ادب الطف ـ الجزء الاول 26


تسبى حرائرها بالطف حاسرة ولم تكن بغبار الموت تلتثم

وقصائد السيد حيدر المعروفة بالحوليات تزيد على العشرين كلها على هذا اللون وهذا النسق والاتجاه و لهذا الشاعر نظائر تضيق بتعدادهم بطون الدفاتر لازالت ترددها المحافل و تسير بذكرها القوافل ، و حسبك ان تجد حتى الطبقة الاميّة من ابناء الشيعة يحفظ هذه الاشعار الحسينية ويستشهد بها ويستعذب انشادها وترديدها ، والحق ان المآتم الحسينية من اكبر وسائل التهذيب عند الشيعة وهي التي جندت اكبر عدد من أنصار اهل البيت و الدعوة الى مبدأهم ونصرتهم ولفتت انظار الناس الى مظلوميتهم و حقهم المغتصب فلا تعجب اذا حاربها المعاند والجامد وراح يهزأ بها، و المتجاهل المكابر، حتى قال:
هتكوا الحسين بكل عام مرة و تمـثلوا بعـداوة و تـصوروا
ويلاه من تلك الفضيحة انها تطوى وفي ايدي الروافض تنشر

وقال بعضهم:
لا عذب الله يزيداً ولا مدت يد السـوء الى رحـله
لأنه قد كـان ذا قدرة على اجتثاث الفرع من اصله
لكنه ابـقـى لنا مثلكم عـمد لكي يـعذر في فـعله

فيجيبه الشاعر الخفاجي (1) بقوله:
يا قـاتل الله يزيـداً و مـن يعذره الكـافر فـي فـعلـه
اطـفأ نوراً بعـضه مشرق يدل بالفـضل علـى كـلـه
والله ابقى الفرع حربـاً على من رام قطع الفرع من اصله
ليـظهر الدين به و الـهدى ويجعل الـسادة مـن نـسله


(1) هو عبد الله بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي ، صاحب قلعة عزاز ، له شعر في امير المؤمنين (ع) توفي سنة 466 هـ .
ادب الطف ـ الجزء الاول 27


اما البيتين المتقدمين فقد ذكرهما السيد محمود شكري الآلوسي في ( مختصر التحفة الاثنى عشرية) ص 383 و المطبوعة بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1373 هـ وعليها تعليق محب الدين الخطيب و بعد أن عاب المظاهر الحسينية التي تقوم بها الشيعة قال: و الله در من قال : هتكوا الحسين بكل عام مرة.. البيتين.
اقول وتقدم من شعراء الشيعة مدافعين عن عقائدهم بالرد على هذ1الشاعر، منهم العلامة الجليل الشيخ محمد رضا المظفر حيث يقول مشطراً:
(هتكوا الحسين بكل عام مرة) قـوم على تـلك المـآتم انكـروا
قد حرموا فيه المواكب والبكاء (وتـمثلـوا بعـداوة و تصـوروا)
(ويلاه من تلك الفضيحة إنها) أبـدا على مـر اللـيالي تذكــر
احسبتم آثـار هذا الديـن ان (تطوى وفي ايدي الروافض تنشر)

وقلت مشطراً:
(هتكوا الحسين بكل عام مرة) اذ تبعث الذكـرى فـظائع تـذكر
قد حاربوه و هو بضعة احمد ( وتمثلوا بعـداوة وتـصـوروا)
(ويلاه من تلك الفضيحة انها) عار بوجـته امـية لا يـتـنـكر
يا ساترا وجه الحقيقة لا تخل (تطوى وفي ايدي الروافض تنشر)

أقول وقد جمع العلامة البحاثة السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم هذه الردود في كتابه (عاشوراء في الاسلام).
بوركت يا سيد الشهداء وبوركت نهضتك الجبارة فيما عرف التاريخ أيمن منها واكثر بركة، انها علمتنا معنى العزة و الكرامةوالرجولة والشهامة ، وكيف يكون المؤمن بربه حقا، واذا عددنا امجاد العرب ففي مقدمة ذلك جهاد الحسين و ثورة الحسين وإباء الحسين منذ الف وثلثمائة عام تمر بالعصور.

