ادب الطف ـ الجزء الرابع 185


حتى إذا الحـرب فيهم من غد كشفت عن سـاقهـا وذكى من وقـدها شعل
تبـادرت فتـية مـن دونـه غـرر شمّ العرانيـن ما مـالوا ولا نـكـلوا
كأنّمـا يجـتنـى حـلواً لأنـفسـهم دون الـمـنون مـن العـسّالة العسل
تسربلوا فـي متون السـابـقات دلا ص السابغـات وللخطـيّة اعتـقـلوا
وطلّقـوا دونـه الـدنيا الـدنيـّة و ارتاحوا الى جنة الفـردوس وارتحلوا
تراءت الحـور في اعلا الجنان لهم كشفاً فهـان عليهم فـيـه مـا بـذلوا
سالت على البيض منهم أنفس طهرت نفـيـسـة فـعلـوا قـدراً بما فعلوا
إن يقتلوا طالمـا فـي كـلّ معركة قد قاتلوا ولكم مـن مـارق قـتـلوا ؟
لهفي لسـبط رسـول الله منـفرداً بين الطغاة وقد ضـاقـت به الـسبل
يلقى الـعـداة بقـلب لا يـخامره رهـب ولا راعـه جبـن ولا فـشل
كـأنه كلمـا مـرّ الـجـواد بـه سيل تمـكـّن فـي أمـواجـه جبل
ألقى الحسام عليهم راكعـاً فهـوت بالترب سـاجـدةً مـن وقـعه التلل
قـدّت نـعالاته هـاماتهـم فبـها أخدى الـجواد فـأمسـى وهو منتعل
وقـد رواه حـميد نجل مسلـم ذو القـول الصدوق وصدق القول ممتثل
إذ قال : لـم أر مكثوراً عشيـرته صـرعى فمنـعفرٌ منـهم ومنـجدل
يوماً بأربـط جاشاً من حسين وقد حفت به البيض واحتاطت بـه الاسل
كأنما قسورٌ ألقـى عـلى حـُمرٍ عطفاً فخامـرهـا مـن بأسـه ذَهل
أو أجدل مرّ فـي سـرب فغادره شطراً خمـوداً وشطـرٌ خـيفة وجل
حتـّى إذا آن مـا إن لا مـردّ له وحان عـند انـقـضاء الـمدّة الأجل
أردوه كالطود عـن ظـهر الجواد حميد الذكر مـا راعـه ذلّ ولا فشـل
لهفي وقد راح ينـعاه الـجواد إلى خـبائـه وبـه مـن أسـهـم قـَزل(1)


(1) هو العَرج .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 186


لهفـي لزيـنب تـسعى نحـوه ولها قلب تزايد فـيه الـوجـد والوجل
فـمذ رأتـه سلـيباً للـشـمال على معنى شمائله مـن نسـجهـا سمل
هـوت مقبـّلة منـه المحاسن والـ ـحسين عنها بكرب الموت مشتغل
تدافع الشـمر عـنه باليـمين وبـا لشمال تستر وجهـاً شأنه الخـجل
تقول : يا شـمر لا تعجل عليه ففي قتل ابن فاطمة لا يُـحمـد العـجل
أليس ذا ابن عليّ والبـتول ومـَن بجدّه ختـمت في الأمّـة الرسـل ؟
هذا الامـام الـذي ينمى إلى شرف ذريّـة لا يـُداني مجـدهـا زحل
إيّاك من زلـّة تصـلى بـها أبـدا نار الجحـيم وقد يردي الفتى الزلل
أبى الشـقيّ لـها إلا الخلاف وهل يجدي عتاب لأهل الكفر إن عُذلوا ؟
ومرّ يحتز رأساً طـال لـرسـول الله مرتشفـاً فـي ثغـره قـبـل
حتى إذا عاينت منـه الـكريم على لدن يميـل بـه طـوراً ويعتـدل
ألقت لفرط الأسى منـها البنانَ على قلب تقلّب فيـه الـحزن والثكـل
تقول : يـا واحـداً كنـّا نـؤمّـله دهراً فخـاب رجانـا فيـه والأمل
ويا هلالاً علا فـي سـعده شـرفاً وغاب في الترب عنـّا وهو مكتمل
أخي لقد كنـت شمساً يستضاء بها فحلّ في وجهـها من دوننـا الطفل
وركن مجـد تـداعى مـن قواعده والمجد منهدم البـنـيان مـنتـقل
وطرف سبق يفوت الطرف سرعته مذ أدرك المجد أمـسى وهو معتقل
ما خلت مـن قبل ما أمسيت مرتهناً بينُ اللئام وسدّت دونـك الـسبـل


