
اليك ابن طه لا إلى غيرك انتحت ركائـب قصدي والرجاء يسوقها
أتتك تـؤم البيد تستـعجل السرى وما عاقها عن قصدها ما يعوقها
عليك لها حق الضـيافة والقرى وأي ضـيوف لا توفـى حقوقها
* * *

الشيخ عباس الأعسم بن عبد السادة النجفي الحيري ولد في النجف الأشرف عم 1253 هـ وهاجر منها إلى الحيرة حوالي سنة 1290 ولما كانت سنة 1298 بلغه وهو في الحيرة وفاة طفلين له في النجف اصيبا بالطاعون الذي عم العراق تلك السنة . عاد الى وطنه النجف سنة 1307 وبقي فيها إلى أن توفي في شهر

(1) الدر المنظوم في الحسين المظلوم مخطوط الخطيب السيد حسن البغدادي .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 94


ذي القعدة من سنة 1313 وعمره ستون كانت له قريحة وقّادة وبديهة سريعة في النظم فعكف على العلم والأدب ولازم الحوزات العلمية والأوساط الأدبية ويقضي ايام الراحة والاستجمام في الحيرة عند السادة آل زوين .
قال السيد الأمين في الأعيان : رأينا له في النجف ديوان شعر مجموع بخطه . أقول ونسخة من ديوانه بمكتبة الشيخ السماوي واخرى عند ولده الشيخ محمد الذي كان قاضي الجعفرية في النجف والمتوفى 1366 أما نسخة خط الناظم عند ولده الآخر الشيخ عبد الحسين تقرب من ثلاثة آلاف بيت وقد رتّبه بنفسه على الحروف ، وسلسلة نسبه : فهو ابن الحاج عبد السادة ابن الحاج عبد ابن الحاج مرتضى بن الحاج قاسم بن ابراهيم بن موسى بن الحاج محمد الذي هاجر من (خليص) احدى ضواحي المدينة إلى النجف الأشرف .
فمن قوله في الغزل :
بكّر إلى الروض بصرف الطلا وامزج بها رضاب ريق الملاح
واجل دياجـي الهم في ضوئها تقشع اللـيل بضـوء الصـباح
لا سيـما مـن كف مجـدولة مالئة الحجـلين غرثى الـوشاح
تفـتـك بالأكـباد أجـفانـها كأنـها تسـتلّ بيض الصـفاح
فكـل قلب مـن سهامـاتـها مسـهّم أو مثـخن بالـجـراج
يـا بأبي المسـكر من ريـقها عنداغتباقي مـنه والاصـطباح

وله :
ولـما تجـلّت بيننا كسـرويـة من الحبب الدري تعقد تاجـها
حـكت أدمعي في لـونها فكأنها عصارة خدي مَن أدار مزاجها
من الزنجبيل العذب كان مزاجها ويا ما أحيلاها وأحلى مزاجها


عن مجلة الغرى السنة السادسة للعدد 2 .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 95


وللشيخ عباس الأعسم مشطرا والاصل للقطامي :
يقتلـننا بحـديث ليـس يعـلمه من هنّ عـنه بواد وهو في واد
وما الهوى غير سر ليس يفهمه مـن يتقـين ولا مكـنونه بـاد
فـهن ينبذن من قول يصبن به قـلب الشـجي بتـبريح وإيـقاد
وهن يسخرن في قول يقعن به مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي

وله أيضاً مخمساً والاصل للشيخ كاظم الازري :
أما والبـيت والسـبع المثاني لقد حكم الغرام على جناني
وفي برج الجمال من الحسان لنا قـمرٌ سماوي المـعاني
تشكل للعيون بشكل ريم
تملّك بالجـمال على البرايا وأصبحت القلوب له رعايا
به اختلفت عناوين القضايا على عيـنيه عنوان المنايا
وفي خديه ترجمة النعيم
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 96