ادب الطف ـ الجزء الاول 28


فتستخدمها ويمر كل يوم ذكراه فيقيم الدنيا ويقعدها بالرغم من تقلب الزمان وتطور الاحداث يقول الكاتب المصري ابراهيم عبد القادر المازني:
لا يزال مصرع الحسين بعد اربعة عشر قرنا يهز العالم الاسلامي هزا عنيفا، ولست اعرف في تاريخ الامم قاطبة حادثة مفردة كان لها هذا الاثر العميق على الزمن في مصائر دول عظيمة وشعوب شتى.
ولقد بلغت من الذيوع والشهرة، ان اصبح يرويها الكبير والصغير والمسلم وغير المسلم.
وبعد فهي موضع الشاهد و مضرب المثل في كل ما يمر في هذه الحياةوسلوة المصاب وعزاؤه اذا انها تصغر عندها المصائب على حد قول الشاعر:
أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهوّنت الرزايا الاتـية
وفجائـع الأيـام تبقى مدة وتزول، وهي الى القيامة باقية

يقول الشاعر العلوي السيد محمد سعيد الحبوبي مؤبنا السيد ميرزا جعفر القزويني - قائد الحركة الأدبية في عصره في الحلة الفيحاء موطن الادب والشعر - وكان الفقيد قد لبّى نداء ربه في اول محرم الحرام وبه تعود ذكرى الحسين فقال من قصيدة له:
كان المحرم مخبرا فأريـتنا يا جعفر فيـه الحسين قتيـلا
فكأن جسمك جسـمه لكـنه كان العفير وكنت انت غسيلا
وكأن رأسك رأسه لو لم يكن عن منكبيه مـميزا مفـصولا
وجبينك الوضاح مثل جبينه بلجاً وليس كمـثـله تـجديلاً


ادب الطف ـ الجزء الاول 29


وحملت أنت مشرّفاً ايدي الورى وثوى بنعـش لم يكن محمولا
إن تـنأ عنا راحـلاً كرحـيله فلرب سجاد تـركت علــيلا

ويدخل القاضي الرشيد ابو الحسين احمد بن القاضي الرشيد علي المصري الاسواني الى مصر بعد مقتل الظافر بالله العباسي وجلوس الفائز بالله ويحضر المأتم وقد حصر شعراء الدولة فأنشدوا مراثيهم على مراتبهم فقام هذا الشاعر في آخرهم وأنشد قصيدته التي أولها:
ما للرياض تميل سكراً هل سقيت بالمزن خمراً

إلى ان وصل الى قوله:
أفـكـربلاء بالعـراق وكـربلاء بمصر أخـرى

فتذرف العيون و يعج القصر بالبكاء والعويل وتنثال العطايا من كل جانب على الناظم لاهتدائه لحسن المناسبة.
ويتكرر اسم الحسين عليه السلام على لسان امير الشعراء احمد شوقي فيقول في رثائه للزعيم مصطفى كامل باشا - مؤسس الحزب الوطني - في قصيدته التي أولها:
المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والداني

و منها:
يزجون نعشك في السناء وفي السنا فكأنما في نعشك القـمران
وكـأنه نـعش الحسين بكـربـلا يختال بين بكى وبين حنان

ويقول شوقي بك في قصيدته الحرية الحمراء:
في مهـرجان الحق أو يوم الدم مهــج من الشهداء لم تتكلـم
يبـدو علـيها نورَ نورُ دمـائها كدم الحسيـن على هلال محرم


ادب الطف ـ الجزء الاول 30


ويفجع دعبل بن علي الخزاعي بولده الصغير احمد فيتأسى بمصارع آل محمد ، ويقول:
على الكره ما فارقت احمد وانطوى عليه بـناء جـندل ورزيـن
ولولا الـتأسـي بالنـبـي وأهـله لأسبل من عيني عليه شـؤون
هـو النـفس، الا ان آل مـحمـد لهم دون نفسي في الفؤاد كمين
اضّر بهم ارث النـبي فأصبـحوا يـساهم فيهم مـيتـة ومـنون (1)
دعتـهم ذئـاب من امية وانتـحت عليـهم دراكاً ازمـة وسـنون (2)

ويقول الحسين بن احمد الكاتب النيلي البغدادي المشهور بابن الحجاج من شعراء القرن الرابع الهجري:
وأبرصٌ من بني الزواني مـلمّع أبـلق الـيديـن
قـلت وقد لـجّ بـي أذاه وزاد ما بيـنه و بـيني
يامعشر الشيعة الحـقوني قد ظفر الشمر بالحسين (3)

