ادب الطف ـ الجزء الثامن 44


الشيخ حسّون العبد الله
المتوفى 1305

في رثاء الحسين :
علـمتم بمـسراكم أرعتـم فـؤاديـا وأجـريتم دمعي فـضاهـى الغـواديا
ألا يـا أحـبائي أخـذتم حـشاشـتي وخلّفـتم جـسمي مـن الشـوق باليا
فـيا ليـتني قد مـتّ قبـل فـراقكم وذاك لأنـي خفـت أن لا تـلاقـيـا
إذا ما الهوى العذري من نحو ارضكم سـرى فغـدا للقـلب ريّـاً وشـافيا
ظـللت أبـثّ الوجـدَ حـتى كـأنني لـشجـوي علّـمـتُ الـحـمام بكائيا
تناسيتم عصر الشـباب بـذي الغضا وكـم قد سـررنا بالـوصال لـياليـا
فـدع عنـك يا سعـدالديار وخلّـني أُكـابـد وجـداً في الأضالـع ثـاويا
لخـطب عرا يوم الطـفوف وفـادح أمـادَ السـما شـجواً ودكّ الـرواسيا
غـداة قـضى سبط النـبي بـكربلا خميص الحشا دامى الوريديـن صاديا
وقته لدى الحـرب الـزبـون عصابة تخـالهم في الحـرب اسـداً ضواريا
كماة إذا ما الشوس في الحرب شمّرت أبـاحـوا القـنا أحـشائهم والتـراقيا
اسود إذا ما جرّدواالبيـض في الوغى غـدت مـن دم الأبطال حـمراً قوانيا
وقـد قارعـوا دون ابـن بنت نبيهم إلى أن ثووا في الترب صرعى ظواميا
وعـاد ابن خيرالخلق بالطـف مفرداً يـكابـد أهـوالاً تـشيب النـواصـيا
يـرى آله حرّى القلـوب مـن الظما وأسـرتـه فـوق الـرغـام دوامـيا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 45


فيدعو ألا ، هل مـن نصير فلم يجد لـه نـاصراً إلا حـساماً يـمانـيا
هناك انثـنى نحـو الكفـاح بمرهف أقـام على الأعـداءفيـه النـواعيا
وأُقسمُ لـولا ما الـذي خـطّه القضا لغـادرربـع الشـرك إذ ذاك عافيا
إلى أن رمي في القلـب سهـم منيّةٍ فـهـدّم أركان الـهـدىوالمـعاليا
بنفـسي بـدراً منه قـدغـاب نوره وفـرعاًمن التوحـيد أصبـح ذاويا
أأنسى حسـيناً بـالطـفوف مجـدلاً عـلى ظـمأ والـماء يلمـع طاميا
ووالله لا أنـسـى بـنـات محـمد بقين حيـارى قـد فقـدن المحاميا
إذا نظرت فـوق الصعـيد حـماتها وأرؤسـها فـوق الرمـاح دواميا
هناك انثنت تدعو ومن حرق الجوى ضـرام غدا بين الجـوانح واريـا
انادي ولا مـنكم أرى مـن مجاوب فمابالـكم لا ترحـمون صـراخيا
ولم أنسَ حول السبط زينب إذ غدت تنادي بصوت صـدع الكون عاليا
أخي لم تـذق من بـارد الماء شربة وأشرب ماء الـمزن بعدك صافيا
أخي لو ترى السـجاد أضحى مقيداً أسيراًيقاسي مـوجع الضرب عانيا
أخي صرت مرمىً للحوادث والأسى فليتك حـياً تنـظر الـيوم حـاليا
علـيّ عـزيـز أن أراك مـعـفراً عليك عـزيز أن ترى اليـوم مابيا
أحاشيـك أن ترضى نروح حواسراً سباياً بنا الأعـداء تطـوي الفيافيا
بـلا كـافـل بـين الأنـام نـوادباً خـواضع ما بيـن الطغام بـواكيا
عـليّ عـزيـزأن أروح وتـغـتدي لقـىً فوق رمضاء البسيطة عاريا
أيسـترُ قلـبي أم تجـفّ مـدامـعي وانظر ربـع المـجد بعـدك خاليا
فهيهات عيني بعـدكم تطـعم الكرى وأن يألـف الأفـراح يـوماً فؤاديا

