ادب الطف ـ الجزء الرابع 129


سراج الدين الوراق
المتوفى سنة 695

قال فية نسمة السحر : وللسراج مراث في الحسين عليه السلام منها تعجيز مرثية أبي تمام لمحمد بن حميد الطوسي لما قتله بابك الخرمي في ايام المعتصم فنقلها السراج بشعاع قريحته الى رثاء الإمام وأجاد ، وله غير ذلك .
اقول مقتل بابك سنة 214 .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 130


قال الصفدي في فوات الوفيات .
عمر بن محمد بن حسن سراج الدين الوراق الشاعر المشهور والأديب المذكور ملكت ديوان شعره وهو في سبعة أجزاء كبار صخمة إلى الغاية وهذا الذي اختاره لنفسه وأثبته فلعل الأصل كان من حساب خمسة عشر مجلداً وكل مجلد يكون مجلدين فهذا الرجل أقل ما يكون ديوانه لو ترك جيده ورديّه في ثلاثين مجلداً ، وخطه في غاية الحسن والقوة والاصالة وكان حسن التخيل جيد المقاصد صحيح المعاني عذب التركيب قاعد التورية والاستخدام عارفاً بالبديع وأنواعه وكان أشقر أزرق وفي ذلك يقول :
ومن رآني والحمار مركبي وزرقتي للروم عرقٌ قد ضرَب
قال وقد أبصر وجهي مقبلاً : لا فارس الخيل ولا وجه العرب

وكان يكتب الدرج للامير يوسف سيف الدين أبي بكر بن أسبا سلار والى مصر وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى : وقد قارب التسعين أو جاوزها بقليل ، وأكثر شعره في اسمه فمن ذلك :
وكنت حبيباً إلى الغانيات فألبسني الشيب بغض الحبيب
وكنت سراجاً بليل الشباب فأطفأ نـورى نـهار المشيب

وقال أيضا :
بُني اقتدي بالكتاب العزيز وراح لِبرّى سعياً وراجا
فما قال لي أف مذ كان لي لكوني أباً ولكوني سراجا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 131


وقال أيضا :
وقالت : يا سراج علاك شيب فدع لجديده خلـع العـذار
فقلت لها : نـهار بـعد لـيل فما يدعوك أنت إلى النفار
فقالت : قد صدقت وما علمنا بأضيع من سراج في نهار

وقال أيضاً :
إلهي قـد جاوزت ستـين حجـة فشكراً لنعماك التي ليس تكفر
وعُمّرت في الاسلام فازددتُ بهجة ونوراً كذا يبدو السراج المعمر
وعمّم نـور الشيب رأسي فسرني وما سـاءني إن السراج منور

وقال أيضا :
طوت الـزيـادة إذ رأت عصر المشيب طوى الزياره
ثم انثنت لمـا انـثـنت بعد الـصلابـة كالحـجارة
وبقيت أهرب وهي تسـ ـأل جارة مـن بعـد جاره
وتقول : يا ست استرحـ ـنا لا سـراج ولا مـناره

وقال أيضا :
كم قطّع الجود من لسان قلد من نظمـه الـنحورا
فها أنا شـاعر سـراج فاقطع لساني أزدك نورا

وقال أيضا :
أثنى عليّ الأنام إني لم أهج خلقاً ولو هجاني


ادب الطف ـ الجزء الرابع 132


فقلت لا خير في سراج إن لم يكن دافى اللسان

وقال أيضا وقد داعب بهما انا الحسين الجزار :
ربّ سامح ابا الحسين وسامحـ ـني فشأني وشأنه الإسلام
فذنوب الـوراق كـل جـريح وذنوب الـجزار كل عظام

وقال أيضا :
واخجلتي وصحائفي قد سوّدت وسحائف الأبرار في إشراق
وفضيحتي لمعـنّف لـي قائل : أكذا تكون صحائف الـوراق

وقال أيضا :
وباخل يشنأ الأضياف حلّ به ضيف من الصبغ نزّال على القمم
سألته ما الذي يشكو فأنشدني ضيفٌ ألمّ برأسي غيـر محـتشم)

وقال أيضا :
وضاع خصر لها ما زلت أنشده إذرقّ لي ورثى للسقم من بدني
وقال لي بـلسان من منـاطقـه : (لولا مخاطبتـي إياك لم ترني)

