ادب الطف ـ الجزء السابع 209


ثم استدرك في جزء 31 فقال: وعلمنا بعد ذلك انه عم السيد حيدر الحلي ، فاذا هو السيد داود بن سليمان بن داود بن حيدر.
أقول والصحيح كما ذكرنا سابقا فهو السيد مهدي بن السيد داود بن سليمان الكبير. وديوانه يضم مختلف ألوان الشعر وعدة قصائد في الامام الحسين عليه السلام فمنها ما وسعنا تدوينها:
قف بـين أجـراع الطفوف وانـحب أسـى بــدم ذروف
في عـرصة فيـها ابن فا طـمة غــدا هـب الحتـوف
في ثلـة مـن آل عـدنان ذوي الـشـرف الــمـنيـف
الضاربيـن عـلى الطريق قـبـابـهم لقــرى الضـيوف
والـمانعـين ذمـارهـم بالـقـضب في اليوم المخـوف
وبـدور مـجد نور فخـ ـرهم عـلى الـقمرين مـوفي
بيض الوجوه وفي الوغى حـمـر الأسنـة والـسيـوف
مـن دأبهـم يـوم اللـقا جـزر الكـتائـب والـصفوف
بـأبي كـراما مـن ذؤا بــة هــاشـم شم الانـوف
عـكفـوا بقضبهم عـلى قـوم عـلى الـعـزى عكوف
وحـموا ببيض ظبا الموا ضـي بـيضـة الدين الحنيف
شربـوا على ظمأ دوين السبـط كـاسات الـحـتـوف
وبـقى حليف المجد غيـ ـر الـعضب لم ير من حليف
يلقـى الـصفوف كملتقا ه بـاسمـا زمـر الـضيوف
فـترى السيوف به تطير مـع الـسواعــد والكفـوف
حتى اذا حـم الـقـضا فـهوى وغـودر بـالخسوف
وغـدت هـنالك زيـنب تـدعـوه عـن كبد لـهيـف


ادب الطف ـ الجزء السابع 210


ومن مراثيه:
بأبي مـن بـكت عـليه السماء ونـعتـه الامــلاك والانبيـاء
واستثارت في الكون حين هوى فـي الـترب ريـح لاجله سوداء
يا لحى الله عصبة قد أريقـت بظباهـا مـن آل طــه دمـاء
ما وفت عهد خاتم الرسل فيهم كيف يرجى مـن اللئام الـوفـاء
هي من يوم حرب بدر وأحـد زرعـت فـي قلـوبهـا الشحناء
فقضى ظاميا لدى الماء حـتى ود مـن أجـله يـغـور الـماء
حوله من بني أبيه ومن أصـ ـحـابـه الـغر مـعشر نجباء
بذلـوا دونـه نفوسا عزيزات بيـوم قـد عـز فيـه الــفداء
بـأبي أنفسا على السمر سالت حـذرا أن يـسـؤهـن قـمـاء
ووجوها تعفرت بثرى الـغبـ ـرا وكـانت تـجلى بهـا الغماء
وأكفا تـقطعت وهي يـوم الـ ـمـحل للخـلق ديـمة وطـفاء
وصدورا عـدت عليها العوادي وهـي للـعلم عـيبـة ووعـاء
يا لها وقعة لها رجت الـغبـ ـرا ومالت من عظمها الخضراء
ليس تسلى بيدى الزمان كأن في كـل يـوم يـمـر عـاشـوراء
يا بـن بنت النبي أنتم رجـائي يـوم نـشر الورى ونعم الرجاء
فاشفعوا لي اني مسيء وأنتـم لـمـوالـيكـم غـدا شفـعـاء
وعـليكـم مـن الاله صـلاة وسـلام مـا حــنت الـورقاء

ونكتفي عن ذكر البقية من قصائده الحسينية بذكر مطالعها:
خطب دهى مضرالحمرا وهاشمها وفل في مرهفات الموت صارمها
2 ـ سلب الردى من رأس فهر تاجها قسرا وأطفأ في الطفوف سراجها
25 بيتا.

