جاءت الروايات بأسانيدها الصحيحة عن النبي واهل البيت عليهم السلام في فضل زيارة الحسين وان الله عوض الحسين عن شهادته و تضحيته بان كان الشفاء في تربته والائمة من ذريته و استجابة الدعاء عند قبته، وان الله ينظر الى زوار قبر الحسين عشية عرفة قبل ان ينظر الى حجاج بيته الحرام. ذلك لان الحسين حفظ حرمة البيت الحرام.
فقد قال لابن عباس عندما خرج من مكة المكرمة قبل ان يتم حجه يابن عباس لو لم اخرج لهتكت حلمة البيت.
وجاء عن الامام الباقر(ع) ان الحسين قتل مظلوما فألى الله ان لايأتي قبر الحسين مظلوم الا تكفل برد مظلمته، وأن الحسين قتل مهموما حزينا كئيبا فألى الله ان لاياتي قبر الحسين مهموم الا فرج عنه. الى أمثال هذا كثير وكثير فقامت الشيعة بكل شوق تقصد قبر الحسين من البلدان النائية و الاقطار البعيدة ولا يصدها عن ذلك تعب ولا نصيب ولا خوف ولا خطر وتضحية بكل غال ورخيص في سبيل زيارة الحسين لتقف في مرقده المطهر و تستوحي من روحانية ابي الشهداء دروس العزة والتضحية ولتراجع بذنب مغفور و طرف مقرور، و من اعظم المواسم التي تقصدها الشيعة - كما ارشد أئمتهم هي ليلة عاشوراء والتي في صبيحتها كان استشهاد الحسين عليه السلام. و الكثير من الشيعة يحيى هذه الليلة بالدعاء واقامة العزاء وتلاوة مقتل الطف والبكاء لان الحسين عليه السلام أحياها بالصلاة والاستغفار وقراءة القرآن هو وأصحابه كما جاء في الرواية: بات الحسين وأصحابه ليلة العاشر من المحرم ولهم دوي كدوي النحل من التهجد و التضرع و الدعاء والاستغفار، فقال فيهم شاعرهم:
كلما عاد شهر محرم الحرام عادت معه ذكرى ابي الشهداء وشهيد الاباء ابي عبد الله الحسين عليه السلام. عادت حافلة بالعَبرة والعِبرة وعادت الذكرى للحادثة الدامية فما من بقعة من بقاع الارض وفيها شيعة لأهل البيت، إلا وأقيمت ذكرى الحسين(ع) وانتصب منبر الحسين وعزاء الحسين(ع).
أما كربلاء - بلد الحسين ومحل استشهاده و مصرعه - فانها تلبس الحداد و تتجلبب بالسواد و تحمل شارات الحزن فلا تجد مكانا ولا محلا ولا مخزنا ولا مسجدا الا وعليه شعار الحسين ويجتمع الناس و تغص كربلاء بالوفاد من جميع الاقطار الاسلامية فليس هناك منظر اعظم من ذلك المنظر في اللوعة والتفجع وتتوالى المواكب والاجتماعات فكل موكب يمثل بلدا من البلدان يحمل شعاره ويردد أناشيد الحزن ووالعزاء. فهذا موكب شباب الكاظمية في ليلة عاشوراء يحف بالراية العراقية ويشق
طريقه الى حرم الامام الحسين (ع) تتقدمه المشاعل الكهربائية والاعلام الحسينية وتتعالى نغمات الأناشيد قائلة:
روذاك موكب قضاء(بلد) قد كتب على الراية بحروف بارزة:
ويتلوه قضاء(القورنة) قد كتب على الراية:
وهذا موكب بغداد يكتب على قطعة قماش:
ويمر موكب النجف الاشرف وهو أضخم موكب يكون ليلة عاشوراء مجلل بالوقار اذ يتقدمه الروحانيون بعمائمهم وشعاراتهم الدينية ويتوسطهم علم الحسين قد كتب عليه:
وهذا الصحن الحسيني على سعته يغص بالناس وفي الجهة الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني خزان ماء مبرد قد أسسته والدة السلطان عبد الحميد العثماني وعليه تاريخ التأسيس سنة 1281 هـ ببيت من الشعر
وتملكك الروعة عندما تشاهد الصحن وروعته وقد كتب القرآن على جوانبه بخطوط بارزة تقرأجلية بالرغم من ارتفاع جدران الصحن حوالي 15 متر، وأول ما تشاهده في وسط الصحن هو الإيوان الذهبي بجدرانه الذهبية المشعة وابواب الحرم الحسيني ا لذهبية وقد كتب عليها بالذهب الخالص:
وهي قصيدة من أروع الشعر لشاعر العرب - اليوم - الأستاذ محمد مهدي الجواهري، وقصيدة الشاعر الكبير المرحوم السيد حيدر الحلي ومنها:
إلى غير ذلك من القطع الشعرية التي تزدان بها جدران الحرم الحسيني المقدس.
