| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
| الطبعة الاولى |
|
| الإهداء |
ياسيد الشهداء وشهيد الاباء، اقدم لاعتابك هذه المجموعة الفواحة رمزا للوفاء، فما اتمتع به من عزة وكرامة وعافية وسلامة كانت من اشعاعاتك التي تضيفها علي بجاهك العظيم عند الله تعالى.
فتقبل ياسيدي بعض ما يجب من ولدك.
المؤلف
|
|
| تصدير : | |
بقلم العلامة:

الشيخ محمد جواد مغنية
| بسم الله الرحمن الرحيم |
وبعد:
فان كلمتي هذه ليست مقدمة بمعناها الصحيح، ولا تقريظاً لهذه المجموعة، او تعرفاً لها، او ثناء على من جمعها، وان استوجب الشكر على ما بذل من جهد، و انما تبحث هذه الكلمة:
اولا: هل يقدس الشيعة شخص الحسين بالذات، او ان اسم الحسين عندهم رمز لشيء عميق الدلالة، تماماً كما يرمز العاشق بالغزال الى محبوبته؟.
ثانياً: هل انعكس شيء من اشراقات الحسين(ع) وروحه في نفوس الذين يهتفون باسمه ليل نهار-في هذا العصر- و يحتفلون بذكراه، و ينصبون لها السرادقات، ويقيمون لها الحفلات، و ينفقون عليها الالوف؟.
|
ثالثا: هل خطباء المنبر الحسيني يؤدون مهمتهم كما ينبغي؟.
| الحسين رمز: |
قد يبدون للنظرة الاولى ان كلمة الحسين تعني عند الشيعة المعنى الظاهر منها، وان دلالتها تقف عند ذات الحسين بن علي وشخصه، وان الشيعة ينفعلون بهذه الشخصية الى حد الجنون.. ولكن سرعان ما تتحول هذه النظرة الى معنى اشمل و اكمل من الذات والشخصيات لدى الناقد البصير، ويؤمن ايماناً لا يشوبه ريب بان كلمة الحسين تعني عند الشيعة مبدأ الفداء و نكران الذات، وان الحسين ماهو الا مظهر ومثال لهذا المبدأ في اكمل معانيه.. ودليل الادلة على هذه الحقيقة هوادب الشعية انفسهم.. فلقد كان الادب، و ما زال الصورة الحية التي تنعكس عليها عقيلة الامة و عقيدتها، و عاداتها و بيئتها.
واذا رجعنا الى التراث الادبي لشيعة اهل البيت وجدناه يعكس الاحتجاج الصارخ على الظلم و الظالمين في كل زمان و مكان، والثورة العنيفة في شرق الارض وغربها، وان ادباء الشيعة، و بخاصة شعراءهم يرمزون باسم الحسين الى هذه الثورة، وذاك الاحتجاج، لان الحسين اعلى مثال و اصدقه على ذلك، كما يرمزون الى الفساد و الطغيان بيزيد وبني حرب و زياد و امية و آل ابي سفيان، لانهم يمثلون الشر بشتى جهاته، والفساد بجيع خصائصه على النقيض من الحسين .. واليك هذه
|
فمن قصيدة لاديب شيعي:
| سهم رمى احشاك يابن المصطفى | سهم به قلب الهداية قد رمي |
ومن قصيدة لآخر:
| بنفسي رأس الدين ترفع راسه | رفيع العوالي السمهرية ميد |
ولثالث:
| اليوم قد قتلوا النبي و غادروا الا | سلام يبكي ثاكلا مفجوعا |
فهذه الابيات والالوف من امثالها تنظر الى الانسان نظرة شاملة واعية، و تزخر بالثورة على كل من ينتهك حقا من حقوق الناس، و ترمز الى هذه الحقوق بكلمة الحسين، و تعبر بقلبه عن قلب الهداية، وبراسه عن رأس الدين، و بقتله عن قتل رسول الله و دين الله.. واستمع الى هذه الصرخة الغاضبة يطلبها الشيخ احمد النحوي في وجوه حكام الجور الذين اتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا:| عجبا لمال الله اصبح مكسبا | في رائح للظالمين وغاد | |
| عجبا لآل الله صاروا مغنما | لبني يزيد هدية و زيـاد |
فيزيد و زياد رمز لكل من يسعى في الارض فسادا، واوضح الدلالات كلها هذا البيت:
|
| ويقدم الأموي وهو مؤخر | ويؤخر العلوي وهو مقدم |
