التراب وتطلق زوجتك .
نقول لهذه الام وتلك الاخت : انتما تقولان بان البنت (الانثى) يجب ان تواد اي تدفن وهي حية وهذا الكلام يسيء اليكما بالدرجة الاولى وانتما تستهينان بطفلة هي انثى مثلكما وبالتالي فانكما عندما تحقران وتستهينان بهذه الطفلة انما تحقران نفسيكما في الحقيقة وتستهينان بهما باعتباركما انثيين . واذا كان لا بد من واد هذه الطفلة والتخلص منها فالاولى ان يتم وادكما انتما والتخلص منكما . وفي نفس الوقت علينا ان ننصح والد هذه الطفلة ونذكره بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال : عن حمزة بن حمران يرفعه قال : اتى رجل وهو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخبر بمولود اصابه فتغير وجه الرجل فقال له النبي : ما لك ؟ فقال : خير ، فقال : قل قال : خرجت والمراة تمخض فاخبرت انها ولدت جارية ، فقال له النبي : الارض تقلها ، والسماء تظلها والله يرزقها وهي ريحانة تشمها . . . (1) .
عن الجارود بن المنذر قال لي ابو عبد الله عليه السلام : بلغني انه ولد لك ابنة فتسخطها ! وما عليك منها ، ريحانه تشمها وقد كفيت رزقها و [قد] كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابا بنات (2) .
لقد كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم اربع بنات وكان يكنى بـ «ابي بنات» وهذه هي ارادة الله سبحانه وتعالى حيث يعطي للبعض ذكورا وللبعض الاخر اناثا وذلك لكي تتواصل عملية التناسل ويستمر بقاء البشرية الذي يقوم على اساس رابطة الزواج بين الذكر والانثى وتستمر بالتالي الحياة بسعادة وهناء في ظل وجود الرجل بما يمثله من قوة وصلابة ووجود المراة بما تمثله وتجسده من لطافة الروح والعطف والحنان . يقول الله تبارك وتعالى في القران الكريم : «لله ملك السموات والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور او يزوجهم ذكرانا واناثا ويجعل من يشاء عقيما انه عليم قدير» (3) .
والان نتابع بقية ما جاء في رسالة هذه الاخت الكريمة :
(1) ميزان الحكمة ج 10 ص 704 .
(2) المصدر نفسه ص 705 .
(3) سورة الشورى ، الايتان 48 و 49 .
العلاقات الزوجية
337
الرسالة : . . . واستمر زوجي في ايذائي والاستهزاء بي وتحقيري . . . ولم يمض وقت طويل حتى شاءت ارادة الله ان اصبح حاملا مرة اخرى وبعد ذلك انجبت بنتا اخرى . . . وعندما علم زوجي لذلك تفجر غضبا وترك المنزل لمدة شهر تقريبا حيث مرت علي فترة لم يكن عندنا قطعة خبز ناكلها . . . وخلال هذه الفترة واجهت الكثير من الالام والصعوبات وسمعت الكثير من اللوم والانتقادات اللاذعة والكلام الجارح ولكني تحملت كل ذلك من اجل بناتي ولكي لا يعشن من دون ام . لقد ذكرتم في احدى حلقات برنامج «اسس التعامل الاخلاقي بين افراد الاسرة» بان المراة التي تترك بيت زوجها ليست وفيه لزوجها واولادها ، ولكن يعلم الله باني لست عديمة الوفاء ولا اريد ان اترك بيتي . انني الان حامل في شهري الرابع واخاف من الولادة خوفا شديدا ويعلم الله ان اصاب بارق شديد في الليل . افكر في مصيري ومستقبلي ومستقبل الطفل الذي في بطني . زوجي منذ الان يقول لي : الويل لك اذا انجبت لي بنتا . اذا كان المولود انثى لا يحق لك العودة الى البيت ، عليك ان تغادري المستشفى الى بيت امك . . . ولذلك فاني قرت اذا انجبت بنتا هذه المرة ايضا بان لا اعود الى بيتي رغم علمي بان ذلك سيجعل بناتي يعشن حياة ماساوية واني ارى في وجوههن البؤس والشقاء منذ الان . . .