هو الشيخ حسون (حسين) بن عبد الله بن الحاج مهدي الحلي من مشاهير الخطباء في عصره . أديب شاعر معروف .
ولد في الحلة عام 1250 هـ ونشأ بها وعرف بالخطابة فكان من أشهر

ادب الطف ـ الجزء الثامن 46


مشاهيرها وذاع صيته في الشعر فكان من أعلام الشعراء فيها وكان مرموق الشخصية نابه الذكر حميد الخصال يحترمه الكبير والصغير ويعظمه العالم والجاهل ويهواه الأعيان والوجوه مستقيم السيرة طيب السريرة كريم الطبع طاهر القلب مرح الروح من اعلام النساك وبارزي الثقاة ولقد اعرب عن منزلته الشاعر الخالد السيد حيدر الحلي عند تقدمته لتقرضيه كتابه (العقد المفصل) فقال : هو الذي تقتبس أشعة الفضل من نار قريحته وترتوي حائمة ؟ والعقل من ري رويته .
وذكره أيضاً في كتابه (الاشجان) عند تقديمه مرثيته للسيد ميرزا جعفر فقال : حسنة العصر وانسان الدهر الكامل الألمعي الشيخ حسين بن عبد الله الحلي .
وذكره الشيخ النقدي في الروض النضير صفحة 246 فقال : كان (ره) أديباً شاعراً فاضلاً خطيباً له شهرة واسعة بين الذاكرين وسيرة محمودة بين العلماء والمتعلمين لم يتكسب بشعره ولم يتاجر ببنات فكره ، أكثر نظمه في آل البيت وقد رأيت له قصائد طوالاً في رثاء الامام الحسين وأولاده المعصومين «ع» اتصل بالسادة الكرام آل المعز فكان في مقدمة أحبائهم وأودائهم .
وذكره الحجة الأميني في الجزء 13 من كتابه «الغدير» المخطوط فقال : كان خطيب الفيحاء الفذ على كثرة ما بها من الخطباء جهوري الصوت حلو النبرات وكان يسحر بمنطقة وعذوبة كلمه ، ولد عام 1250 هـ وتوفي عام 1305 هـ في الحلة ونقل الى النجف فدفن فيها ورثته عامة الشعراء . والشيخ حسون إذا ما قرأناه من شعره فإنه يبدو انساناً حرّ الضمير قوي القلب ذو مبدء واضح وشخصية قوية يعرب لك من خلاله أنه معتمد على نفسه غني عما في أيدي الناس ولعل ما ستقرؤه من شعره كاف لأن يوصلك إلى هذا الرأي فهو ان تحمس أفهمك أنه العربي الذي امتد نجاره الى أبعد حدود العروبة وأن تغزل فهو من اولئك العرب الذين كانت تستعبدهم العيون السود وأن لرقة طبعه أثر بارز في رقة ألفاظه وانسجام اسلوبه .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 47


توفي رحمه الله بالحلة في العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1305 هـ ونقل جثمانه الى النجف ودفن بها وخلف ولداً اسمه الشيخ علي توفي بعده بثلاثين عاماً . ورثاه فريق من شعراء عصره بقصائد مؤثرة دلّت على سمو مكانته في نفوسهم ، منهم الشيخ حسن مصبح والسيد عبد المطلب الحلي والشيخ علي عوض والحاج حسن القيم . وربما رثاه بعضهم بقصيدتين أو ثلاث ، ولقد وقفت على مجموع عند أحد أحفاد أخيه اقتطفت منه ما سيجي من شعره وقد عرفني به صديقنا الشاعر عبود بن الحاج مهدي الفلوجي انتهى . أقول وممن تخرّج على يده الخطيب الكبير الشيخ جاسم الملا ابن الشيخ محمد الملا وكلاهما شاعران ناثران ، والمترجم له أروي له عدة قصائد في الامام الحسين عليه السلام منها قصيدته العامرة المشتملة على الوعظ والتحذير وأولها :
أشاقك من آرام يبرين ربرب فأصبحت صبّاً في هواه تعذبُ

