ادب الطف ـ الجزء الرابع 66


ورأيت دين الاعتـزال واننـي اهوى لأجلك كل من يتشيع
ولقد علـمت بـأنـه لا بد من مهـديكـم ولـيومه اتـوقع
تحمـيه مـن جند الاله كتائب كالـيمّ أقبل زاخـراً يـتدفع
فيهالآل أبي الـحديـد صوارمٌ مشهورة ورماح خـط شرّع
ورجال موت مقدمون كـأنهم اسـد العرين الربد لا تتكعكع
تلك المنى اما أغب عنهـا فلي نـفس تنازعني وشوق ينزع

تم تخلّص الى مصيبة الحسين عليه السلام بالابيات التي هي في صدر الترجمة .
وقال في احدى علوياته الشهيرة بعد أن عدد مناقب الامام امير المؤمنين عليه السلام ذكر الحسين (ع) :
لقـد فـاز عـبد لـلولـيّ ولاؤه وإن شابَهُ بالموبـقـات الكـبائـر
وخاب معاديـه ولـو حـلّقت به قوادم فتخاء الجنـاحــين كاسـر
هو النبأ المكـنون والجوهر الذي تجسد من نور من القـدس زاهـر
ووارث علم المـصطفى وشقـيقه أخاً ونظيراً في العـلـى والأواصر
تعاليت عـن مدح فابلغ خاطـب بمدحك بين النـاس أقصـر قاصر
فليت ترابا حـال دونـك لم يحل وساتر وجه منـك لـيـس بـساتر
لتنظر ما لاقى الحسين ومـا جنت عليه العدى من مفظـعات الجرائـر
فيالك مقـتولاً تهدمـت الـعلـى وثُلّت به أركـان عــرش المفاخر
ويا حسرتـى إذ لم أكن في اوائل من الناس يتلى فضلـهم في الأواخر
فانصر قواماً إن يكن فات نصرهم لدى الروع خطارى فمامات خاطري
عجبت لاطواد الاخاشب لم تمـد ولا أصبحت غوراً مـياه الكـوافر(1)


(1) جمع كافر : هو البحر أو النهر العظيم .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 67


وللشمس لم تكسف وللبدر لم يحل وللشهب لـم تـقـذف بأشـأم طائر
أما كان في رزء ابن فاطم مقتضٍ هـبوط رؤس أو كـسوف زواهـر
ولكنـما قـدر النفـوس سجـية لها وعزيز صـاحب غـير غـادر
بنى الوحى هل ابقى الكتاب لناظم مقـالـة مـدح فيكـم أو لـناشـر
اذا كان مولى الـشاعرين وربهم لكم بـانـياً مجـداً فمـا قدر شاعر
فاقسم لولا أنكـم سبـل الهـدى لضلّ الورى عن لا حب النهج ظاهر
ولو لم تكونوا في البسيطة زلزلت وأخرب من أرجـائـها كـل عامر
سأمنـحـكم مني مـودة وامـق يغض قِلاً عـن غيركم طرف هاجر
ومن احدى علوياته :
حنانيك فـاز العـرب مـنك بسؤدد تقاصر عنه الفرس والروم والنوب
فما ماس موسى فـي رداء من العلى ولاآب ذكـراً بعـد ذكرك ايـوب
أرى لك مجداً ليس يـجلب حـمـده بمدح وكل الحمـد بالمدح مجلوب
وفضلاً جليلاً إن وفى فـضل فاضل تعاقـب إدلاج عـلـيه وتـأويب
لذاتك تـقديـس لرمـسك طـهـرة لوجهـك تعظيم لمـجدك تـرحيب
وقد قيل في عيـسى نـظيرك مثله فخسرٌ لمن عادى عـلاك وتتـبيب
عليك سلام الله يا خيـر مـن مشى به بازل عبر المهامة خـرعـوب
وقوله يمدحه في ذكر فتح مكة :
طلعت على البيت العتيق بعارض يمجّ نجيعا من ظبى الهند أحمرا
فألقى اليك السلم من بعد ما عصى جُلندى(1) وأعيا تُبّعاً ثم قيصرا