حقا ما تقولين ايتها الاخت الكريمة ، انك لست عديمة الوفاء بل زوجك هو الذي لا وفاء له (وهو الى جانب ذلك عديم المروءة وعديم الكرامة والغيرة) لانه يقول لك : «لا يحق لك بعد الان العودة الى بيتك» . الله تبارك وتعالى لم يكلفك اكثر من طاقتك ووسعك . ولكن عليك ان تصبري وتتحملي ما استطعت ذلك حتى تربي اطفالك وبناتك في حجر طاهر نظيف ويكبروا ويترعرعوا في ظل ايمانك ومحبتك وعطفك ويسيروا باتجاه مستقبل مشرق وضاء . ليكن املك بالله كبيرا وكوني على ثقة بان الباري سبحانه وتعالى لن يتركك وحدك . فالله تبارك وتعالى اشاد في القران الكريم بامراة فرعون ـ اسية بنت مزاحم ـ (هذه المراة الصالحة التي عاشت في منزل فرعون الكافر الذي ادعى الالوهية وانكر وجود
العلاقات الزوجية
338
الله) (1) يقول عز من قائل في محكم كتابه العزيز : «وضرب الله مثلا للذين امنوا امراة فرعون اذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين» (2) .
نعم ، لقد حافظت امراة فرعون على ايمانها بالله هي التي قامت بتربية موسى عليه السلام وهو طفل صغير في بيتها حتى كبر ونما وترعرع (وهو العدو اللدود لفرعون) . وهنا يقول تبارك وتعالى في القران الكريم : «وقالت امراة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولدا وهم لا يشعرون» (3) .
وانت ايتها الاخت الكريمة ، يا من لديك مثل هذا الهدف النبيل وهذه النية السامية وتريدين تربية اطفالك تربية صالحة ليصبحوا افرادا مؤمنين مصلين . ان اجرك سيكون كاجر «اسية» زوج فرعون ولعل فرعون لم يتصرف مع ابنائه بمثل هذا التفصرف القبيح والظالم الذي قام به زوجك تجاه اطفاله وبناته كما تذكرين في رسالتك :
الرسالة : . . . اقول حتى الاشخاص الغرباء عن بعضهم البعض لا يتصرفون كتصرف هذا الاب مع بناته ، فهو يطعم ابنه اللحم المشوي امام اعين بناته وعندما يطلبن منه ان يعطيهن قليلاً من ذلك اللحم المشوي فانه ينهرهن ويصرخ في وجوههن ويضربهن على ايديهن ويستمر في تناول اللحم المشوي هو وابنه امام اعين بناتي المغرورقة بدموع الحسرة والتاثر . المحبة التي يظهرها لابنه امام انظار بناته تجعلني اتالم كثيرا واتمنى لو ان امي لم تلدني لارى ما اراه .
(1) المترجم .
(2) سورة التحريم ، اية 10 .
(3) سورة القصص ، الاية 9 . (ان قصة مؤسى عليه السلام مذكورة بالتفصيل في القران الكريم وفي كتب التفسير حيث ان فرعون انبئ بولادة موسى (ع) وانه نبي وسيقضي على عرشه فامر فرعون بقتل كل مولود ذكر وقد ولد موسى (ع) في نفس ذلك العام فخافت عليه امه من القتل فوضعته في صندوق والقت به في النهر فجاءت امواج النهر بذلك الصندوق قريبا من قصر فرعون فالتقطته زوجة فرعون وفتحته فوجدت فيه موسى (ع) وهو طفل رضيع فاخذته واقنعت فرعون بالاحتفاظ بالطفل وعدم قتله) . .
العلاقات الزوجية
339
صدقوني اذا قلت ، ان زوجي لم يشتري اية ملابس لبناته منذ ولادتهن وحتى الان . ولكنه ياخذ ابنه بين الحين والاخر الى السوق ويشتري له ما يريد من الملابس . . . ان ابنتي الكبيرة لها الان من العمر . . . عاما وهي باتت تدرك هذه الامور جيدا وتقول لي احيانا : يا امي لماذا والدي لا يحبني انا وشقيقتي الصغرى ؟! لماذا يحتضن شقيقي ويقبله ويلاعبه ولا يفعل معنا نفس الشيء ؟! السنا اصغر سنا من شقيقنا ! . . . بالله عليكم قبل ان ياتي طفلي الى الدنيا انصحوا زوجي . اجيبوا على سؤالي . ارشدوني وقولوا لي ماذا افعل ؟ اقولها مرة اخرى : اني لست اما عديمة الوفاء والمحبة ، ولكن جميع الطرق باتت مسدودة امامي ، ماذا افعل ؟!. . . ارجوكم ان لا تذكروا اسمي ولا اسم مدينتي ولا تنشروا رسالتي كما هي ، اجروا عليها بعض التغيرات حتى لايعرف زوجي بذلك فيقيم الدنيا علي ولا يقعدها .