ويقول ابن عبدون احد شعراء الاندلس:
أراك ترنو الي شـزراً بمقلة تستـجيز حينـي
كأننـي من بني زيـاد وأنت من شيعة الحسين

ويقول الشيخ حمادي الكواز في معرض العتاب على الحبيب:

(1) ساهم: قارع ( من القرعة) واراد بالمنون: الاغتيال.
(2) الدراك: المداركة، اي الملاحقة. والسنة الازمة والقحط.
(3) ذلك ان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه السلام ابرصا.
ادب الطف ـ الجزء الاول 31


شاب رأسي والحب فيكم وليد وبلى الجسم والغرام جديد
قتل الصبـر كالحسين شهيدا لا لذب والهجر منكم يزيد

ومر الشاعر جعفر بن محمد الخطي سنة 1019 في سفينة مائية عابرا البحر بين كتكان و ثوبلي و بوبهان - من قرى البحرين - و بينما هو في السفينة وثبت سمكة من البحر وهي من نوع السبيطي فشقت جبهته اليمنى فنظم قصيدة غراء اولها:
برغم العوالي و المهندة البتر دماء أراقتها سبيطية البحر

الى ان يقول و القصيدة طويلة:
لعمر أبي الخطى ان بات ثأره لذي غير كفو وهو نادرة العصر
فثار علي بـات عند ابن ملجم وأعقبه ثأر الحسـين لـدى شمر

وحتى عند السكر و الخمريات يكون منه موضع الشاهد فهذا شميم النحوي من شعراء القرن السادس والمتوفى سنة 601 يقول:
أمزج بمسبوك اللجين ذهبا حكته دموع عيني
لما نعى ناعي الفراق ببين من أهوى وبيني
وأحالها التشـبيه لما شـبهت بـدم الحسين
خفقت لنا شمسان من لألائهـا في الخافـقين
و بدت لنا في كأسها من لونهـا في حلـتين
فأعجب هداك الله من كون اتفاق الـضرتين (1)

ويقول سعيد بن هاشم العبدي احد شعراء القرن الرابع الهجري:

(1) ترجمه اليعقوبي في البابليات - الجزء الاول.
ادب الطف ـ الجزء الاول 32


أنا في قبضة الغرام رهين بين سيفين أرهفا ورديـني
فكأن الهوى فـتى عـلوي ظن اني وليت قتل الحسين
وكـأني يزيد بـين يديـه فهو يختار أوجع القتلتـين

وهكذا راح اسم الحسين وقصته يترددان على الافواه ويتخذ الناس منهما شاهداً ومثلاً و تأسيا و استشهادا:

بكاء الكائنات:

كان لعظم هذه الفاجعة التي لم يقع في الإسلام أفظع ولا أشنع منها ان تجاوبت الأرض و السماء بالعزاء. روى الآلوسي في شرح القصيدة العينية ان عبد الباقي العمري الموصلي رثى الحسين بقوله:
يا عاذل الصب في بكاه بالله ساعفـه في بكـائك
فانـه ما بكـى وحـيداً على بني المصطفى اولئك
بل إنـما قد بكت عليهم الإنس والـجّـن والملائك

ويقول في ملحمته الكبيرة كما في الديوان:
قضى الحسين نحبه وما سوى الله عليه قد بكى و انتحبا
ويقول ابو الفرج ابن الجوزي في (التبصرة):
لما كان الغضبان يحمر وجهه عند الغضب، فيستدل بذلك على غضبه وانه امارة السخط، والحق سبحانه ليس بجسم فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الافق وذلك دليل على عظم الجناية.
والى قتل الحسين عليه السلام و حمرة السماء يشير أبو العلاء المعري في قصيدة اولها:

ادب الطف ـ الجزء الاول 33


عللاني فان بيض الامان فنيت والظلام ليس بفان

الى ان يقول فيها:
وعلى الدهر من دماء الشهـ ـيدين علي و نجله شاهدان
فهما فـي اواخر الليل فجـ ـران وفي أولياته شفقـان
ثبتا في قيمصه ليجيء الـ ـحشر مستعدياً الى الرحمن

ومن لطيف الاستنتاج ما أنشدنيه الشيخ عبد الحسين الحويزي لنفسه:
كل شيء في عالم الكون أرخى عينه بالدموع يبكي حسينا
نُـزًه الله عن بًكـاء، وعـلي قد بكـاه - وكان لله عينا -