ادب الطف ـ الجزء السابع 211


3 ـ بنو العواتك قاست أعظم النوب بكربلا من بني حمالة الحطب
47 بيتا.
4 ـ أحادي طلاح النازحين الى متى يجوب الفيافي خلف ظعنكم القلب
19 بيتا.
5 ـ أفلت لهاشم بالطفوف كواكب وتحطمت منها قنا وقـواضب
30 بيتا
6 ـ ان كنت لا تبكين حزنا كـفي الـملام عـن المعنى
53 بيتا
7 ـ أصبو الى آرام رامه وأؤم مشتاقا أمامه
99 بيتا.

ادب الطف ـ الجزء السابع 212


عباس القصاب

كان حيا عام 1289

ترجم له الاديب المعاصر السيد سلمان هادي الطعمة في شعراء كربلاء ، قال: وكان يعمل قصابا ومن انتباهه تاريخ نظمه في خزان ماء الروضة الحسينية بأمر من والدة السلطان عبدالمجيد خان العثماني عام 1282 هـ ويقع في الجهة الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني الشريف . قال:
سلسبيل قد أتى تاريخه اشرب الماء ولا تنس الحسين

أقول: سبق وأن ترجمنا في هذه الموسوعة لأبي الحسين الجزار المتوفى 672 هـ وهذا هو الجزار الثاني الذي فجر قريحته بالشعر حب الامام الحسين عليه السلام ولا عجب فالحسين بنهضته المباركة ألهب العواطف وشحذ القرائح فأنارت بالشعر والادب.

ادب الطف ـ الجزء السابع 213


الشيخ صالح الكواز

المتوفى 1290

باسـم الحسين دعـا نـعاء نعاء فنعـى الحيـاة لسائر الاحياء
وقضى الهلاك على النفوس وانما بقيت ليبقى الحزن في الاحشاء
يوم به الاحزان مازجت الـحشا مثل امتزاج المـاء بالصهبـاء
لـم أنـس اذ ترك المدينة واردا لا مـاء مديـن بل نجيع دماء
قـد كان مـوسى والمنية اذ دنت جـاءته ماشيـة على استحياء
ولـه تـجلى الله جـل جـلالـه في طور وادي الطف لا سيناء
وهـناك خر وكل عضو قد غدا منه الكليـم مكلـم الاحـشـاء
يا أيهـا النبـأ الـعظيم اليك في ابناك منـى أعـظـم الانبـاء
ان اللذيـن تـسرعـا يـقيانـك الارماح في صفين بـالهيجـاء
فأخـذت فـي عضديهما تثنيهما عمـا أمامـك مـن عظيم بلاء
ذا قـاذف كـبدأ لـه قطعا وذا في كربلاء مقطـع الاعضـاء
ملقى على وجه الصعيد مـجردا في فتية بيـض الوجوه وضـاء
تـلك الوجوه المشرقات كأنهـا الاقـمار تسبـح في غدير دماء
رقدوا وما مرت بهم سنة الكرى وغـفت جـفونهم بلا اغـفاء
مـتوسدين من الصعيد صخوره متمـهدين حـرارة الـرمضاء
مـدثـرين بـكربـلا سلب القنا مـزملين عـلى الـربا بـدماء
خضبوا وماشابوا وكان خضابهم بـدم مـن الاوداج لا الـحنـا
اطفالهم بلغـوا الحلـوم بقربهـم شـوقا الـى الهيجاء لا الحسناء