يوم أربعين الحسين عليه السلام وهو يوم العشرين من صفر من أضخم المؤتمرات الاسلامية يجتمع الناس فيه كاجتماعهم في مكة المكرمة تلتقي هناك سائر الفئات من مختلف العناصر ويعتنق شمال العراق بجنوبه والوفود من بعض الاقطار الاسلامية فهذا الموكب يردد انشودته باللغة العربية، و ذلك باللغة التركية، وثالث باللغة الفارسية ، و رابع باللغة الاوردية وهكذا.
ولست مبالغا اذا قلت ان هذا الموسم يجمع اكثر من مليون نسمة جاءت لاحياء ذكرى الاربعين او لزيارة (مردّ الرأس) إذ ان الروايات تقول ان راس الحسين عليه السلام اعيد الى الجسد الشريف بعد اربيعن يوما من استشهاده. جاء زين العابدين علي بن الحسين و الفواطم معه ومعهم الرأس الشريف وبقية الرؤوس ومنه زيارة الاربعين.
ان هذه المواكب من سائر الاقطار ومختلف البلدان تؤم كربلاء وقد سجلت ادارة السلطة المحلية اكثر من 300 موكب اكثرها يضرب
الخيام حوالي كربلاء والبعض يحجز المحلات الكبيرة و تستهلك كربلاء في هذا الموسم من الرز ما لا يقل عن مائة طن و كل موكب له منادون يدعون الناس الى المائدة وتناول الطعام باسم الحسين.
وتتخلل هذا الموسم زيارات التعارف بين المواكب وتبادل العواطف و تقديم التمنيات والتحيات وعظيم الاجر يوم الحشر، ان الآلاف من الناس يقومون بالخدمة لهؤلاء الزوار و يسخون بانفسه من اجل راحة الزائرين فالبعض بسقي الماء المعطر والمذاب فيه السكر، والبعض برش ماء الورد، والبعض بالتهوية بالمراوح اليدوية وهكذا.
ولد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بالمدينة لثلاث او لخمس خلون من شعبان سنة اربع من الهجرة. وجاءت به امة فاطمة (ع) الى جده (ص) فاستبشر به وسماه حسينا و عق عنه كبشا. ويكنى ابا عبد الله وهو وأخوه سيدا شباب اهل الجنة بشهادة الرسول (ص) . وبالاسناد الى سلمان الفارسي (رض) قال سمعت الرسول(ص) يقول في الحسن والحسين عليهما السلام:(اللهم اني احبهما واحب من يحبهما) وقال(ص):( ان ابني هذين ريحانتي في الدنيا). وحسبهما كرامة لايشاركان فيها، انها هما المرادان في الابناء في آية المباهلة. وانهما من اهل العباء الذين لا يدرك امد فضهلم، وممن نزل به قوله تعالى« ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيراـ الى ـ وجزاهم جنة وحريرا».
وانهما من القربى . وممن نزلت بهم آية التطهير . وما الى ذلك من المناقب . وقد استفاضت أخبارها و ملأت الدفاتر.