(1) جُلندى بضم الجيم مقصورا اسم ملك لعمان ، وتبع واحد التابعة وهم ملوك اليمن .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 68


واظهـرت نـور الله بـين قـبائل من الناس لم يبـرح بها الشرك نيرا
وكسرت اصنـاما طعـنت حمـاتها بسـمر الوشـيج اللـدن حتى تكسرا
رقيتَ بأسـمى غـاربٍ أحـدقت به ملائـكُ يتـلون الكتـاب المسـطرا
يغارب خير المرسلين وأشـرف الـ ـأنام وأزكـى ناعـل وطـأ الثرى
فـسـبّح جـبريـل وقـدّس هيـبة وهلــل إسـرافـيل رعباً وكبّـرا
فيا رتبة لو شـئت أن تلـمس السها بها لـم يـكن مـا رمـته متـعذرا
ويـا قدمـيـه أي قـدس وطـأتما وايّ مـقـامٍ قمتـما فـيـه أنـورا
بحـيث أفاءت سدرةُ العـرش ظلها بضـوجـيه(1) فاعتدّت بذلك مفخرا
وحيث الوميض الشعشعانـي فايض من المصدر الاعـلى تبارك مصدرا
فلـيس سـواع بعــدها بمعـظم ولا اللات مسـجوداً لـها ومعـفّرا


(1) الضوج : الجانب .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 69


ابن الابّار
القضاعي المتوفي 658
أتنتهـب الايـام أفـلاذ أحمد وأفلاذ من عـاداهـم تـتـودد
ويضحى ويضما أحـمد وبناته وبنت زيـاد وردهـا لا يصرّد
أفي دينه في امنـه فـي بلاده تضيق علـيهم فسحـة تـتورد
وما الدين إلا دين جـدهم الذي به أصدروا في العالمين وأوردوا

رواها صاحب كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) في الجزء الثاني ص 604 وقال :
انتهى ما سنح لي ذكره من (درر السمط) وهو كتاب غاية في بابه ، ولم أورد منه غير ما ذكرته لان في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع ، والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه ولطفه .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 70


جاء في محاضرة للدكتور عبد اللطيف السعداني من اهل المغرب (فاس) وعنوان المحاضرة : حركات التشيع في المغرب ومظاهره .
وبعد أن استطرد في بيانه روى لنا قصيدة صفوان بن ادريس التجيبي من شعراء القرن السادس الهجري والتي رددها ابناء المغرب في شهر المحرم قال :
ونتلمس هذه الحركة فيما بعد عصر مبدع هذه القصيدة الحسينية فنعثر على اثر آخر للفكر الشيعي حيث نلتقي بأحد أدباء الاندلس في النصف الاول من القرن السابع الهجري هو القاضي ابو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي (المقتول في 20 محرم سنة 658 هـ) ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة موضوعهما هو رثاء سيدنا الحسين . اولهما : (اللجين في رثاء الحسين) ولا يعرف اليوم اثر لهذا الكتاب غير اسمه وثانيهما : «درر السمط في اخبار الطيب من غصن الاندلس الرطيب . وقد اعترف المقري بأنه اغفل نقل بعض الفقرات من الكتاب مما «يشمّ منه رائحة التشيع» ثم انه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط . ونضيف هذا القول الواضح والشهادة الصريحة الى ما اشرنا اليه سابقا عن علّة سكوت كتب التاريخ وغيرهما من الاشارة الى آثار التشيع في المغرب والاندلس . ولم يحل عم المقري مع ذلك من اعطائه حكما موضوعيا عن هذا الكتاب فقط : «وهو كتاب غاية في بابه» وقد اكتشف هذا الكتاب برمته واستطعنا ان ندرك عن كثب اهميته البالغة في هذا الباب .
ومهما اطلنا في التنويه بهذا الكتاب واسلوبه الجميل وبيانه الرائع وتأثيره البالغ في سامعيه بوصفه لتلك الحوادث المؤلمة في تاريخ الاسلام فانه لا يكفي

