العلاقات الزوجية 351

والاهمية وان الاسرة بحاجة الى مساعدته من اجل المضي قدما باهدافها وبرامجها وبذلك يصبح الشاب شريكا في حياة اسرته ووزيرا بكل معنى الكلمة وعونا لوالديه ولسائر اعضاء اسرته .
* احترام ارادة الشاب ورغباته : لان ارادة الانسان هي تجسيد كامل لشخصيته واحترام ارادة الشاب ورغباته هو في الحقيقة احترام لكرامته وتقدير لدورة كوزير في الاسرة . وهذا يعني اننا يجب ان نتجنب فرض بعض الامور على الشاب واجباره على قبول بعض الامور التي لم يقتنع بها وارغامه على القيام بها كما علينا ان نتجنب تحقير الشاب واهانته وتوجيه الانتقادات اللاذعة والجارحة اليه وعلينا ان نقلل من الاوامر والنواهي التي تحطم شخصيته ونساعده بالتالي على تحقيق ارادته ورغبته وبرنامجه بشكل صحيح وعندما لا يكون ذلك ممكنا او عندما لا يكون تحقيق تلك الرغبة او تنفيذ ذلك البرنامج في صالح الشاب نفسه او اسرته فيجب ان لا نحاول ابدا تحطيم ارادته ولا نطلب منه ابدا الغاء برنامجه وبالتالي نسحق كرامته وشخصيته ، إلا بعد ان نذكر له الدليل المقنع والمنطقي لمواقفنا هذا . يجب ان لا يطلب الوالدان والاسرة من ابنهما الشاب ان يكون كالشمع مرنا وخاضعا ومستسلما بين انامل الاخرين الفولاذية يوجهونه كيفما شاءوا وارادوا ويصوغون شخصيته كما يرغبون .
انه من الواضح ان الشاب والمراهق الذي يشارك في اتخاذ القرارات من خلال التشاور بين افراد الاسرة يتعلم تدريجيا اسلوب التفكير الصحيح الذي يخدم مصالحه ومصالح اسرته ويزداد وعياً ودراية ورجاحة عقل ولذلك نراه لا يتخذ اي قرار لا مصلحة له فيه ولا يعود عليه وعلى اسرته باية منفعة او فائدة ولا يطلب شيئا لا تقدر عليه اسرته .
* احترام اعماله وتصرفاته : اي ان نتقبل اعماله وتصرفاته قبولا حسنا حتى لو لم تكن اعماله جميلة وممتازة بذلك الشكل ، لانه حديث العهد بالعمل ويعتبر مبتدئا على صعيد الاستقلالية والمهارة والخبرة العملية وبالتالي فهو بحاجة الى المساعدة الفكرية والاستحسان والتقدير والتشجيع من قبل الكبار .
ولكن هذه المساعدة الفكرية وهذا التوجيه يجب ان يكون دقيقا وفي اطار من الرفق واللطف وذلك حتى لا يجد الشاب نفسه تابعا ومرتبطا بالغير وبالتالي