الباقر الخونساري
المتوفى 1313

من أكابر الفقهاء والمجتهدين . ولد سنة 1226 في قصبة خونسار ونشأ نشأة علمية روحية درس ودرّس وكتب وألّف فمن مؤلفاته كتابه الجليل المسمى بـ (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات) موسوعة قيّمة نافعة وغيره مما يقارب العشرين مؤلفاً في مختلف العلوم والفنون .
توفي رحمه الله ببلدة اصفهان سنة 1313 كذا ذكر الشيخ الطهراني في (الذريعة) وله ديوان شعر ذكره عندما ترجم نفسه وقال يشتمل على قصائد في مدائح المعصومين ، سمى كل قصيدة باسم خاص (التحفة المحمودية) عنبة عسكرية (شعشة قمرية) هدية فيروزجية) وهكذا ، وكتب له مقدمة خيالية من الحروف المعجمة أولها : الحمد لله الملك المالك المحمود والواحد الصمد ... يوجد عند حفيديه السيد محمد علي الروضاتي والسيد أحمد باصفهان ، وقد طبع لصاحب الروضات منظومة (قرة العين في اصول الدين) باصفهان وذلك سنة 1320 هـ . انتهى عن (الذريعة ج 9 قسم الديوان صفحة 575) .
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 97


آغا أحمد النوّاب
المتوفى 1311

جاء في مجموع الخطيب السيد عباس الموسوي قصيدة للسيد أحمد النواب قد نظمها في شهر المحرم سنة 1311 هـ .
الـدمـع لايـرقـى مـدى الازمان لرزيـة المذبـوح والعطـشان
هـذي المـدامـع سيلـهامـتواصل من كـل قاص في الأنام ودان
لهـفي عـلى العـباس وهـو مجدلٌ والسبط يدعو في رحى الميدان
ظهري انحنى من عظم ما قد حلّ بي يا أوصل الأصحاب والاخوان
ثـم انـثـنى نحـو الخـيام منـادياً هـذا الـوداع ولا وداع ثـاني
نـادتـه زيـنب والجـوى بفـؤادها روحـي الفـدا يا سيد الأكوان
أأخـي كيف أراك فـي حـرّ الثرى دامي الوريد مـضرج الجثمان
يا ويلـتا ، يا حـسرتا ، يا لهـفـتا تبدو السبايا مـن بـني عدنان
جئـنا مـن الحـرم المنـيع بـعزّة وحماية الـفرسان والشـجعان
ثـم انثـنينا راجعـين بـلا حـمى غير اليتامـا والأسير المـعاني
والسـبط مطروح ثـلاثا بـالعـرى ملـقى بـلا غسل ولا أكـفان
* * *

السيد أحمد النواب ، ينتهي نسبه إلى ادريس بن جعفر التواب بن الإمام علي الهادي عليه السلام ، وكانت هذه الاسرة قبل هذا تتصل بزيد النار ابن الإمام موسى الكاظم (ع) . وآل النواب اسرة كبيرة ، وهم طائفتان : إحداهما علوية ومنها المترجم له والاخرى هندية ، وبين الاسرتين مصاهرة قديمة

ادب الطف ـ الجزء الثامن 98


ومن الصعب التمييز بين المنتمين اليهما .
والمترجم لم نعثر له على ترجمة سوى أن الخطيب السيد عباس البغدادي ، خطيب بغداد ذكر له في مجموعة قصيدتين في رثاء الإمام الحسين عليه السلام نقلهما من مجموع للشاعر المترجم له ، وقد كتب السيد عباس فوق القصيدتين ما نصه : مما قاله حضرة النواب الأكرم السيد أحمد اغا النواب أدام الله وجوده ، وذلك في أيام عاشوراء سنة 1312 هـ .
أقول وذكر الشاب المعاصر السيد جودت السيد كاظم القزويني في مخطوطاته ان بين السيد أحمد النواب وبين السيد عباس صاحب المخطوطة نسبة قرابة من جهة النساء حتى أن في ديوان السيدعباس المخطوط قصيدة في تهنئة النواب المذكور بقران أحد أولاده . ويظهر من مجموعة الخطيب أن النواب كان حياً سنة 1312 هـ كما هو مؤرخ في تاريخ نظم القصيدتين .
ومما قاله السيد احمد النواب :
تحـية تغـتدى من ربنـا الداني عـلى الحسين عظيم القدر والشأن
هو ابن مَن مِن رسول الله مكانته مكان هارون من موسى بن عمران
هـو الذي فيه بل في والديه غدا مـباهـلاً جـده أحـبار نـجران
هـوابن حيدرة الكرار يوم وغى مبـيد شرك وفـرسان وشجـعان
هوابن من نـزلت في حقه سور الـذكر المبين بايـضاح وتبـيان
هو ابن مَن أنـزل الباري ولايته يـوم الغـديـر بتبـليغ وبـرهان
أوحى الاله لخير الـرسل قاطبة إن لـم تبلّغ فـما بلـّغت قـرآني
هـو الأمير الـذي كانت ولايته مـن الالـه بأفـضال وإحـسان
خير الورى بعد خير الأنبياء عُلاً وسـيد الخلق من إنـس ومن جان
مهما نسـيت فلا أنسـى مواقفه ما بين شرّ الورى مـن آل كوفان
هو الذي قال فيه المصطفى شرفاً مـني حسـين ومـن آذاه آذانـي