ادب الطف ـ الجزء الرابع 71


لبيان منزلته في الادب الشيعي وهو على كل حال يقدم لنا الدليل القاطع على رواج حركة التشيع في الاندلس في هذا العصر . ولكي نأخذ فكرة واضحة عن ذلك انقل بعض الفقرات من هذا الكتاب مما لا يبقى معه شك بتشيع صاحبه . بدأ بتحية آل البيت والشهادة بحبهم :
«اولئك السادة احيى وافدّي والشهادة بحبهم أوفّي وأؤدّي ومن يكتمها فانه آثم قلبه . ثم خاطبهم وذكر نقاء حقيقتهم النبوية وعاقبة أمرهم :
«يا لك أنجم هداية لا تصلح الشمس عن آية ، كفلتم في حجرها النبوة فلله تلك النبوة ذرية بعضها من بعض . سرعان ما بلي منهم الجديد وغري بهم الحديد نسفت أجبلهم الشامخة وشدخت غررهم الشادخة ، فطارت بطررهم الارواح وراحت عن جسومهم الأرواح ، بعد ان فعلوا الافاعيل وعيل صبر اقتالهم وصبرهم ماعيل» .
ويتحسر عليهم ويعرض باعدائهم فيقول :
«اشكو الى الله ضعف الامين وخيانة القوى قعد بالحسين حقه وقام بيزيد باطله واخلاقه حضر موقد القضاء الخصمان وعنت الوجوه للرحمن جاء الحق وزهق الباطل ان الامامة لم تكن للئيم ما تحت العمامة من سبط هند وابنها دون البتول ولا كرامة ، يسر ابن فاطمة للدين بتسمّيه وابن ميسون للدنيا تستهويه اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ، فأما هذا فتحرّج وتأثم واما ذاك فتلجلج وتلعثم ، مشى الواحد الى نور يسعى بين يديه وعشى الثاني الى ضوء نار لا يغرو ما لديه ، يا ويح من وازى الكتاب فقال والدنيا أمامه : كانت بنو حرب فراعنة فذهب ابن بنت رسول الله ليخرجهم من العراق فانعكس الروم وحورب ولا فارس والروم . وعندما يصف الحادث المفجع لقتل سبط الرسول نحُسّ ان قلبه يكاد ينفطر من الأسى فيقول :

ادب الطف ـ الجزء الرابع 72


«عاشر محرم ابيحت الحرمات وافيضت على النور الظلمات ، فتفاقم الحادث وحمل على الطيبين الاخابث وضرب السبط على عاتقه ويسراه وما أجرأ من أسال دمه وأجراه ، ثم قتل بعقب كلكم ذبحا وغودر حتى العاديات ضبحا» ويضيف مشيرا في الاخير الى ان هذه الداهية كانت السبب في ادبار عز المسلمين «أيّة فتنة عمياء وداهية دهياء لا تقوم بها النوادب ولا تبلغ معشارها النوائب ، طاشت لها النهى وطارت واقبلت شهب الدجى وغارت ، لولاها ما دخل ذل على العرب ولا الف صيد الصقر بالحزب نسف النبع بالغرب فانظر الى ذوي الاستبصار خضع الرقاب نواكس الابصار .
وإن قتيل الطف من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّتِ»

وفي الأخير يعود الى تأكيد الايمان بهم والتعلق بحبهم وتفضيلهم على أعدائهم يقول :
ما عذر لأمية وأبنائها في قتل العلوية وإفنائها أهم يقسمون رحمة ربك ؟ كم دليل في غاية الوضوح على انهم كسفينة نوح من ركب فيها نجى ومن تخلّف عنها غرق ، ثم يحسبهم آل الطليق ويطاردهم آل الطريق . وما نقموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . نساؤهم أيا من امية وسماؤهم أرض بني سمية .
من عصبة ضاعت دماء محمد وبنيه بين يزيدها وزيادها كان الحسين يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا ويزيد يتلف العمر تبريحا وعدوانا عمرك الله كيف يلتقيان(1) .
وقد بقي لهذا الكتاب ونزعته الشيعية صدى انتقل الى المغرب وظل بها

(1) اعتمدنا فيما نقلناه مخطوطة كتاب (درر السمط في أخبار السبط) التي تهيأ للطبع بتحقيق الدكتور عبد السلام البهراس والاستاذ سعيد اعراب .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 73