ادب الطف ـ الجزء الرابع 187


أن يـوغل الـبوم في البازي أن ظفرت ظفـراً ولا أسـداً يـغتاله حـمل
كلا ولا خـلت بـحراً مـات مـن ظمأ ومنه ريّ إلـى العافـين متـّصل
فليـت عيـنك بعـد الحـجب تنظـرنا أسـرى تـجاذبنا الأشرار والسفل
يسيّـرونا عـلى الأقـتـاب عـاريـةً وزاجر العيس لا رفـق ولا مَـهل
فلـيت لـم تـر كـوفـاناً ولا وخـدت بنا إلـى ابن زياد الأنـيق الـذلل
إيـهـاً علـى حسـرة فـي كلّ جانحة ما عشـت جايحـة تعـلولها شعل
أيـقتل الـسـبط ظـمـآناً ومـن دمه تروى الصوارم والخـطيّه الـذبل
ويسـكن التـرب لا غسـل ولا كـفنٌ لكن له من نجيع النـحر مغـتسل
وتـستـباح بـأرض الطـف نـسوته ودون نسوة حرب تُـضرب الكلل
بالله أقسـم والـهادي البشـير وبـيت الله طـاف بـه حـافٍ ومنـتعل
لولا الأولى نـقـضوا عهد الوصيّ وما جاءت به قدماً فـي ظلـمها الأول
لم يُغلِ قـوماً عـلـى أبنـاء حـيـدرة من الموارد مـا تـروى به الغلل
يا صاح طف بي إذا جئت الطفوف على تلك الـمعالم والآثـار يـا رجـل
وابك البـدور التـي في الـترب آفلـة بعد الـكمال تغشـّى نورها الظلل
يا آل أحـمـد يا سـفـن النجـاة ومن عليهم بـعد رب العـرش أتكـل
وحقكم مـا بـدا شـهـر الـمحرم لي إلا ولي ناظـر بالسـهد مكتحـل
ولا استـهلّ بـنا إلا اسـتـهـل مـن الأجفـان لي مدمع في الخدّ منهمل
حزناً لكـم ومـواساة وليـس لمـمـلو ك بـدمع علـى مـلاكة بـُـخل
فإن يكن فـاتكـم يـصري فـلي مـدح بمجدكم أبداً مـا عشـت تتّـصل


ادب الطف ـ الجزء الرابع 188


عرائس حدت الحادون من طرب بها تُـعرس أحـياناً وتـرتحل
فدونكم مـن (عليّ) عبـد عبدكم فريدة طاب منـها المدح والغزل
رقّت فراقـت معانيها الحسان فلا يماثل الطول منها السبعة الطول
أعددتها جُـنّة من حـر نار لظى أرجو بها جنـة أنهارها عسـل
صلى الإله عـليكم ما شدت طرباً ورقٌ عـلى ورقٍ والليل منسدل

القصيدة السابعة :
اجآ ذرُ مـنعت عيـونـك تـرقـد بعـراص بابل أم حسان خرّدُ ؟
ومعاطف عطفت فؤادك أم غـصون نقى على هـضباتهـا تتـأوّد ؟
وبروق غاديـة شـجاك وميضـها أم تلك درّ في الثغور تنضّد ؟
وعيون غزلان الـصريم بـسحرها فتنتك أم بيض عـليك تـجرّد ؟
يا ساهـر اللـيل الـطويـل بـمدّه عوناً على طول الـسهاد الفرقد
ومـُهاجـراً طيـب الـرقـاد وقلبه أسفاً على جمر الغـضا يـتوقّد
ألا كففت الـطرف إذ سفـرت بدور السعد بالسعدى عـليك وتـسعد
أسلمت نفســك للهـوى مـتعرّضا وكذا الهوى فيه الهـوان السرمد
وبعثتَ طـرفـك رائـداً ولـرُبّـما صَرع الفتى دون الورود المورد
فـغدوت فـي شـرك الظـباء مقيّداً وكذا الظباء يصدن مـن يتصيّد
فلـعبن أحــيانـاً بـلـّبك لاهيـاً بجمالهـنّ فكـاد مـنك الحـسّد
حتّى إذا علـقـت بهـن بعدت مَـن كثبٍ فهل لك بعد نجـد منـجد ؟
رحلوا فما أبقــوا لجـسمك بـعدهم رمقاً ولا جـلـداً بـه تـتجـلّد
واهاً لنفسك حـيـثُ جـسمك بالحمى يبلى وقـلبك بالركـائب منـجد
ألفت عيادتـك الـصبابـه والأسـى وجفاك من طـول السقـام العوّد
وتظـنّ أن الـبعـد يـعـقب سـلوة وكذا السلـوّ مع التباعـد يبـعد