وهو الامام بعد اخيه بنص ابيه و تصريح جده (ص) فيه وفي اخيه مما
هو نص جلي على امامتهما بقوله(ابناي هذان امامان قاما او قعدا) و بوصية اخيه الحسن صلوات الله عليه فامامته بما ذكر وبكثير من الدلائل ثابته. وطاعته لازمة. وما كف عن المطالبة بها بعد وفاة اخيه الا وفاء بالهدنة المعقودة بين اخيه و بين معاوية. ولما كتب له اهل العراق بعد وفاة اخيه بخلع معاوية والبيعة له امتنع عليهم وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لايجوز له نقضه حتى تمضي المدة. ولما انقضت بمهلكه مدة الهدنة اظهر امره بحسب الامكان وأبان عن حقه للجاهلين به حالا بعد حال الى ان اجتمع له في الظاهر الانصار فدعا الى الجهاد و شمًر للقتال وتوجه بولده واهل بيته من حرم الله وحرم رسوله (ص) نحو العراق للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الاعداء. وقدم امامه ابن عمه مسلم بن عقيل (رض) للدعوة الى الله والبيعة له على الجهاد فبايعة اهل الكوفة على ذلك وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة. ووثقوا له في ذلك وعاقدوه. ولكن سرعان ان نكثوا بيعته وخذلوه . وأسلموه فقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا الى حرب الحسين(ع) وقد اجاب دعوته التي تواترت عليه بها كتبهم فحاصروه ومنعوه المسير الى بلاد الله واضطروه الى حيث لا يجد ناصرا و لا مهربا منهم وحالوا بينه و بين ماء الفرات حتى تمكنوا منه فقتلوه فمضى (ع) ظمآن مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما قد نكثت بيعته واستحلت حرمته، ولم يوف له بعهد، ولارعيت فيه ذمّة عقد. شهيدا على ما مضى عليه ابوه واخوه وقد قتل معه ولده واهل بيته وسير برأسه ورؤوس رهط من اصحابه وأبنائه سبايا الى الشام وجرى عليه وعلى اهل بيته من بعده من الفظائع ماهو مسطور ومشهور.
وان سألت عن الاهداف التي يهدف اليها الحسين والسر الذي ثار ابو الشهداء من اجله فاسمع كلماته التي صرخ بها في خطبته بالجيوش التي جاءت تحاربه قال:
ايها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم
والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولاقول كان حقا على الله ان يدخله مدخله. الا و ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأضهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله. وأن احق من غيري، وقد اتتني كتبكم و رسلكم وانكم لاتسلموني ولاتخذلوني فان بقيتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم وانا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع انفسكم واهلي مع اهلكم. الى آخر ماقال.
لم يكن سيد الشهداء بالرجل الطامع في حكم او امارة او مال، فقد كان بوسعه ان يقول(نعم) لكي يحصل من وراء هذه القولة على ما يشاء من نعم الدنيا، وكان خصومه مستعدين لان يمنحوه ما يشاء لقاء ان يمسك لسانه وان يلزم الصمت.
يظن البعض ان الامام الحسين عليه السلام اراد من رواء نهضته الحصول على زمام الحكم ولكن من يدرس فلسفة النهضة يتأكد لديه ان للحسين منزلة اجتماعية لدى المسليمن ابعد بكثير من منزلة الملوك والحكام.
قال عمر ابو النصر كانت ثورة الامام الحسين عليه السلام على يزيد ثورة امة على حاكم لا يصلح للحكم، وامام لم يتوفر فيه ما يجب ان يتوفر في المليك الحاكم و الامام القائم من عدل واخلاق وعمل وايمان... و من هذا يدل على ان الاسلام لا يؤيد الحاكم الطاغية ولا الامير العاتي بل انه ليذهب الى اكثر من هذا فيأمر المسلمين بابعاده والثورة ضده فمقام الحكم لا يليق الا للافاضل من القوم الخلص من البشر الذين يقصطون بين الناس ويقيومون العدل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ولقد صرح الحسين(ع) برأيه فأرسل كلمته يوم خرج من المدينة فقال: أنا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة و مختلف الملائكة بنا فتح
الله و بنا يختم، و يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة و مثلي لا يبايع مثله.
انه عليه السلام يعلمنا كيف يكون المؤمن بربه شجاعا في الحق لا ترهبه صولة الباطل ولا تخدعه زهرة الحياة عن اداء رسالة الحق و الخير والايمان حتى اذا عاش عاش عزيزا، و اذا قضى قضى مع الابرار كريما.
«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا».
وقد علمنا عليه السلام ان اليد الطاهرة النقية لا تخضع لليد الآثمة الملوثة، وقد قال لمروان بن الحكم: وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد.
وقال لأخيه محمد بن الحنفية: والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.
وخرج من المدينة يلازم الطريق الاعظم بالرغم من أن السلطة الأموية سدت الطرق بوجهه تريد قتله - فقال له اهل بيته: لو تنكبّت الطريق كما فعل ابن الزبير. فقال(ع): والله لا افارق الطريق الأعظم حتى يقضي الله ما هو قاض.
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||