وقال أيضا :
دع الهوينا وانتصب للتقى واكدح فنفس المرء كدّاحه
وكن عن الراحة في معزل فالصفع موجود مع الراحه

وقال أيضا :

ادب الطف ـ الجزء الرابع 133


سألتهم وقـد حثّوا المـطايـا قفوا نفساً فداروا حيث شاؤا
وما عطفوا عليّ وهم غصونٌ وما التفتوا إلـي وهم ظباء

وقال أيضا :
شمتُ برقاً من ثـغرها الـوضح والدجى سـيره مَهيـضُ الجناح
فـتبارى شـكـّي بـه ويقينـي هل تجلّى الصـباح قبل الصباح
فأجابت متـى تبـسـّم صـبح عن حـباب أو لـؤلؤ أو أقـاح
ومـتى كان للصباح شميم المسـ ـك أو نكهـة كصـرف الراح
سل رحيقي المسكوب تسأل خبيراً باغتباق من خمـرة واصـطباح
قلـت مالي وللسـكارى فـقالت أنت أيضاً من الهوى غير صاح
حجة مـن ملـيحـة قطـعتـني هـكـذا كـل حـجـة للـملاح
لا ولحـظ كفـترة النرجس الـ ـغض وخـّد كحـمرة التـفاح
ما تيقنت بـل ظننت وما في الـ ـظن يــا هذه كـبير جـناح
وكثـيراً شبهـت بالبدر والشمـ ـس وسامحت فارجـعي للسماح
وافعلي ذامن ذاك واطّرحي القول اطراحـي علـيك قـول اللاحي

وقال أيضا :
أحسن ما تنظر في صفحة عذار من أهوى على خدّه
يا قلم الريحان سبحان من خطك بالآس علـى ورده

وقال أيضا :
جاء عذار الذي أهيم به فجرد الوجد اي تجريد
وظنه آخر الغـرام به مقيد جاهل بمقصودي


ادب الطف ـ الجزء الرابع 134


وما درى أن لام عارضه لام ابتداء ولام توكيد

وقال ايضا :
يا نازح الطيف من نومي يعاودني لقد بكيت لفـقد النـازحين دما
أو جبتَ غسلاً على عيني بأدمعها فكيف وهي التي لم تبلغ الحلما

وقال ايضا :
أقول وكفّـيَ في خصرها يدور وقد كـان يخـفى على
أخذت عليك عهود الهوى وما في يدي منك يا خصرُشى

وفي نسمة السحر قوله ، وهو صادق :
وكان الناس أن مُدحوا أثابوا وللكرماء بالـمدح افـتخار
وكان العذر في وقت ووقت فصرنا لاعطاء ولا اعتذار

وترجم له ابن تغري في النجوم الزاهرة فقال : الامام الأديب البارع سراج الدين عمر بن محمد بن الحسين المصري المعروف بالسراج الوراق الشاعر المشهور مولده في العشر الأخير من شوال سنة خمس عشرة وستمائة ، ومات في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة ودفن بالقرافة وكان إماماً فاضلاً أديباً مكثراً متصرفاً في فنون البلاغة ومن شعره :
في خدّه ضلّ علم الناس واختلفوا أللشقائق أم للـورد نسبته
فذاك بالخال يقـضي للشقيق وذا دليله أنّ ماء الورد ريقته

وقال سراج الدين عمر بن محمد الوراق في الوحدة :

ادب الطف ـ الجزء الرابع 135


أفردتني الأيام عن كل خدن وأنيسٍ وصاحـب وصديق
فلو أني مشيت في شهر آب لأبى الظل أن يكون رفيقي

إنما خصص آب من بين الشهور الرومية لأنه يكون قصير الظل في وسط النهار بخلاف الخريف وأوائل الشتاء فإنه يمتد الى أقدام كثيرة وقت الزوال أو لأنه يكون شامساً ضاحياً في غير الهند واليمن وبلاد السودان لعلّة ذكرت في علم الجغرافيا(1) .
قصيدة أبي تمام المشهورة يرثي بها محمد بن حميد الطوسي لما قتل في حرب بينه وبين بابك الخرمي الخارج بخراسان أيام المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد . ومطلع قصيدة أبي تمام :
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم تفض ماءها عذر