العلاقات الزوجية 352

يشعر بالعجز والضعف ، بل على العكس من ذلك يجد نفسه واقفا على قدميه قويا وثابتا معتمدا على نفسه وعمله ويشعر باللذة والارتياح من هذا الشعور بالقدرة والاستطاعة وهذا الاستقلال النسبي الذي بات يتمتع به . وخلاصه القول انه يجب ان لا نتعامل مع الشاب المراهق كخادم او عبد مطيع وخاضع لا يملك من امره شيئا ويشعر بان عليه ان يكون خاضعا مطلق الخضوع ومطيعا لافراد اسرته طاعة عمياء . بل يجب ان يتقبل افراد الاسرة فكرة ويحترموا ارادته واعماله ويجب ان نستفيد من مشاركته الفعالة والحيوية والمخلصة في حياة الاسرة وقضاياها وذلك من خلال التشاور والتخطيط الصحيح وتقسيم الاعمال والمهام والمسؤوليات بشكل عادل بين افراد الاسرة . اي بعبارة ادق علينا ان نعترف رسميا بالدور الاستشاري والفكري والعملي للشباب والمراهقين في داخل الاسرة ومساعدتهم ومسايرتهم وبهدف الوصول الى مستقبل مشرق ومشرف . واذا كان تصرف الاهل والمربين مع الشاب بهذا الشكل اللائق فانهم بذلك يساعدونه في الوصول الى قمة الكرامة والسعادة ويمنحونه المزيد من الامل والقدرة للوصول الى هذا الهدف . اما اذا لم تكن تصرفات الوالدين والاهل مع الشاب بهذا الشكل ولم يعطوا اي اهتمام لمشاعر الشاب واحاسيسه ومتطلباته ومرامجه فان ذلك يجعله يتالم في اعماقه ويشعر بالاحباط والقلق والاضطراب . وهذا ما نلاحظه في الرسالة التالية التي بعث بها شاب مراهق يصف فيها حالته بانها شبيهة بحالة الطير المذبوح .
الرسالة : . . . انني شاب في الصف الثاني ثانوي لقد كبرت الان الى حد ما واريد ان اتابع دراستي بشكل جيد واصبح طالبا ممتازا ولكن والدتي وشقيقتي التي تزوجت حديثا تضعان العراقيل امامي . فهما تتوقعان مني الكثير ولكني لا اظهر انزعاجي واقوم بما استطيع من اعمال البيت لاني ارى ان من واجبي القيام بعمل ما حتى اكل لمقة الخبز . فمنذ لحظة دخولي الى البيت اسمع شقيقتي تناديني من الطابق العلوي للبيت وتقول لي : اسرع ! اسرع ! اشتر لي الشيء الفلاني ، بارك الله فيك يا شقيقي العزيز ! . . . وعندما اشتري ذلك الشيء واعود الى المنزل ، اسمع والدتي تقول لي : لماذا لم تخبرني لدى خروجك من البيت ؟! والان اذهب كالبرق الخاطف وافعل كذا وكذا وعد الى البيت سريعا . احسنت ياولدي ! . . .

العلاقات الزوجية 353


وعندما انجز جميع الاعمال ، افتح كتابي وكراسي لكي اراجع دروسي ، ولكني اسمع مرة اخرى صوت شقيقتي وهي تناديني وتقول : اذهب الى بيت فلان على وجه السرعة واخبرهم بكذا وكذا . . . سلمت يداك يا شقيقي العزيز! . . .
والخلاصة انه حتى يحين وقت النوم علي ان اذهب حوالي عشرين مرة الى هنا وهناك بالضبط كالدجاجة المذبوحة . . . الويل لي اذا كنت يوما مرهقا ولم انفذ ما تامرني به شقيقتي ، عندها تنسى كل ما قمت به من اجلها وتبدا بتوجيه اللوم والانتقاد لي وتتبجح امامي بما يقوم به ابن الجيران وتقول لي : الان اطلب من ابن الجيران القيام بهذا العمل وسترى كيف ينجزه بسرعة ، تتصور اني محتاجه اليك ؟!
وخلاصة القول انهم لا يعيرون اية اهمية اوقيمة لوقتي ودراستي وبرامجي وعندما يصبح معدلي في المدرسة رديئا في نهاية العام فانهم يلومونني ويستهزئون بي بحيث اشعر ان عظامي تتهشم تحت وطاة تلك الانتقادات اللاذعة ، فهل يمكنكم ان تنصحوا شقيقتي لكي تغير تصرفاتها تجاهي ؟

1ـ نعم ! ولكن كلامي اوجهه لك بالدرجة الاولى ، فانت شاب طيب عاقل ومؤدب وتعلم بان عليك ان تساهم ويكون لك دور في شؤون ومحيط الاسرة . وتعلم بان عليك ان تتولى مسؤولية عمل ما داخل الاسرة الى جانب مواصلة نشاطك الدراسي . اني اقدر واحيي فيك هذه الفهم والادراك والادب سيما وانت طلبت في نهاية رسالتك ان انصح شقيقتك فقط ولم تذكر شيئا عن والدتك ويبدو انك تعرف جيدا مقام الام ومنزلتها الرفيعة السامية ولذلك فانت تقف امامها موقف الخاضع المطيع والشاكر الممتن لها على ما قدمته وضحت به من اجلك .
2ـ يبدو ان افراد اسرتك ليس عندهم تخطيط ولا تنسيق صحيح على صعيد الاعمال التي يريدون القيام بها وينوون انجازها ، مما اربك حياتهم وحياتك ايضا . وفي حين ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اوصانا بتدبير معيشتنا وجعل حسن التدبير احد الوسائل والطرق للوصول الى الكمال والسعادة الانسانية . كما اعتبر الامام امير المؤمنين عليه السلام بان حسن التدبير والتقدير في المعيشة ـ اي التخطيط الصحيح