روي ان ام سلمة سمعت هاتفا يقول كما روى الطبري في ج6 ص 269، وابن الاثير في ج4 ص40:
أيها الـقاتلون جـهلا حسينا ابشروا بالعذاب والتنـكيل
قد لعنتم على لسان ابن داود وموسى وصاحب الانجيل

وروى ابن قولويه في الكامل، انهم كانوا يسمعون نوح الجن في الليالي التي قتل فيها الحسين عليه السلام فمن شعرهم:
ابكي ابن فاطمة الذي من قتله شاب الشعر
ولقـتله زلـزلـتموا ولقتله انخسف القمر

ومن نوحهم ما رواه هو و غيره:
نساء الجـن يـبكين من الحزن شجيات
ويلطـمـن خـدوداً كـالدنانير نقيـات
ويلبسن الثياب السود بـعد القصـبيـات


ادب الطف ـ الجزء الاول 34


ويسعـدن بنـوح للنسـاء الهاشميـات
ويندبـن حسينـا عظمت تلك الرزيات

ومن نوحهم ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله عن رجل من بني تميم قال كنت جالسا بالرابية و معي صاحب لي فسمعنا هاتفا يقول :
والله ما جئتكم حتى بصرت بـه بالطف منعفر الخديـن منحـورا
وحـوله فتـية تدمـى نحـوره مثل المصابيح يملون الدجى نورا
لقد حثثت قلوصي كي أصادفهم من قبل، كيما ألاقي الخرّد الحورا
فـعاقني قــدر والله بالغــة فكان امرا قضـاه الله مقــدورا
كان الحسين سراجا يستضاء به الله يعلـم انـي لـم اقـل زورا

فقلت من أنت يرحمك الله، قال وليٌ من جن نصيبين أردت أنا و أبي نصرة الحسين ومواساته فانصرفنا من الحج فرأيناه قتيلا.
وذكر ابن نما رحمه الله عن أبي حباب الكلبي قال: لما قتل الحسين(ع) ناحت عليه الجن فكان الجصاصون يخرجون بالليل الى الجبانة فيسمعون الجن يقولون:
مسح الحـسين جبينه فله بريق في الخدود
وأبوه من أعلى قريش وجده خير الجـدود

وناحت عليه الجن فقالت:
لمن الأبيات بالطف على كره بنينا
تلك ابيات الحسين يتجـاوبن رنينا


ادب الطف ـ الجزء الاول 35


قال السيد الامين في الاعيان: و الشك في ذلك ينبغي له التشكيك في قوله تعالى:«قل أوحي اليً انه استمع نفر من الجن».
وروى ان القوم لما ساروا برأس الحسين و بسباياه نزلوا في بعض المنازل ووضعوا الرأس المطهر فلم يشعروا الا وقد ظهر قلم حديد من الحائط و كتب بالدم:
أترجو امة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب

كذا في مجمع الزوائد لابن حجر ج9ص199، و الخصائص للسيوطي ج2ص127، وتاريخ ابن عساكر ج4 ص342، والصواعق المحرقة ص116 والكواكب الدرية ج1 ص57 ، والاتحاف بحب الاشراف ص 23، وفي تاريخ القرماني ص108 وصلوا الى دير في الطريق فنزلوا فيه ليقيلوا به فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه هذا البيت:
ومن ألوان الرثاء على الحسين ما رواه الشيخ يوسف البحراني عن زهر الربيع قال: ذكر بهاء المللة و الدين أن أباه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي دخل مسجد الكوفة فوجد حجراً احمرا مكتوبا فيه:
أنا در من الـسماء نـثروني يوم تزويج والد السبـطين
كنت أصفى من اللجين بياضاً صبغتني دماء نحر الحسين

كذا في الكشكول للشيخ يوسف البحراني ص17 عن كشكول الشيخ البهائي.
وما رواه السيد ابن طاووس أن الحسين عليه السلام لما نزل الخزيمية (1)أقام بها يوما وليلة فلما اصبح اقبلت اليه اخته زينب فقالت : يا اخي أأخبرك بشيء سمعته البارحة، فقال الحسين (ع) و ما ذاك، فقالت خرجت

(1) الخزيمية بضم اوله وفتح ثانيه. تصغير خزم منسوبة الى خزيمة بن حازم وهو منزل من منازل الحج بعد الثعلبية من الكوفة
ادب الطف ـ الجزء الاول 36