ادب الطف ـ الجزء الرابع 189


يا نائـماً عـن ليل صـبّ جـفنه أرقٌ إذا غـفـت العـيون الـهجّد
ليس المنـام لـراقـدٍ جهل الهـوى عجباً بلـى عـجبٌ لـمن لا يـرقد
نام الخلـيّ مـن الغرام وطرف من ألف الصبـابة والـهيـام مـسـهّد
أترى تقرّ عـيـون صـب قلـبه في أسر مـائسـة الـقوام مقـيـّد ؟
شمس على غصـن يـكاد مهـابةً لجمالها تعـنو الـبدور وتـســجد
تفتـرّ عـن شنـب كـأنّ جـمانه بردُ بـه عــذب الـزلال مـبـرّد
ويصدّنـي عـن لثمه نار غـدت زفرات أنـفـاسـي بـها تتـصعـّد
من لي بقـرب غزالـة في وجهها صبحٌ تجلـّى عنـه ليـل أســود ؟
أعنو لها ذلاً فتعـرض فـي الهوى دَلاً وأمنـحهـا الـدنـو وتـبـعـد
تحمـي بناظرهـا مخـافة نـاظرٍ خدّاً لهـا حـسن الصـقـال مـورّد
يا خال وجنتـها المـخـلّد في لظى ما خلت قــبلك فـي الـجحيم يخلّد
إلا الذي جحـد الوصيّ ومـا حكى في فضله يـوم «الغـدير» محـمـّد
إذ قـام يـصـدع خاطبـاً ويمينه بيميـنـه فـوق الـحدائـج تعـقـد
ويقول والأمـلاك مـحدقـة بـه والله مـطـّــلع بـذلك يـشـهـد
من كـنت مـولاه فـهذا حـيدرٌ مـولاه مــن دون الأنـام وسـيـّد
يا ربّ وال وليـّه وأكـبت مـعا ديه وعانـد مـَن لـحـيدر يـعـندُ
والله مـا يــهـواه إلا مـؤمـن بــرّ ولا يـقــلوه إلا مــلـحد
كونوا لـه عونـاً ولا تـتخـاذلوا عـن نـصره واسـترشدوه تُرشدوا
قالوا : سـمعنا ما تـقول مـا أتى الـروح الأمـيـن بـه عليك يؤكّد
هـذا «عـلـيّ» إمامنـا ووليـّنا وبـه إلـى نهـج الهدى مسـترشد
حتـى إذا قـبض النـبي ولم يكن فـي لحـده مـن بعد غسـلٍ يلحد
خانوا مـواثيـق النـبي وخالفـوا مـا قالـه خيـر البريـّة أحـمـد
واستبدلـوا بـالرشـد غـيّاً بعدما عرفوا الصواب وفي الضلال تردّدوا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 190


وغدا سليل أبـي قـحافة سيداً لهـم ولـم يـك قـبل ذلك سيّد
يا لـلرجـال لأمّـةٍ مفـتونـة سادت على السادات فيهـا الأعبد
أضحى بها الأقصى البعيد مقرّباً والأقرب الأدنـى يـذاد ويـُبعد
هلا تـقـدّمـه غـداة بـراءة إذ ردّ وهو بفرط غـيظ مكـمد ؟
ويـقول معتذراً : أقيلوني وفي إدراكها قـد كـان قـدماً يـجهد
أيـكون منها المستقيل وقد غدا في آخر يـوصي بهـا ويـؤكّد ؟
ثمّ اقتفى :
فقضى بها خشناء يغلـظ كلمها ذلّ الوليّ بها وعـز المـفسـد
واشار بالشـورى فقـرّب نعثلاً منها فبئس......................
فغـدا لـمال الله فـي قـربائه عمـداً يفـرّق جـمـعه ويبـدّد
ونفـى أبـاذرّ وقـرّب فاسـقاً كان الـنبي لـه يـصدّ ويطـرد
لعبـوا بهـا حيناص وكل منهم متحيّر فـي حكمـهـا متــردّد
ولو اقتدوا بامـامهـم وولـيّهم سـعدوا بـه وهو الوليّ الأوكـد
لكن شقوا بخـلافـه أبـداً وما سعدوا به وهـو الوصيّ الأسعـد
صنو النبـيّ ونفـسه وأميـنه ووليّـه المـتعـطّـف الـمتودّد
كُتباعلى العرش المجيد ولم يكن في سـالـف الأيّام آدم يـوجـد
نوران قـدسـيّان ضمّ علاهما من شيـبة الحمد ابن هاشم محتد
مَن لم يقم وجـهاً إلى صنم ولا للّات والعـزى قـديمـاً يسـجد
والدين والإشـراك لـولا سيفه مـا قـام ذا شـرفـاً وهذا يقعد
سَل عنه بدراً حـين وافى شيبةً شلواً علـيه النائحـات تـعـدّد
وثوى الوليد بسيـفه مـتـعفّراً وعليه ثـوب بـالـدمـاء مجسّد
وبيوم أحد والرماح شــوارع والبيض تصدر في النحور وتورد
مَن كان قاتل طلـحة لـما أتى كالـليث يرعد للقتـال ويـزبـد