(1) عن نسمة السحر المخطوط في مكتبة كاشف الغطاء العامة .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 136




ادب الطف ـ الجزء الرابع 137


شعراء القرن الثامن سنة الوفاة
علاء الدين علي بن مظفر الكندي الاسكندراني 716
علاء الدين الشفهيني تقريباً 730
ابن الوردي صاحب التاريخ 749
أبو الحسن علي بن عبد العزيز الخلعي حدود 750
السيد علي بن عبد الحميد بن فخار المعروف بالمرتضى 760
حسن المخزومي كان حياً 772


ادب الطف ـ الجزء الرابع 138




ادب الطف ـ الجزء الرابع 139


علاء الدين الوداعي

قال علاء الدين علي بن المظفر الكندي الاسكندراني المعروف بالوداعي المتوفي سنة 716 .
عجباً لمن قتل الحسين وأهله حرّى الجوانح يوم عاشوراء
أعطاهم الدنيا أبــوه وجده وعليه قد بخلوا بشربـة ماء

وقال :
سمعت بـأن الكحل للعـين قـوّة فكحلت في عاشور مقلة ناظري
لتقوى على سحّ الدموع على الذي أذاقوه دون الـماء حـرّ البواتر(1)


(1) ذيل تاريخ ابن خلكان للصفدي رواها صاحب روضات الجنات .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 140


قال السيد الأمين في الأعيان ج 42 ص 160 .
علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمرو بن زيد الكندي :
كاتب ابن وداعة المعروف بالوادعي صاحب التذكرة الكندية في خمسين مجلداً . ولد بحلب سنة 640 وسافر الى دمشق فتوفي سنة 716 .
كان فاضلاً أديباً شاعراً حاملاً لواء البديع في التورية وغيرها وكان ابن نباته عيالاً عليه وسارقاً منه وعقد ابن حجة له في الخزانة فصلاً لسرقاته منه وكان قد درس بالشام وشاركه الذهبي في السماع ، وكتب بديوان الانشاء . ومن شعره :
ترى يا جـيرة الـرمل يعود بقـربكـم شملي
وهل تـقتص أيـدينـا من الهجران للـوصل
وهـل ينـسخ لقـياكم حديث الكتب والـرسل
بروحـي ليـلة مـرّت لنا معكم بـذي الأثـل
وساقـينا ومـا يـَملي وشادينـا ومـا يُمـلي
وظبي من بني الأتراك حلـو الـتيـه والـدل
له قدّ كـغصن البـان ميّال الـى الـعــدل
وطرف ضـيق ويـلاه من طـعناتـه النُجـل
أقول لـعاذلـي فـيـه رويدك يـا أبا جـهـل
فقلبي مـن بـني تـيم وعقـلي من بني ذهـل


ادب الطف ـ الجزء الرابع 141


وقوله :
سمعت بان الكحل للعين قوة
وقوله :
يا مالكاً صدق مواعـيده خلى لنا في جوده مطمعا
لم نعد في السبت فما بالنا لم تأتنا حيتـاننا شُرّعـا

وقال على لسان صديق يهوى مليحا في أذنه لؤلؤة .
قد قلت لما مر بي مقرطقٌ يحكي القمر
هذا أبو لـؤلـؤة منه خذوا ثـار عمر

وفي الدرر الكامنة : هو منسوب الى ابن وداعة عز الدين عبد العزيز بن منصور ابن وداعة الحلبي كان الناصر بن العزيز ولاه شد الدواوين بدمشق ثم ولاه الظاهر بيبرس وزارة الشام فكان علاء الدين الوداعي كاتبه فاشتهر بالنسبة اليه لطول ملازمته له . تلا السبع على علم الدين اللورقي وابن ابي الفتح وطلب الحديث من مَن سمع من ابن ابي طالب ابن السروي ومن عبد الله بن الخشوعي وعبد العزيز الكف رطابي والصدر البكري وعثمن بن خطيب القرافة وابراهيم ابن الخليل قرأ عليه بنفسه المعجم الصغير للطبراني وابن عبد الدائم ومن بعدهم ، قال البرزالي جمعت شيوخه بالسماع من سنة اربعين فما بعدها فبلغوا نحو المائتين واشتغل في الآداب فمهر في العربية وقال الشعر فأجاد وكتب الدرج بالحصون مدة ثم دخل ديوان الانشاء في آخر عمره بعد سعي شديد وكان لسانه هجاء فكان الناس ينفرون عنه لذلك كان شديداً في مذهب