وفقكم الله ، والسلام عليكم
ايتها الاخت العزيزة ! ان القلب الذي يمتلئ بالغرور والغفلة تغادره الرحمة والشفقة ونور المودة والصفاء . ان الغفلة عن ذكر الله تجعل القلب قاسيا لا رحمة فيه ، كما ان الابتعاد عن نبع التفكر وذكر الله يجعل القلب ظمانا ميتا ويصبح مثل هذا الشخص كالحيوان بل اسوا من الحيوان . يقول الله تبارك وتعالى في القران الكريم : «وقلد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك هم الغافلون» (1) .
ماذا نستطيع ان نقول لزوجك الذي يستهزء بكل شيء ويؤلم قلوب اطفاله الابرياء ويؤذيهم بهذا الشكل ؟! انه يظلم ابنه كما يظلم بناته . ماذا بامكاننا ان انقول لشخص لا يعترف باي حق من حقوق الاخرين ولا يعيرهم اي احترام ؟ حبذا لو ان احد اقرباء زوجك او احد اصدقائه ومعارفه يقرا هذه الرسالة وينصح من هم على شاكلته ويحذره من عواقب هذه التصرفات وهذا الظلم الذي يمارسه بحق زوجته واطفاله وبالتالي ينقذه من هذا الظلام . اننا نذكر هذا الزوج بقول رسول
(1) سورة الاعراف ، الاية 178 .
العلاقات الزوجية
340
الله صلى الله عليه وآله وسلم : [اتقوا الظلم فانه ظلمات يوم القيامة] (1) ونحذره من العذاب الاليم الذي ينتظره يوم القيامة الى جانب الذل والعار الذي سيلحق به في الدنيا من جراء تصرفاته الشائنة هذه . حبذا لو كان هناك شخص مفكر واع يعيد هذا الزوج الى رشده ويضيء مصباح عقله ووجدانه الذي هو على وشك ان ينطفئ .
كان يجب على والدك ووالدتك وقبل ان يوافقا عل تزويجك من هذا الرجل ، ان يحققا ويسالا عنه كثيرا ، عن اخلاقه ودينه ومدى التزامه بواجباته الدينية وكان المفروض بوالديك ان لا يصدقا كلام والدة زوجك هذه المراة المحتالة التي جاءت اليكم لتخطبك الى ابنها . وليتهما لم يزوجاك من شخص تارك للصلاة ومستهزئ بالعبادات والواجبات الدينية .
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول : [ملعون من زوج ابنته الى تارك الصلاة] (2) .
ماذا نتوقع من شخص لا يراعي حق الله ؟! رغم كل ذلك لا باس ان تستشيري امام جماعة المسجد القريب من بيتك فهو رجل روحاني وعالم ديني ورع ومفكر وتطلبي مساعدته فهو رجل قدير على حل الكثير من المشاكل . واني على ثقة بان الله سيساعدك في هذا الامر نظرا لصدق نواياك وان توجيهات امام جماعة هذا المسجد ستكون مفيدة لك ولزوجك .
لعلك ايها القارئ الكريم قد اطلعت خلال حياتك على بعض حالات الظلم والتميز بين الاطفال ولعلك انت ايضا عانيت منهما في طفولتك وذقت طعمهما المر ، ولكنك ماذا فعلت الان للدفاع عن حقوق الاطفال واقامة العدالة ؟ السنا كلنا مسؤولين ؟؟
(1) اصول الكافي ج 2 .
(2) مكارم الاخلاق .
العلاقات الزوجية
341
الفصل (77)
حقوق الطفل
اكرام الاطفال وتربيتهم تربية صالحة وحسنة
من الواجبات الالهية
لقد اوصى رسول الاسلام محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم باكرام الاطفال وتربيتهم تربية صالحة حيث ان سعادة البشرية ومستقبلها مرتبطان بهذا الامر الالهي . فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه كان يحترم الاطفال ويكرمهم ويسلم عليهم حيث قال صلوات الله وسلامه عليه : [خمس لا ادعهن حتى الممات . . . وخامسها التسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي] (1) .