العلاقات الزوجية 354

والمناسب للحياة اليومية ـ هما الاساس في ثبات واستقرار الحياة واستمرارها . كما اعتبر عليه السلام حسن التدبير سبب النجاح في خططنا وبرامجنا
3ـ من الافضل ان تمسك شقيقتك ووالدتك قلما وورقة وتسجلان فيها احتياجات البيت المتوقعة وان يطلبا منك في وقت معين تلبية تلك الاحتياجات وانجاز الاعمال الخاصة بالبيت وذلك لكي تتمكن انت ايضا بهدوء وراحة بال من انجاز وظائفك المدرسية والانصراف الى المطالعة ومراجة الدروس وبهذا تستطيعون جميعا الاستفادة من وقتكم واعماركم ومالكم بصورة افضل .
4ـ اذا ما اتيحت لك الفرصة المناسبة اقرا هذه السطور لافراد اسرتك وابحث معهم الموضوعات التي تتضمنها .
تابع دراستك بكل جد ونشاط واخدم اهلك بكل محبة واخلاص . دمت موفقا لكسب مرضاة الله والتمتع بحياة ملؤها النشاط والمودة .

العلاقات الزوجية 355


الفصل (80)


الاصدقاء ودورهم في التربية
ابناؤكم يتاثرون تدريجيا باصدقائهم

هل نقوم بواجبنا كاملا في مجال تربية ابنائنا ؟ انتم تعلمون بان القيام بهذا الواجب وهذه المسؤولية الكبيرة يحتاج الى خبرة وتدريب ورعاية ومراقبة : فواجب تربية الابناء يحتاج الى خبرة ودراية لكي يميزوا بين الصالح والطالح من الاعمال والتصرفات . كما يحتاج الابناء في تربيتهم الى الرعاية والمراقبة لكي يتعودوا على عمل الخير والتصرفات الحسنة والجيدة ويتربوا تربية حسنة وصالحة ويصبحوا من اهل الخير والصلاح والرشاد والكفاءة وينشاوا احرارا مقتدرين . ومن بين كل العوامل الموثرة في التربية فان عامل «الصداقة والاصدقاء» يحتل اهمية خاصة في هذا المجال لان الشخص يتاخر تدريجيا باصدقائه ويكتسب صفاتهم وخصائصهم . وهذا يعتبر مبدا تربويا مهما . واذا كنا نريد ولد صالحا وصادقا فعلينا ان نحثه ونشجعه على مخالطة ومصادقة الافراد الصالحين والصادقين وحول تاثير الصديق على حياة الانسان ونهجه في الحياة يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :[اسعد الناس من خالط كرام الناس] (1) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [من لم تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته ، ومن لم يوجب لك فلا توجب له ولا كرامة] (2) لذلك علينا ان نتوخى الدقة والحذر في اختيار الاصدقاء .
كما يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام في دستوره التربوي العظيم في وصيته
(1) بحار الانوار ج 74 ص 185 .
(2) بحار الانوار ج 77 ص 47 .
العلاقات الزوجية 356