في بعض الليل لقضاء حاجة فسمع هاتفاً يهتف ويقول (1):
ألا ياعين فاحتفلي بجهد و من يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا بـمقدار الـى انجـاز وعـد

فقال لها الحسين (ع) يا اختاه كل الذي قضى فهو كائن (1):

(1) ولدت زينب الكبرى بعد الحسين (ع) في الخامس من شهر جمادي الاولى في السنة الخامسة من الهجرة وهي الملقبة بالصديقة الصغرى للفرق بينها وبين امها الصديقة الكبرى.
والقابها: عقيلة بني هاشم. عقيلة الطالبيين. الموثقة. العارفة. العالمة. والعقيلة في اللغة هي الكريمة في قومها والمخدرة في بيتها. وروت الحديث عن ابيها امير المؤمنين و عن امها فاطمة وروت خطبتها الشهيرة عنها.
ولدتها الزهراء سلام الله عليها بعد شقيقها الحسين بسنتين. وجاء في خيرات الحسان وغيره ان مجاعة اصابت المدينة فرحل عنها بأهله عبد الله بن جعفر الطيار الى ضيعة له في الشام و قد حمت زوجته زينب من وعثاء السفر او ذكريات احزان و اشجان من عهد سبي يزيد لآل رسول الله صلوات الله عليهم، ثم توفيت على اثرها في النصف من رجب سنة 65 ودفنت هناك حيث المزار المشهور المعمور ومنذ سنين لاتقل عن عشر والعمران قائم على قدم وساق والهدايا والنذور و التبرعات جارية.
وقد كتب على جبهة الباب الرئيسي:
ألا زر بقعة بالشام طابت لزينب بضعة لابي تراب
فقل للمذنبين ان ادخلوها تكونوا آمنين من العذاب

ولما اهدي القفص الفضي المذهب الذي يزن 12 طنا المحلى بالجواهر الكريمة النادرة نظم المرحوم الشيخ علي البازي مؤرخاً كما رواه لي هو:
هذا ضريح زينب قف عـنده واستغفـر الله لكـل مـذنب
ترى الملا طرا واملاك السما ارخ (وقوفاً في ضريح زينب)

ويقول الخطيب الشهير الشيخ قاسم الملا رحمه الله من قصيدة له عدد فيها كرامة الحوراء زينب:
لمرقدها بالشام تروى ثقاتها وقيل بمصـر ان هذا لاعجـب
لمرقده بالشام دلت خوارق لها ينجلي من ظلمة الشك غيهب
ادب الطف ـ الجزء الاول 37


زيارة الحسين وفضلها

جاءت الروايات بأسانيدها الصحيحة عن النبي واهل البيت عليهم السلام في فضل زيارة الحسين وان الله عوض الحسين عن شهادته و تضحيته بان كان الشفاء في تربته والائمة من ذريته و استجابة الدعاء عند قبته، وان الله ينظر الى زوار قبر الحسين عشية عرفة قبل ان ينظر الى حجاج بيته الحرام. ذلك لان الحسين حفظ حرمة البيت الحرام.
فقد قال لابن عباس عندما خرج من مكة المكرمة قبل ان يتم حجه يابن عباس لو لم اخرج لهتكت حلمة البيت.
وجاء عن الامام الباقر(ع) ان الحسين قتل مظلوما فألى الله ان لايأتي قبر الحسين مظلوم الا تكفل برد مظلمته، وأن الحسين قتل مهموما حزينا كئيبا فألى الله ان لاياتي قبر الحسين مهموم الا فرج عنه. الى أمثال هذا كثير وكثير فقامت الشيعة بكل شوق تقصد قبر الحسين من البلدان النائية و الاقطار البعيدة ولا يصدها عن ذلك تعب ولا نصيب ولا خوف ولا خطر وتضحية بكل غال ورخيص في سبيل زيارة الحسين لتقف في مرقده المطهر و تستوحي من روحانية ابي الشهداء دروس العزة والتضحية ولتراجع بذنب مغفور و طرف مقرور، و من اعظم المواسم التي تقصدها الشيعة - كما ارشد أئمتهم هي ليلة عاشوراء والتي في صبيحتها كان استشهاد الحسين عليه السلام. و الكثير من الشيعة يحيى هذه الليلة بالدعاء واقامة العزاء وتلاوة مقتل الطف والبكاء لان الحسين عليه السلام أحياها بالصلاة والاستغفار وقراءة القرآن هو وأصحابه كما جاء في الرواية: بات الحسين وأصحابه ليلة العاشر من المحرم ولهم دوي كدوي النحل من التهجد و التضرع و الدعاء والاستغفار، فقال فيهم شاعرهم:
سمة العبيد من الخشوع عليهـم لله ان ضمّتهـم الأسحـار
واذا ترجلت الضحى شهدت لهم يبض القواضب أنهم احرار