فانه ينطبق على كل من يتولى منصبا، وهو ليس له باهل.. و بهذا نجد تفسير الابيات التي يستنهض بها الشعراء صاحب الامر ليثأر من قاتلي الحسين، ويفعل بهم مثل ما فعلوا، وهم يقصدون بالحسين كل مظلوم و محروم، و بقاتليه كل ظالم و فاسد، وبصاحب الامر الدولة الكريمة العادلة التي تملأ الارض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا واليها يرمز السيد الحلي بقوله:
| لاتطهر الارض من رجس العدى ابدا | ما لـم يسل فوقهـا سيـل الـدم العـرم |
هذا ، الى ان الحسين(ع) قد مضى على استشهاده ألف و ثلاثمئة سنة او تزيد، و من يومه الى يومنا هذا، والاجيال من قوميات شتى ينظمون فيه الاشعار بالفصحى و غير الفصحى، وقد تغيرت الحياة ومرت بالعديد من الاطوار، وقضت على الكثير من العادات الاالاحتفال بذكرى الحسين، والهتاف باسم الحسين نثرا و شعرا، فانه ينمو من عصر الى عصر، تماماً كماتنمو الحياة، و سيستمر هذا النمو - والسين في يستمر للتأكير لا للتقريب- قياسا للغائب على الشاهد.. وما عرفت البشرية جمعاء عظيما من ابناءها قيل فيه من الشعر ما قيل في الحسين بن علي(ع) .. ولو تصدى متتبع للمقارنة بين ما نظم فيه، و ما نظم في
|
وقد يقال: ان مسألة النظم في الحسين(ع) مسألة طائفية ، لا مسألة اسلام وانسانية؟.
ونقول في الجواب: ان تمجيد الثورة ضد الظلم والطغيان هو تمجيد للانسانية نفسها، حتى ولو كان الدافع الطائفية او الحزبية او القومية، فان الثورة الفرنسية والجزائرية والفيتنامية ثورات قومية، ومع ذلك فهي انسانية، و مصدر الإلهام لكثير من الثورات.
وبهذه المناسبة انقل هذا المقطع من كتابي(الاثنا عشرية):
ان التطور لم يقف عند حدود المادة، بل تعداها الى الافكار واللغة ، لانهاجميعا متلازمة متشابكة لا ينفك بعضها عن بعض، و كلمة الحسين كانت في البداية اسما لذات الحسين بن علي(ع) ثم تطورت مع الزمن، واصبحت عند شيعه وشيعة ابيه رمزا للبطولة و الجهاد من اجل تحرير الانسانية من الظلم و لااضطهاد، وعنوانا للفداء والتضحية
|
اما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسما لابن معاوية، وهي الآن عند الشيعة رمز الفساد والاستبداد، والتهتك والخلاعة، وعنوان للزندقة والالحاد، فحيثما يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد، وحيثما يكون الحق فثم اسم الحسين.. فكربلاء اليوم عند الشيعة هي فلسطين المحتلة و سيناء والضفة الغربية من الاردن، والمرتفعات السورية، اما اطفال الحسين وسبايا الحسين فهم النساء والاطفال المشردون من ديارهم.. و شهداء كربلاء هم الذين قتلوا دفاعا عن الحق والوطن في 5 حزيران. وهذا ما عاناه الشاعر بقوله:
| كأن كل مكان كربلاء لدى | عيني وكل زمان يوم عاشورا |
| اين روح الحسين؟: |
ونخلص من هذا الى نتيجة لا مفر منها، وهي ان اية ثورة على الظلم والطغيان تقوم في شرق الارض و غربها فهي ثورة حسينية من هذه الجهة، حتى ولو كان اصحابها لايؤمنون بالله واليوم الآخر.. فان الظلم كريه و بغيض بحكم العقل والشرع، سواء أوقع علي المؤمن ام الكافر، وان اي انسان ضحى بنفسه في سبيل الخير والانسانية فهو حسيني في
|
وعلى ها فالفيتناميون الذين يموتون من اجل التحرر والتقدم، وصد الغزاة الغاصبين يلتقون مع الحسين في مبدأه، وان لم يسمعوا باسمه، و من لا يهتم الا بنفسه وذويه، و يساند اهل البغي والفساد حرصا على منفعته فهو على دين يزيد وابن زياد، وان لطم و بكى على الحسين ان الحسيني حقا من يؤثر الدين على نفسه واهله، ويضحي بالجميع من اجله، تماما كما فعل الحسين، اما من يكيف الدين والمذهب على اهوائه تماما كما يقطع الثوب على مقدار طوله و عرضه،اما هذا فما هو من الحسين ودين الحسين في شيء.