ادب الطف ـ الجزء الرابع 191


وأبـاد أصحاب اللواء وأصبحوا مثلاً بهم يـروى الـحديث ويُسند
هذا يـجرّ وذاك يرفـع رأسـه في رأس منتصـب وذاك مقـيّد
وبيـوم خـيبر إذ براية «أحمد» ولّى عـتـيق والبـريـّة تـشهد
ومضـى بها الثاني فآب يجرّها ذلاً يـوبّـخ نـفسـه ويـفـنـّد
حتى إذا رجـعا تـميز «أحمد» حرداً وحـقّ لـه بـذلـك يحرد
وغدا يحـدّث مُسمعـاً مَن حوله والقـول مـنه مـوفّـق ومـؤيّد
إني لاعطـي رايتي رجلاً وفي بطل بمختلس النفـوس مـعـوّد
رجـل يحـب الله ثـم رسـوله ويـحبـّه الله الـعلـيّ واحمـدُ
حتّى إذا جنح الظلام مضى على عجـل وأسفـر عن صبيحته غد
قال : إئت يا سلمان لي بأخي فقا ل الطهر سلـمـانٌ : علي أرمـد
ومـضى وعـاد بـه يُقاد ألا لقد شرف المقـود عـُلا وعز القـيّد
فجـلا قـذاهُ بتـفلة وكسـاه سا بغةً بها الزرد الحديـد منـضـّد
فيـد تـناولـه اللـواء وكـفـه الاخرى تُـزرّد درعـه وتـُـبنّد
ومضى بـها قدماً وآب مظـفّرا مستبشراً بالـنصـر وهـو مؤيّد
وهوى بحدّ السيف هامة مرحب فبراه وهـو الـكافـر المتمـرّد
ودنا من الحصن الحصين وبابه مستغلق حذر المنـية مـوصـد
فدحاه مـقتـلعاً لـه فغـدا لـه حسّان ثابت(1) في المحافل ينشد
إن امرءاً حمـل الرتـاج بخيبر يـوم اليـهـود لقـدره لمـؤبّد
حمل الرتاج وماج باب قموصها والمسلمون وأهل خيـبر تشـهد
وأسأل حنيناً حين بـادر جرول شاكـي السلاح لفرصـة يترصّد
حتّـى إذا مـا أمكنتـه غشاهم في فيلق يحكـيه بـحـرٌ مزبـد


(1) حسان بن ثابت شاعر النبي نظم في هذه المأثرة الكريمة شعراً ترويه كتب السيرة .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 192