ادب الطف ـ الجزء السابع 214


ومغسلين ولا مـياه لهــم سـوى عـبرات ثكلى حرة الاحشاء
أصواتهـا بـحـت وهـن نوائـح يـندبن قـتلاهـن بالأيـماء
أنى التفتن رأين مـا يـدمي الحشـا من نهب أبيات وسلـب رداء
تشكـو الهـوان لنـدبـهـا وكأنـه مغض وما فيه من الاغضاء
وتـقول عـاتبة علـيـه وما عسى يجدي عتاب مـوزع الاشلاء
قـد كـنت للبعـداء أقـرب منجـد واليوم أبعدهـم عـن القرباء
أدعـوك مـن كثب فلـم أجد الدعا الا كمـا نـاديـت للمتنائـي
قد كنـت في الـحـرم المنيع خبيئة فاليوم نقع اليعملات خبائـي
أسبى ومثـلك مـن يحوط سرادقى هذا لعمري أعظـم البرحـاء
مـاذا أقـول اذا التقـيت بشامـت اني سبيت واخـوتي بـأزائي
حكـم الـمنون عليكم أن تعرضوا عني وان طرق الهوان فنائي
هــذي يـتاماكـم تلـوذ ببعضها ولكـم نساء تلتـجي بنسـاء
ما كنت أحسب ان يهـون عليكـم ذلـي وتسييري الى الاعـداء
عجبا لـقلبي وهـو يألف حبكـم لم لا يذوب بحـرقة الارزاء
وعجبت من عيني وقد نظرت الى ماء الفرات ولم تسل في الماء
وألوم نفسي في امـتداد بقـائهـا اذ ليس تفنى قبل يوم فنـائي
ما عذر من ذكر الطفوف فلم يمت حزنا بذكر الطاء قبل الفنـاء
* * *


ادب الطف ـ الجزء السابع 215


الشيخ صالح الكواز هو أبو المهدي بن الحاج حمزة عربي المحتد يرجع في الاصل الى قبيلة (الخضيرات) احدى عشائر شمر المعروفة في نجد والعراق ، ولد سنة 1233 وتوفي في شوال سنة 1290 فيكون عمره 57 سنة ودفن في النجف الاشرف . كان على جانب عظيم من الفضل والتضلع في علمي النحو والادب بخلاف أخيه الاصغر الشيخ حمادي الكواز الذي كان أميا والذي كان ينظم على الذوق والسليقة ، اما الشيخ صالح فمن عدة نواحي كان يمتاز على أقرانه وأدباء عصره، كان خفيف شعر العارضين أسمر اللون ، يتعاطى مهنة أبيه وهي بيع (الكيزان) والجرار والاواني الخزفية ولذلك اشتهر بالكواز ، ومع رقة حاله وضعف ذات يده يترفع عن التكسب بشعره ، روى الخطيب اليعقوبي رحمه الله قال: طلب أحد ذوي الجاه من الشيخ صالح الكواز أن ينظم له أبياتا في رثاء أبيه ويؤرخ فيها عام وفاته لتنقش على صخرة في مقبرة (مشهد الشمس) وبذل له على ذلك بتوسط أحد أصدقائه ما يقارب الاربعين ليرة عثمانية فامتنع لعزة نفسه.
وكان يجمع بين الرقة والظرافة والنسك والورع والتقى والصلاح ويأتم به الناس في الصلاة في أحد مساجد الجباويين بالقرب من مرقد أبي الفضائل ابن طاوس وللناس أتم وثوق في الائتمام به ، والشيخ صالح هو الشاعر الوحيد الذي يكثر من التصريح والتلميح الى الحوادث التاريخية في شعره حيث كان على جانب عظيم من الفضل والتضلع في التاريخ والادب ، وقد درس النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان على خاله الشيخ علي العذاري والشيخ حسن الفلوجي والسيد مهدي السيد داود ، وقد تخرج في الفقه وعلوم الدين على العلامة السيد مهدي القزويني . لذا نجد في ثنايا أشعاره ما يستدل على فضله كقوله على اصطلاح أهل المنطق:
شاركنها بعموم الجنس وانفردت عنهن فيما يخص النوع من نسب
رثاه جملة من فطاحل الشعر والادب وفي مقدمتهم الشاعر الشهير السيد حيدر الحلي بقصيدة مثبتة في ديوانه المطبوع وأولها:
كل يوم يسومني الدهر ثكلا ويريني الخطوب شكلا فشكلا