ادب الطف ـ الجزء الرابع 142


التشيع من غير سب ولا رفض ، وزعموا انه كان يخل بالصلاة وولي الشهادة بديوان الجامع ومشيخة الحديث النفيسية وجمع تذكرة في عدة مجلدات تقرب من الخمسين وقفها بالسميساطيه وهي كثيرة الفوائد . قال الذهبي لم يكن عنده ضوء في دينه وكان يخل بالصلاة ويرمى بعظائم وكانت الحماسة من محفوظاته ، حملني الشره على السماع من مثله ، قال ابن رافع سمع منه الحافظ المزي وغيره وكان قد سمع الكثير وقرأ بنفسه وحصل الاصول ومهر في الادب وكتب الخط المنسوب ، سألت الكمال الزملكاني عنه فقال اشتغل في شبيبته كثيراً بانواع من العلوم وقرأ بالسبع وقرأ الحديث وسمعه وحصل طرفاً من اللغة وكان له شعر في غاية الجودة فيه المعاني المستكثرة الحسان التي لم يسبق الى مثلها وكان يكتب للوزير ابن وداعه ويلازمه ثم نقصت حاله بعده ولم يحصل له انصاف من جهة الوصلة ولم يزل يباشر في الديوان السلطاني ، وقال البرزالي باشر مشيخة دار الحديث النفيسية عشرين سنة الى ان مات (قال المؤلف) نسبته الى الاخلال بالصلاة ناشيء عن عدم صَلاته أحياناً خلف مَن لا يعتقد عدالته فيظنون به ذلك والذهبي لم ير عليه ضوءاً في دينه لانه شيعي وكذلك الخفاش لا يرى الضوء ورميه بعظائم ليس إلا للتشيع . وكانت له ذؤابة بيضاء الى أن مات وفيها يقول :
يا عائبا منـي بـقاء ذؤابتي مهلا فقد أفرطتُ في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي فعلام أقطعها أوان مشيـبها

ومن لطائفه قوله :
ويوم لنا بالنـيرييـن رقيـقة حواشيه خال من رقيب يشينه
وقفنا فسلّمنا على الدوح غدوة فردّت علينا بالرؤوس غصونه


ادب الطف ـ الجزء الرابع 143


وله :
ولا تسألوني عن ليال سهرتها أراعي نجوم الأفق فيها الى الفجر
حديثي عال في السماء لأنني أخذت الأحاديث الطوال عن الزهر

وله وكتبهما عنه الرشيد الفارقي وكان يستجيدهما :
ولو كنت أنسى ذكره لنسيته وقد نشأت بين المحصب والحمى
سحابة لوم أرعدت ثم أبرقت بسمرٍ وبيض أمطرت عنهما دما

وله :
فتنت بمن محاسنه الى عرب النقى تنمي
عذار من بني لام وطرف من بني سهمِ
وعذالي بنو ذهـل وحسّادي بنـو فهـمِ

وله :
خليلي لا تسقنـي سوى الصرف فهو الهني
ودع كأسها اطلسا ولا تـسقنـي مـع دني

وله :
قسماً بـمرآك الجمـيل فـانـه عربيُّ حسنٍ من بني زهران
لا حلت عنك ولو رأيتك من بني لحيان لابل مـن بني شيبان

أخبرني أبو الحسن ابن أبي المجد بقراءتي أنشدنا الوداعي لنفسه اجازة وهو آخر من حدث عنه :

ادب الطف ـ الجزء الرابع 144


قال لي الـعاذل المـفند فيـها حين وافت وسلّمت مختـاله
قم بنا ندعي النبوة في العشـ ـق فقد سلّمت علينا الغزاله

وله :
إذا رأيت عارضا مسلسلاً في وجنة كجنة يا عاذلي
فاعلم يقينا أنـني من أُمّة تقاد للجنـة بالـسلاسل