والمرثية الثانية التي مطلعها :
نشدتك ان جئت خبت النقا فعرّج به واحبس الاينقا

مضافاً إلى انه طرق جميع أبواب الشعر ، واليكم نموذجاً من شعره في الإمام الحسين .
إلـى مَ فـؤادي كـل يـوم مـروعُ وفـي كل آن لي حبيـبٌ مودع
وحـقام طرفي يرقـب النجم ساهراً حلـيف بـكاء والخلـيون هـجّع
أزيـدالتـياعا كلـما هـبّت الـصبا أوالبرق من سفح الحمى لاح يلمع
وأطوي ظلوعي فوق نار من الجوى إذا ما سحيراً راحت الورق تسجع
أكـاد لـما بـي أن أذوب صـبابة متـى هـي باتت للحنـين ترجّع
تنوح ولـم تفـقد أليفـاً وبيـن مَن أودّ وبيـني مهـمه حال هـجرع(1)


(1) هو الطويل .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 48


فلهفي وهل يجـدي الشجـي تلهـف لعيش تقضّى بالـحمى وهو مسرع
فيا قـلب دع عهـد الشباب وشرخه فليـس لأيـام نـأت عنـك مرجـع
ومـن يك مثلـي لـم تشقه كواعب ولـم يصبـه طـرف كـحيل وأربع
لئن راح غيـري بالـعذارى مـولعاً فهـا انـا في كسب العـلاء مـولـع
وان يك غيري فخـره جمـع وفره فإنـي لمـا يبقى لي الفـخر أجمـع
سمـوت بفضلي هـامة النسر راقياً سـرادق عـزّهـنّ أعـلى وأمـنـع
ولم أرض بالجوزاء داراً وان سمت لأن مقـامي فـي الحـقيقـة أرفـع
وكـم لائـمٍ جهـلاً أطال مـلامتي غـداة رآنـي مــدنفـاً أتـفـجـع
يظـن حنيني للـعذيـب ولـعلـع وهيـهات يشجينـي الـعذيب ولعلـع
فقلـت لـه والوجد يلهب في الحشا وللـهم أفـعى في الـجـوانـح تلسع
كأنك ما تدري لدى الطف ما جرى ومن بثراها ـ لا أبـاً لكَ صرعـوا
غـداة بنـو حرب لحرب ابن أحمد أتت من أقاصي الأرض تترى وتهرع
بكثرتهـا ضاق الـفضاء فلا يرى سـوى صارم ينضى وأسمـر يشرع
هنالـك ثـارت للكفـاح ضراغـم لهـا مـنذ كانت لـم تـزل تـتسرع
تزيـد ابتهاجاً كلما الحـرب قطّبت وذلك طــبـع فـيهـم لا تـطبـّع
تعـد الفنا في العـزّ خير من البقا وما ضرّهـا في حومة الحـرب ينفع
سطت لا تهاب الموت دون عميدها ولا مـن قـراع في الكريهة تـجزع
تعـرّض للسمـر اللدان صدورهـا وهاماتـها شوقـاً الى البـيض تتـلع
إذا مـا بنو الهيجـاء فيها تسربلت حديـداً تـقي الأبـدان فيـه وتـدفع
تـراهم اليهـا حاسريـن تـواثبوا عزائمـها الأسـياف والصـبر أدرع
فكم روعوا في حومة الحرب أروعا وكم فـرقاً للأرض يهـوى سمـيدع
وراح الفتـى المقـدام يطلب مهربا ولا مـهرب يـغـني هـناك ويدفـع
مناجيد في الجلّى عجـالا الى الندى ثقالا لـدى النـادي خـفافا إذا دعـوا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 49