المطولة الى ابنه الحسن عليه السلام ما مضمونه ، «يا بني عاشر اهل المعروف لتصبح منهم وتجنب مجالسة الاشرار لكي لا تتاثر بهم وتصبح منهم» . نفهم بوضوح من هذين الحديثين الشريفين والقيمين بان افضل وانجح اسلوب في التربية هو ان نرشد ابناءنا ونوجههم الى طرق كسب الاصدقاء ومساعدتهم ومراقبتهم في هذا المجال . علينا ان نوصيهم ونؤكد عليهم بان يتوخوا الدقة الكاملة في اختيار اصدقائهم ويختاروا افضل الاصدقاء واكثرهم حياء وفهما وادراكا وان يتجنبوا معاشرة ومصادقة الاشخاص المستهترين غير المودبين الذين لا حياء لهم ولا فضيلة . اياكم ان تغفلوا وتتهاونوا بشان اصدقاء ابنائكم واياكم ان تتركوا ابناءكم دون توجيه ورعاية ودون ان تساعدوهم وتراقبوهم . اليست مجالسة ابنكم للشخص المصاب بمرض عضال خطرة على سلامته ؟ هل تسمحون لا بنكم ان يصادق شخصا مصابا بمرض خطير ومعد ؟ اذا تركتم ابناءكم وشانهم ولم تتحدثوا معهم حول الشروط التي يجب ان تتوفر في الصديق الجيد فقد يغفلون ويصادقون افرادا شريرين غير صالحين ويتخالطون معهم مما يجعلهم يواجهون الشقاء والانحراف والضلال . وعلى ضوء اهمية الاصدقاء ودورهم في صلاح وخير الابناء ، فكروا واسلوا انفسكم : هل نبهتم واطلعتم ابناءكم المراهقين على هذا الامر المهم ؟ وهل تحدثتم معهم بشان الشروط التي يجب ان تتوفر في الصديق الجيدين والمخلص الامين ؟ وهل تكلمتم مع ابنائكم حول ضرورة اختيار الاصدقاء الجيدين الصالحين ؟ وهل تعرفون اصدقاء ابنائكم ؟ . . . وهل كانت لديكم خطط وبرامج لتعزيز العلاقات بينهم وبين ابنائكم ؟ . . . الرد على كل هذه التساؤلات نجده في الرسالة القيمة التي وجهها الاستاذ والاب والمعلم والمربي الكبير المرحوم الشهيد مرتضى المطهري لنجله الكريم . وتتضمن هذه الرسالة القيمة نموذجا للرعاية والتوجيه والمساعدة التي يجب ان يقدمها كل اب لابنائه :
الرسالة : . . . ولدي العزيز وقرة عيني ارجو لك من الله السلامة والتوفيق وحسن العاقبة . ان اوضاعنا جيدة عموما ولله الحمد . حيث نذكرك في اغلب الاوقات . اتمنى لك التوفيق التام في الامتحانات .
ولدي العزيز : بلغ سلامي الى رفاقك واصدقائك ولا سيما الموجودين


العلاقات الزوجية 357

معك في غرفتك . اذا جئت الى طهران فائت بهم الى بيتنا فان ذلك سوف يسرني ويفرحني . توخ الدقة الفائقة في اختيار اصدقائك لانها كثيرة تلك الحيات والافاعي الجميلة الشكل والظاهر وكن يا ولدي دقيقا للغاية لدى اختيارك الكتب التي تريد قرائتها . ضاعف معلوماتك في مجال العلوم الاسلامية والانسانية . شارك في الجلسات والمحاضرات الدينية المفيدة . اذا احتجت الى اي كتاب في هذا المجال اخبرني بذلك حتى ارسله اليك . حاول قدر امكانك ان تقرا في كل يوم جزءا واحدا من القران الكريم حيث لا يستغرق ذلك اكثر من خمس دقائق واهد ثواب ذلك الى روح النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم فذلك يبارك في العمر ويجلب التوفيق ان شاء الله تعالى . انا اوصيك مرة اخرى ان تثابر على اداء الفرائض الدينية بكل دقة . قد تواجه احيانا بعض الاسئلة يطرحها عليك بعض الطلبة العلمانيين ، ولا يكون لديك رد جاهز عليها فاكتب الى في هذا المجال .
بعثت لك مبلغ الف وخمسمائة ريال على يد حامل هذه الرسالة . . .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مرتضى المطهري 19/ 4 / 1977