ولكي تدرك عزيزي القارئ نورانية وعظمة هذا الامر الالهي الذي اكده واوصى به الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص احترام الاطفال اقرأوا الرسالة التالية ثم قارنوا تصرفات هذا الاب مع ما امر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
الرسالة : . . . والدي رغم ان معه مفتاح البيت ولكنه عندما يعود من عمله يطرق باب البيت باستعجال ، وعندما انادي من الطارق ؟ يجيبني من خلف الباب : افتح الباب ايها الاحمق ! لماذا لاتفتح الباب ؟ الا تعلم باني انا الطارق ؟! اني اسال ، هل ارى خلف الباب لكي اعرف بان والدي هو الذي يطرق الباب ؟ واحيانا لااقول : من الطارق ؟ واقوم بفتح باب البيت .
(1) بحار الانوار ج 76 ص 10 .
العلاقات الزوجية
342
وعندما يدخل والدي الى البيت ، اسلم عليه فيرد على سلامي بضجر وانزعاج ويقول لي : ايها الابله ! لماذا فتحت الباب دون ان تسال من الطارق ؟ لعل الطارق كان شخصا غريبا لا تعرفه . . . !
واحيانا يفتح الباب بمفتاحه ويدخل البيت بكل هدوء بحيث ان والدتي تفزع احيانا لمشاهدته وسط البيت وعند ذلك يبدا الشجار والنزاع والقيل والقال . حيث يصرخ والدي قائلا : ماذا حدث ؟! لماذا فزعتم لمشاهدتي ؟! هل ملامحي مرعبة ومخيفة الى هذا الحد ؟ . . .
الامام الصادق عليه السلام مبين السنة المحمدية الاصيلة يقول : [يسلم الرجل اذا دخل على اهله واذا دخل يضرب بنعليه ويتنحنح يصنع ذلك حتى يؤذنهم انه قد جاء حتى لايرى شيئا يكرهه] (1) .
السلام هو تصرف حسن وترحيب مبارك امر به الله تبارك وتعالى ولا سيما رد السلام فانه واجب . يقول تبارك وتعالى في القران الكريم : «واذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها ان الله كان على كل شيء حسيبا» (2) .
علينا ان نسال هذا الاب : اليس نبيك هو رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ اذا كنت تؤمن به ، فلماذا لا ترد على سلام ابنك بمثله او ترد عليه بتحية اجمل واكثر وقعاً ؟ لماذا لا ترد السلام ؟ وليتك اكتفيت بعدم رد السلام ولم ترد على سلام ابنك بكلام بذيء وعبارات نابية ؟ ان الكلام البذيء يااخي الكريم ليس من اخلاق الشخص المسلم . والان عزيزي القارئ ما جاء في الرسالة التالية التي بعثت بها الينا اخت كريمة وقارن تصرفات هذا الاب مع تصرفات الاب الذي اشرنا اليه من قبل :
الرسالة : . . . عندما يطرق زوجي باب البيت وانادي : من الطارق ؟ اسمعه يسلم وهو خلف الباب وبصوت ملؤه العطف والمحبة والاحترام . عند ذلك افتح الباب واستقبله بنفسي واذا كنت مشغوله في اعمال البيت ، فانه
(1) بحار الانوار ج 76 ص 11 .
(2) سورة النساء ، اية 86 .
العلاقات الزوجية
343
وبمجرد ان يدخل البيت يسال الاولاد ، اين امكم ؟ ثم يسلم على اولاده ويسال عن احوالهم ويفرحهم بشيء ما . ورغم ان راتب زوجي محدود ولكن حياتنا ومعيشتنا تسير على ما يرام والحمد لله وذلك بفضل قناعتنا .
وهذا ايضا اسلوب اخر في العيش حيث يعيش هذا الزوج مع افراد عائلته حياة سعيده جميلة هانئة وذلك باتباع السنة المحمدية الكريمة ، فالوالد يدخل بيته وبيده باقة ورد من الفرح والسرور وهي تفوح بعطر المحبة والاكرام فيقدمها هدية لزوجته واطفاله ويزرع بذلك في قلوبهم الفرح وفي عيونهم الامل ويجعل الحياة حلوة وجميلة في اذهانهم وذلك من خلال ابتساماته الابوية وسلامه الدافئ .