وتقول: كيف؟ وهذه الحرقة واللوعة، وهذا الدمع و العويل على الحسين، هل هو رياء و نفاق.؟
واقول: كلا،هو صدق واعتقاد، ولكن الشيطان يوهمه ان الدين هو مجرد البكاء على الحسين وزيارة قبر الحسين(ع) .. وفيما عداه فالدين هو منفعته و منفعة اولاده وذويه.. ودليل الادلة على ذلك انه حينما تصدم هذه المنفعة مع مبدأ الحسين يؤثرها على الحسين و جد الحسين.. ان حب الذات يفصل الانسان عن نفسه، و يبعده عن واقعه، وينتقل به الى عالم لا وجود له الا في مخيلته و عقيدته، و يوهمه انه
|
ومن يدري اني اصف نفسي بنفسي، من حيث لا اشعر.. واقول.. ان هذا ليس بمحال، وانه جائز على كل انسان غير معصوم كائنا من كان ويكون.. ولكني اقسم جازما اني اتهم نفسي واحاكمها كثيرا ، و اتقبل الحكم عليها من كل منصف خبير، فهل يتفضل السادة الكبار، بل و المراهقون منهم و الصغار، هل يتفضلون بقبول الرجاء من هذا العبد الفقير الذي يتهم نفسه ان يتهموا انفسهم، ويراجعها، و يقفوا منها موقف الناقد البصير، تماما كما يتهمون غيرهم، او ان حضراتهم يصرون على انهم فوق الشبهات،لان الراد عليهم راد على الله؟.. ومهما شككت ، فاني على يقين بان من ينظر الى نفسه بهذه العين فهو من الذين عاناهم الله بقوله: « قل هل انبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون انهم يحسنون صنعا » 105الكهف.
| خطباء المنبر الحسيني: |
كان المنبر في ما مضى الوسيلة الكبرى للدعاية والاعلام، ثم تطورت وسائل النشر الى الكتب، ومنها الى الصحف و المسرح والاذاعة، ثم
|
والشيعة لا يملكون من وسائل الاعلام الا المنبرا لحسيني و بعض المؤلفات، ولكن جماهير منبر الحسين لا يحلم بها كاتب ومؤلف، وهو سلاح له خطره و مضاؤه في محاربة الباطل واهله، والزندقة والالحاد، لان الهدف الاول من هذا النبر ان يبث في الناس روح الحسين، حتى إذا رأوا باطلا قاوموه وحقا ناصروه، ومن هنا كان العبء ثقيلا على خطباء المنبر الخطير الا على الاكفاء منهم.. والحق ان بعضهم ادوا المهمة على وجهها، واهتدى بهم الكثيرون من الشباب الى سواء السبيل ولكن هؤلاء- وللاسف -قليلون جدا، والاكثرية الغالبة مرتزقة متطفلون، او ممثلون لايهتمون بشيء الا بعاطفة المستمع وميوله،تماما كالمهرج، يقف على خشبة المسرح ليؤنس المتفرجين و يضحكهم. ويجهلون او يتجاهلون ان مهمة المرشد الواعظ كمهمة الطبيب الجراح يستأصل بمبضعه الداء من جذوره، ولا يكترث باحتجاج المريض و صراخه.
|
والحديث عن قراء التعزية و خطباء المنبر الحسيني متشعب الاطراف، بخاصة عن الذين لا يشعرون بالمسئولية، ولا يقدرون لهذا المنبر هيبته وقداسته، و ما رأيت احد تناول هذا الامر بالدرس و البحث، وعالجه معالجة موضوعية، مع انه جدير بالاهتمام لتأثيره البالغ في حياتنا وعقيدتنا.