1ـ ان هذا الاستاذ الشهيد رضوان الله تعالى عليه اشار في رسالته المليئة بالارشادات والنصائح التربوية ثلاث او اربع مرات الى موضوع الصداقة والاصدقاء . فهو ابلغ سلامة لاصدقاء ابنه واكرمهم وذكرهم باحترام ثم دعاهم الى منزله في طهران وبعد ذلك حذر ابنه من اصدقاء السوء واهل الشر وطلب منه ان يتجنبهم وان يكون دقيقا للغاية في اختار الاصدقاء . وبعد ان اشار الشهيد المطهري الى هاتين النقطتين ، تطرق الى امور بامكانكم ان تفهموها بمجرد التامل .
2ـ ان هذه الرسالة ملية بمشاعر الاحترام والاكرام والتقدير لشخصية الابن (نقصد هنا الابناء والبنات على حد سواء) وهذا الاسلوب في التعامل مع الابناء هو اسلوب تربوي متين يجب ان ياخذ به ويتعلمه جميع الاباء والامهات والمعنيين بتربية جيل الشباب والمراهقين في المجتمع في المدارس والجامعات . فعلى هؤلاء ان يحترموا ويكرموا ابناءهم وتلاميذهم وطلابهم ويحترموا شخصيتهم ويقيموا صرح التربية العالي على قاعدة الاكرام وكرامة الفرد ليبقى هذا البناء سليما وشامخا .

العلاقات الزوجية 358


الفصل (81)


اشكروا والديكم

هل تستطيعون مراجعة تصرفاتكم خلال الاسبوع الماضي ؟ هل عندكم الوقت الكافي لذلك ؟ . . . ان افضل طريقة لتنمية الاخلاق الانسانية السامية للفرد هي ان يقوم في اية فرصة هادئة تتاح على مدى اليوم ، بالقاء نظرة اخرى على اقواله واعماله وتصرفاته التي صدرت عنه خلال ذلك اليوم ليتعرف على القبيح والحسن من اقواله وافعاله . قال علي بن ابي طالب عليه السلام :[ما احق الانسان ان تكون له ساعة لا يشغله عنها شاغل ، يحاسب فيها نفسه ، فينظر فيما اكتسب لها وعليها في ليلها ونهارها] (1) .
ان ثمرة محاسبة النفس هي صلاح الفرد وسعادته . فمن حاسب نفسه يكن سعيدا ومن يغفل عن محاسبة نفسه يكن خاسرا يوم القيامة . يقول امير المؤمنين عليه السلام : [من حاسب نفسه سعد] (2) .
وقال عليه السلام ايضا : [حاسبوا انفسكم تامنوا من الله الرهب وتدركوا عنده الرغب] (3) .
وقال عليه السلام ايضا : [من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر ومن خاف امن . .] (4) .
(1) غرر الحكم ودرر الكلم ، مستدرك وسائل الشيعة ج2 ص 353.
(2) مستدرك وسائل الشيعة ج 2 ص 353 .
(3) غرر الحكم .
(4) بحار الانوار ج 70 ص 72 .
العلاقات الزوجية 359


لا اريد في الوقت الحاضر ان اتحدث اكثر عن الاهمية الكبرى لمحاسبة النفس ولكن ما رجوه واتنماه هو ان تلقوا نظرة اخرى على اقوالكم وتصرفاتكم خلال الاسبوع المنصرم وتبينوا : كم انتقدتم الاخرين خلال الاسبوع الفائت ؟ كم عدد المرات التي اغتبتم فيها الاخرين ؟ بكم عبارة او جملة انتقدتموهم ؟ هل تفوهتم بكلمة شكر واحدة ؟ هل حالات الغيبة والانتقاد كانت اكثر ام حالات الشكر والتقدير ؟ هل كتبتم رسالة شكر خلال الاسبوع الفائت ؟ . . . ان الوصول الى قمة الشكر والتحلي بهذه الصفة الجميلة وتقديم الشكر للخالق تبارك وتعالى والمخلوق يجعل الحياة جميلة ويبدي للانسان ويظهر امامه الكثير من المناظر الجميلة والحسنة ولهذا علينا ان نخطو من الان في هذا الطريق ونتسلق اعلى واروع قمم هذه الصفة الحسنة ، صفة الاعراب عن الشكر والتقدير للاخرين . انكم بالتاكيد ستفرحون مثلي لدى قراءتكم الرسالة التالية التي تحمل في طياتها نسيم تلك القمم الشامخة المجللة :
الرسالة : السلام عليكم ،
. . . منذ سنوات ونحن نعيش في مدينة اخرى حيث يعمل والدنا ، نحن شقيقتان وندرس حاليا في الجامعة . لعلكم تسالون عن السبب الذي دعانا لكتابه هذه الرسالة وارسالها اليكم ؟ علما باننا لم نتزوج حتى الان لكي نكتب لكم عن قضايا حياتنا الزوجية والعائلية ونستشيركم بشانها . اننا لا ننوي من خلال هذه الرسالة طرح مشكلة معينة بل هدفنا الاعراب عن شكرنا وتقديرنا لوالدينا . . .