كونوا على ثقة بان اي شخص ـ او اية اسرة ـ تبني تصرفاتها واعمالها على اساس الايمان بالله والالتزام بسنة رسول الله فان الحياة تصبح بالنسبة لذلك الشخص اوتلك الاسرة حلوة وجميلة وممتعة . ونحن كلنا امل في ان توجدوا في داخلنا ذلك الحافز وتلك الهمة والنشاط ولكي نطهر قلوبنا ونفوسنا من التصرفات والممارسات الجاهلية ونضيئها بانوار تعاليم وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك التعاليم الالهية السامية ونجعل حياتنا نظيفة ونزيهة وحياة ابنائنا وافراد اسرتنا وحياة جميع الناس الاخرين جميلة وسعيدة وهانئة .
العلاقات الزوجية
344
الفصل (78)
نموا في ابنائكم الشعور بالكرامة والقدرة والاستطاعة
كيف تتصرفون مع ابنائكم ؟ كيف تنمون فيهم القناعة والايمان بقوتهم واقتدراهم وكرامتهم ؟
ان «المحبة والرحمة والوفاء» هي المبادئ والاصول الثلاثة التي يجب ان تقوم عليها تصرفاتنا واساليبنا التربوية . يقول معلم البشرية نبي الرحمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : [احبوا الاطفال وعاملوهم برفق واوفوا بوعودكم لهم] (1) .
ومن اجل ان تتكون عند ابنائكم الثقة الكاملة بانفسهم وبقدراتهم وكفاءاتهم وتتجذر هذه الثقة في نفسهم وفي اعماق وجودهم يجب ان تتعاملوا معهم خلال السنوات السبع الاولى من اعمارهم على اساس الرحمة والرافة التسامح والمحبة وان تتجنبوا تماماً استخدام اسلوب الشدة والعنف معهم وان تتحلوا بالصبر والتأني لما يصدر عنهم من اخطاء وهفوات وتقصير وفي نفس الوقت الذي تقومون فيه بمراقبة اخطائهم وزلاتهم بكل متانة ولكفي يجب ان لا تقولوا شيئا يشعر معه ابنكم بالحقارة والاهانة عليكم ان لا تصرخوا في وجهه وتتصرفوا معه بطريقة تجعله يرتعد خوفاً وتنهار معنوياته . بل عليكم ان تمنحوه القدرة والاستطاعة لارتقاء سلم المجد والرقي في هذه الحياة من خلال قبولكم بما يستطيع القيام به وتقدير كم واستحسانكم لتصرفاته ومن خلال تشجيعه المستمر والتحدث معه بكلام يبعث فيه النشاط والحيوية وعليكم ايضاً بالقول والعمل ان تجعلوا ابناءكم يشعرون بعظم
(1) مكارم الاخلاق .
العلاقات الزوجية
345
شخصيتهم وكرامتهم والقدرات والطاقات الكامنة فيهم وتعملوا على تنمية وترية هذا الشعور فيهم . لنقرأ معاً هذا الرسالة التي تعكس التصرف الصحيح والمثالي من قبل هذه الام الواعية مع ابنها المعوق :
الرسالة : . . . عندما كنت طفلاً اصبت بشلل في احدى ساقي وذلك نتيجة حادث تعرضت له . وهذا الحادث لم يكن نتيجة تقصير او اهمال من والدي ، لا ابدا ، فهما يهتمان بي كثيرا وقدما الكير من التضحيات من اجلي . . . ان هذا الحادث لم يحل دون ممارستي للعمل ولم يمنع نشاطاتي وتقدمي على هذا الصعيد ، لان اسلوب تعامل والدتي معي قد عوض لي هذا النقص . ان المساعدة التي قدمتها وتشجيعها لي اوجد في نفسي اعتقادا قويا وقناعة راسخ باني قادر على القيام باي عمل . صدقوني لا ابالغ اذا قلتي : ان تعامل والدتي جعلني اتقدم في جميع المجالات على كل الذين هم في سني .
. . . ان والدتي لم توجه لي اللوم ولم يحدث ان انتقدتني او دعت علي دعاء سوء ابدا ـ كما تفعل بعض الامهات ـ فهي دائما تسلي خاطري وتهدئ من روعي وتشجعني . . . الى درجة اني لا اشعر الان بالكآبه والتالم بسبب ذلك الحادث الذي اصاب رجلي بالشلل وانا اسعى بهذا الرجل الواحدة لكي اعمل وابني حياتي ومستقبلي بيدي . . .