وثوى قـتيلاً أيـمن(1) وتبادرت عصب الضلال لحتف أحمد تقصد
وتفرّقت أنصـاره مـن حـوله جزعاً كأنّهمـه الـنعام الـشـرّد
ها ذاك منـحدر إلـى وهـدٍ وذا حذر المنيـّة فوق تـلع يصـعـد
هلا سألت غداة ولّـى جـمعهم خوف الردى إن كنت مَن يسترشد ؟
مَن كان قاتل جرول ومذلّ جيش هــوازن إلا الولـي الـمرشـد ؟
كلّ له فقد النبـي سـوى أبـي حسن عليّ حـاضر لا يـفـقــد
ومبيته فـوق الـفـراش مجاهداً بمـهاد خـير الـمرسلـين يُمـهّد
وسواه محـزون خلال الغار من حذر المـنيـّة نفــسه تـتصـعّد
وتعـدّ منقـبـة لـديـه وإنـها إحدى الـكبائـر عـنـد مـن يتفقّد
ومسيره فوق البـسـاط مخاطباً أهل الـرقـيم فـضيـلةٌ لا تجـحد
وعليه ثـانـية بساحـة بـابـل رجعت كـذا ورد الحـديث المـسند
ووليّ عهد محـمّد أفـهل تـرى أحـداً إلـيه سـواه أحـمد يـعـهد ؟
إذ قال : إنـك وارثـي وخليفتي ومغـسـّل لـي دونـهم ومـلـحّـد
أم هل ترى في العالمين بأسرهم بشراً سـواه يـبيـت مكـّة يـولـد ؟
في ليلة جـبريـل جـاء بها مع الـمـلأ الـمـقدّس حولـه يتـعبـّد
فلقد سما مجـداً «عليّ» كما علا شرفـاً بـه دون الـبـقـاع المـسجد
أم هل سواه فتى تصـدق راكعاً لمّا أتـاه الـسائـل الـمـستـرفـد ؟
ألمؤثر المتصـدق المـتفـضل المتمـسّـك الـمتـنســّك المـتزهّد
ألشّاكر المتطــوّع المـتضرّع المتخضّع المـتـخـشـّع المـتهـجّد


(1) ايمن بن أم ايمن بن عبيد . من المستشهدين في غزوة حنين .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 193


ألصابر المتوكـل الـمتوسـّل المتذلل المتـمـلـمل المتـعبّد
رجل يـتيه به الفـخار مفاخراً ويسود إذ يُـعـزى إليه السودد
إن يـحسـدوه على عُلاه فانما أعلا البريّة رتـبـةً مـن يُحسد
وتـتّـبعت أبـناؤهـم أبـناؤه كـلّ لـكلٍّ بـالأذى يـتقصـّد
حسـدوه إذ لا رتـبة وفضيـلة إلا بـما هـو دونـهـم متـفرّد
بالله أقـســم والنـبـي وآله قسماً يفوز بـه الـوليّ ويسـعد
لولا الأولى نقضوا عهود محمّد من بعده وعلى الوصيّ تـمرّدوا
لم تسـتطـع مدّاً لآل أُمـيـّةٍ يوم الطفوف على ابن فاطمة يدُ
بأبي القـتيل المستضام ومَن له نار بقلبي حـرّهـا لا يـبـرد
بأبي غريب الـدار منتهك الخبا عن عُـقر منزله بعـيدٌ مفـرد
بأبي الذي كـادت لفرط مصابه شـمّ الرواسـي حـسرةً تتـبدّد
كتبت إليه علـى غـرور أُميّة سفهاً ولـيس لهـم كـريمٌ يحمد
بصحائـف كوجـوهـم مسودّة جاءت بـها ركـبانـهم تـتردّد
حتّـى تـوجّه واثـقاً بعهودهم وله عيونهـم انتـظاراً تـرصد
أضحى الذين أعـدّهـم لعدوّهم إلـباً جنـودهـم علـيه تجـنّد
وتبادروا يـتسـارعون لحـربه جيشاً يُقـاد لـه وآخـر يـُحشد
حتّى تراءى منـهم الجمعان في خرق وضـمّـهم هـنالك فـدفد
ألفوه لا وَكلاً ولا مـستـشعراً ذلاً ولا فـي عـزمـه يـتـردّد
ماض على عـزم يفـلّ بـحدّه الماضي حدود البيض حين تجرّد
مستبشراً بالـحرب علـماً أنـّه يتـبـوّأ الفـردوس إذ يستـشهد
في أُسـرة مـن هـاشم علويّةٍ عـزّت أرومـتها وطاب المـولد
وسُراة أنصارٍ ضـراغـمة لهم أهـوال أيّـام الوقـايع تـشـهد
يتسارعون إلى القـتال ، يسابق الكهل المسنّ عـلى القتال الأمرد