ان الاعراب عن الشكر والتقدير للجميع هو واجب . فالامام امير المؤمنين عليه السلام يقول : [من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق] (1) . على ان الوالدين يستحقان الشكر والتقدير اكثر من جميع الناس . ان الله تبارك وتعالى الذي اعطانا كل شيء وكل ما نملكه هو من عنده ، يوصينا باحترام الوالدين وتقديم الشكر والامتنان لهما ، حيث يقول جل وعلى في القران الكريم : «ووصينا الانسان
(1) غرر الحكم ودرر الكلم .
العلاقات الزوجية 360

بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصالة في عامين ان اشكر لي ولوالديك الي المصير» (1) .
وقال الامام الرضا عليه السلام وهو المطلع على الاسرار الالهية والعارف : [ان الله عز وجل امر . . . بالشكر له وللوالدين فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله] (2) .
فهنيئا لكما ايتها الاختان الكريمتان على هذا الشكر والتقدير لوالديكما . لتكونا واثقتين بان الله تبارك وتعالى سينزل عليكما من رحمته ويهبكما السعادة والهناء وسيوفقكما لما فيه خيركما في الدنيا والاخرة . يقول جل وعلا في كتابه العزيز : «واذ تاذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد» (3) .
والان نتابع بقية ما جاء في رسالة هاتين الاختين الكريمتين :
الرسالة : نريد في هذه الرسالة ان نذكر جوانب من حياة والدينا العزيزين :
1ـ رغم ان والدي ووالدتي تزوجا منذ حوالي خمسة وعشرين عاما ولديهما صهرين وحفيدين فاننا لم نلاحظ يوما انهما تشاجرا في ما بينهما او مع اولادهما .
2ـ والدي رجل كادح يؤمن لنا لقمة العيش ومتطلبات الحياة بكثير من العناء والتعب وبالتالي لم نعش تلك الحياة المرفهة ولكن بوجود هذين الوالدين الطيبين لم نكن نعاني او نشعر باي نقص في حياتنا ونشكر الله الذي انعم علينا بالصحة والسلامة والقناعة حيث نعيش بعزة وكرامة وسعادة .
3ـ خلافا لما هو شائع بين الناس من وجود تنافر وكراهية بين والدة الزوج وكنتها (زوجة ابنها) فان علاقة والدتي بكنتها هي على افضل ما يرام فهما تعيشان معا منذ البداية وهما تحترمان بعضهما البعض الى ابعد الحدود .
(1) سورة لقمان ، اية 13.
(2) بحار الانوار ج 74 .
(3) سورة ابراهيم ، اية 6 .
العلاقات الزوجية 361


4ـ هناك موضوع يجب ان نضعه نصب اعيننا وهو ان الحياة ليست مستقرة في كل الحالات بل ان فيها صعودا ونزولا وفيها فترات راحة وهناء وسعادة وفترات عصيبة تتخللها المشاكل والماسي . وكما تقول والدتي : حياة الزوج والزوجة كمناخ الربيع تارة يكون صحوا ومشمسا ومستقرا وتارة اخرى يكون عاصفا هائجا تتخلله الزوابع والرعد والبرق والامطار الغزيرة . وحتى في مثل هذه الحالة ـ وهي نادرا ما تحدث في حياتنا بالطبع ـ فان والدي كان يبدي الكثير من المرونة والتنازل . ونحن قررنا ان نتبع نفس النهج الذي يسير عليه والدانا العزيزان لكي نتمتع بحياة سعيدة هانئة .
5ـ النقطة المهمة التي نريد ان نشير اليها هنا ، هي ان والدينا العزيزين كانا يشجعاننا على الدراسة ويقدمان لنا التوجيه والمساعدة وهذا ما جعلنا نتفوق في دراستنا ونواصل دراستنا الجامعية .
6ـ ان والدينا ساويا دائما بين اولادهما الثمانية وتصرفا معهم على اساس العدالة والمساواة . وهما بالنسبة لنا كصديقين مخلصين ، عندما نتحدث معهما نشعر بالهدوء والارتياح ونرى انفسنا من اسعد الناس . رجاؤنا منكم ان تبلغوا والدينا بمشاعرنا هذه وشكرنا وتقديرنا لهما عن طريق برنامجكم هذا برنامج «اسس التعامل الاخلاقي بين افراد الاسرة» ولكم منا جزيل الشكر وتمنياتنا لكم بالسلامة والسعادة والعزة والسؤدد.