ولو وجدت متسعا من الوقت لتصديت، ووضعت النقط على الحروف، مع مخطط شامل يفي بالغرض المطلوب.. واكتفي الآن بهذه النصيحة وهي ان يجعل الخطيب نصب عينيه قول سيد البلغاء، وامام الخطباء(ع):
(لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين). هذا هو مقياس البلاغة الذي يحفظ للكلمة شرفها.. وهو واضح وبسيط، كلام يتفق مع القلوب والآذان، ولا شيء وراء ذلك.
وختاما نسجل تقديرنا لخطيب المنبر الحسيني الكفؤ صاحب هذه المجموعة التي ضاعفت حسناته بعدد ابياتها، وشهدت له بالتتبع وسعة الاطلاع، والله سبحانه المسئول ان يجعلنا مع الذين جمعوا و خطبوا، ونظموا و كتبوا في الحسين(ع) ودعا دعوته لوجه الله و الانسانية.
بيروت في 1/1/1969
|
| بسم الله الرحمن الرحيم |
| مقدمة المؤلف : | |
هذه الموسوعة تعطيك أوضح الصور عن أدب الشيعة وعن عقائدهم و اتجاهاتهم وتمثل اصدق العواطف عن احاسيسهم ومشاعرهم فليس في الدنيا وقعة كوقعة الحسين هزت العالم هزا عنيفا و أثرت أثرها الكبير في النفوس واهاجت اللوعة واستدرت الدمعة بل هي التي كونت فيهم هذا الادب الثر والشعور الفياض و خلقت منهم اكبر عدد من الشعراء حتى قيل ان الادب شيعي وقيل: وهل وجدت اديبا غير شيعي. ذلك لأن الكبت والالم يدفعان الانسان للنظم و تصوير الحال بلسان المقال و ما دام المرء يشعر بالثأر و حرارة الثكل لا ينام عن ثأره فيندفع يصور حاله معددا آلامه مسامرا احزانه في لياليه و أيامه وفي خلواته و مجتمعاته.
ولا اريد ان أجمع كل ما جاء من شعر الشعراء في الامام الحسين ويوم الحسين ولا اقدر ان اقوم بذلك بل غايتي ان اعرض نماذج من شعرهم واعدد أسماءهم
|
نعم ان الشعر الذي قيل في يوم الحسين عليه السلام يحتاج الى مئات المجلدات إذا أردنا استقصاءه وجمعه، وإن شاعرا واحدا وهو الشيخ أحمد البلادي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري نظم الف قصيدة في رثاء الإمام الحسين عليه السلام ودونها في مجلدين ضخمين كما روى ذلك الشيخ الاميني في موسوعته، وأن الشيخ الخليعي جمال الدين بن عبد العزيز وهو من شعراء القرن التاسع له ديوان شعر في الامام الحسين(ع)، واني وقفت على ديوان للشيخ حسن الدمستاني من شعراء القرن الثالث عشركله في يوم كربلاء. وللشيخ محمد الشويكي من شعراء القرن الثاني عشر ديوان في مدائح النبي وآله، وآخر في مراثيهم اسماه(مسيل العبرات) يحتوى على خمسين قصيدة في اوزان مختلفة و بين ايدينا كتاب(المنتخب) للشيخ محي الدين الطريحي المتوفي في القرن الثاني عشر وفيه عشرات القصائد ولا يعلم قائلها ومثله مئات المقاتل التي تروي قصة الحسين عليه السلام وتثبت شواهد من الشعر الذي قيل في رثائه و بين ايدينا مجاميع خطية في المكتبات العامة والخاصة وفيها المئات من القصائد الحسينية ولم يذكر اسم ناظمها وقائلها.