ادب الطف ـ الجزء الاول 38



كربلاء
في
يوم عاشوراء

كلما عاد شهر محرم الحرام عادت معه ذكرى ابي الشهداء وشهيد الاباء ابي عبد الله الحسين عليه السلام. عادت حافلة بالعَبرة والعِبرة وعادت الذكرى للحادثة الدامية فما من بقعة من بقاع الارض وفيها شيعة لأهل البيت، إلا وأقيمت ذكرى الحسين(ع) وانتصب منبر الحسين وعزاء الحسين(ع).
أما كربلاء - بلد الحسين ومحل استشهاده و مصرعه - فانها تلبس الحداد و تتجلبب بالسواد و تحمل شارات الحزن فلا تجد مكانا ولا محلا ولا مخزنا ولا مسجدا الا وعليه شعار الحسين ويجتمع الناس و تغص كربلاء بالوفاد من جميع الاقطار الاسلامية فليس هناك منظر اعظم من ذلك المنظر في اللوعة والتفجع وتتوالى المواكب والاجتماعات فكل موكب يمثل بلدا من البلدان يحمل شعاره ويردد أناشيد الحزن ووالعزاء. فهذا موكب شباب الكاظمية في ليلة عاشوراء يحف بالراية العراقية ويشق

ادب الطف ـ الجزء الاول 39


طريقه الى حرم الامام الحسين (ع) تتقدمه المشاعل الكهربائية والاعلام الحسينية وتتعالى نغمات الأناشيد قائلة:
أيها الذائد عن شرع الهدى أنت رمز للمعالي ياحسين
يومك السامي سيبقى خالدا أبدا الدهر يهز الخافقـين

روذاك موكب قضاء(بلد) قد كتب على الراية بحروف بارزة:
رزء الحسين السبط عم الورى ما بـلد اولى بـه من(بلـد)

ويتلوه قضاء(القورنة) قد كتب على الراية:
من بلد (القرنة) جاءت لكم شيعتكم تسـعى الى نيــنوى
إن طـاح بالـطف لواك فقد جاءت لكم ترفع هذا اللوى

وهذا موكب بغداد يكتب على قطعة قماش:
صرخ النادبون باسم ابن طه وعليه لم تحبس الدمع عين
لم يصيبوا الحسين الا فقيدا حينما أرخوه(أين الحسين)

ويمر موكب النجف الاشرف وهو أضخم موكب يكون ليلة عاشوراء مجلل بالوقار اذ يتقدمه الروحانيون بعمائمهم وشعاراتهم الدينية ويتوسطهم علم الحسين قد كتب عليه:
سيكون الدم الـزكـي لواء لشعوب تـحاول استقـلالا
ينبت المجد في ظلال البنود الحمر يهوى نسيجها سريالا

وهذا الصحن الحسيني على سعته يغص بالناس وفي الجهة الجنوبية الشرقية من الصحن الحسيني خزان ماء مبرد قد أسسته والدة السلطان عبد الحميد العثماني وعليه تاريخ التأسيس سنة 1281 هـ ببيت من الشعر

ادب الطف ـ الجزء الاول 40


سلسبيل قد أتى تاريخه اشرب الماء ولاتنس الحسين

وتملكك الروعة عندما تشاهد الصحن وروعته وقد كتب القرآن على جوانبه بخطوط بارزة تقرأجلية بالرغم من ارتفاع جدران الصحن حوالي 15 متر، وأول ما تشاهده في وسط الصحن هو الإيوان الذهبي بجدرانه الذهبية المشعة وابواب الحرم الحسيني ا لذهبية وقد كتب عليها بالذهب الخالص:
فداء لمثواك من مضجع

وهي قصيدة من أروع الشعر لشاعر العرب - اليوم - الأستاذ محمد مهدي الجواهري، وقصيدة الشاعر الكبير المرحوم السيد حيدر الحلي ومنها:
ياتربة الطف المقدسة التي هالوا على ابن محمد بوغائها

إلى غير ذلك من القطع الشعرية التي تزدان بها جدران الحرم الحسيني المقدس.