إذا هـتف المـظلوم يـا آل غـالب ولا منـجديلفـى لـديه ومفـزع
أجابـوه مـن بعـدٍ بلبّـيك وارتقوا جياداً تجاري الريح بل هي أسرع
ولـم يسألوه إذ دعـاهـم تـكرمـا إلى أين بل قالواأمنـت وأسرعوا
فـما بالـهم قـرّوا وتلك نسـاؤهم لصرختـها صمّ الصـفا يتصدع
عطاشـى قضت بالعلقـمي ولم تكن لغلـتها فـي بارد المـاء تنـقع
وأبقـت لها الذكر الجميل متى جرى بشرقٍ فمـنه غربـها يتـضوع
يحامـون عن خـدر لهـيبة مَن به ـ ولا عجب غرّ الملائك تخضع
فـأصبح شمر فـيه يـسلب زينـباً ولم تـرَ من عنـها يـذبّ ويدفع
تـديـر بعينـيها فلـم تـرَ كـافلا سـوى خفـرات بالسـياط تقـنع
فكم ذات صون مارأت ظلّ شخصها ولا صوتها كانت من الغض تسمع
محـجبة بـيـن الصـوارم والقـنا عليـها من النـور الإلهي بـرقع
فأضحت وعنها قـد أماطوا خمارها وبالقـسر عنها بردهـا راح ينزع
واعظم خطب لو عـلى الشم بعضه يحـط لراحـت كالهـبا تتـصدع
غـداة تـنادوا للرحـيل وأحضرت نيـاق لهاتـيـك العـقائـل ضلّع
ومرت عـلى مثوى الحـماة إذا بهم ضحايا فمرضـوض قرىً ومبضع
فـكم مـن جبـين بالرغـام مرمل ومن نوره بـدر السما كـان يسطع
وكم مـن أكفٍّ قطعت بـشبا الضبا وكانـت على الـوفادبالتـبر تهمع
وكم من رؤوس رامت القوم حفظها فراحـت على السمر العواسل ترفع
فحنّت وألقت نفـسها فـوق صدره وأحـنت علـيه والنـواظر همـّع
تناديـه مـن قلب خـفوق ومهجة لعـظم شجاهـا أوشـكت تتـقطع
أخي كيف أمشي في السباء مضامة وأنـت بأسـياف الأعـادي موزع
وكيف اصطباري ان عدانا ترحلت وجسمك في قفر من الأرض مودع
وحـولك صرعى من ذويك أكارمٌ شباب تسـامت للمـعالي ورضـّع