ادب الطف ـ الجزء الرابع 194


فكأنّمـا تـلك القـلـوب تـقـلـّبت زيـراً عليهنّ الصـفيح يضمّد
وتـخال فـي إقـدامـهم أقـدامـهم عُمداً علـى صـمّ الجلامد توقد
جـادوا بـأنفسـهـم أمـام إمـامهم والجود بالنفس النـفـيسة أجود
نصحوا غنوا غرسوا جنوا شادوا بنوا قربوا دنوا سكنوا النعيـم فخلّدوا
حتّى إذا انتـهبت نـفوسـهم الـضبا من دون سيّدهم وقـلّ المـسعد
طافـوا به فـرداً وطـوع يـمـيـنه متـذلـّق ماضـي الغرار مهنّد
عضـبٌ بغـير جـفون هامات العدى يوم الكـريهة حـدّه لا يـغـمد
يسـطو بـه ثـبت الـجـنان مـمنّع ماضي العـزيمة دارعٌ ومُـزرّد
نـدبٌ مـتى نـدبـوه كـرّ معـاوداً والأسد في طلب الفرايس عـوّد
فيروعهم مـن حـدّ غـرب حسـامه ضرب يقدّ به الـجماجـم أهود
يا قلـبـه يـوم الـطـفوف أزبـرة مطبوعة أم أنـت صخر جـلمد ؟
فــكـأنه وجــواده وســنـانـه وحسـامـه والنقع داجٍ أســود
فـلـك بـه قـمـر وراه مـذنــّب وأمامه فـي جنـح ليـل فـرقد
في ضـيق معتـرك تقاعـس دونـه جرداء مائلـة وشـيظم أجـرد
فكـأنـّما فيـه مـســيل دمائـهـم بحرٌ تهيّـجه الـريـاح فيزبـد
فـكـأنّ جَـرد الـصافنـات سفـاين طوراً تقوم به وطـوراً تـركـد
حـتّى شفـى بـالسيف غـلـّة صدره ومـن الزلال العذب ليس تبـرّد
لهـفـي له يـرد الحـتـوف ودونـه ماء الفـرات محـرّم لا يـورد
شـزراً يـلاحــظــه ودون وروده نار بأطـراف الأسـنـّة تـوقد
ولـقد غشــوه فـضـارب ومـفوّق سهماً إلـيه وطـاعـن متـقصّد
حتـى هـوى كالطـود غـير مذمّـم بالنفس من أسف بـجـود ويجهد
لهفي عــليـه مـرمـّلاً بـدمـائـه ترب الترائب بالـصعـيد يوسّـد
تـطـأ السـنابـك منه صدراً طـالما للـدرس فـيه وللـعـلوم تـردّد


ادب الطف ـ الجزء الرابع 195


ألفـت علـيه الـسافـيات ملابساً فكسـته وهـو من اللباس مجرّد
خضبت عوارضـه دماه فخـيّلت شفقاً له فـوق الصـباح تـورّد
لهفي لفـتـيته خـموداً في الثرى ودماؤهم فـوق الصـعيد تـبدّد
فكأنما سـيل الدمـاء علـى عوار ضهم عقـيق ثـمّ مـنه زبرجد
لهفي لنـسوته بـرزن حـواسراً وخدودهـنّ من الدمـوع تـخدّد
هاتيك حاسـرة القـنـاع وهـذه عنهايـماط رداً ويـنزع مـرود
ويقلن جهراً للجـواد لقـد هوى من فوق صهوتك الجـواد الأجود
يا يوم عاشـوراء حـسبك إنـّك اليوم المشوم بل العبـوس الأنكد
فيك الحسين ثوى قـتيلا بالعرى إذ عـزّ ناصـره وقل المـسعد
والتائبون الحـامدون العابــدن السائحـون الراكعـون السـجّد
أضحت رؤوسـهم أمـام نسائهم قدماً تميل بهـا الرمـاح وتـأود
والسيد السـجاد يحـمل صاغراً ويقاد فـي الأغـلال وهـو مقيّد
لا راحماً يشكـو الـيه مـصابه فـي دار غـربـته ولا مـتودّد
يهـدى بـه وبـرأس والده الى لـكـعٍ زنيـمٍ كافـرٍ يـتـمرّد
لا خير في سفـهاء قوم عـبدهم ملك يطاع وحـرّهـم مستـعبد
يا عين إن نفدت دموعك فاسمحي بدم ولست أخال دمعـك يـنـفد
أسفاً عـلى آل الرسول ومن بهم ركن الهدى شرفـاً يشاد ويعضد
منهم قتيـلٌ لا يجـار ومن سقي سمّاً وآخر عن حمـاه يـشـرّد
ضاقت بـلاد الله وهي فسـيحة بهم وليس لهـم بـأرض مقـعد
متـباعـدون لـهم بكـلّ تنوفة مسـتشهد وبكـلّ أرض مشـهد
أبني المشاعر والحطيم ومَن هم حجـجٌ بـهم تشقى الأنام وتسعد
أقسمت لا ينـفك حزنـي دائماً بكم ونـار حشاشتـي لا تخـمد
بكم يميناً لا جـرى في ناظري حزناً علـيكم غير دمعـي مرود