ونص على تشيعه في نسمة السحر وفوات الوفيات وتذكرة الحفاظ للذهبي ، والصفدي في تاريخه . له التذكرة الكندية ، قال ابن كثير الشامي في تاريخه إنه جمع كتاباً في خمسين مجلّداً فيه علوم جمّة أكثرها أدبيات سماه التذكرة الكندية وقفها بالسميساطية (ا هـ) ذكرها في كشف الظنون بثلاثة عناوين : تذكرة الوداعي والتذكرة العلائية والتذكرة الكندية .
وفي روضات الجنات نقلاً عن ذيل تاريخ ابن خلكان لصلاح الدين الصفدي قال : كان هذا الرجل شيعيّاً ودخل ديوان الانشاء بدمشق سنة إحدى عشر : وسبعمائة تقريباً أقول واستطرد في ترجمته وذكر له من الشعر قوله :
ذكرتُ شوقاً وعـندي ما يصدقه قلب تقلّـبه الذكـرى وتقـلقــه
هذا على قرب دارينا ولا عجب فالطرف للطرف جارٌ ليس ترمقه

وفي النجوم الزاهرة قال : مات ببستانه في دمشق 17 رجب ودفن بالمزّة (مزّة كلب) قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق بينها وبين دمشق نصف فرسخ .
وفي الدرر الكامنة ، عرف بالوداعى لاختصاصه بابن وداعة وهو عز الدين عبد العزيز بن منصور ابن وداعة الحلبي ، كان الناصر بن عبد العزيز ولاه شد الدواوين ثم ولاه بيبرس وزارة الشام .

أدب الطف ـ الجزء الرابع 145


علاء الدين الشفهيني

قال من قصيدة :
وعليك خـزي يـا أميـّة دائـماً يبقى كما في الـنار دام بـقاكِ
هلا صفحت عن الحسين ورهطه صفح الوصيّ أبيه عن آبـاك
وعففت يوم الطف عفّة جدّه الـ ـمبعوث يوم الفتح عن طلقاك
أفهل يدٌ سلبـت إمـاءَك مثلمـا سلبت كريماتِ الحـسين يداك
أم هل برزن بفتح مكـة حـسراً كنسائه يوم الطفـوف نـساك


ادب الطف ـ الجزء الرابع 146


ابو الحسن علاء الدين الشيخ علي بن الحسين الحلي الشفهيني . عالم فاضل وأديب كامل وهو من المعاصرين للشهيد الأول المقتول سنة 786 .
جمع بين الفضيلتين علم غزير وأدب بارع بفكر نابغ ونظر صائب ونبوغ ظاهر وفضل باهر . قال في الطليعة هو من شعراء أهل البيت عليهم السلام وقصائده الرنانة السائرة بمعانيها العالية وحلّتها الفضفاضة . ترجمه كثير من العلماء الأعلام .
وقصائده السبع الطوال التي رآها صاحب رياض العلماء بخط العلامة الشيخ محمد بن علي بن الحسن الجباعي العاملي تلميذ ابن فهد الحلي المتوفي سنة 841 .
وقال المرحوم الخطيب الشيخ اليعقوبي في الجزء الأول من (البابليات) : أبو الحسن علاء الدين الشيخ علي بن الحسين المعروف بـ الشفهيني . المتوفي في حدود الربع الاول من القرن الثامن والمدفون في الحلة حيث يعرف قبره الآن في محلة (المهدية)(1) .
وكم تحرّيت قبره منقباً في الزوايا التي تحت قبّته لعلي أجد صخرة أو لوحة عليها تاريخ وفاته فلم أجد شيئا .
تحقيق نسبته :
يوجد في كثير من النسخ المخطوط منها والمطبوع اختلاف كثير في نسبته

(1) وهو في الشارع العام الذي ينتهي قديماً الى باب كربلاء (الحسين) عن يسار الخارج من البلد تجاه مسجد صغير يحتمل أن يكون مسجده في القديم أو داره .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 147