ادب الطف ـ الجزء الثامن 50


لهـا نسجت أيدي الرياح مطارفا من الـترب فانصاعـت بها تتلفع
لمـن منـكم أنـعى وكـل أعزةً عـليَّ ومن عنـد الرحـيل اودّع
أجيل بطرفي لم أجدمَـن يجيرني تحيّرت ما أدري أخي كيف أصنع
أترضـى بأني اليـوم أهدى ذليلة ووجـهي بادٍلا يـواريـه بـرقع
وحولي صفايا لم تكن تعرف السبا ولا عرفت يـوماً تـذل وتضرع
وقال يرثي العباس بن أمير المؤمنين (ع) :
لـو كنت تعلم مـا في القلب من شجن ما ذاق طـرفك يوماً طيّب الوسنِ
ولـو رأيـت غـداة البـين وقفـتنـا أذلتَ قـبلكَ دمـعاً كالحـيا الهتن
ناديت مـذ طـوّح الحـادي بظعـنهم وراح يطوي فيافي الأرض بالبدن
يا راحلـين بـصـبري والفؤاد مـعاً رفـقاً بقلب محـبٍّ ناحـل البدن
كـم ليـلة بتّ مسـروراً بـكم طرباً طرفي قريروعيشي بالوصال هني
أخـفي محـبـتكم كـيـلا ينـمّ بـنا واشٍ ولكنّ جمع العـين يفضحني
ظـللت فـي ربـعـكم أبكي لبعـدكم كمابكـين حمـاماتٌ عـلى فـنن
طـوراً أشـمّ الثـرى شـوقـاً وآونة أدعـوولا أحد بـالـردّ يسعـفني
دع عنك يا سـعد ذكر الغـانيات ودع عنك البـكاء على الاطلال والدمن
واسمع بخطـب جرى في كربلاء على آل النـبي ونح في الـسر والعلن
لم أنـسَ سبـط رسـول الله منفـرداً وفيه أحـدق أهل الحـقد والاحن
يرنوإلى الصحب فـوق الترب تحسبها بدورتـمّ بدت في الـحالك الدجن
لهـفي لـه إذ رأى العـباس منـجدلا فـوق الصعيد سليـبا عافر البدن
نادى بصوت يذيب الصخر يا عضدي ويا معيـني ويا كهـفي ومؤتمني
عباس قـدكنتَ لي عضـباً أصول به وكنتَ لـي جنّة من أعـظم الجنن
عباس هـذي جيوش الكـفرقد زحفت نحوي بثارات يوم الـدار تطلبني


ادب الطف ـ الجزء الثامن 51


ومخمد النـار إن شبـّت لواهبها ومن بصارمه جيش الضلال فني
بقيت بعـدك بين القـوم منفرداً أُقلّـب الطرف لا حـام فيسعدني
نصبت نفسك دوني للقنا غرضا حتى مضيتَ نقيّ الثوب من درن
كسرتَ ظهري وقلّت حيلتي وبما قاسيتُ سرت ذوو الأحقاد والظغن
تموت ظامي الحشا لم ترو غلّتها في الحرب ريّاً فليت الكون لم يكن
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 52


الميرزا اسماعيل الشيرازي
المتوفى 1305

قال في جده الحسين (ع) :
نـبا نـزار مـن ضباك الشبا أم سمـرك اليوم غدت أكعبا
أم عـقرت خـيلك أم جززت منـها نـواصيها فـلن تركبا
ما كان عهدي بك أن تحمـلي الضيم وفي يمناك سيف الإبا
فـهـذه حـرب وقـد أنشبت فيك على رغم العـلى المخلبا
فأيـن عنكم يـا ليوث الوغى مخالب السمـر وبيض الظبا
وفي الوغى لم تنشري رايـة ولـم تجيلي خـيلك الـشزّبا
فـحربـك الـيوم خبت نارها ونـار حـرب لهبت في الخبا
أتـدخـل الخـيل خباء الأولى خباؤها فـوق السمـا طـنبا
نـساؤهـا تسبى جـهاراً ولا مـن سيفهـا البتار يدمى شبا
لـهـفـي لآل الله إذ أبـرزت من الخـبا ولـم تجد مـهربا
تؤم هـذي ولّها مشرق الشمس وهـذي تـقـصد الـمغـربا
وزيـنب تـهتـف بالمصطفى والمـرتضى والحسن المجتبى
يا غـائـباً لا يـرتجى عوده ولـن تـراه أبـداً آئـبــا
ترضى بأن أسلب بيـن العدى حـاشاك أن ترضى بأن أسلبا
فـأيها الـموت أرحـني فـما أهـنأك الـيـوم ومـا أطـيبا
* * *