ادب الطف ـ الجزء الاول 41


اربعين الحسين(ع)
في كربلاء

يوم أربعين الحسين عليه السلام وهو يوم العشرين من صفر من أضخم المؤتمرات الاسلامية يجتمع الناس فيه كاجتماعهم في مكة المكرمة تلتقي هناك سائر الفئات من مختلف العناصر ويعتنق شمال العراق بجنوبه والوفود من بعض الاقطار الاسلامية فهذا الموكب يردد انشودته باللغة العربية، و ذلك باللغة التركية، وثالث باللغة الفارسية ، و رابع باللغة الاوردية وهكذا.
ولست مبالغا اذا قلت ان هذا الموسم يجمع اكثر من مليون نسمة جاءت لاحياء ذكرى الاربعين او لزيارة (مردّ الرأس) إذ ان الروايات تقول ان راس الحسين عليه السلام اعيد الى الجسد الشريف بعد اربيعن يوما من استشهاده. جاء زين العابدين علي بن الحسين و الفواطم معه ومعهم الرأس الشريف وبقية الرؤوس ومنه زيارة الاربعين.
ان هذه المواكب من سائر الاقطار ومختلف البلدان تؤم كربلاء وقد سجلت ادارة السلطة المحلية اكثر من 300 موكب اكثرها يضرب

ادب الطف ـ الجزء الاول 42


الخيام حوالي كربلاء والبعض يحجز المحلات الكبيرة و تستهلك كربلاء في هذا الموسم من الرز ما لا يقل عن مائة طن و كل موكب له منادون يدعون الناس الى المائدة وتناول الطعام باسم الحسين.
وتتخلل هذا الموسم زيارات التعارف بين المواكب وتبادل العواطف و تقديم التمنيات والتحيات وعظيم الاجر يوم الحشر، ان الآلاف من الناس يقومون بالخدمة لهؤلاء الزوار و يسخون بانفسه من اجل راحة الزائرين فالبعض بسقي الماء المعطر والمذاب فيه السكر، والبعض برش ماء الورد، والبعض بالتهوية بالمراوح اليدوية وهكذا.
الامام الحسين(ع)

ولد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بالمدينة لثلاث او لخمس خلون من شعبان سنة اربع من الهجرة. وجاءت به امة فاطمة (ع) الى جده (ص) فاستبشر به وسماه حسينا و عق عنه كبشا. ويكنى ابا عبد الله وهو وأخوه سيدا شباب اهل الجنة بشهادة الرسول (ص) . وبالاسناد الى سلمان الفارسي (رض) قال سمعت الرسول(ص) يقول في الحسن والحسين عليهما السلام:(اللهم اني احبهما واحب من يحبهما) وقال(ص):( ان ابني هذين ريحانتي في الدنيا). وحسبهما كرامة لايشاركان فيها، انها هما المرادان في الابناء في آية المباهلة. وانهما من اهل العباء الذين لا يدرك امد فضهلم، وممن نزل به قوله تعالى« ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيراـ الى ـ وجزاهم جنة وحريرا». وانهما من القربى . وممن نزلت بهم آية التطهير . وما الى ذلك من المناقب . وقد استفاضت أخبارها و ملأت الدفاتر.
وهو الامام بعد اخيه بنص ابيه و تصريح جده (ص) فيه وفي اخيه مما