لقد شعرت بالكثير من السعادة والفرح لهذا الشكر والقتدير من قبل هاتين الاختين الكريمتين لوالديهما ، املنا ان تستطيع جميعا ـ من خلال قراءة هذه السطور ـ ان ننظر الى الجوانب الحسنة والصالحة من على قمة الشرف والكرامة وان نقدم الشكر والامتنان لعباد الله ولا سيما لوالدينا . تمنياتنا بالعزة والسعادة لكما ولجميع افراد عائلتكما ودعاؤنا لكما ان تعيشا حياة سعيدة هانئة في كنف زوجين كريمين كفؤين شاكرين ونتمنى ان تبقى جوهرة الشكر الثمينة متلالئة في وجودكما الى الابد .

العلاقات الزوجية 362


الفصل (82)


هل ادلكم على بيت الابرار ؟

عند الغضب وفي اوقات المحنة وعندما تجتاح حياتنا اعاصير المشاكل والصعوبات ينزاح ستار الاخلاق وتظهر اخلاق الفرد وصفاته وطبائعه على حقيقتها . فهناك افراد يتصفون بالكرم والطيبة وحسن الخلق في اوقات اليسر والنعمة والفرح ووفرة المال والثروة ولكنهم في اوقات العسر وضيق ذات اليد والفقر تسوء اخلاقهم ويصبحون حريصين سريعي الغضب . اذن فان متانة الفر وتحمله وحسن خلقه وصفاته يجب ان تقاس عند الشدائد وفي اوقات الملمات والمصائب والفقر والجوع . فاذا استطاع الفرد ان يضحي برغيف خبزه ويتنازل عنه في وقت هو في امس الحاجة اليه ، في وقت الجوع ، واذا استطاع ان يشبع جائعا ويبقى هو يعاني الجوع لكي يسد رمق انسان ويزرع الفرح في قلبه والبسمة على شفته ، فانه يكون فردا صالحا وخيرا بكل معنى الكلمة ومثل هؤلاء الافراد يستاهلون ان يطلق عليهم اسم «الابرار» وهم جديرون بهذه التسمية . سيدة الاسلام النموذجية فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي من جملة هؤلاء الابرار : . . . فبعد صيام يوم باكمله ـ وكما فعل زوجها امير المؤمنين سلام الله عليه ـ اعطت رغيف خبزها الى شخص مسكين جاء يطرق باب بيتها وقت الافطار وفطرت هي بجرعة من الماء وكذلك فعل طفلاها العزيزان الحسن والحسين وجاريتهما الوفية .
وفي اليوم التالي صامت فاطمة عليها السلام وبعلها وبنوها ، ايفاء لنذر نذروه . صاموا اليوم التالي وهم لم يتناولوا شيئا في اليوم السابق وامضت فاطمة عليها السلام نهارها في العمل والقيام باعمال البيت حيث قامت بطحن كمية من الشعير وخبزت