وهكذا كانت ثورة الحسين غطت بسناها المشارق و المغارب واستخدمت العقول والأفكار فهي نور يتوهج في قلوب المسلمين فيندفع الى افواههم مدحا ورثاء، وهي انشودة العز في فم الاجيال تهز القلوب وتطربها و تحيي النفوس بالعزائم الحية، ذلك لأن هدف الحسين ما كان هدفا خاصا حتى تختص به فئة
|
قال عبد الحسيب طه في(ادب الشيعة) والواقع أن قتل الحسين على هذه الصورة الغادرة - والحسين هو من هو دينا و مكانة بين المسلمين - لابد ان يلهب المشاعر، ويرهف الأحاسيس ويطلق الألسن، ويترك في النفس الإنسانية اثرا حزينا داميا، ويجمع القلوب حول هذا البيت المنكوب.
وهال الناس هذا الحادث الجلل- حتى الأمويين انفسهم - فأقض المضاجع و اذهل العقول وارتسم في الأذهان ، و صار شغل الجماهير وحديث النوادي.
| تجاوبت الدنيا عليك مآتما | نواعيك فيها للقيامة تهتف |
فما تجد مسلما الا وتجيش نفسه لذلك الدم المهدور و كأنه هو الموتور أجل فلا تختص بذلك فئة دون فئة ولا طائفة دون طائفة وكأن الشاعر الذي يقول:
| حب آل النبي خالط قلبي | كاختلاط الضيا بماء العيون |
إنما يترجم عن عاطفة كل مسلم، وهل التشيع إلا حب آل محمد، و من هذا الذي لايحب آل بيت رسول الله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
| ملامك في آل النبي فانهم | أحباي ما داموا وأهل تقاة |
قال النبهاني في(الشرف المؤبد لآل محمد) ص99 روى السبكي في طبقاته بسنده المتصل الى الربيع بن سليمان المرادي - صاحب الامام الشافعي - قال خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى فلم ينزل واديا ولم يصعد شعبا إلا وهو يقول:
|
| ياراكبا عج بالمحصب من منـى | واهتف بساكن خيفها والناهض | |
| سحرا اذا فاض الحجيج الى منى | فيضا كملتطم الفرات الفائـض | |
| إن كـان رفضـا حب آل محمد | فليشهد الثقـلان أني رافضـي |
بل صرح بشعره ان محبة أهل البيت من فرائض الدين فقال:
| يا اهل بيت رسول الله حبكم | فرض من الله في القرآن انزله | |
| كفاكم من عظيم الفخر انكم | من لم يصل عليكم لا صلاة له |
وقال ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص 101 وللشيخ شمس الدين ابن العربي قوله:
| رأيـت ولائـي آل طـه فريضـة | على رغم أهل البعد يورثني القربى | |
| فما طلب المبعوث أجرا على الهدى | بتـبليغه إلا الـمودة في القربـى |
هذا الحب الذي هو شعبة من شعب الاسلام، ظاهره عواطف اسى عميقة على ما أصاب اهل هذا البيت من كوارث وما اعتورهم من نكبات في مختلف الأوطان و العصور الاسلامية مما جعل حديثه شجى كل نفس ولوعة كل قلب.