ادب الطف ـ الجزء السابع 216

ويقول فيها:
ثكل أم القريـض فيك عظيم ولأم الصلاح أعظـم ثكـلا
قد لعمري أفنيت عمرك نسكا وسلخت الزمان فرضا ونفلا
وطويت الايام صبرا عليهـا فتساوت عليك حزنا وسهلا
طالما وجهك الكريم على الله به قوبل الحـيـا فاستهـلا
ورثاه الخطيب الاديب الشيخ محمد المعروف بـ (الملا) بقصيدة أولها:
قالوا تعز فقلت أين عزائي والبين أصمى سهمه أحشائي
وفيها يقول:
ذهـب الردى منه بنفس مكرم ومـنزه عـن ريبـة ورياء
يبكيك مسجدك الذي هو لم يزل لك في صلاة مزهرا ودعاء
أعقب المترجم له ثلاثة أولاد: هم الشيخ مهدي والشيخ عبدالله وعبدالحسين وان الولد الثالث أصغر اخوته وقد وكل أبوه أمر تربيته وتهذيبه وتعليمه القرآن للمرحوم الشيخ محمد الملا الذي كانت تلاميذه تجتمع اليه في جامع ملاصق لداره ، وصادف أن تأخر ابن الكواز عن الحضور لمرض طرأ عليه ، فكتب أبوه الكواز للمؤدب رقعة وأرسلها مع الولد وهذا نصها:
كان عبدك مريضا وليس على المريض حرج ، وهذا تكليف رفعه الله عنه فارفع تكليفك عنه ، وضع العفو مكان العصا . فأجابه الشيخ الملا وذلك سنة 1285:
أصالح انا قد أردنا صلاح من أراد بطـول الـبعد عنـا تـخلصا
فان العصا كانـت دواه وانـنا رفعنا العصا عنه وان كان قد عصى


ادب الطف ـ الجزء السابع 217


شاعرية الكواز: :


سئل الحاج جواد بذقت ـ أبرع شعراء كربلاء المشهورين في عصر الكواز ـ عن أشعر من رثى الامام الحسين عليه السلام ، فقال أشعرهم من شبه الحسين بنبيين من أولى العزم في بيت واحد وهو الشيخ صالح الكواز بقوله:
كأن جسمك موسى مذ هوى صعقا وأن رأسك روح الله مذ رفعا
ان المحافل الحسينية ترتاح وتطرب لشعر الكواز وله المكانة المرموقة في الاوساط الادبية والدينية لما أودع فيه من الفن والصناعة والوقائع التاريخية الذي قل من جاراه فيها من أدباء عصره مضافا الى ما فيه من رصانة التركيب والنظم العجيب والرقة والسلاسة والدقة في المعاني والابداع في التصوير واليك بعض الشواهد على ذلك من قصائده المتفرقة:
لي حزن يعقوب لا ينفك ذا لهب لصرع نصب عيني لا الدم الكذب
وتحتوي هذه القصيدة على 40 بيتا ولم يخل بيت واحد منها من اشارة الى قصة تاريخية أو نكتة بديعية أو صناعة بيانية أو أدبية. ويقول في أخرى:
وهل تؤمـن الـدنيا التي هي أنزلت سليمان مـن فـوق البناء المحلق
ولا سـد فيـها السـد عمـن أقامه طريق الردى يوما ولا رد ما لقى
مضى من (قصي) من غدت لمضيه كوجه (قصير) شانه جذع منشق
ومن أخرى في شهداء كربلاء:
تأسى بهم آل الزبير فذللت لمصعب في الهيجا ظهور المصاعب
ولولاهم آل المهلب لم تمت لـدى واسـط مـوت الابي المحارب
وزيد وقد كان الاباء سجية لآبـائـه الـغر الـكـرام الاطـائب


ادب الطف ـ الجزء السابع 218


كأن عليه ألقي الشبح الذي تشكل فيه شبه عيسى لصالب وقوله في قصيدة ثالثة:
ولو لم تنم أجفان عمرو بن كاهل لما نالت النمران منه منالها