زمنا طويلا فبعد ثلاثة قرون من تأليفه نعثر على شرح له لأحد المغاربة هو الفقيه الأديب سعيد الماغومي الملقب بوجمعة المولود سنة 950 هـ ويعتبر هذا الشرح اليوم من الفقودات . غير أن ابن القاضي يخبرنا في كتابه درة الحجال انه كان موجوداً في خزانة المنصور السعدي بمدينة مراكش . وتظهر عناية ملوك المغرب بمثل هذه التآليف فيما قيل من أن شارح هذا الكتاب أخذ مكافأة على تأليفه وزنه ذهبا .
جاء في فوات الوفيات في ترجمة ابن البار ما يلي :
محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي الكاتب الاديب المعروف بابن الادبار ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة عني الحديث وجال في الاندلس وكتب العالي والنازل وكان بصيرا بالرجال عالما بالتاريخ إما ما في العربية فقيها مفننا أخبارياً فصيحا له يد في البلاغة والانشاء كامل الياسة اذا رياسة وافية وأبهة وتجمل وافر .
وله من المصنفات «تكملة الصلة» لابن بشكوال كتاب «تحفة القادم» وكتاب «ايماض البرق» .
قتل مظلوما بتونس على يد صاحبها لأنه تخيل منه الخروج وشق العصا وقيل : ان بعض اعدائه ذكره عند صاحب تونس انه الف تاريخا وأنه تكلم فيه في جماعة فلما طلب وأحس بالهلاك قال لغلامه : خذ البغلة وامض بها حيث شئت فهي لك وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة .
ومن شعره :
منظوم الخدّ مورده بكسوني السقم مجرده
شفاف الدر له جسد يأبى ما اودع مجسده


ادب الطف ـ الجزء الرابع 74


في وجنـته من نعمـته جمـر بفؤادي مـوقـده
ريم يرمـى عـن اكحله زرقا تُصمى من يصمده
متداني الخطوة من ترف اتـرى الأحـجال تقعده
ولاه الحـسـن وامـره وأتاه السحـر يـؤيـده

وقال ايضاً رحمه الله تعالى :
ونهر كـما ذابت سبـائك فضة حكى بمـجانيه انعـطاف الاراقم
إذا الشفق استولى عليه احمراره تراءى قضيباً مثل دامي الصوارم

وقال ايضا رحمه الله تعالى :
لم تدر ما خلّدت عينـاك فـي خلدي مـن الـغرام ولا ما كابدت كبدي
افـديـك من رائـد رام الدنو فـلم يسطـعه من فـرق في القلب متقد
خاف العيون فـوافانـي على عجل مـعـطلا جـيده إلا مـن الـجيد
عاطيته الكأس فـاستحـيت مدامتها من ذلك الـشنب المـعسول والبرد
حتـى إذا غازلت اجـفانـه سـِنَة وصيّرته يد الصهباء طـوع يـدي
اردت تـوسـيده خـدي وقلت له فـقال كـفك عـندي أفضل الوسد
فبات فـي حرم لا غـدر يذعـره وبتَ ظمـآن لـم اصـدر ولم أرد
بـدر ألمّ وبـدر الأفـق ممـتحق والجو مُحلو لك الأرجاء من جسدي
تـحيّر اللـيل فـيه أين مطلـعه أما درى الليل أن الـبدر طوع يدي

وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فذكر جملة من مؤلفاته وروائع من اشعاره . كما ترجم له السيد الأمين في الأعيان .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 75


احمد بن صالح السنبلي
المتوفي 664

قال في فوات الوفيات : فمن قوله ـ وقد وقع مطر كثير يوم عاشوراء :
يوم عاشوراء جادت بالحيا سُحُبٌ تهـطل بالدمع الهـمول
عجباً حتى السماوات بكت رُزء مولاي الحسين ابن البتول(1)

اقول وبهذه المناسبة ذكر العماد الاصفهاني الكاتب في (خريدة القصر)(2) قول المهذب بن الزبير يرثي أحد الكبراء ، وقد نزل المطر عقب موته .
بنفسي مَن أبكى السماوات فقده بغيث ظننـاه نـوال يمـينه
فما استعبرت إلا أسـى وتأسفاً وإلا فماذا القطر في غير حينِه