ادب الطف ـ الجزء الثامن 53


السيد الميرزا أبو الحسن اسماعيل بن السيد رضا الحسيني الشيرازي : نزيل سامراء ابن عم الميرزا المجدد السيد محمد حسن الشيرازي المشهور وخال أولاده . توفي في 11 شعبان سنة 1305 في الكاظمية وكان قد جاء اليها من سامراء قبل شهرين وحمل الى النجف الأشرف فدفن هناك . كان عالماً فاضلاً جليلاً شاعراً ، قرأ على ابن عمه الميرزا الشيرازي في سامراء وكان من أفضل تلامذته وله اشعار في مدح أمير المؤمنين ورثاء الحسين عليهما السلام .
أقول وهذه القصيدة مقتبسة من بائية السيد حيدر الحلي :
يا آل فهر اين ذاك الشبا ليست ضباك اليوم تلك الظبا

وجاء في ترجمته أن الشيخ حمادي نوح الحلي رثاه بقصيدة أثبتها السيد الأمين في الاعيان ، ولا بأس بالاشارة الى قصيدته في مولد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فمنها .
هـذه فـاطمة بـنت اسـد أقبلت تحمل لاهوت الأبد
فاسجدوا طراً له فيمن سجد فله الأملاك خرّت سجدا
مذ تجلّى نوره في آدم
إن تكن تجـعل لله البـنون ـ تعالى الله عما يصفون ـ
فوليد البيت أحرى أن يكون لـولـيّ البيت طـراً ولـدا
لا عزير ، لا ولا ابن مريم
حـبذا آنـاء أنس أقبلت أدركت نفسي بها ما أملّت
ولدت أمّ العلى ما حملت طاب أصلاً وتعالى محتدا
حاملاً ثقل ولاء الامم


ادب الطف ـ الجزء الثامن 54


الشيخ محسن أبو الحب
المتوفى 1305

قال في الحسين :
فار تـنـور مـقـلـتيَّ فـسـالا فـغطى السهل موجه والجبالا
وطفـت فـوقـه سـفينـة وجدي تحـمل الهـمّ والأسى أشكالا
عصفت في شـراعهـا وهـو نار عاصفات الضنا صباً وشمالا
فهي تجـري بمزبـد غـير ساج ترسل الحزن والأسى ارسالاً
فسمعت الضوضاء في كـل فـج كل لحـن يهيـج الاعـوالا
قلت ماذا عـرى ـ اميم ـ فقالت جاء عاشور واستهل الـهلالا
قلـت ماذا عـليَّ فـيـه فقالـت ويك جـدد لـحزنـه سربالا
لا أرى كـربـلا يـسكنها الـيوم سوى من يرى السرور محالا
سـميـت كربـلاء كي لا يـروم الكرب منها إلى سواها ارتحالا
فاتـخـذهـا للـحـزن داراً وإلا فارتـحل لا كفيت داء عضالا
مـن عـذيري من معـشر تخذوا اللهو شعـاراً ولقـبوه كمـالا
سمـعوا ناعـي الحسين فقـاموا مثل من للصلوة قـاموا كسالا
أيهـا الحـزن لا عـدمتك زدني حرقـة في مـصابه واشتعالا
لست ممـن تراه يـوماً جـزوعاً تشتكي عـينه الـبكاء مـلالا
أنـا والله لـو طحنـتُ عظامـي واتخذت العمى لعيني اكتحـالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 55