ادب الطف ـ الجزء الرابع 196


يفنى الزمان وتـنقضـي أيـامه وعليّكم بكم الحـزين المـكـمد
فلجسـمه حـلل السـقام ملابس ولـطرفه حـر المـدامـع أثمد
ولو أنّني استمددت من عيني دماً ويقلّ مـن عيـني دماً يستـمدد
لم أقض حقـ كم علي وكيف أن تقضي حقـوق الـمالكين الاعبد
ياصفوة الجبّـار يـا مستودعي الأسرار يا مـن ظلًهم لي مقصد
عاهدتكم في الـذر معـرفة بكم ووفـيـت أيمانـاً بمـا أتعهـّد
ووعدتموني فـي المعاد شفاعة وعلى الصراط غداً يصح الموعد
فتفقدوني فـي الحسـاب فإنّني ثقـة بكـم لـوجوهكـم أتقـصّد
كم مدحة لي فيـكم فـي طيها حكم تفوز به الركـاب وتنـجـد
وبنات أفكار تفـوق صفـات أبـكار يقوم لها القريض ويقـعد
ليس النضار لها نظيراً بل هي الدرّ المفصّل لا الخلاص العسجد
هذا ولو أن العـباد بـأسرهم تحـكي مناقـب مجدكم وتعـدّد
لم يدركـوا إلا اليـسير وأنتم أعلا علاً مـمّا حكـوه وأزيـد
لكن في أم الكـتاب كـفـاية عمّا تُنـظّمه الـورى وتُـنضّد
صلّى الإله عليكم ما باكـرت ورق علـى ورق الغصون تُغرّد


أدب الطف ـ الجزء الرابع 197


ابن الوردي الشافعي
المتوفي 749

قال ابن الوردي :
أرأس السبط يـنقل والسبايا يطاف بها وفوق الأرض رأس
ومالي غير هذا السبي ذخرٌ ومالي غير هـذا الرأس رأس(1)

وقال :
فرّق الحب بين عـقلي وبيني فاستهلت دمـوع عيني كعين
طال في أنسه القصير غرامي وهو بدر وينجلـي في حنين
بي نار مـن جنّـتي وجنتيه لهف قلبي على جنى الجنّتين
حـسن قدره عـلـيّ فيا مَن في ملامي يزيد موتي حسيني(2)

وقوله :

(1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 232 .
(2) ديوان ابن الوردي ص 329 .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 198


دنيا تضام كـرامها بلئامها ودليل ذاك حـسينها ويزيدها
يا خاطب الدنيا الدنيّة إنها طبعت على كدر وأنت تريدها

إشارة إلى بيت أبي الحسن التهامي المتوفي سنة 416 حيث يقول من قصيدة :
طُبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والاكدار


ادب الطف ـ الجزء الرابع 199


ابن الوردي زين الدين عمر بن مظفر بن عمر البكري الحلبي المعري الشافعي الفقيه النحوي الشاعر الأديب صاحب التأريخ المعروف ، وشرح الفية ابن مالك وأرجوزة في تعبير المنام ، ومن شعره لاميته المعروفة مطلعها :
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب مَن هزل

وله حكاية لطيفة حاصلها انه : دخل الشام وكان ضيق المعيشة رث الهيئة رديء المنظر ، فحضر الى مجلس القاضي نجم الدين بن صصري من جملة الشهود فاستخفت به الشهود وأجلسوه في طرف المجلس فحضر في ذلك اليوم مبايعة مشترى ملك فقال بعض الشهود أعطوا المعري يكتب هذه المبايعة على سبيل الاستهزاء به فقال ابن الوردي أكتبه لكم نظماً أو نثراً فتزايد إستهزاؤهم به فقالوا له بل أكتب لنا نظماً فأخذ ورقة وقلماً وكتب فيها نظماً لطيفاً أوله :
باسم إله الـخلق هذا ما اشترى محمد بن يونـس بـن شنفرى
من مالك بـن أحمد بن الأزرق كلاهما قد عـرفـا مـن جُلّق
فباعه قـطـعة أرض واقـعة بكورة الغوطـة وهـي جامعه
يشجر مخـتـلف الاجـنـاس والأرض في البيع مع الغِراس
وذرع هـذي الأرض بالذراع عشرون في الـطول بلا نزاع
وحـدّها من قبـلة ملك التقي وحائز الرومـي حـد المشرق
ومن شمـال ملك أولاد عـلي والغرب ملك عـامر بي جهبل
وهـذه تـعـرف مـن قـديم بأنها قطـعة بـيـت الـرومي
بيعاً صـحـيحاً ماضياً شرعياً ثم شـراءاً قـاطـعاً مـرعيا
بثمنٍ مبـلغـه مـن فـضـه وزانـة جـيـّدة مبـيـضـة