بارك الله فيك ايها الاخ اكريم وبارك الله بهذه الام الكفؤة المضحية انه حقا ماتقول بان المعنويات القوية تمنح الجسم قوة واقتدار وان الثقة بالنفس وما تتمتع به من قدرات ، تجعل الشخص قويا ، المهم وجود هذه الثقة بالنفس . ويجب على جميع الاباء والامهات وسائر المهتمين والمعنيين بالشؤون التربوية وعلى ضوء تجاربهم الناجحة والموفقة ان ينموا هذه الثقة وهذه القناعة في نفوس ابنائهم ـ القناعة والثقة بطاقاتهم وقدراتهم ـ وعندها سوف تتفتح في اعماقهم براعم الكمال وتنمو في نفوسهم ثمار السعادة والنجاح والنصر . فالامام الصادق عليه السلام يقول في حديث مضمونه : ليس هناك من جسم يعجز عن القيام بعمل تقوى عليه الروح .
العلاقات الزوجية
346
وعلى العكس من ذلك فان النفس الضعيفة تمرض الجسم وتجعله خاويا وعاجرا ، الايحاءات والتلقينات السلبية تسلب الامل من القلب وتمنعه من ان يخفق وينبض ، انها تجعل اليدين ترتجفان واللسان يتلكا .
والان لنقرا هذه الرسالة التي بعث بها شاب كريم :
الرسالة : . . . الجروح التي اصابت جسمي وروحي باتت تنخرهما كمرض الجذام وصار جسمي ينحف شيئا فشيئا . ولكن هذه الجروح لا يراها احد واذا حدثت احدا بها لا يصدقني ويستهزئ بي .
. . . انني ومع الاسف لا استطيع ان اكون واثقا من نفس واتكلم دون ان يرتعش جسمي ويتلكا لساني . . . اصبحت كالمجانين ولكني لست بمجنون ، افهم ولكني لا ادري ماذا افعل . كلمات التانيب والتحقير والاهانة التي توجهها لي والدتي باستمرار «يا مسكين يا بائس يا قليل الفهم ايها الغبي و . . .» هذه العبارات والكلمات تدوي في اذني دائما وتجعلني اشعر باني انسان تافه وفارغ وضعيف الى درجة انني اخجل من النظر الى الاخرين . واتصور بانني خلقت للشقاء والبؤس . ورغم انني بلغت الان العشرين من العمر فان والدتي لا تزال تتصرف معي باسلوب الكلام البذيء والتهكم والسب وتحط من كرامتي وتشوه سمعتي امام الصديق والعدو . . .
لا ادري ماذا افعل ؟ وكيف اتخلص من كلامها الجارح وتحقيرها لي ؟ . . .
ان المسلم ليس بفحاش ولا بسباب . وهو لا يشتم ولا يتهكم على الاخرين ولا سيما على ابنه وفلذة كبده ، بل يتحدث معه باجمل الكلام واروع التعبير . يكلم معه بنفس الاسلوب الذي يحب ان يكلمه الاخرون به ويرغب هو ان يسمعه من الاخرين ويشعر بالفرح والارتياح لدى سماعه .
ان الكلام اللطيف الذي يبعث على الامل والسرور هو مصدر سلامة وقوة للافراد ويجعل من الشخص المعوق المشلول انسانا قويا وسباقا في معترك الحياة وعلى العكس من ذلك فان التهكم والسب والكلام البذيء والدعاء بالشر وعبارات التحقير والاهانة تجعل من طفل سليم ونشط شابا يائسا بهذا الشكل وفارغا وضعيفا
العلاقات الزوجية
347
لا قيمة له ولا اعتبار . يقول تبارك وتعالى في القران الكريم : «قولوا للناس حسنا» (1) .
وحول تفسير هذه الاية يقول الامام الباقر عليه السلام : «قولوا للناس حسنا احسن ما تحبون ان يقال لكم» (2) .