ان المبالغة في التنكيل بهم أظهرتهم مظهر المظلومين المعتدى عليهم، فكان العطف عليهم أعم والتأثر لمصابهم اوجع، هذه العواطف غير المشوبة ولا المصطنعة اضفت على الشعر الشيعي كله لونا حزينا باكيا، تحته جيشان: نفسي ثائر ذلك لدمهم المطلول، وهذا لحقهم الممطول، و بين هذا و ذاك فخر يفرع السماء بروقيه، و مجد يطاول الاجيال، يقول محمد بن هاني الأندلسي في قصيدة له:
| غدوا ناكسي ابصارهم عن خليفة | علـيم بسـر الله غـير معـلم | |
| وروح هدى في جـسم نور يمده | شعاع من الأعلى الذي لم يحسم | |
| على كل خـط من أسرة وجـهه | دليل لـعين الـناظر المـتوسم | |
| امـام هدى ما الـتف ثوب نبوة | على ابن نــبي منه بالله أعلم |
|
| ولا بـسطت ادي العـفاة بنانـها | الى أريحي منه أندى و اكـرم | |
| ولا التمـع التـاج المفصّل نظمه | على ملك منه أجلّ وأعــظم | |
| ففيه لنـفس مـا اسـتدلّت دلالة | وعلم لاخرى لم تـدّر فتـعلم | |
| *** | ||
| بكم عـز ما بين البقـيع و يـثرب | ونسك ما بين الحطيم وزمزم | |
| فلا برحت تترى علـيكم من الورى | صلاة مصل أو سلام مـسلم | |
ماعرف التاريخ من أول الناس حتى يومهم هذا أن شخصاً قيل فيه من الشعر و النثر كالحسين بن علي بن ابي طالب فقد رثاه كل عصر و كل جيل بكل لسان في جميع الازمان ووجد الشيعة مجالا لبث احزانهم و متنفساُ لآلامهم من طريق رثاء الحسين سيما وهذه الفرقة محاربة في كل الحكومات وفي جميع الادوار ومما ساعد على ذلك أن فاجعة الطف هي الفاجعة الوحيدة في التاريخ بفواجعها وفوادحها فتميزوا بالرثاء وابدعوا فيه دون باقي ضروب الشعر فاجادوا تصويره و تنميقه.
وكان السبب الكبير الذي دفع بالشيعة لهذا الاكثار من الشعر هو حث ائمتهم لهم على ذلك و ما اعد الله لهم من الثواب تجاه هذه النصرة قال الامام الصادق عليه السلام: (1)
من قال فينا بيتاً من الشعر بنى الله له بيتاً في الجنة.
وقال عليه السلام: من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى ، غفر الله له، ووجبت له الجنة.| (1) عيون اخبار الرضا للصدوق. |
|
مضى على الذكريات الحسينية ردح من الزمن وهي لاتقام الا تحت ستار الخفاء في زوايا البيوت و بتمام التحفظ والاتقاء حذار ان تشعر بهم السلطة الزمنية.
قال ابو الفرج الاصبهاني قي مقاتل الطالبيين : كانت الشعراء لاتقدم على رثاء الحسين عليه السلام مخافة من بني امية وخشية منهم.
وفي تاريخ ابن الاثير عندما اورد قصيدة اعشى همدان التي رثى بها التوابين الذين طلبوا بثار الحسين التي منها:
| فساروا وهم مابين ملتمس التقى | وآخر مما جرَّ بالأمس تائب |
قال: وهي مما يكتم في ذلك الزمان. (1)
وقال ابو الفرج في مقاتل الطالبيين: قد رثى الحسين بن علي(ع) جماعة من
(1) اقول والقصيدة مطلعها كما في الاعيان ج35 ـ ص 328.
|
|
متأخري الشعراء استغنى عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الاطالة واما ماتقدم فما وقع الينا شيء رثى به، وكانت الشعراء لاتقدم على ذلك مخافة من بني امية وخشية منهم انتهى.
وقال الشيخ عباس القمي في (الكنى والالقاب) راويا عن معجم الشعراء للمرزباني ان عوف بن عبد الله الازدي ـ كان ممن شهد مع علي بن ابي طالب في صفين ـ له قصيدة طويلة رثى بها الحسين، و كانت هذه المرثية تخبأ أيام بني امية وانما خرجت بعد كذا ، قال ابن الكلبيي منها:
| ونحن سمونا لابن هند بجحـفلٍ | كرجل الدبا يزجي اليه الدواهيا |
اقول وأول القصيدة:
=
|
|
| صحوت وودعت الصبا والغوانيا | وقلت لاصحابي اجـيبوا المناديا | |
| وقولوا له اذ قام يدعو الى الهدى | ـ وقبل الدعا ـ لبيك لبيك داعيا | |
| سقى الله قبرأً ضمن المجد والتقى | ـ بغربية الطف الغمام ـ الغواديا | |
| فيا امة تاهت و ضـلت سفـاهة | أنيبوا فارضوا الـواحد المـتعاليا |
و ستذكر في ترجمته.
