سمعا وطاعة ! اقبل بكل ما تطلبونه ، فاني اريد ان اعيش ، اني مستعد للقيام باي عمل تطلبونه ، . . . نعم ، لقد قبلت لانني لو لم اقبل بذلك لحدثت فضيحة ولحصلت مشكلة وكان من الممكن ان يتوتر الوضع . وعلى هذا الاساس فقد حدد المهر بثلاثمائة ليرة ذهبية ووقعت وثيقة العقد بعد ان قرات صيغة العقد وانتهى الحفل بسعادة وفرح وسرور . . . وانا المسكين لم اكن اعلم بما كان يدور من حولي .
ولكن ليتك كنت تعلم ما كان يجري من حولك ، ليتك كنت تعلم بان المهر هو مبلغ من المال يهديه العريس للعروس ليثبت بذلك صدقه ووفاءه في تنفيذ التعهدات التي التزم بها في عقد الزواج وبالطبع هناك اسباب اخرى لوجوب تحديد المهر . صحيح ان المهر يحدد بموافقة الزوجين ورضاهما وانهما يستطيعان الاتفاق على اي مبلغ ( او اي شيء كالعقار او السيارة او اثاث المنزل او اي شيء اخر ) (1) كمهر يقدمه الشاب للفتاة ، ولكن كان عليك ان تنتبه الى هذه النقطة المهمة وهي ان الاتفاق على مهر ( صداق) باهظ وغال ـ والوثوق بكلام شخص لم تكن قد اختبرت صدقه وامانته ـ يلقي على عاتقك عبئا ثقيلا ومرهقا . الى جانب ذلك فان غلاء المهر يسبب في اغلب الاحيان الشؤم للحياة الزوجية وللزوجين .يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم : ( خير الصداق ايسره ) (2) . ويقول الصادق عليه السلام : ( . . . اما شؤم المراة فكثرة مهرها وعقوق زوجها ) (3) . فالمهر ليس مجرد شيء شكلي يسجل فقط في وثيقة الزواج ، من دون ان تكون له اهمية ، بل انه بمجرد اجراء العقد ـ عقد الزواج بين الشاب والفتاة ـ فان مبلغ المهر يصبح ملكا للزوجة تستطيع التصرف فيه كيفما شاءت ومتى شاءت . . . المهر هو دين بذمة الزوج (العريس) ولذلك فان العريس يجب ان يوافق ويوقع على مبلغ المهر الذي يستطيع ان يدفعه لزوجته . ويقول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام : (لا
(1) المترجم .
(2) كنز العمال ، حديث 44707 .
(3) بحار الانوار ، ج76 ، ص 150 باب 26 ح 6 .
العلاقات الزوجية
54
تغالوا بمهور النساء فتكون عداوة ) (1) .
ب ـ . . . ولكن بعد فترة انقلبت الامور راسا على عقب وبدات التصرفات القبيحة الشائنة والاحقاد تلقي بظلالها السوداء القاتمة على حياتي واني الان اتمنى من الله الموت ، وليس لدي امل اخر . وخلافا لما كان عليه الوضع في الايام الاولى (لزواجنا) لم يعد هناك كلام عن الصفح والتضحية والايثار والايمان بالله والاعتقاد بالقبر ويوم القيامة بل حل محله العداء والكذب والسباب والشتائم والتحلل الخلقي وو . . والان وبعد نكثهم لكل ما تعهدوا والتزموا به فان (اهل زوجتي ) قدموا شكوى ضدي يطالبون بمهر ابنتهم . . . يا للاسف فاني وثقت بهم واردت ان احقق السعادة لابنتهم ولكنهم كانوا قد خططوا لشقائي وتدمير حياتي . فهل يجدر بهم ان يتعاملوا بهذا الشكل مع شخص وثق بهم بكل صدق واخلاص ؟ ! وقد علمت فيما بعد انهم فعلوا نفس الشيء مع خطيب ابنتهم السابق وانا المسكين لم اكن اعلم بذلك . . . فاي قانون هذا الذي يفرض على شاب بان يدفع ثلاثمائة ليرة ذهبية ( الليرة الذهبية الواحدة حوالي عشرة غرامات من الذهب ) كمهر لامراة لم يتزوجها سوى لمدة شهر واحد ؟! فقد كنت اتصور بان المهر لايدفع الا اذا اراد الرجل ان يطلق زوجته ؟! كنت اتصور بانهم صادقون في كلامهم وانهم سيهبون ويتنازلون لي عن مبلغ المهر باكمله ! اني لم اتزوج من هذه المراة لكي اطلقها ! من اين اتي بثلاثمائة ليرة ذهبية ؟ ، ما هذه المصبية التي حلت بي ؟ . . . ؟ لعل بامكانكم ان تساعدوني . . . هل من الممكن ان . . . ؟
اخانا العزيز ! يجب ان نبني اعمالنا وتصرفاتنا في هذه الحياة على اساس العلم والمعرفة وليس على اساس الخيال وسراب التمنيات ، فالنبي صلى الله عليه واله وسلم يؤكد على هذه النقطة ويقول في وصية له لابن مسعود : « يا ابن مسعود اذا عملت عملا فاعمل بعلم وعقل واياك وان تعمل عملا بغير تدبير وعلم » يقول الله تبارك وتعالى
(1) وسائل الشيعة ، طبعة بيروت ، ج 21 ، ص 253 .