وبطبيعة الحال كلما كان الافراد اقرب الى بعضهم البعض وتربط بينهم صلة القرابة كلما كان عليهم ان يتحدثوا الى بعضهم لبعض بطريقة افضل واجمل وبعبارات تحمل في طياتها المزيد من الاحترام والخلق السامي . وعلى هذا الاساس فان الابناء هم اقرب الناس الى الوالدين وبالتالي يجب ان يحظوا باحترام وتكريم الوالدين على كافة الاصعدة لكي يتمتعوا بسلامة الروح واطمئنان وهدوء النفس .
وصيتان :
أـ وصية لوالدتك ، انني واثق بانك ايتها الام الفاضلة ! كسائر الامهات تحبين ابنك وتريدين له السعادة والتوفيق ، اوصيك بان تنتبهي الى كلامك وتراقبي لسانك وتذكري قول امير المؤمنين عليه السلام الذي مضمونه : «ان التجريح والكلام اللاذع يجرح اكثر من السكين الحادة والجرح الذي ينجم عن الكلام البذيء واللاذع اكثر خطرا من الجرح الذي يسببه السيف البتار» (3) .
ايتها الام الفاضلة ! هل حدث مرة ان تناولت سكين المطبخ وجرحت بها ابنك ؟! ان كلامك البذيء ودعاءك بالشر على ابنك وتهكمك عليه يجرح مشاعره ونفيسته وهي جروح بليغة تؤذيه بشدة وتقضء عليه . ليكن معلوما لديك بان اية كلمة بذيئة تنطقين بها وكل عبارة فحش لاذعة توجهينها له وكل دعاء بالشر تدعين به عليه انما يزيدك عذابا يوم القيامة . قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : اوصني ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «احفظ لسانك» ، ثم قال له : يا رسول الله اوصني ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم :
(1) سورة البقرة ، اية 83 .
(2) تفسير الصافي ج 1ص 152 .
(3) غرر الحكم ودرر الكلم ، مضمون كلام امير المؤمنين (ع) .
العلاقات الزوجية
348
«احفظ لسانك»، ثم قال يا رسول الله اوصني فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد السنتهم ؟» (1) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح» (2) اي معظم العذاب الذي يلقاه الشخص يوم القيامة هو بسبب لسانه . اذا اردت ايتها الاخت الكريمة ان يسلم بيتك ويسلم اولادك ويعيشوا في هدوء واستقرار فما عليك الا ان تحفظي لسانك وتعوديه على الخير والمحبة والاحسان والدعاء بالخير لاولادك .
ب ـ ووصيتي لك يا ولدي ، انت الذي تتالم من تحقير والدتك لك ! ان الله قد جعل في وجود كل انسان وجوعة من القدرات والطاقات وهو يستطيع من خلال اكتشاف تلك الطاقات والقدرات الكامة فيه ان يسير شؤون حياته بافضل وجه ممكن وان يحافظ على كرامته ويتمتع بشخصية سامية . وكن واثقا بان مثل هذه الطاقات والقدرات موجودة فيك ايضا ، وبالتالي فانت لست ابدا انسان تافها وضعيفا لا تقدر على شيء ولا بائسا سيئ الحظ ولست ابدا ابلها عديم الفهم والادراك . فلو كنت عديم الفهم وابلها لما استطعت ان تكتب مثل هذه الرسالة الجيدة . قد يكون دعاء والدتك عليك القى غشاوة على قلبك ولكنك تستطيع ان تزيلها وان تكتشف وتشاهد في مراة باطنك الصافية كفاءاتك ولكن ذلك يحتاج الى الصبر والمثابرة . بامكانك ان تستخدم كفاءاتك وقدراتك لتسير في طريق الخير والسعادة . اطلب العون من الله فسوف يساعدك . سامح والدتك واصفح عنها فلو كانت والدتك تعلم ان كلامها جارح ومؤذ بهذا الشكل لما تفوهت به ولما قالت ما قالت .
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 39 .
(2) الكافي ج 2 ص 122 باب 56 ح 16 وللحديث صلة .
العلاقات الزوجية
349
الفصل (79)
كيف تتعاملون مع ابنائكم المراهقين ؟
هل تعاملكم مع ابنائكم المراهقين صحيح ولائق ؟ انكم لا تستطيعيون الاجابة على هذا السؤال الا اذا عرفتم في اية مرحلة من مراحل التربية يمر ابنكم ؟ اتدرون ماذا قال معلم الانسانية الكبير محمد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه حول تربية الابناء واساليب هذه التربية ومراحلها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الولد سيد سبع سنين وخادم سبع سنين ووزير سبع سنين فان رضيت مكانفته لاحدى وعشرين والا فاضرب على كتفه قد اعذرت الى الله فيه» (1) .