ادب الطف ـ الجزء الثامن 99


السيد جعفر الحلّي
المتوفى 1315

سـادة نـحـن والأنـام عبـيـد ولنـا طارف العـلى والتـليد
فبايـماننا اهـتدى النـاس طـراً وبـايـماننا اسـتقام الـوجود
وأبـونا محـمد سـيـد الـكـل وأجـدر بـولـده أن يسـودوا
ماعشقنا غير الوغى وهـي تدري انـها سـلـوة لـنا لا الـخود
تتـفانـى شـبـابـنا بـلـقاهـا وعلـيها يشـب مـناالـوليـد
لو ترانا بالحـرب نلـتف بالسمر عـنـاقـاً كـأنـهـن قـدود
ونحـيي البـيـض الصـقال بلثم فـكأن الـحـدود فيها خـدود
وإذا قـرّت الـمـلاحـم قـلـنا يا منى القلب طال منك الصدود
نحشر الخـيل كالـوحـوش ولكن خلفها الطـير سـائق وشهـيد
كـيف لم تقـفها الطـيور وفيـها كـل يـوم لهن نـحر وعيـد
كـل ملمـومة إذا مـا ارجـحنت جـلـلتـها بـوارق ورعـود
غـررٌ فـي خيـولنا واضـحات كنـجـوم يلـوح فيـهاالسعود
ولنا فـي الطـفوف أعـظم يـوم هـو للحـشر ذكـره مشـهود
يـوم وافى الحسـين يـرشد قوماً من بني حرب ليس فيـهم رشيد
خـاف أن ينقـضوا بناء رسـول الله في الدين وهو غـض جديد
وأبـى الله أن يحـكّم فـي الدين طلـيق مستـعبـد وطـريـد


ادب الطف ـ الجزء الثامن 100


كيـف يرضى بأن يرى العدل النقص والـجائر المـضل يزيد
فغـدا السبط يوقظ الناس للرشد وهم في كـرى الضـلال رقود
ولقدكـذبتـه أبـنـاء حـرب مثل ما كـذب المسـيح اليهود
فـدعـاآله الكـرام إلى الحـر ب فهـبوا كـما تهـب الاسود
علويـون والشـجاعـة فيـهم ورثتـهاآبـاؤهـم والـجـدود
لم يهابوا جمع العدى يوم صالوا وان أستـنزروا وقـل الـعديد
أفرغوهـن كالسـبائك بيـضاً ضافـيات ضيقن منـهاالزرود
ملأتها الأعطاف طولاً وعرضاً فـكان صاغـها لـهـم داوود
وأقاموا قـيامة الـحرب حـتى حسب الحاضـرون جاءالوعيد
يشرعـون الـرماح وهي ظوام ما لها في سوى الصدور ورود
وضباهـم بيض الخـدود ولكن زانـها من دم الـطلا تـوريد
مانضوها بيض المـضارب إلا صبغوهـا بـما حباها الـوريد
كـم ينابيع مـن دم فـجّروها فارتـوى عاطش وأورق عـود
قضب فلت الحـدود وعـادت جـدداً مـا فللن منـهاالحـدود
لست أدري من أين صيغ شباها أكـذا يقـطع الحـديد حـديـد
موقف منه رجت الأرض رجا والجبال اضـطربن فهي تمـيد
وسـكنّ الريـاح خـوفاً ولولا نفـس الخيل ما خـفقن البـنود
فركود الأحـلام فيـهن طيش وعـروق الحـياة فيـهاركـود
لا خـبت مرهفـات آل علي فهـي الـنار والأعـادي وقود
عـقـدوابينها وبيـن المـنايا ودعوا هـا هنا تـوفّى العـقود
ملـؤا بالـعدى جهـنم حـتى قنعت ما تقـول هل لي مـزيد
ومذ الله جـل نـادى هلـموا وهـم المسرعـون مهما نودوا
نـزلوا عن خـيولهم للـمنايا وقصارى هذا النـزول صعـود