العلاقات الزوجية 363

بها خمسة ارغفة من الخبز وجاءت بها الى مائدة الافطار وعندما هموا بتناول الافطار اذا بيتيم يطرق الباب ويطلب العون ومرة اخرى يفضل اولئك الابرار العظام ، هذا اليتيم على انفسهم ويقدمون له طعامهم ويفطرون جميعا بالماء . يومان من الجوع ، انه امر صعب ومرهق ، كان عليهم ان يصوموا يومهم الثالث ايضا ، في سبيل الله وايفاء لنذر نذروه ، عقدوا نية الصيام ، والتعب والارهاق والجوع قد المت بهم واثقلت كاهلهم ، اعينهم اصبحت غائر وبطونهم التصقت بظهورهم من شدة الجوع والارهاق . ذلك النهار الطويل بكل ما تخلله من عناء ومشقة ومصاعب كان يقترب من نهايته . فاطمة سلام الله عليها تخرج بيديها المتورمتين خمسة ارغفة من الخبز وتضعها على مائدة الافطار ، كان الجوع قد الم بهم الى درجة انهم كانوا يتلذذون من مجرد النظر الى الخبز وشم رائحته الزكية . . .
ولكن عجيب ما حدث ! فبعد ثلاثة ايام من الجوع ، مرة اخرى اقتدت فاطمة عليها السلام بزوجها وقدموا جميعا خبزهم الى السائل الاسير دون ان ينظروا الى وجهه لكي لا يشعر هذا السائل بالخجل كما انهم لم ينتظروا عند باب البيت حتى يسمعوا منه كلمة شكر ، وبهذا فقد افطروا في ذلك اليوم على الماء ايضا . وقد اسمى الله تبارك وتعالى هؤلاء الكرماء الصابرين بـ «الابرار» الذين يسقيهم ربهم يوم القيامة شرابا طهورا جزاء بما صبروا وبما ضحوا وجزاء لهم على ايثارهم . يقول الله في محكم كتابه العزيز : «وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا» (1) .
ويقول عز من قائل : «عليهم ثياب سندس خضر واستبرق وحلوا اساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكور» (2) .
ولكن لماذا ذكرت قصة الابرار ؟ لقد اشرت الى هذه القصة وما تتضمنه من تضحية وايثار لكي ارشد هذه الاخت الكريمة الطيبة والمعذبة المتالمة الى طريقها ، اليكم رسالة هذه الاخت الكريمة :
(1) سورة الانسان ، اية 11 .
(2) سورة الانسان ، الايتان 20 و21 .
العلاقات الزوجية 364


الرسالة : . . . انني فتاة في الثامنة عشرة من العمر ، لدي رغبة شديدة في الدراسة ولكن وضعنا المادي سيئ جدا . . . الجيران لا يفكرون الا في انفسهم وليس مهما بالنسبة لهم كيف يعيش جارهم . انهم لا يساعدون اي انسان بائس محتاج . جيراننا يعيشون في رفاهية كاملة ، رائحة اطعمتهم الشهية واللذيذة تصل الى داخل غرفتنا الصغيرة . شقيقي الصغير يبكي من الجوع ويطلب من والدتي طعاما ولكن والدتي ليس بوسعها ان تفعل شيئا . اني اتاسف لان والدتي المسكينة لا تستطيع ان تهيئ لنا وجبة طعام جيدة .
لقد مرضت والدتي من شدة الحزن والالم وقال لنا الاطباء بانها مصابة بمرض عضال وقد تموت اثناء العملية الجراحية التي يحتاج اجراؤها الى مبلغ من المال لا نقدر على تامينه . اني اتساءل ، كيف نستطيع ان ندفع هذا المبلغ ونحن لا نملك نقودا لشراء مجرد الخبز فقط وتامين ابسط متطلبات الحياة المعيشية ؟! هل والدتي حقا يجب ان تموت ؟.
اني احب والدتي . ونحن جميعا نحتاج الى ام . . . انني خجولة الى ابعد الحدود ولا احب ان اطرح مشاكلي وهمومي امام احد حتى لو كنت غارقة فيها الى اذني . ولكنني اثق بكم . . . واكون سعيدة جدا لو اجبتم على رسالتي هذه . . .

لعل هناك صاحب عين كريمة يقرا هذه الرسالة ويذرف الدموع ولعل هناك صاحب قلب واع وضمير حي ينبض بالهمة والانسانية لما تعانيه هذه الام من تالم وجوع ومرض فيمد يد الكرم والسخاء الى هذه الاخت المتالمة ويسجل اسمه في سجل الابرار ولعل هناك من يعرف عنوان بيت الابرار فيرشد المحتاجين والمعوزين اليه . . .
انتهى الكتاب والحمد لله



السابق السابق الفهرس