وقوله من مرثية في أهل البيت عليهم السلام:
وقفوا معي حتى اذا ما استيأسوا (خلصوا نجيا) بعد ما تركوني
فكأن يوسف في الـديار محكم وكـأنـني بـصراعه اتهموني
وفيها يقول:
نبذتهم الهيجاء فوق تلاعها كالنون ينبذ في العرا (ذاالنون)
فتخال كلا ثم يونس فوقـه شجـر الـقنا بدلا عن اليقطين
ومن حكمياته:
ولربما فرح الفتى في نيله أربا خلعن عليه ثوب حزين
واذا أذل الله قوما أبصروا طرق الهداية ضلة في الدين
وحين نظم هذه العصماء في أهل البيت عليهم السلام ومطلعها:
هل بعد موقفنا على يبرين أحيا بطرف بالدموع ضنين
جاراه جماعة من فحول عصره وزنا وقافية منهم الشيخ محسن أبوالحب بقصيدة أولها:
ان كنت مشفقة علي دعيني ما زال لومك بالهوى يغريني
ومنهم الشيخ سالم الطريحي بقصيدته التي يرثي بها الحسين عليه السلام وأولها:
أبدار وجرة أم على جيرون عقلوا خفاف ركائب وضعون


ادب الطف ـ الجزء السابع 219


وقالوا ان الكواز دون شعره وشعر أخيه الشيخ حمادي في مجلد واحد وأسماه (الفرقدان) وأخيرا جمع الخطيب الاديب الشيخ محمد علي اليعقوبي أكثر شعره وحققه ونشره وذلك في سنة 1384 هـ .

ومن ملحه ونوادره هذه الابيات التي أنشدها للمرحوم السيد ميرزا جعفر القزويني:
بأبي الذي مهما شكوت وداده طلب الشهود وذاك منه مليـح
قلت الدموع فقال لي مقذوفة قلت الفؤاد فقال لي (مجروح)
قلت اللسان فقال لي متلجلج والجسم قلت، فقال ليس صحيح
فقال له السيد: احسنت ولكن يجب أن تكون القافية (صحيح) منصوبة لانها خبر ليس ، والجسم المتقدم اسمها فقال الكواز قد قلت قبل مولاي (ليس صحيح) ثم غيرها حالا فقال (والجسم قلت فقال ذاك صحيح). وله:
وربة ضبية من آل موسـى أرتنى باللحاظ عصى أبيها
وغرتها تفوق سنى الدراري كأن يمينـه البيضاء فيهـا
وله:
الطرف يزعم لولا القلب ما رمقا والقلب يزعم لولا الطرف ما عشقـا
هـذا يطالب في لب لـه احترقا وذا بطالب في دمـع لـه انـدفقـا
ما بين هذا وهذا قد وهى جلدي مـن أدعـي وهـما بالقول ما اتفقا
وقال في صدر قصيدة:
حباني بأزاع الشراب تكرما فوالله ما آثرت خمرا على اللمى
وما الخمر الا مقلتاه وريقه أعند وجود الماء أبغي التيممـا


ادب الطف ـ الجزء السابع 220


وقوله مهنئا العلامة الكبير السيد مهدي القزويني طاب ثراه بابلاله من مرض:
سر يوما شانيك واغتم دهـرا رب حـلو لطاعـم عاد مرا
كاش سر لعقـة الكلـب أنفـا ثـم في غـمه القديم استمرا
ضحك الدهر منه اذ طال تيها بسرور كصحوة الموت عمرا
وقوله في الشيب:
قلبي خزانة كل علـم كان في عصر الشباب
فأتى المشيب فكدت أنسى فيه فاتحة الكتاب
ويخاطب المجتهد الكبير الشيخ مرتضى الانصاري:
فيا راضيا دهره باليسير ولا شيء فيـه عليه عسـير
أراك سليمان في ملكه وسلمان اذ لا تعاف الحصير
وقال مفتخرا في مساجلة شعرية:
ولو كان لبسى قدر نفسي لأصبحت تحاك ثيابي من جناح الملائك
ولـو كان فـيما استحق مجـالسي نصبن على هام السماء أرائكي
واليكم هذه الروائع من شعر الكواز وهي في رثاء أهل البيت وتخص الامام الحسين عليه السلام وهناك ما يوازنها متانة ولطافة.