ادب الطف ـ الجزء الثامن 101


فقضوا والصدور منهم تلظى بضرام ومـا ابيـح الورود
سلـبوهم بـرودهم وعلـيهم يوم ماتـوا من الحفاظ برود
تركوهم على الصعـيد ثلاثاً يا بنفسي ماذا يقـل الصعيد
فوقه لودرى هيا كـل قدس هو للحـشر فيـهم محـسود
تربـة تعكف الملائـك فيها فـركوع لهم بـها وسـجود
وعلى العـيس من بنات علي نـوّح كـل لفـظها تـعديد
سلبتها أيـدي الجفات حلاها فخـلا معصم وعـطل جيد
وعليـهاالسـياط لـما تلوّت خـلفـتها أسـاور وعـقود
ووراها كم غرد الركب حدواً لثرى فـوك أيـها الغـريد
أتـجد السـرى وهـنّ نساء ليس يدرين ما السرى والبيد
أسعدتها النـيب الفواقـد لما نحـن وجـداً والثرى ترديد
عجباً لـم تلن قلوب الأعادي لحنين يلـين مـنه الحـديد
وقسوا حـيث لم يعضّوا بناناً لعليل عـضت عليه القـيود
ولـه حنت الفـصيل ولـكن هـيـمته امـية لا ثـمـود
ينظر الـروس حوله زاهرات تتـثنى بـهاالعـوالي المـيد
* * *

السيد جعفر كمال الدين الحلي النجفي . عرفت هذه الاسرة بالانتماء الى الجد السادس لصاحب هذه الترجمة ، وهو السيد كمال الدين بن منصور فهو جد الاسرة الكمالية المنتشرة في الحلة وضواحيها والنجف والكوفة وقد كتب عنها مفصلاً الخطيب اليعقوبي في (البابليات) كما أقام الشواهد على شاعريته وسرعة البديهة عنده وديوانه أصدق شاهد على سموّ شعوره وكان من حقه أن يطلق اسم (سحر بابل وسجع البلابل) على ديوانه قبل أن يجمع والذي جمعه أخوه السيد هاشم بعد وفاة الشاعر . توفي فجأة في شعبان لسبع بقين من سنة 1315 هـ