هذه ففي الـ ج 1 من كشكول الشيخ يوسف البحراني عند ذكر قصيدته الكافية «يا عين ما سفحت غروب دماك» بعنوان «الشهفيني» وكذلك في (ج 2) منه عند ذكر قصيدته الرائية «أبرقٌ تراءى عن يمين ثغورها» بتقديم الهاء على الفاء وقرأت في آخر مجموعة للكفعمي بخطه ذكر فيها فهرس مصادر مجموعته ومنها «ديوان ابي الحسن الشهفيني» بتقديم الهاء على الفاء أيضا وذكره القاضي المرعشي في مجالس المؤمنين وأثنى عليه كثيراً وأثبت قسماً من قصيدته اللامية «نمّ العذار بعارضيه وسلسلا» بعنوان علي بن الحسين (الشهيفيه) وفي الرياض : وقيل في نسبته ابن الشفهينه وهو اسم امه وزعم بعضهم انه منسوب الى شفهين «قرية في جبل عامل أو البحرين» وليس في كلا القطرين قرية تعرف بهذا الاسم .
وذكره الشيخ داود الانطاكي صاحب التذكرة «من رجال القرن العاشر» في كتاب «تزيين الاسواق» ص 186 وقال عنه : ـ الأديب الحاذق علاء الدين (الشاهيني) وأثبت له بضعة أبيات من لاميته ـ نم العذار بعارضيه وسلسلا ـ أوردها شاهداً لمافيها من محاسن التشبيه .
وفي الذريعة في مادة (ش ر ح) شرح قصيدة الشيخ علي بن الحسين الشفهيني وفي بعض النسخ الشهفيني العاملي وهي مندرجة في ديوانه الكبير للشيخ السعيد الشهير أبي عبد الله محمد بن مكي الشهير سنة ست وثمانين وسبعمائة ذكره في الرياض بوصف الشفهيني وأشهر قصائده في مدح الأمير (ع) الكافية التي مطلعها :
ياعين ما سفحت غروب دماك إلا بما ألهمتُ حبّ دُماك

والثانية اللامية التي مطلعها : «نم العذار بعارضيه وسلسلا» .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 148


قال شيخنا في الذريعة : واظن الشرح للثانية اللامية فانها أجمع من الأولى في فضائل الامام عليه السلام وحروبه ومواقفه .
قلت : ـ ليس الشرح للامية وإنما هو للدالية ما سيأتي .
وفي روضات الجنات في ترجمة الشهيد الأول محمد بن مكي عند ذكر مؤلفاته ومصنفاته قال ومنها شرحه على قصيدة الشيخ ابي الحسن علي بن الحسين المشتهر بالشهفيني «بتقديم الهاء على الفاء» العاملي في مدح سيدنا امير المؤمنين (ع) ، «المجنسة» وهي من جملة ديوانه الكبير ثم قال والعجب ان صاحب أمل الآمل مع حرصه على جمع فضلاء جبل عامل كيف غفل عن ذكر هذا الرجل الجليل الفاضل الكامل ثم كيف جهل بحال هذا الشرح حيث لم يذكره في جملة مؤلفات الشهيد . قلت : والعجب من صاحب الروضات كيف غفل عما ورد في القسم الثاني من أمل الآمل ففيه يقول الشيخ علي الشفهيني الحلي فاضل شاعر أديب له مدائح كثيرة في أمير المؤمنين وسائر الأئمة (ع) فمنها قوله :
يا روح انـس مـن الله البـدئ بدا وروح قدس على العرش العليّ بدا
يا علة الخـلق يا من لا يقارب خير المرسـليـن سـواه مشـبهٌ أبـدا
يا من به كمل الـدين الحنيف وللـ ـايمان مـن بعد وهنٍ ميله عضدا
يا صاحب النص فـي خمّ ومَن رفع النبي منه علـى رغم العدى عضدا
أنت الذي اختارك الهادي البشير أخاً وما سواك ارتـضى من بينهم أحدا
أنت الذي عـجبت منـك الملائك في بدر ومن بعدهـا قـد شاهدوا أحدا
مولاي دونكهـا بكـرا مـنـقـحـة ما جاورت غير مغنى (حلّة) بـلدا
رقّت فـراقـت لـذي علم ويـنكرُ معناها البليد ولا عتـبٌ على البُلدا