(1) فوات الوفيات ج 1 ص 83 .
(2) خريدة القصر ص 222 .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 76


احمد بن صالح السنبلي
قال ابن شاكر في فوات الوفيات ص 83 من شعره في مكاري
هـويتُه مكارياً شرّد عن عيني الكرى
كأنه البدر ، فما يَمّـلُ من طول اسرى

وله في سيف الدين عامِل الجامع :
ربعُ المصالح دارس لم يبـق منه طائل
هيهـات تعمر بقمة والسيف فيها عامل

وله في زهر اللوز :
للـوز زهـر حـسـنه يُصبى الى زمن التصابي
شكت الغصون من الشتا فأعارها بـيضَ الثيـاب
وكأنه عـشق الـربـيع فشاب من قـبل الشباب

وشعره جيد وان كان من المقطعات ويدل مع قلّته على ذوق أصيل .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 77


ابو الحسين الجزار
المتوفي 672
ويعود عاشورا ، يذكرني رزء الحسين فلـيت لم يعُد
يا لبت عيناً فيه قد كحلت بمسرّة لم تخـل عـن رمد
ويداً به لشماتة خضـبت مقطوعة من زنـدهـا بيدي
يوم سبـيلي حين اذكـره ان لا يدور الصبر في خلدي
أما وقد قـتل الحسين به فابوا الحسين أحـقّ بـالكمد(1)


(1) عن نسمة السحر فيمن تشيع وشعر ـ مخطوط مكتبة كاشف الغطاء العامة .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 78


جمال الدين ابو الحسين يحى بن عبد العظيم الجزار المصري .
ولد سنة 601 وتوفي سنة 672 وفي شذرات الذهب توفي في شوال سنة 679 وله ست وسبعون سنة أو نحوها ودفن بالقرافة .
وفي شذارت الذهب : الاديب الفاضل كان جزاراً ثم استرزق بالمدح وشاع شعره في البلاد وتناقلته الرواة .
جمع له الشيخ المعاصر الشيخ محمد السماوي رحمه الله من الشعر ديواناً يربو على الف ومائتين وخمسين بيتاً ، وله ارجوزة في ذكر من تولى مصر من الملوك والخلفاء وعما لها ذكرها له صاحب نسمة السحر .
قال ابن حجة في خزانة الادب : تعاهد هو والسراج الورّاق والحمامي وتطارحوا كثيراً وساعدتهم صنائعهم وألقابهم في نظم التورية حتى انه قيل للسراج الوراق : لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك .
قال صاحب نسمة السحر : وكان من اهل مصر وله الشعر الجيد والنكت الدالة على خفة روحه ، وله مع سراج الدين عمر الوراق لطايف شعرية وكانا كنفس واحدة وشعرهما متشابه الا انه محكم .
قال السيد الأمين في الأعيان هذه قصيدة وجدها صاحب الطليعة في مجموعة حليّة .
حكم العيون على القلوب يجوز ودواؤها من دائهن عزيز
كم نظرة نالت بطـرف فـاتر ما لم ينَله الذابل المحزوز