وعلى ضوء هذا الحديث الشريف والاحاديث الاخرى المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمكن تقسيم مراحل تربية الطفل الى ثلاث مراحل اساسية : فالسنوات السبع الاولى من عمر الطفل تسمى مرحلة السيادة والهيمنة والسنوات السبع الثانية من عمر الطفل تسمى مرحلة الطاعة والقبول والسنوات السبع الثالثة من عمر الطفل اي من الخامسة عشرة وحتى الحادية العشرين والتي يطلق عليها فترة المراهقة والشباب فهي المرحلة التي يصبح فيها الابن بمثابة وزير في داخل الاسرة تتم استشارته في مختلف قضاياها كما يبدي هو رايه في تلك القضايا ويتعاون مع والده ومع سائر افراد الاسرة ويتبادل وجهات النظر معهم بما يخدم مصالح الاسرة وقضاياها . وهنا يجب على جميع الاولياء والمربين والمعنيين بالقضايا التربوية ان يستلهموا من حديث رسول الله ويسترشدوا به لتعيين الاسلوب والطريقة التي يجب عليهم ان يتعاملوا بها مع الطفل في كل مرحلة من تلك المراحل الثلاث الانفة
(1) ميزان الحكمة ج 10 ص 722.
العلاقات الزوجية
350
الذكر . واني اريد هنا ان اتطرق الى بعض الامور المهمة التي يجب ان ياخذها الاباء والامهات وكل المعنيين بالقضايا التربوية في عين الاعتبار اثناء تعالمهم مع الاولاد الذين هم في سني البلوغ والمراهقة . عليكم ان تنتبهوا بان طفلكم بالامس قد كبر الان واصبح شابا وخرج بذلك من مرحلة الطفولة والضعف واصبح شخصا لائقا وكفؤا وقادرا ومكلفا من قبل الله تبارك وتعالى فالباري سبحانه وتعالى جعل هذا الشاب انساناً مكلفا ومستقلا وطلب منه العمل باحكامه وواجباته . كما ان على اعضاء الاسرة وافراد المجتمع ان يتقبلو شخصية هذا الشاب ويعترفوا بقدرته وكفاءته وبدوره الوزاري والاستشاري في الاسرة وفي المجتمع . الوزير هو الشخص الذي يستشاره ويكون موضع ثقة ويتكفل بعمل معين نظراً لما يتمتع به من كفاءة ولياقة حيث يسعى لانجاز ذلك العمل بشكل جيد ويعرض نتيجة عمله على مسؤول اعلى . وكذلك الحال بالنسبة للشاب الذي هو في سن المراهقة فيجب باعتباره وزيراً في الاسرة ان يستشار وعليه ان يساعد والديه وباقي افراد الاسرة من خلال مناقشة القضايا المختلفة وتبادل وجهات النظر معهم وان يكون عوناً لهم في تدبير شؤون الحياة اليومية . كما يجب على الاب والام وسائر افراد الاسرة ان يحترموا فكرة وارادته وعمله .
* احترام فكر الشاب ورايه : اي التشاور معه في القضايا التي تخصه وتخص الاسرة ككل . فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول : [لا تعاون انفع من التشاور] (1) .
يجب على الوالدين وسائر افراد الاسرة ان يفسحوا المجال امام ابنائهم الشباب لكي يبدوا رايهم في القضايا التي تخص الاسرة ومستقبلها وعلى الاباء والامهات ان يستشيروا ابناءهم في تلك القضايا ويستفيدوا من افكارهم وعقولهم هذا من جهة ومن جهة اخرى فان هذا التشاور يجعل الابناء ايضا يستفيدون ويزدادون فهما ودراية بالقضايا المحتلفة . على الوالدين ان يطلعا على وجهات نظر ابنائهما بخصوص قضايا العائلة والمشاكل التي تواجهها ووضع الخطط والبرامج المستقبلية للاسرة . وعليهما ايضا ان يستمعا الى ما يقوله اولادهما الشباب بكل صبر وتأنٍ وبهذه الطريقة فان الشاب يفهم بان آراءه وافكاره تحظى بالاحترام