أقول هذه القصيدة هي التي شرحها الشهيد بشرح دقيق اشتمل على فوائد

ادب الطف ـ الجزء الرابع 149


كثيرة ولما وقف المترجم على الشرح مدح الشارح بقطعة شعرية وإنما سميت بـ «المجنّسة» لماورد من الجناس اللفظي في كل مزدوج من أبياتها . وفي كتاب المزار من (فلك النجاة) للعلامة الشهير السيد مهدي القزويني الحلي في بيان قبور علماء الحلة كالمحقق والشيخ ورام وآل نما وآل طاووس وعدّ منها قبر «الشافيني» من غير هاء ـ ومن هنا يغلب على ظني بل يترجح لديّ أنه منسوب الى (شيفيا) أو (شافيا) وهي قرية على سبعة فراسخ من واسط ذكرها ياقوت في معجمه وذكر أسماء جماعة من أهلها والنسبة اليها «الشيفياني» أو الشافياني وانما حرفت من الرواة والنساخ الى شافيني وشفهيني وما شاكل ذلك . فلا يبعد أن يكون أصل المترجم منها .
وبعد ابتداء الخراب في واسط وما جاروها من القرى والضواحي على أثر سقوط الدولة العباسية وغارات التتار على البلاد هاجر المترجم الى الحلة لكونها في ذلك العهد دار الهجرة ومحط رِحال العلماء والأدباء :
حنينه الى وطنه :
ويؤكد ما رجحناه من عدم كونه (حليا) بالاصل حنينه في شعره الى بلد كان قد نشأ فيه واستوطنه قبل الحلة فتراه دائماً يتذمر من غربته في قصائده التي قالها في الحلة ويبكي لنأي أحبابه ويندب فيها عصر شبابه ومن ذلك قوله :
أبكي اشتياقـاً كلـما ذُكـروا وأخو الغرام يهـيجه الذكـر
ورجوتهم في منـتهى أجـلي خلفاً فاخلـف ظـني الـدهر
وأنا الغريب الدار في وطنـي وعلى اغترابي ينقضي العمر

وقوله أيضا من قصيدة (حسينية)
وقد كنتُ أبكي والديار أنيسةٌ وما ظعنت للظاعنين قفولُ


ادب الطف ـ الجزء الرابع 150


فكيف وقد شطّ المزار وروّعت فريق الـتداني فرقة ورحيل
إذا غبتم عـن ربـع حلّة بابل فلا سحبت للسحب فيه ذيول
وما النفع فيها وهى غير أواهل ومعهدهـا ممن عهدت محيل
تنكر منها عرفـها فاهـيلهـا غريب وفـيها الأجنبي أهيل

وقوله في أخرى :
أقسمت يـا وطني لم يهننى وطري مذ بان عني فيك البان والأثـل
لي بالربـوع فـؤاد مـنك مرتـبع وفي الرواحل جسمٌ عنك مرتحل
لا كنت إن قادني عن قاطنيك هوى أو مال بي مللٌ أو حال بي حول

نظرة في شعره ونماذج منه :
اتفق المترجمون له على أنه كان عالماً أديباً وشاعراً طويل النفس للغاية
يغلب على شعره الجناس والطباق وغيرهما من المحسنات البديعية وقد نشأ في العصر الذي فسدت فيه معاني الشعر العربي والفاظه ، أما المعاني فتكاد تكون مقصورة على المدح والرثاء والاستجداء وتأليه الكبراء من ذوي المال والسلطان وفي ذلك ما فيه من الكذب والافراط في الغلو . وأما الالفاظ وقد أصبحت وكأن الغاية منها التنميق والمجانسات البديعية وتنسيق الكلمات المعجمة والمهملة وكيف يقابل الشاعر بعضها ببعض في الصدور والاعجاز بعيداً عن أساليب العربية . ولغتها الفصحى كما تجد ذلك في شعر ابن نباتة وابن حجة والصفي والصفدي وأضرابهم من شعراء ذلك العصر بيد ان شيخنا علاء الدين تتجلى لك براعته وعبقريته في امتياز شعره الذي قاله في اهل البيت (ع) ـ وليس بين ايدينا غيره ـ بقوّة المعاني وسلاسة المباني ومتانة الاسلوب مع ما فيه من المحسنات البديعية التي كأنها تأتيه عفواً بلا تكلّف وتطاوعه من