من رثائه للامام الحسين عليه السلام ويذكر في آخرها الشهيد زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام:
أغابات أسد أم بروج كـواكـب أم الطف فيه استشهدت آل غالـب
ونشر الخزامى سار تحمله الصبا أم الطيب من مثوى الكرام الاطائب


ادب الطف ـ الجزء السابع 221


وقفت بها رهن الحوادث أنـحنـي من الوجد حتى خلتني قوس حاجب
تمثلت في أكنافهـا ركـب هاشـم تهاوت اليـه فيه خوص الركائـب
أتوها وكل الارض ثغـر فلم يكـن لهـم ملجأ الا حـدود القواضـب
وسمرا اذا ما زعـزعوها حسبتهـا من اللين أعطاف الحسان الكواعب
وان أرسلوها في الـدروع رأيتهـا أشد نفوذا من أخي الرمـل واقب
هم القوم تؤم للعـلاء وليـدهــم وناشئهم في المجد أصدق صاحب
اذا هـو غنته المـراضع بالثـنـا صغى آنسا بالـمدح لا بالمحالـب
ومـن قـبل تلقـين الاذان يهـزه نداء صريخ أو صهـيل سلاهـب
بنفسي هـم من مستميتين كسـروا جفون المواضي في وجوه الكتائب
وصالوا على الاعداء أسد أضواريا بعوج المواضي لا بعوج المخالب
اذا نـكرتهـم في الغبار عجاجـة فقد عرفتهم قضبهم في المضارب
بها ليل لم يبعث لها العتب باعـث اذا قرط الكسلان قـول المعاتـب
فما بالهم صرعـى ومن فتياتهـم بهم قد أحاط العتب من كل جانب
تعـاتبهـم وهـي العلميـة انهـم بريئون مما يقتضي قول عاتـب
ومذهولة في الخطب حتى عن البكا فتدعو بطرف جامد الدمع ناضب
تلبي بنو عبس بن غطفـان فتيـة لهم قتلت صبرا بأيدي الاجانب (1)
وصبيتكم قتلى وأسرى دعت بكـم فما وجدت منكم لها من مجـاوب
وما ذاك مما يرتضيـه حفاظكـم قديما ولم يعهد لكم في التجـارب
عذرتـكـم لـم تهمكـم بجفـوة ولا ساورتكم غفلـة في النـوائب


(1) يشير الى تلبية (عبس) حين ثاروا لصبيتهم الثمانية الذين قتلهم بنو ذبيان، وكانوا رهائن عند مالك بن شميع، وذلك في الحرب التي دارت بين ابني بغيض (ذبيان وعبس) 40 سنة بسبب تسابق (قيس وحمل) على رهان مائة ناقة. والتفصيل في مغازي العرب.
أدب الطف ـ الجزء السابع 222