ادب الطف ـ الجزء الرابع 79


فحـذار من تلك اللواحـظ غـرّة فالسـحر بـين جفـونها مركوز
يا ليت شـعري والأمـاني ضـلّة والدهر يـدرك طرفـه ويـجوز
هل الى روض تصـرّم عـمـره سبب فيرجـع مـا مـضى فأفوز
وأزور مـن ألِفَ البعاد وحــبّه بين الجوانـح والحشـا مـرزوز
ظبيٌ تـناسب في الملاحة شخصه فالوصف حـين يطـول فيه وجيز
والبدر والـشمس المنيـرة دونـه في الوصف حيـن يـحرّر لتمييز
لولا تثـنى خــصره في ردفـه مـا خــلـت إلا أنّـه مغـروز
تجفو غـلالتــه علـيه لطافـة فبحسنـها من جـسمـه تـطريز
مَن لي بدهــرٍ كـان لي بوصاله سمحاً ووعـدي عـنده مـنجـوز
والعيش مخضّر الجنـاب أنيـقـه ولأوجـه اللـذات فيـه بــروز
والروض في حلل النـبات كأنـه فرشـت عليه دبـابـج وخـزوز
والماء يبدو فـي الخـليج كـأنـه ظل لـسـرعة سيـره محـفـوز
والزهر يوهم نـاظـريـه إنـما ظهرت بـه فـوق الرياض كنوز
فأقـاحـه ورق ومنثور الـنـدى درّ ونــور بـهـاره ابـريــز
والغصن فيـه تغـازل وتـمـايل وتـشاغـل وتـراسـل ورمـوز
وكأنما القمري ينـشد مـصـرعاً من كل بيـت والحمـام يـجـيز
وكـأنمـا الدولاب زمـر كـلـّما غنّت وأصـواب الـدوالـب شيز
وكأنما الماء المـصفّـق ضاحـك مسـتبشر مـمّـا أتـى فيــروز
يهنيك يا صـهر النـبي محـمّـد يــوم بـه للـطيـبـين هـزيز
أنت المقـدّم فـي الخـلافة مـالها عـن نحو ما بك في الورى تبريز
صبّ الغدير على الألى جحدوا لظى يـوعـى لـها قـبل القـيام أزيز
إن يهمزوا في قـول أحمد أنت مو لى للـورى ؟ فالـهامز المهمـوز
لم يخـش مـولاك الجـحيم فـانّها عنه إلـى غيـر الـولـيّ تجـوز


ادب الطف ـ الجزء الرابع 80


أترى تـمرّ به وحبّك دونه عوذٌ ممانعـة له وحروز
أنت القسيم غداً فلهذا يلتظي فيها وهذا في الجنان يفوز

وذكر له ابن حجة قوله مؤرياً في صناعته :
الا قـل للذي يـسأ ل عن قومي وعن أهلي
لقد تسأل عـن قومٍ كـرام الفرع والأصـل
تُرجّيـهم بنـو كلبٍ وتـخشـاهم بـنو عجل

ومثله قوله :
إني لمن معشر سفك الدماء لهم داب وسل عنهم ان رمت تصديقي
تضيء بالدم إشـراقاً عراصهم فـكلّ أيـامـهم أيـام تـشريـق

ومثله قوله :
أصبحت لحـاماً وفي البيت لا اعرف ما رائحة اللحم
واعتضت من فقري ومن فاقتي عن التذاذ الطعمِ بالشم
جهلـته فقراً فـكنـتُ الـذي اضلّـه الله علـى علم

وظريف قوله :
كيف لا اشكر الجزارة ما عشـ ـتُ حفاظـاً وارفـض الآدابـا
وبها صـارت الـكلاب ترجيّـ ـني وبالشعر كنت أرجو الكلابا

ومثله قوله :
معشر ما جاءهم مسترفدُ راح إلا وهو منهم معسر
أنا جزّار وهم من بقـرٍ ما رأوني قـط إلا نفروا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 81


كتب إليه الشيخ نصير الدين الحمامي مورياً عن صنعته :
ومذ لزمتُ الحمام صرت بها خلا يداري مَن لا يداريه
أعرف حرّ الاشـيا وباردها وآخذ الماء من مـجاريه

فأجابه أبو الحسين الجزّار بقوله :
حسن التأني مما يعين على رزق الفنى والحظوظ تختلف
والعبد مذ صار في جزارته يعرف من أين تؤكـل الكتف

وله في التورية قوله :
أنت طوقتني صنيعاً واسمعـ ـتك شكراً كلاهما ما يضيع
فإذا ما شجاك سجـعي فإني أنا ذاك المطـوّق المـسموع

ومن طائفة ما كتب به إلى بعض الرؤساء وقد منع من الدخول إلى بيته
أمولاي ما من طباعي الخروج ولكن تعلّمـته مـن خـمـول
أتيت لبـابـك أرجو الغـنى فأخرجني الضرب عند الدخول