العلاقات الزوجية
55
في القران الكريم : « ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا » (1) اي ان عملكم اذا لم يكن مستندا الى الوعي والدقة والتفكير فانه يكون هشا وضعيفا سرعان ما تنفصم عراه وينهار وينتشر منه غبار الندم والاسف وليتك لو تحققت وتدبرت اكثر في امر هذا الزواج وليتك لو احترمت راي والدك بعدم الموافقة على تعديل المهر ، ولو انك فعلت ذلك لما كنت قد وقعت في هذه المصيدة وهذا الفخ الخطر ، حيث ان « التدبير قبل الفعل يؤمن العثار » (2) ولعل من الممكن . . . .
(1) بحار الانوار ، ج 77 ، ص 110 باب 5 والاية من سورة النحل ، رقم 92 .
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي . ص 73 رقم 1519 ط الاعلمي.
العلاقات الزوجية
56
الفصل (13)
المهر (الصداق) في عقد الزوج
لماذا ؟ وكم مقداره؟
هل تعلمون لماذا يعين المهر في عقد الزواج ؟ هل اعطاء المهر للزوجة هو للتعويض عن الجهود التي بذلها والد ووالدة الفتاة من اجل تربيتها واعدادها للزواج ؟ هل الهدف من تعيين المهر هو تحديد وتقييم المكانة الاجتماعية والعائلية للعروس ؟ هل المهر هو وسيلة لتوثيق وتعزيز العلاقة الزوجية والحيلولة دون حدوث خلافات بين الزوجة والزوج تؤدي في النهاية الى الطلاق ؟ وقد يقول البعض بان المهر هو التزام يمكن عند الضرورة استخدامه كلجام للسيطرة على الزوج المتمرد؟
في الرسالة التالية التي بعثت بها الينا هذه الاخت الواعية تلاحظون نموذجا من هذا التصور او الاعتقاد (الخاطئ ) :
الرسالة : . . . السلام عليكم ، اتمنى لكم التوفيق .
لقد حدثت لي مشكلة ، واني بحاجة الى التشاور والتداول معكم بشانها . اني امراة ابلغ . . . من العمر ، عندي صبي في . . . من العمر واسمه . . . ، وبنت اسمها . . . .
لقد جاءني كثيرون يطلبون الزواج مني ولكن والدي كان يرفض كل واحد منهم بحجة معينة ويقول : ان الذي يصبح صهري يجب ان يكون في مستواي من حيث الثراء والمال ، واحيانا كانت الامور تصل الى مرحلة
العلاقات الزوجية
57
الكلام عن عقد القران ولكن سرعان ما كان ينهار كل شيء لان والدي كان يتشدد في قضية تعيين مبلغ المهر ويضع شروطا وطلبات اخرى امام العريس . قلت لوالدي : والدي العزيز ! اذا لم يتمكن الرجل والمراة من العيش معا فان المهر الغالي لا يجدي نفعا في هذه الحالة . ولكن والدي لم يكن يقبل بهذا الكلام وكان يقول لي : انك لا تفهمين ولم تواجهي حلو الحياة ومرها ، ان المهر الغالي يا ابنتي يكبح جماح الزوج ويحول دون تمرده عليك .
احد الذين تقدموا لخطبتي كنت اعرفه جيدا وهو من اسرة طيبة وكريمة ولكن هذا الخطيب غادر منزلنا دون عودة لكثرة ما تحدث معه والدي حول المهر والحلي والمجوهرات والملابس ومراسم حفل الزواج وغيرها من الامور الثانوية التي تثقل كاهل الشاب الذي يريد الزواج . واخيرا وبعد انتظار دام عدة سنوات تقدم شاب لخطبتي وطلب منه والدي المهر الذي يريده حيث وقع الشاب وثيقة الزواج ومبلغ المهر المدون فيها . ورغم ان قلبي لم يكن راضيا للزواج من هذا الشخص الا انني وافقت في النهاية نتيجة لاصرار والدي . .