ادب الطف ـ الجزء الرابع 200


جارية للنـاس فـي المـعامله ألفان مها النصف ألف كامله
قبضها الـبايـع مـنه وافـيه فعادت الذمة مـنه خـالـيه
وسلّم الأرض إلى مـَن اشترى فقبض القطعة مـنه وجـرى
بـينـهما بـالـبدن التـفـرّق طوعاً فمـا لأحـدٍ تـعلـّق
ثم ضـمان الـدرك المشـهور فيه علـى بائعـه المذكـور
وأشهـدا عليـهما بـذاك فـي رابع عشر رمضان الأشرف
من عـام سبعـمائة وعشـرة من بعد خمسة تليها الهـجرة
والحـمـد لله وصـلى ربـي على النبي وآلـه والـصحب
يشهـد بالمضمون من هنا عمر ابن المظفر المعري إذ حضر

فلما فرغ من نظمه ووضع الورقة بين يدي الشهود ، تأملوا النظم مع سرعة الارتجال ، فقبلوا يده واعتذروا له من التقصير في حقه واعترفوا بفضيلته عليهم ، ثم أنه قال لبعض الشهود : سدّ في هذه الورقة بخطك ، فقال له : يا سيدي أنا ما أحسن النظم ، فقال له : ما إسمك ؟ فقال له : أحمد بن رسول ، فكتب عنه وهو يقول :
قد حضر العقد الصحيح أحمد ابن رسول وبذاك يشهد

ومن شعره قوله فيمن أخذ ديوانه :
أغضبتنى وغصبتَ ديواني الذي أنفقتُ فيــه شبـيبتي وزماني
لو كنتَ يوماً بالـمودة عـامـلا ما كنتَ تغضب صاحب الديوان


ادب الطف ـ الجزء الرابع 201


وقوله في ص 240 :
لا تحـرصن على فضل ولا أدب فقد يضرّ الفتى علم وتحـقيق
ولا تـعـد مـن العقـّال بـينهم فان كل قليل العقـل مرزوق
والحـظ أنـفع من خـط تزوقه فما يفيد قليل الحـظ تزويـق
والعلم يحسب من رزق الفتى وله بكل متّسع في الفضل تضييق
أهل الفـضائل والآداب قد كسدوا والجاهلون فقد قامت لهم سوق
والناس أع داء من سارت فضائله وان تعمق قالوا عـنه زنـديق

وقوله في ص 260 :
فيا سائلي عن مذهب إن مذهبي ولاء به حب الصحابة يمزج
فمن رام تقويمي فإنـي مقـوّم ومَن رام تعويجي فإني معوّج

وقوله في ص 271 :
يا آل بيت النبي مَن بذلت في حبكم روحـه فما غبنا
مَن جاء عن بيته يسائلكم قولوا له البيت والحديث لنا

وقوله في ص 302 وقد سمع مَن ينشد :
كم عالم عالم أعـيت مـذاهبه وجاهل جاهل تلقـاه مرزقا
هذا الذي ترك الألباب حائـرة وصيّر العالم النحرير زنديقا

فقال :
كم عالم عالم يشكو طوى وظماً وجاهل جاهل شبعان ريّانا

ادب الطف ـ الجزء الرابع 202


هذا الذي زاد أهل الكفر لاسلموا كفراً وزاد أولي الايمان إيمانا

وقوله في ص 306 في جارية له اسمها لؤلؤة وقد ماتت :
أيا موت رفقاً على حسنها فقد بلغت روحهـا الترقوة
تركت جواهـر عند اللئا م وتحسد مثلي على لؤلؤه

وقال فيها أيضا :
فريدة من لـئالئٍ تتثنّى من الـمرض
ثم ماتت فجسمها جوهر زال بالعرض

وقوله في ص 307
إن لحسادي عندي يداً يحق أن يـعرفها مـثلي
أبدوا عيوبي فتجنبتها ونبهوا الناس على فضلي

وقوله في ص 308
إذا أحببت نظم الشعر فاقصد لنظمك كل سهل ذي امتناع
ولا تكثـر مجانـسةً ومكـّن قوافيه وكِله الـى الطبـاع

وقوله في ص 311 :
دنيا تضام كـرامها بلئامها ودليل ذاك حـسينهما ويزيدها
يا خاطب الدنيا الدنية أنها طبعت على كدر وأنت تريدها
وقوله في ص 313 :

السابق السابق الفهرس التالي التالي