ادب الطف ـ الجزء الثامن 102


ودفن في وادي السلام بالنجف الأشرف عند قبر والده على مقربة من مقام المهدي ورثاه جماعة من ذوي العلم والأدب منهم العلامة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي والشيخ محمد حسن سميسم والأديبان الشيخ محمد الملا وولده الشيخ قاسم وأخوه السيد هاشم بقصيدتين واقتطفنا من ترجمته ما جاء في مقدمة ديوانه المطبوع في صيدا وهي بقلم المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ومنها : الشريف أبو يحيى جعفر بن الشريف حمد الحلي منشئاً ، النجفي مسكناً ومدفنا الشاعر المفوه الأديب يتصل نسبه بيحيى بن الحسين بن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين ، ولد رحمه الله يوم النصف من شهر شعبان المعظم من السنة السابعة والسبعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية في احدى القرى اللصيقة بالحلة الفيحاء على شاطئ الفرات وتسمى بقرية السادة من رساتيقها الجنوبية التي تعرف بالعذار وأبوه السيد حمد سيدها في الفضل والصلاح وأحد المتخرجين على العلامة السيد مهدي القزويني طاب ثراه وكان له عدة أولاد أكبر من السيد جعفر كلهم أهل فضل وعلم وتقى ولما ترعرع السيد جعفر وبلغ أو كاد اقتفى أثر اخوته الكرام فهاجر إلى النجف من العذار قبل أن ينبت بعارضه العذار وكانت قد ساءت الحال على أهل تلك النواحي وذهبت مادة حياتهم وانقطعت أسباب رفاهيتهم بانقطاع ماء الفرات الذي عادت مجاري سيوله الذهبية سيل رمال وسلسلة تلال ومساحب أذيال مما ألجأ الحكومة العثمانية حينئذ للاهتمام بانفاق مبالغ من الأموال في عشرات من السنين حتى أعادت الماء إلى مجراه بواسطة هذا السدّ العظيم المهم في الفرات ويُدعى اليوم بسدة الهندية ، طفق ذلك السيد الحدث يطلب العلم في النجف وهو يستظل سماء القناعة ويلتحف أبراد الفقر والفاقة وما أحرّها من أبراد ولكن بين جنبيه تلك النفس الشريفة والروح اللطيفة والجذوة الوقادة والشيم الهاشمية والشمائل العربية فجعل يختلف إلى مجالس العلم ويحضر أندية الفضل ويتردد إلى محافل الأدب وناهيك بالنجف يوم ذاك وما ادراك ما النجف ـ البلدة تتجلى

ادب الطف ـ الجزء الثامن 103


لك بها الفضيلة بأتم مجاليها بل بتمام حقائقها ومعانيها هي تلك الدائرة التي جعلت مركزها باب مدينة العلم فاستقت من ينبوعه واستمدت من روحانيته وحلّقت في سماء المعارف الدينية والأخلاق الأدبية حتى بلغت ما شاءت هي وشاءت لها العناية .
نشأ السيد جعفر فاستطرف قدر حاجته من المبادئ النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان ، وصار يختلف إلى مدارس العلماء وحوازتها الحافلة بالفقه وهو في كل ذلك حلو المحاضرة سريع البداهة حسن الجواب نبيه الخاطر متوقد القريحة جريّ اللسان فهو يسير إلى النباهة والاشتهار بسرعة ويتقدم إلى النبوغ والظهور بقوة وبينا هو في خلال اشتغاله بطلب العلم كان يسنح على خاطره فيجري دفعاً على لسانه من دون أعمال فكر ومراجعة روية البيتان والثلاث والنتف والمقاطيع حسب ما يقتضيه المقام ويناسبه الوضع فيتلوها على الحضور أياً ما كانوا قلّة أو كثرة ضعة أو رفعة غير هيّاب ولا نكل فتستحسن منه وتستجاد وتستزاد وتستعاد ولكن نحو ما قال أحد الشعراء :
كلما قلت قال أحسنتَ زدني وبأحسنتَ لا يباع الدقيق

برع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم ، واقترن بأحد كرائم قومه وعاد ذا عيلة فاشتدت وطأة الدهر عليه وصارت تعتصره كل يوم عصّارة الحدثان وتكتظه صبّارة الصرفان وهو يتلوّم تارة ويتبرّم واخرى يصبر أو يتصبر وطوراً يضج في أشعاره ويتضجر وأعظم ما هنالك رزية أنه يجتلب مسكة رمقه ودرّة عيشه من ضرع قلمه وشق قصبته . وإذا كان الشعر مرآة الشعور ومظهر حقيقة قائلة وتمثال شمائله ومخائله فاقرأ ما شئت من ألوان شعره لتراه محلّقاً في جميع ضروب الشعر وآفاقه سباقاً إلى اختراق معانيه ومثالا لمصداقه سيما في الرثاء فقد قال من قصيدة عصماء يرثي المرحوم الميرزا حسن الشيرازي :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 104


يا شعلة الطور قد طار الحِمام بها وآية النور عفّى رسمها الزمنُ
الـيوم نـمك طوى الإسلام قبلته فالله يـحفظ من أن يعبد الوثن
تحـركوا بـك إرقالا ولو علموا أن السكينة في تابوتـهم سكنوا