ومن مجونه في التورية قوله عند زواج والده :
تزوّج الشيـخ أبي ، شيخة ليس لها عـقلٌ ولا ذهن
لو برزت صورتها في الدجا ما جسرت تبصرها الجنّ
كأنـها فـي فـرشـها رمّة وشعرها مـن حـولها قطن
وقائـل لـي قال : ما سنّها فقلتُ : ما فـي فمها سنّ

وله قوله في داره :
ودار خراب بها قد نزلـ ـت ولكن نزلت إلى السابعه


ادب الطف ـ الجزء الرابع 82


طريق مـن الطرق مسلوكة محجتـها للورى شاسعه
فلا فرق ما بـين أني اكون بها أو أكون على القارعة
تساورها هفـوات النـسيم فتصغـي بلا أُذن سامعه
وأخشى بها أن أُقيم الصلاة فتسجد حيـطانها الراكعة
إذا ما قـرأت إذا زلزلـت خشيتُ بأن تقـرأ الواقعه

وله في بعض ادباء مصر وكان شيخاً كبيراً ظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت ، قوله ذكره له ابن خلكان في تاريخه 1 ص 67 :
أيها السـيد الأديـب دعـاءاً من محبّ خال من التنكيت
أنت شيخ وقد قربتَ من النار فكـيف أدهنت بالكبريـت

وله قوله :
مَن منصفي من معشـر كثروا عليّ وأكثروا
صادقتهم وأرى الخـرو ج من الصداقة يعسر
كالخط يسهل في الطرو س ومحـوه يتعـذّر
وإذا أردت كـشـطته لكـنّ ذاك يــؤثـّر

ومن قوله في الغزل :
بذاك الفـتور وهذا الهيف يهون على عاشقـيك التلف
أطرت القلوب بهذا الجمال واوقعتها في الأسى والأسف
تكلّف بـدر الدجى إذ حكى محياك لـو لم يشـنه الكلف
وقام بعـذري فيـك العذار واجـرى دمـوعيَ لمّا وقف
وكم عاذل أنكر الوجـد فيك عليّ فلـما رءاك اعـتـرف


ادب الطف ـ الجزء الرابع 83


وقالوا : بـه صلـف زائــدٌ فقلت : رضيت بذاك الصلَف
لئن ضاع عمري في مَن سواك غراماً فـإن علـيك الخلـف
فهـاك يـدي إننــي تائـب فقل لي : عفى الله عما سلف
بجوهـر ثغرك مـاء الحـياة فماذا يضرّك يـو يُرتـشف
ولم أرَ مـن قبـله جـوهـراً من البهرمان(1) عليه صدف
أكاتـم وجـديَ حـتـى أراك فيعرف بالحال لا مَن عرف
وهيهات يخفى غرامـي عليك بطرف همى وبقلب رجـف
ومن قوله :
حمت خدّها والثغر عن حائم شجٍ له أمـل فـي مـورد ومـورّد
وكم هام قلبي لارتشاف رضابها فأعرف عن تفصيل نحو المبرّد

ومن بديع غزله قوله :
وما بي سوى عين نظرت لحسنها وذاك لجـهلي بالعيـون وغرتي
وقالوا : به في الحب عين ونظرة لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي

وله قوله يرثي حماره :
ما كل حـين تـنجح الأسـفار نَفقَ الحـمار وبـارت الأشعار
خرجي على كتفي وها أنا دائر بـين البيـوت كأننـي عطـّار
ماذا علـيّ جـرى لاجل فراقه وجرت دموع العين وهي غزار


(1) البهرمان : الياقوت الاحمر .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 84


لم أنـس حـدة نفـسه وكـأنـه من ان تسابـقه الـرياح يغار
وتخالـه فـي القـفر جِنّاً طائراً ما كل جـنّ مـثله طـيـار
وإذا أتى للحوض لـم يخـلع له في الماء من قبل الورود عذار
وتراه يـحرس رجـله من زلّـة برشـاشهـا يتنجّـس الحضار
ويلين في وقـت المضيق فيلتوي فكأنما بيـديـك مـنه سـوار
ويشير في وقـت الزحام برأسه حتى يحـيد أمـامـه النظـار
لـم أدر عـيباً فـيـه إلا انـه مع ذا الـذكاء يقـال عنه حمار
ولـقد تحامتـه الكلاب وأحجمت عـنـه وفـيه كـل ما تـختار
راعت لصاحبه عهوداً قد مضت لمـا عــلمـن بأنـه جـزّار