بدات مع هذا الشخص حياة زوجية جيدة فقد كنا نحب بعضنا بعضا ولم نواجه مشكلة معينة . ولكن عندما بدات بنقل جهازي واثاثي المنزلي الى بيت الزوجية اخذت شقيقة زوجي توجه لي الانتقادات وبدات تعيرني وتتبجح امامي بان جهازها واثاثها المنزلي افضل من اثاثي وهنا تدخلت والدة زوجي واخذت تنصح ابنتها . حيث ان والدة زوجي هي حقا امراة واعية تتمتع بالفهم والادراك ، وبهذا فقد انتهى هذا الخلاف . . .
توضيح ورد : سلام وتحية لك ايتها الاخت الفاضلة وبعد :
بالطبع حيثما كان هناك فهم وادراك وقبول لمنطق الحق فان نار الخلافات والحسد تنطفئ وتزول وتصبح الحياة حلوة ذات بهجة وصفاء . والحقيقة ان اسباب وفلسفة تعيين المهر في عقد الزواج ليست هي كلها التي اشرت اليها في رسالتك ولا هي تلك التي كان يتصورها والدك في ذهنه ، فغلاء مهر الفتاة ليس
العلاقات الزوجية
58
فقط لا يؤدي الى الالفة وتعزيز عرى الحياة الزوجية بين الشاب والفتاة بل انه في اغلب الاحيان يكون سببا في حدوث خلافات وعداوات وتاجيج نار الحسد والضغينة الخفية وغير الظاهرة ، لان الامر لا يخرج عن هاتين الحالتين :
أـ اذا التزم الزوج بما تعهد به وقبل بالمهر الغالي ، فانه ـ نتيجة لهذا الالتزام والدين الذي بذمته ـ يشعر بالتعب من هذا المهر الغالي الذي يثقل كاهله ، وبالتالي يشعر بعدم الارتياح تجاه اولئك الذين سببوا له هذا الارهاق وهذه الضغوط . وحالة عدم الارتياح والانزعاج هذه تقلل من مشاعر المحبة والود التي يكنها الزوج تجاه زوجته . حيث ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يقول : ( لا تغالوا بمهور النساء فتكون عداوة ) (1) .
ب ـ اما اذا كان العريس من النوع الذي لا يلتزم بما تعهد به فانه يبحث عن ايه حجة او ذريعة لكي ينقض عهده ويتملص مما تعهد به فيحرق بنار حقده وانتقامه كل ما التزم وتعهد به ويدمر بالتالي حياته . فالمهم اذن هو ايمان الشاب ومدى التزامه بتعهداته حيث يجب على والد الفتاة ان يحقق اولا حول هذه الامور وينتبه اليها ويؤكد ويصر عليها . وبالطبع فان عريسا كهذا صاحب عزيمة وارادة ويلتزم بعهوده ، اذا ما قدم هدية لزوجته تحت عنوان المهر او « الصداق » فانه بذلك :
أـ يعبر عن صدقه ومحبته لزوجته .
ب ـ يوفر لها دعما ماليا يمكنها ان تطمئن اليه لدى مواجهتها احداثا غير متوقعة ومشاكل مادية بحيث تستطيع في ظل هذا الدعم المالي ان تواصل العيش بشرف وكرامة وعفة ريثما تزول تلك الاحداث الطارئة وتحل مشاكلها . وحبذا لو ان والدك كان يعرف هذه الحكمة السامية ولم يفكر في ترويض صهره وكبح جماحه ( على حد زعمه ) من خلال اثقال كاهله بمهر غال مرتفع لان الشخص الذي لا ايمان له ولا يلتزم بعهوده لا يقبل بالحق والعدل ولا ينفذ ما تعهد حيث « لا عهد لمن لا دين له » . وليتك لم تقبلي باصرار والدك على الزواج من هذا الشخص لان الله سبحانه وتعالى منحك انت بالدرجة الاولى حق قبول او رفض عقد
(1) غرر الحكم للامدي .
العلاقات الزوجية
59
الزواج . ان الزواج الذي يقوم على اساس الثروة والمال يؤدي في النهاية الى الانفصال (الطلاق) والبغضاء والعداوة . كما تلاحظون ذلك في بقية الرسالة التي بعثت بها هذه الاخت الكريمة .