والقصيدة كلها بهذا اللون وهذه القوة ، وهكذا كان السيد جعفر من قوة العاطفة وصدق الاحساس وشدة الانفعال ، كما أنه على جانب كبير أيضاً من سعة الخيال وعمق التفكير وجودة التصوير وبلاغة التعبير ويرى البعض أنه يزاحم السيد حيدر في شهرته وشاعريته وكثيراً ما اشترك في حلبات شعرية فحاز قصب السبق .
ذكر الشيخ محمد السماوي في كتابه (ظرافة الأحلام) قال : أخبرني السيد الشريف العلامة السيد حسين بن معز الدين السيد مهدي القزويني رحمه الله قال : رأيت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام ذات ليلة مباركة من ليالي رجب سنة 1312 جالساً في مقبرة والدي بالنجف على كرسي ، ووالدي بين يديه متأدب أمامه ، وكأن المقبرة روضة متسعة فسلّمت وأردت تقبيل يد الإمام فقال أبي امدحه أولاً ثم قبّل يده فأنشدته :
أبا حسن أنـت عين الاله فهل عنك تعزب من خافية
وأنت مدير رحى الكائنات وإن شئت تسـفع بالناصيه
وأنت الذي امـم الأنبياء لديك إذا حـشرت جـاثية
فمـن بك قد تـمّ ايمانه يسـاق جـنـة عـالـيـه
وأما الذين تولـوا سواك يساقون دعّـاً إلى الـهاويه

قال فتبسم عليه السلام وقال لي أبي أحسنتَ ، فدنوت منه وقبّلت يديه ، وانتبهت وأن أحفظ الأبيات ولما أصبحت حضر المجلس على العادة جماعة من فضلاء الادباء فذكرت ما رأيت وقلت :
من كان يهوى قلبه ثاني أصحاب الكسا
فليـنتدب لـمدحه مشـطراً مخمـسا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 105


فانتدب جماعة للتشطير والتخميس ، فممن شطر الشيخ جواد الشبيبي والسيد عدنان ابن السيد شبر الحسيني الغريفي البحراني البصري المتوفى 1336 ومنهم السيد علي ابن السيد محمود الأمين العاملي الحسيني المتوفى 1328 في جبل عامل وقد نقل المدح إلى رثاء الحسين عليه السلام إذ وافق تخميسه أيام المحرم ، وممن شطر فقط العلامة السيد محسن الأمين كما نظم الشيخ محمد السماوي تشطيراً للابيات أقول والذي حلّق في هذه الحلبة هو الشاعر السيد جعفر السيد حمد الحلي فقال في التشطير ـ وهذا مما لم ينشر في ديوانه :
أبـا حـسن أنت عين الالـه على الخلق والاذن الواعيه
تراهـم وتسـمع نجـواهـم فهل عنك تعزب من خافية
وأنت مـديررحى الكائـنات وقطـبٌ لأفلاكـهاالجاريه
فإن شئت تشفع يوم الحساب وإن شئت تسـفع بالناصيه
وأنـت الـذي امـم الأنبياء تولتك في الأعصر الخاليه
وكـل الخلائق يـوم النشور لديـك إذا حـشرت جاثيه
فمـن بك قـد تـمّ إيـمانه فبشـراه في عيشة راضيه
بحوضك يسقى ومن بـعدذا يسـاق إلى جـنة عـاليه
وأمـا الذين تـولّوا سـواك فما هم من الفرقة الـناجية
يجيئون للحشر سـود الوجوه يساقون دعّاً إلى الـهاويه
ثم خمس الاصل والتشطير فقال : وهذا مما لم ينشر في ديوانه ايضا
براك المهـيمن إذ لا سـواه وبيّن باسمك معنى علاه
فكنت ترى الغيب لا بإشتباه أبا حسن أنت عين الاله
على الخلق والاذن الواعية
ترى الناس طراً وترعاهم وأقصى الورى منك أدناهم
ومهـما أسروا خـفاياهم تراهـم وتسـمع نجـواهم
فهل عنك تعزب من خافيه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 106