من اجل ذلك كان للمجاهر بفضل اهل البيت قسط كبير عندهم، قال الامام الباقر عليه السلام للكميت لما انشده قصيدته من لقلب متيم مستهام. لا تزال مؤيداً بروح القدس (1) واستأذن الكميت على الصادق عليه السلام في أيام التشريق ينشده قصيدته، فكبر على الامام ان يتذاكروا الشعر في الايام العظام، ولما قال له الكميت انها فيكم، أنس ابو عبد الله عليه السلام - لان نصرتهم نصرة الله - ثم دعا بعض اهله فقرب، ثم انشده الكميت فكثر البكاء ولما اتى على قوله:
| يصيب به الرامون عن قوس غيرهم | فيا آخراً اسدى له الغي أول |
رفع الصادق يديه وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وأخر وما اسر و أعلن واعطه حتى يرضى. (2)
وهكذا فقد صبغت حادثة الامام الحسين عليه السلام، ولا تزال تصبغ ادب الشيعة بالحزن العميق والرثاء المؤلم موشحاً بالدموع واستدرار البكاء حتى ظهر ذلك على غنائهم وشكواهم من احبابهم وعتابهم لأصدقائهم .
وبالوقت الذي نقرأ في شعرهم اللوعة والمضاضة نحس بالأستنهاض والثورة فهي نفوس شاعرة متوثبة صارخة بوجه الظلم و الطغيان والفساد والاستبداد منددة بالولاة الجائرين والظلمة المستهترين، واليك نموذجاً من ذلك:
|
(1) رجال الكشى، ص181. (2) الاغاني، ج15، ص 118. ومعاهد التنصيص ج2، ص27. |
|
| ان لم اقف حيث جيش الموت يزدحم | فلا مشت بي في طرق العلا قدم | |
| لابـد ان أتـداوى بالـقـنا فلـقـد | صبرت حـتى فـؤادي كله ألـم | |
| عندي من الـعزم سـر لا أبـوح به | حتـى تبوح به الـهنـدية الخذم | |
| لا ارضعت لي العلى ابنا صفو درتها | ان هكذا ظل رمحي وهو منفـطم | |
| إلـية بضـبا قومـي الـتي حـمدت | قدما مواقعها الهيـجـاء لا القمم | |
| لاحلـبن ثـدي الـحـرب وهي قنـا | لبانها من صدور الشوس وهو دم | |
| مالـي أسـالـم قوما عنـدهم تـرتى | لا سالمتني يد الايام ان سـلـموا |
هذه أبيات من مطلع قصيدة للسيد حيدر الحلي لا تقل ابياتها عن السبعين بيتا وهي على هذا اللون من الاستنهاض للهاشميين و شيعتهم وحتى يقول فيها و الخطاب للحجة المهدي من آل محمد صلوات الله عليهم:
| ما خلت تقـعد حتى تستثار لهـم | وانت انت وهم فيما جنوه هم | |
| لم تبق اسيافهم منكم على ابن تقى | فكيف تبقى عليـهم لا ابا لهم | |
| فلا وصفحك ان القوم ما صفحوا | ولا وحلمك ان القوم ما حلموا |
و يلتفت الى بني هاشم فيقول:
| يـا غاديا بمـطايـا الـعزم حمّلـهـا | هما تضيـق به الأضلاع و الحزم | |
| عرج على الحي من عمرو العلى فأرح | منهم بحيث اطمان الباس و الكـرم | |
| وحـي منـهـم حمـاة لـيس بابنهـم | من لا يرف عليه في الوغي العـلم | |
| قـف منهم موقـفا تغلى القلـوب بـه | من فورة العتب واسأل ما الذي بهم | |
| جـفت عزائـم فهـر أم تردى بردت | منها الحمـية ام قد مـاتت الـشيم | |
| ام لـم تجد لذع عتـبي في حشاشـتها | فقد تـساقط جمراً من فـمي الكلم | |
| ايـن الشـهامة ام ايـن الحـفاظ امـا | يأبي لهـا شرف الاحساب و الكرم |
الفهرس |
التالي |