الرسالة : . . . لقد عشنا على مدى ثلاث سنوات حياة زوجية جيدة سادها المحبة والوئام الى حد ما . . . اما الان فان حياتي اصبحت كساحة صراع ، لابد وانكم تسالون لماذا ؟
. . . عندما تزوج شقيقي ذهبت الى بيته برفقة زوجي ، ولم تمض سوى دقائق على وجودنا في بيت شقيقي لاحظت ان حالة زوجي قد انقلبت وبدا عليه الامتعاض والتاثر والتالم اذ لم يعد يقر له قرار ، وكان يرفض تناول الشاي والمرطبات والحلويات ويقول : اني لا اشتهي الاكل ، صحتي ليست على ما يرام ، يجب ان اعود الى البيت . . . وصلنا الى البيت في البداية كان يقول : اني مريض ، ولكن ليس شيئا مهما ، سوف تتحسن حالتي . . .
ولكنه انفجر فجاة وهو يصرخ ويقول : لقد اشترى والدك الاحمق هذا البيت لشقيقك لكي يحقرني ويستهين بي ، ان اباك شخص كذاب فهو يقول باستمرار اني احب صهري كما احب ولدي ، فاين اذن هذه المحبة ؟ ! هل تسمينه اثاث وجهاز ذلك الذي اعطاه لك اهلك ! ان شقيقتي كانت على حق عندما قالت بان اهلك قد اهانونا واستصغروا شاننا . . .
اني لا احبك ابدا ، وقد تزوجتك من اجل ثروة والدك والان فاني ارى بان والدك يبدد ثروته . ان ابوك ليس انسانا مدركا . فلو كان كذلك لاشترى منزلا لصهره ايضا .
اخي السيد حسيني ! ماذا اقول ؟ ! فبعد ان كنا زوجين متحابين نعيش حياة سعيدة ، وصل بنا الامر ان احدنا صار يقف بوجه الاخر بحيث لا يمر علينا يوم الا ونتنازع فيه وينهال علي بالضرب واخذ زوجي يكيل لي ولشقيقي ولوالدي الشتائم والاهانات بحيث لم اعد اطيق ذلك . . . وقررت الذهاب الى بيت والدي حيث اعيش الان . . .
العلاقات الزوجية
60
لقد ارسل زوجي الي مرات عديدة يقول لي : ان والدك عليه ان يشتري لي بيتا ثمنه ضعيف ثمن البيت الذي سبق ان اشتراه لشقيقك او ان تهبي لي صداقك وتطلبي الطلاق واذا لم تفعلي ذلك فعليك البقاء في بيت ابيك حتى يغزو البياض شعر راسك.
اني احب زوجي وابنتي وابني واريد ان اعيش وارغب في العودة الى بيت زوجي اقول لوالدي : يا ابي ! افعل شيئا ، فيقول لي : اصبري!!! فلو كان زوجك فيلا لصرعته . . . اني لا ادري ماذا افعل ، ساعدوني بالله عليكم .
ايتها الاخت الكريمة ! يظهر من خلال رسالتك بانك امراة لائقة تتمتعين بالفهم والوعي ولهذا ، فبعد وقوع الاحداث التي اشرت اليها اوصيك بالصبر والاستقامة ولا تفقدي الامل ولا تسمحي للاحداث بان تؤثر على نفسيتك وتحطم معنوياتك ، قوي ثقتك بالله واطلبي العون منه واختاري افضل الحلول .
. . . لعل زوجك يسمع نصيحة احد ويقتنع وتنساق نفسه الحريصة الجشعة لنداء المنطق والعقل . لان نصيحة بسيطة قد تؤثر فيه وتروض طباعه المتمردة الناكثة للعهود ، وتطفئ نار الحسد في قلبه وتوقظ شعوره النائم ، لان نار الحسد تشل الفهم والادراك وتحرق كل ما هو طيب وحسن وجميل وتحول الحياة الى رماد . ولعل زوجك يقرا هذه السطور ويفكر في عذاب الله ويكبح بالتالي جماح الحسد في نفسه ويعود اليك والى سعادة الحياة الزوجية . لان الحسد تكون نتيجته شقاء الدنيا والاخرة .
. . . قوي ثقتك بالله ولطفه ورحمته .
العلاقات الزوجية
61
الفصل (14)
المهر وتجهيز العروس
ومراسم زواج فاطمة الزهراء سلام الله عليها
لقد كانت فاطمة الزهراء نور عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته وثمرة فؤاده الطاهر الرحوم ، فسلام الله وسلام جميع ملائكته وعباده الصالحين عليها . لقد تربت فاطمة الزهراء ونشات في حجر ابيها رسول الله الذي هو من تربية الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه قال : « ادبني ربي فاحسن تاديبي » (1) . وعلى هذا الاساس فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم علم ابنته افضل واروع اداب الحياة الالهية واودع في قلب ابنته الطاهر المطهر اغلى واثمن العادات والاخلاق السماوية الحسنة لكي يستلهم منها الجميع ـ ولا سيما النساء العفيفات ـ ويسيروا على نهجها ويقتدوا بسيرتها وياخذوا العبر والدروس من فضلها وتقواها ومكانتها الرفيعة ويشموا من بستان حياتها اليانعة المباركة ، رائحة الجنة الزكية ويتعلموا بساطة العيش والقناعة ويقطفوا منه الزهور الجميلة .