ما كفـاني ولـيس إلا شفـائي هـزة تـجفل الـعدى اجفالا
فتكة الدهر بالحسين الى الحشر عـلـينا شـرارهـا يـتوالا
لك يـا دهـر مـثلها لاوربي انهـا الـعثرة الـتي لن تقالا
سيم فيها عقـد الكمال انفصاماً ذي لئالـيه فـي الثرى تتلالا
سيم فيـها دم الـنبي انـسفاكاً ليت شعري مـن ذا رآه حلالا
نفـر من بنيه أكرم مـن تحت السما رفعـة وأعـلا جـلالا
ضاق منها رحب الفضاء ولما لـم تجـد للكـمال فيه مجالا
ركبـت أظهـر الـحمام وآلت لا تعـد الـحـيوة إلا وبـالا
ما اكتفت بالنـفوس بذلاً إلى أن اتـبعتـها الـنساء والأطفـالا
ملكـوا المـاء حـين لم يك إلا من نـجوم السماء أقصى منالا
ثم لم يطـعمـوه علمـاً بأن الله يسقيهـم الـرحيـق الـزلالا
ليتـهم بعدمـا الـوغـى أكلتهم أرسلوا نـظرة وقـاموا عجالا
ليـروا بعـدهـم كرائـم عـز زلـزل الـدهـر عزها زلزالا
أصبحـت والـعدو أصبح يدعو اسحـبـي الـيوم للـسبا أذيالا
ذهـب الـمانعون عنك فقومي والـبسي بـعد عـزك الاذلالا
كـم تـرجّين وثبـة من رجال لك كانـوا لا يـرهبون الرجالا
أنت مهتوكـة عـلى كل حال فانزعي الـعز والبسي الاغلالا
لك بيـت عالي الـبناء هدمناه وحُـزنـا خـفـافـه والثـقالا
أين من أنزلـوك باحـة عـز لا تـرا كالـعـيون إلا خـيالا
صـوّتي باسـم من أردتِ فإنا قـد أبـدناهـم جـميعاً قـتالا
وكسوناهـم الـرمال ثـيابـاً وسقـيناهـم الـمنون سجـالا
وهي لا تستطيع مما عـراهـا من دهى الخطب أن ترد مـقالا
غيـر تـردادهـا الحنين وإلا زفـرة تنسف الـرواسي الثقالا


ادب الطف ـ الجزء الثامن 56


وقال في قصيدة متضمناً الرواية التي تقول أن سبايا الحسين عليه السلام لما قاربوا دخول الشام دنت أمّ كلثوم بنت علي عليه السلام من شمر بن ذي الجوشن وقالت : يا بن ذي الجوشن لي اليك حاجة ، قال ما حاجتك قالت إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في طريق قليل نظاره وتقدم إلى حاملي الرؤس أن يخرجوها من بين المحامل فقد خزينا من كثرة النظر الينا ، فأمر بعكس سؤالها بأن تجعل الرؤس في أوساط المحامل ويُسلك بهم بين النظارة :
وأعـظم شيء أن ربـة خـدرها تمـدّ إلـى أعدائـها كفّ سائل
تقـول لـشمر والـرؤس أمامها وقد أحدقت بالسبي أهل المنازل
فلو شئت تأخير الرؤس عن النسا وإخراجها من بين تلك المحامل
ليـشتغل الـنظّار عـنا فـإنـنا خـزينا مـن النظار بين القبائل

ويقول في مفاداة أبي الفضل العباس لأخيه الحسين (ع) وكأن الحسين يخاطبه :
أبـوك كان لـجدي مـثل كونك لي كلاهما قصب العلياء حاويها
أبوك ساقي الورى في الحشر كوثره وأنت أطفالنا بالطـف ساقيها
* * *

الشيخ محسن خطيب بارع وشاعر واسع الافاق خصب الخيال ، ولد سنة 1235 هـ ونشأ بعناية أبيه وتربيته وتحدر من اسرة عربية تعرف بآل أبي الحب ، وتمتُّ بنسبها إلى قبيلة خثعم ، وتدرج على نظم الشعر ومحافل الأدب وندوات العلم ، ولا سيما ومجالس أبي الشهداء مدارس سيارة وهي من أقوى الوسائل لنشر الأدب وقرض الشعر فلقد جاء في يوم الحسين عليه السلام من الشعر والخطب ما يتعذر على الأدباء والمعنين بالأدب جمعه أو الاحاطة به ، وشاعرنا الشيخ محسن نظم فاجاد وأكثر من النوح والبكاء على سيد الشهداء (ع) وصوّر بطولة شهداء الطف تصويراً شعرياً لا زالت الادباء ومجالس العلماء تترشفه وتستعيده وتتذوقه .
وفي أيام حداثتي وأول تدرجي على الخطابة استعرتُ ديوان الشاعر المترجم