وقال في موت حمار صديق له :
مـات حـمار الاديب قلت لهم مضى وقد فات منه ما فاتا
مَن مات في عزه استراح ومَن خلّف مثل الأديب مـا ماتا

وله قوله :
لا تعـبني بصنـعة الـقصـّاب فهـي أذكى من عنبر الآداب
كان فضلي على الكلاب فمذ صر ت أديباً رجوتُ فضل الكلاب

ومن ظريف التضمين قوله على روي قصيدة امرئ القيس .
قفا نبك من ذكرى قميص وسروال ودراعة لي قد عفا رسمها البالي
ومـا انا مَن يبكي لاسماء إن نأت ولكـنني أبكي على فقد اسمالي

ادب الطف ـ الجزء الرابع 85


لو انّ امرء القيس ابن حجر رأى الذي أكابده مـن فـرط هـمّ وبـلبال
لما مـال نحو الخـدر خـدر عنيزة ولا بات الا وهو عـن حبّها سالي
ولا سيـما والبـرد وافـي بـريـده وحالي بمااغتدت من عسره حالي(1)

ومن شعره كما في شذرات الذهب .
عاقبتني بالصد مـن غير جرم ومحا هجرهـا بقية رسـمـي
وشكوت الجوى الى ريقها العـ ـذب فجارت ظلماً بمنع الظلم
انا حكّمتها فجارت وشرع الحب يقضي أنـي احكـّم خصـمي

وله :
أكلّف نفسـي كـل يـوم وليـلة هموماً على مَن لا افـوز بخيـره
كما سوّد القصار في الشمس وجهه حريصاً على تبييض أثواب غيره

وكانت بينه وبين السراج الوراق مداعبة فحصل للسراج رمد فاهدى الجزار له تفاحاً وكمثرى وكتب مع ذلك .
أكافيك عن بعض الـذي قد فعلته لأنّ لـمولانـا علـيّ حـقـوقـا
بعثت خـدوداً مع نـهود وأعينا ولا غرو ان يجزي الصديق صديقا
وان حال منك البعض عما عهدته فما حال يـوم عـن ولاك وثوقـا


(1) عن المجموعة الادبية المخطوطة للشيخ كاشف الغطاء في المكتبة العامة برقم 872 .
ادب الطف ـ الجزء الرابع 86


بنفسج تلـك الـعين صار شقائقاً ولؤلـؤ ذاك الدمع عاد عقيقا
وكم عاشق يشكو انقطاعك عندما قطعت على اللذات منه طريقا
فلا عـدمتك العاشـقون فطالـما اقمت لأوقات الـمسرّة سوقا

وله :
يمضي الزمان وأنت هاجر أفمـا لهذا الهجر آخر
يا من تحـكّم فـي القلوب بحاجـبٍ مـنه وناظر
مولاي لا تـنس المحـبّ فـانـه لهـواك ذاكـر
واذا رقـدت منـعــمـاً فاذكـر شقياً فيك ساهر
شتـان ما بـيني وبـينك في الهوى ان كنت عاذر
النـار في كـبدي وظلمك بـاردٌ والجـفن فـاتـر

ومن أخباره مع السراج الوراق أنهما اتفقا ببعض ديارات النصارى وفيه راهب مليح وجاء زامر مليح أيضا ثم اتفق مجيء بعض مشايخ الرهبان فضرب الراهب وهرب الزامر فقال أبو الحسين :
في فخّنا لم يقع الطائر . فقال السراج : لا راهب الدير ولا الزامر .
فقال أبو الحسين : فسعدنا ليس له أول . فقال السراج :
ونحسنا ليس له آخر .
وذكر الصفدي أن أبا الحسين الجزار جاء الى باب الصاحب زين الدين ابن الزبير فأذن لجماعة كانوا معه وتأخر اذنه ، فكتب إلى الصاحب
الناس قد دخلوا كالاير كلهم والعبد مثل الخصى ملقى على الباب

السابق السابق الفهرس التالي التالي