أقلّ مـعاجزك الـخارقات حضورك للشخص حين الوفاة
فأنت المحيط بستّ الجهات وأنت مديـر رحـى الكائنات
وقطبٌ لأفلاكها الجاريه
لك الناس تحشر يوم المأب مطأطأة الروس خوف العذاب
فمنك الثواب ومنك العقاب فإن شئت تشفع يوم الحساب
وإن شئت تسفع بالناصيه
بك الحشر مهّد للاستواء وباسمك قامت طباق السماء
فأنت المحكّم يوم الجزاء وأنـت الـذي امـم الأنبياء
تولتك في الأعصر الخالية
إذا بعث الله مَن في القبور ومن سفر الموت أضحوا حضور
فأنـت الأمير بكل الامور وكـل الخلائـق يـوم النـشور
لديك إذا حشرت جاثيه
محبـك تـثقـل ميـزانه ويعلو بيوم الجزا شأنه
وهب فرضه بان نقصانه فمن بك قـد تمّ إيمانه
فبشراه في عيشة راضيه
ينال الكرامة غبّ الأذى وعـن ناظريه يماط القذى
فما بعد يشكو ظماه إذا بحوضك يسقى ومن بعد ذا
يساق إلى جنة عاليه
أبا حسـن بك أ نـجو هناك وأرجو رضا خالقي في رضاك
فلم يُنج في الحشر إلا ولاك وأمـا الـذين تـولـوا سـواك
فما هم من الفرقة الناجيه
سيأتي الشقي ومن تابعوه بجمع عن الحوض قد حُلّؤه
جفاةٌ لحـقك قد ضـيّعوه يجيئون للحشر سود الوجوه
يساقون دعّاً إلى الهاويه


ادب الطف ـ الجزء الثامن 107


فإذا ضممت إلى ذلك أن السيد جعفر ما كان يملك كتاباً من الأدب ولا كان يحفظ ولا مقدار مائة بيت ولو متفرقة من شعر العرب أو من بعدهم الى عصره قلتَ هذا أعجب وأغرب ، ولسهولة قول الشعر عليه على ما عرفت من شدة محنه وابتلائه كان مكثراً منه فكان لا يجلس ولا يقوم على الأكثر إلا وقد قال الأبيات أو البيتين فما فوقها حسبما سنح في تلك المحاضرة والمحادثة من ا لدواعي وكان ربما طلب ماءً أو قهوة أو دخاناً أو داعب جليساً أو غير ذلك فيورد غرضه ببيتين من الشعر هما أجلا في أداء مراده من الكلام المألوف والقول المتعارف ، وربما كان يأتي إلى بيت من يريد فلا يجد ربّه فيكتب على الجدار حاجته أو سلامه ويذهب وهذا كثير له فمن ذلك بيتان كتبهما في دار السيد السند ثقة الإسلام وقدوة الاعلام السيد حسن الصدر يشفّعه عند استاده حجة الإسلام الشيرازي طاب ثراه وهما :
لقد بقـيت بسـامراء منفرداً مثل انفراد سهيل كوكب اليمن
والدهر لما رماني في فوادحه آليتُ لا أشتكي إلا إلى الحسن

وحدثني سماحة المغفور له الشيخ هادي نجل الشيخ عباس كاشف الغطاء أن السيد جعفر طلب منه الخروج إلى النزهة خارج النجف في أيام الربيع وهناك تكثر أغادير الماء ، فاعتذر إليه الشيخ فكتب له :
عذيري منك أن تأبى اتباعي على حـقٍ ومَن لي بالعذير
ومن عجب وانـك جعفري وترغب عن أحاديث الغدير

فالتورية بـ (جعفري) انه جعفري المذهب وينتسب للشيخ جعفر الكبير جدّ الاسرة ، وفي كلمة الغدير تورية بيوم غدير خم الذي عقدت فيه البيعة للامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقال مداعباً أستاذه الشيخ الشربياني .
أشيخ الكل قد أكثرت بحثاً بأصل براءة وباحتياط


السابق السابق الفهرس التالي التالي