ادب الطف ـ الجزء الرابع 151


غير قصد . وله ديوان شعر كبير اكثره في مدح اهل البيت (ع) ورثائهم ، لا تكاد تخلو معظم المجاميع المخطوطة عن شيء منه واشهر قصائده السبع الطوال التي رآها صاحب «رياض العلماء» بخط العلامة محمد بن علي الجبعي تلميذ ابن فهد الحلي المتوفي سنة 841 وهي عندي ايضاً بخط جميل على ورق صقيل ضمن مجموعة كبيرة كتبها الأديب الشيخ لطف الله الجد حفصي البحراني سنة 1201 ولو تصدى (مؤرخ أديب) لشرحها وسرد ما تضمنته من القضايا التأريخية والفضائل العلوية والمواقف الحيدرية لكانت خيرة كتب الأدب والتاريخ .
اقول وهذه السبع الطوال نذكرها بالتسلسل .
القصيدة الاولى .
يا عين ما سفحت غـروب دماكِ إلا بمـا أُلهـمت حُـبّ دمـاك
ولطـول إلفـك بالـطـلول أراك أقماراً بزغنَ على غصون أراكِ
ما ريق دمعك حين راق لك الهوى إلا لأمـر فـي عـناك عـناكِ
لك ناظرٌ في كل عضـو ناضـرٍ منّاك تـسويـفاً بلوغ مـنـاك
كم نظرة أسـلفت نـحو سوالف سامت أسـاك بهـا علاج أساك
فجنيتِ دون الـورد ورداً مـتلفاً وانهار دون شـفاك فـيه شفاك
يا بانة الـسعدي ما سَلت ظُبـاك علـيّ الا مـن جـفون ظِبـاك
شعبت فؤادي فـي شعـابك ظبية تصمـي القـلو ببـناظـر فتاك
تبدو هلال دجى وتلحـظ جؤذراً وتميس دلاً فـي منيـع حمـاك
شمس تبـوّءت القـلوب مـنازلاً مأنـوسة عـوضـاً عن الأفلاك
سكنت بـها فسكـونهـا متـحرك وجسومها ضعفـت بغير حـراكِ
أسـديـّة الآبـاء الا أن منتسـب الخؤولة مـن بـنـي الاتـراك

ادب الطف ـ الجزء الرابع 152


أشقـيقه الحسبيـن هـل مـن زورة فيها يُبـلّ مـن الضـنا مضـناكِ ؟
مـاذا يضـرّك يـا ظـبــيّه بابل لـو أنّ حـسـنك مثـله حسنـاكِ ؟
أنكـرت قـتل متيـم شهــدت له خدّاك مـا صنـعت بـه عيـناك ؟
وخضـبت مـن دمـه بناتك عنوة وكفاك مـا شـهـدت بـه كـفاكِ ؟
حجبتك عن أسد اسـود عـريـنها وحماك لـحظك عن اسود حـماكِ
حجبوك عن نظـري فـيـا لله ما أدنـاك مـن قلبي ومـا أقـصاك
ضنّ الكرى با لطيف منك فلم يكن إسـراك بـل هجر الكرى أُسراكِ
ليت الخيـال يجـود منك بنـظرة ان كان عـزّ علـى المحب لقـاكِ
فأرقت أرض الـجامعين فلا الصبا عذب ولا طرف السـحائب باكـي
كـلا ولا بـرد الكلابيـد الحـيـا فيها يحـاك ولا الحمـام يحاكـي
ودّعت راحـلة فكـم مـن فـاقد باكٍ وكم مـن مسـعف متـباكـي
أبـكى فـراقكـم الفريق فأعـين المشـكوّ تبكـي رحمـة للشاكـي
كنّا وكنت عن الفـراق بـمعزل حتّى رمـانـا عـامـداً ورمـاكِ
وكذا الأولى من قبـلنا بـزمانهم وثقوا فصيّرهم حكـاية حـاكـي
يا نفس لو أدركتِ حظـا وافـراً لنهـاكِ عـن فـعل القـبيح نهاك
وعرفت من أنشاكِ من عدم إلى هذا الـوجـود وصـانـعاً سوّاك
وشكرتِ منّته عليك وحسـن ما أولاك مـن نـعـمائـه مـولاك
أولاك حـبّ محـمد ووصيـّه خيـر الأنـام فنـعـم مـا أولاكِ
فهما لعمرك علـّماك الديـن في الأولـى وفي الأخرى هما عَلماك
وهما أمانك يـوم بعثك في غدٍ وهما إذا انـقطع الـرجاء رجاك
وإذا وقفتِ على الصراط تبادرا فتـقـدّمـاك فلـم تـزل قدماك
وإذا انـتهيت إلى الجـنان تلقّيا ك وبشـّراكِ بـها فـيا بـشراك

السابق السابق الفهرس التالي التالي