ادب الطف ـ الجزء الاول 43


هو نص جلي على امامتهما بقوله(ابناي هذان امامان قاما او قعدا) و بوصية اخيه الحسن صلوات الله عليه فامامته بما ذكر وبكثير من الدلائل ثابته. وطاعته لازمة. وما كف عن المطالبة بها بعد وفاة اخيه الا وفاء بالهدنة المعقودة بين اخيه و بين معاوية. ولما كتب له اهل العراق بعد وفاة اخيه بخلع معاوية والبيعة له امتنع عليهم وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لايجوز له نقضه حتى تمضي المدة. ولما انقضت بمهلكه مدة الهدنة اظهر امره بحسب الامكان وأبان عن حقه للجاهلين به حالا بعد حال الى ان اجتمع له في الظاهر الانصار فدعا الى الجهاد و شمًر للقتال وتوجه بولده واهل بيته من حرم الله وحرم رسوله (ص) نحو العراق للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الاعداء. وقدم امامه ابن عمه مسلم بن عقيل (رض) للدعوة الى الله والبيعة له على الجهاد فبايعة اهل الكوفة على ذلك وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة. ووثقوا له في ذلك وعاقدوه. ولكن سرعان ان نكثوا بيعته وخذلوه . وأسلموه فقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا الى حرب الحسين(ع) وقد اجاب دعوته التي تواترت عليه بها كتبهم فحاصروه ومنعوه المسير الى بلاد الله واضطروه الى حيث لا يجد ناصرا و لا مهربا منهم وحالوا بينه و بين ماء الفرات حتى تمكنوا منه فقتلوه فمضى (ع) ظمآن مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما قد نكثت بيعته واستحلت حرمته، ولم يوف له بعهد، ولارعيت فيه ذمّة عقد. شهيدا على ما مضى عليه ابوه واخوه وقد قتل معه ولده واهل بيته وسير برأسه ورؤوس رهط من اصحابه وأبنائه سبايا الى الشام وجرى عليه وعلى اهل بيته من بعده من الفظائع ماهو مسطور ومشهور.
وان سألت عن الاهداف التي يهدف اليها الحسين والسر الذي ثار ابو الشهداء من اجله فاسمع كلماته التي صرخ بها في خطبته بالجيوش التي جاءت تحاربه قال:
ايها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم

ادب الطف ـ الجزء الاول 44


والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولاقول كان حقا على الله ان يدخله مدخله. الا و ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأضهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله. وأن احق من غيري، وقد اتتني كتبكم و رسلكم وانكم لاتسلموني ولاتخذلوني فان بقيتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم وانا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع انفسكم واهلي مع اهلكم. الى آخر ماقال.
لم يكن سيد الشهداء بالرجل الطامع في حكم او امارة او مال، فقد كان بوسعه ان يقول(نعم) لكي يحصل من وراء هذه القولة على ما يشاء من نعم الدنيا، وكان خصومه مستعدين لان يمنحوه ما يشاء لقاء ان يمسك لسانه وان يلزم الصمت.
يظن البعض ان الامام الحسين عليه السلام اراد من رواء نهضته الحصول على زمام الحكم ولكن من يدرس فلسفة النهضة يتأكد لديه ان للحسين منزلة اجتماعية لدى المسليمن ابعد بكثير من منزلة الملوك والحكام.
قال عمر ابو النصر كانت ثورة الامام الحسين عليه السلام على يزيد ثورة امة على حاكم لا يصلح للحكم، وامام لم يتوفر فيه ما يجب ان يتوفر في المليك الحاكم و الامام القائم من عدل واخلاق وعمل وايمان... و من هذا يدل على ان الاسلام لا يؤيد الحاكم الطاغية ولا الامير العاتي بل انه ليذهب الى اكثر من هذا فيأمر المسلمين بابعاده والثورة ضده فمقام الحكم لا يليق الا للافاضل من القوم الخلص من البشر الذين يقصطون بين الناس ويقيومون العدل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ولقد صرح الحسين(ع) برأيه فأرسل كلمته يوم خرج من المدينة فقال: أنا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة و مختلف الملائكة بنا فتح

ادب الطف ـ الجزء الاول 45


الله و بنا يختم، و يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة و مثلي لا يبايع مثله.
انه عليه السلام يعلمنا كيف يكون المؤمن بربه شجاعا في الحق لا ترهبه صولة الباطل ولا تخدعه زهرة الحياة عن اداء رسالة الحق و الخير والايمان حتى اذا عاش عاش عزيزا، و اذا قضى قضى مع الابرار كريما.
«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا».

وقد علمنا عليه السلام ان اليد الطاهرة النقية لا تخضع لليد الآثمة الملوثة، وقد قال لمروان بن الحكم: وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد.
وقال لأخيه محمد بن الحنفية: والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.
وخرج من المدينة يلازم الطريق الاعظم بالرغم من أن السلطة الأموية سدت الطرق بوجهه تريد قتله - فقال له اهل بيته: لو تنكبّت الطريق كما فعل ابن الزبير. فقال(ع): والله لا افارق الطريق الأعظم حتى يقضي الله ما هو قاض.
غــداة بنـى عبد المناف انوفـهم أبت أن يساف الظيم فيها بمنشق
سـرت لم تنكب عن طريق لغـيره حذار العدى بل بالطريق المطرق
إلى أن أتت أرض الطفوف فخيمت بأعلى سنـام للعـلاء و مفـرق


السابق السابق الفهرس التالي التالي