وبـاكيـة حـرى الفـؤاد دمـوعها تصعد عن قلـب مـن الوجـد ذائب
تصك يديها فـي التـرائـب لـوعة فتلهـب نـارا مـن وراء التـرائـب
شكت وأرعوت اذلم تجـد من يجيبها وما في الحشا ما في الحشا غير ذاهب
ومدت الى نحـو الغـرييـن طرفها ونـادت أبـاهـا خيـر ماش وراكب
أبـا حسـن ان الـذيـن نـمـاهم أبو طـالـب بـالطـف ثـار لطالب
تعاوت عليهم من بني صخر عصبة لثارات يـوم الفتـح حـرى الجوانب
فسـامـوهـم امـا الحـيـاة بذلة أو المـوت فاختـاروا أعـز المراتب
فهاهم علـى الغبـراء مالت رقابهم ولما تمل مـن ذلـة فـي الشـواغب
سجود علـى وجه الصعيـد كـأنما لها فـي محاني الطف بعض المحارب
معـارضهـا مخضـوبـة فكـأنها ملاغم أسـد بـالـدمـاء خـواضب
تفجر مـن أجسامها السمـر أعيـنا وتشتـق منـهـا أنهـر بالقـواضب
ومما عليـك اليـوم هون ما جرى ثووا لا كمثوى خائف المـوت نـاكب
أصيبـوا ولكن مقبلـيـن دمـاؤهم تسيل علـى الاقـدام دون العـراقـب
ممزقـة الادراع تلـقـا صدورهـا ومحفوظـة مـا كـان بيـن المناكب
تأسـى بهـم آل الـزبـيـر فذللت لمصعب في الهيجا ظهـور المصاعب (1)
ولو لاهـم آل المهلـب لـم تمـت لـدى واسـط مـوت الأبي المحارب (2)


(1) يعدد المشاهير من أباة الضيم الذين رسم لهم الحسين( ع ) خطة الاباء فهو يشير الى مصعب بن الزبير المقتول سنة 71 هـ وكان الساعد القوي لاخيه عبد الله يوم ثار بالحجاز ، قتل على نهر (الدجيل) بالقرب من مسكن سنة 71 هـ .
(2) أشار الى يزيد بن المهلب بن ابي صفرة الازدي ، تنقل في عدة ولايات في العهد الاموي وحبس مرارا نازع بني أمية الخلافة فقاتله مسلمة بن عبد الملك وقتل بين واسط وبغداد سنة 102 هـ.
ادب الطف ـ الجزء السابع 223


وزيـد وقـد كان الابـاء سجـية لأبائـه الغـر الكـرام الاطـائب (1)
كأن علـيـه ألقـي الشبـح الـذي تشكل فيه شبه عيسـى لصـالـب
فقل للذي أخفـى عـن العين قبره متى خفيت شمس الضحى بالغياهب
وهل يختفـي قبر امرىء مكرماته بزغن نجوما كالنجـوم الثـواقـب
ولو لم تنم ـ القوم فيه الى العدى لنمت عليـه واضـحات المنـاقب
كأن السمـا والارض فيـه تنافسا فنال الفضا عفوا سنـي الـرغائب
لئن ضاق بطـن الارض فيه فانه لمن ضاق في آلائـه كـل راحب
عجبت وما احدى العجائب فاجأت بمقتل زيد بـل جميـع العجـائب
أتطرد قربى أحمـد عـن مكانـه بنو الوزع المطرود طرد الغرائب (2)
وتحكم في الـديـن الحنيف وانها لأنصب للاسـلام من كل ناصب
ومن مراثيه:
لي حزن يعقوب لا ينفك ذا لهب لصرع نصب عيني لا الدم الكذب


(1) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، بطل من أبطال أهل البيت ويسمى بـ (حليف القرآن) نهض بالكوفة سنة 120 هـ بوجه المروانيين فجهز اليه هشام بن عبد الملك جيشا فقامت الحرب وقاتل زيد حتى استشهد ، وأخرجه بنو مروان بعد دفنه وصلبوه منكوسا في كناسة الكوفة اربع سنين ، ثم أحرقوه بعد ذلك بالنار ، وعمره يوم قتل 42 سنة.
(2) الوزع هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يؤذي النبي ويستهزىء به في مشيته ويسمع ما يسره الى أصحابه فيفشيه في كفار العرب ، فطرده عن المدينة فخرج هو وذريته الى الطائف ، ولما توفي النبي صلى الله عليه وآله أبى الخليفة الاول أن يرجعهم وهكذا الخليفة الثاني.
يتعجب الشاعر كيف يكون طريد رسول الله وهو مروان بن الحكم على منبر رسول الله.


السابق السابق الفهرس التالي التالي