ادب الطف ـ الجزء الثامن 57


له من حفيده وسميّه الخطيب الشيخ محسن وانتخبت منه عدة قصائد وهي مدونة في الجزء الثاني من مخطوطي (سوانح الأفكار) وكتب عنه الشيخ السماوي في (الطليعة) فقال : محسن بن محمد الحويزي الحائري المعروف بأبي الحب كان خطيباً ذاكراً بليغاً متصرفاً في فنون الكلام إذا ارتقى الأعواد تنقّل في المناسبات ، إلى أن يقول : وله ديوان كبير مخطوط كله في الأئمة . توفي بكربلاء سنة 1305 ودفن بها ، وترجم له صاحب (معارف الرجال) فقال في بعض ما قال :
كان فاضلاً أديباً بحاثة ثقة جليلاً ومن عيون الحفاظ المشهورين والخطباء البارعين ، له القوة الواسعة في الرثاء والوعظ والتاريخ وكان راثياً لآل رسول الله (ع) وشاعراً مجيداً ، حضرتُ مجلس قراءته فلم أر أفصح منه لساناً ولا أبلغ منه أدباً وشعراً . وكتب عنه صديقنا الأديب السيد سلمان هادي الطعمة في كتابه (شعراء من كربلاء) وجاء بنماذج من نظمه وقال : توفي ليلة الاثنين 20 ذي القعدة عام 1305 هـ ودفن في الروضة الحسينية المقدسة إلى جوار مرقد السيد ابراهيم المجاب .
أقول ويسألني الكثير عن إبراهيم المجاب ، فهو إبراهيم بن محمد العابد ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، وإنما سمي بالمجاب لأنه سلّم على جدّه الإمام فخرج رد الجواب من داخل القبر ، وأبوه محمد العابد مدفون في (شيراز) وسمي بالعابد لتقواه وعبادته ، وهكذا كل أولاد الإمام عليه السلام .

ادب الطف ـ الجزء الثامن 58


فرهاد ميرزا القاجاري
المتوفى 1305 هـ

من شعره في الحسين :
قلـب يـذوب اسى ووجدٌمُعنف وجوانح تذكى وعـينٌ تذرفُ(1)
ماكنتُ أحسب قبل طرفك سافحا حمر الدما أن النواظـر ترعف
فكأنمـا بـمذاب قلبك قد جرت تلك الدموع فبلّ منك الموقـف
أفهل ترى أصما فؤادك أهيـفٌ حاشاك أن يصمي فؤادك أهيف
بل قد دهاك مصاب آل محمـد فعـلـتك مـنهازفـرة وتلهّف
تالله لا أنسى الحسين بـكربـلا وعـليه أجـناد العراق تعطّفوا
يدعو وليس يرى له مـن ناصر إلا المثقف والـحسام المرهـف
والصائبات من السهـام كـأنها الاقـدار لا تـنبو ولا تـتخلّف
لهفي على آل الرسول وحرمـةٍ هتـكـت ورأس قد علاه مثقّف
وعـلى الشفاه الـذابلات وأضلع عجف يطير لهنّ نصلُ أعجـف
لهفي على جثث تركـن تزورها وحش الفلاوتحوزهنّ الصفصف
تالله لا أنسى الحسين وقـد دنـا بـين الجـحافل راكباً يستعرف
قـال انسبوني في أبي ومحمـد جـدي وفاطمة البتول وانصِفوا
وكـأن معجـزة الكـليم بكفـه ما تلتقي من قوم موسى تلـقف


(1) اخذناها عن كتاب القمقام لمؤلفه المرحوم فرهاد ميرزا .


السابق السابق الفهرس التالي التالي