انظروا الى مراسم زواج فاطمة سلام الله عليها :
. . . بعد ان حصل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على موافقة ابنةعلى الزواج من ابن عمه علي بن ابي طالب التفت الى علي عليه السلام وقال له : « ياعلي ، اذهب الى السوق وبع درعك » .
يقول علي عليه السلام ما مضمونه : « بعت الدرع بخمسمائة درهم وجئت الى النبي واعطيته الدراهم ، فلا انا اخبرته بعدد الدراهم ولا هو سالني كم عددها » .
(1) وهج الفصاحة في ادب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 305برقم 121.
العلاقات الزوجية
62
وكان هذا المبلغ مهر فاطمة الزهراء عليها السلام ، فمد النبي يده واخذ حفنة من تلك الدراهم واعطاها لبلال ليشتري بها عطرا لفاطمة ومد صلى الله عليه واله وسلم يده مرة اخرى واخذ عددا اكبر من الدراهم لابي بكر ليشتري بها ملابس واثاثا لمنزل فاطمة . ورافق عمار بن ياسر واثنان اخران من الصحابة ، ابا بكر لمساعدته في شراء تلك المستلزمات واحتفظ النبي صلى الله عليه واله وسلم بما تبقى من تلك الدراهم لفاطمة (1) .
وبهذه البساطة والصفاء ـ وبعيدا عن التكلف والبذخ ـ جرت المراسم التمهيدية لزواج فاطمة عليها السلام حيث قام الرسوال صلى الله عليه واله وسلم وبحضور عدد من الصحابة بعقد قران ابنته فاطمة الزهراء على ابن عمه علي عليه السلام .
. . . وبعد شهر او شهرين جرت مراسم الزواج ، وهنا قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لصهره ما مضمونه : « ياعلي هيئ طعاما جيدا تكريما لزوجتك وانا اتكفل باللحم والخبز وانت حضر التمر والسمن » . لقد خبزوا خبزا كثيرا وارسل النبي صلى الله عليه واله وسلم شاة سمينة وشمر صلى الله عليه واله وسلم عن ساعديه واخذ يشارك في اعداد الطعام واقيمت مراسم العرس بفرح وسرور وجاء الضيوف الذين دعاهم علي بن ابي طالب لتناول الطعام فتناول الجميع طعاما لذيذا ، وكان عدد المدعوين كبير وكان يخشى ان لا يكفي الطعام لجميع المدعوين ولكن ببركة دعاء النبي اصبح الطعام كافيا حيث تناول الجميع طعامهم ، واخذ النبي وعاء خاصا ووضع فيه من ذلك الطعام لكي تاكل منه فاطمة وزوجها . وعندما حان وقت الغروب جاء النبي صلى الله عليه واله وسلم الى زوجته ام سلمة وطلب منها ان تستدعي له فاطمة ، تقول ام سلمة : ذهبت وناديت فاطمة واذا بها تتصبب عرقا من شدة الحياء والخجل وهي تجر اذيال ثوبها ، فتعثرت بثوبها فقال لها رسول الله : وقاك الله يا ابنتي من عثرات الدنيا والاخرة ، ثم امسك بيدها ووضعها في يد علي الذي كان يقف الى جانبه وقال له ، بارك الله لك فيها ، مباركة عليك ابنة رسول الله . ثم توجه الى ابنته وقال لها : يافاطمة انه خير بعل لك ، يا ابنتي ، يافاطمتي !
نعم الزوج زوجك ، فلا تخالفي له امرا ابدا . ثم التفت الى علي وقال له : يا
(1) هذه القصة نقلت بمضمونها . النص الاصلي موجود في كتب التاريخ وفي كتاب بيت الاحزان للشيخ عباس القمي وفاطمة من المهد الى اللحد للقزريني .
العلاقات الزوجية
63
علي ! عاشر زوجتك وعاملها بلطف واحسان ومحبة ، ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويفرحني ما يفرحها ، استودعكما الله ، وفي رعاية الله وحفظه .
. . . الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يشير الى حياته الزوجية ومعاشرته لفاطمة وحسن تعامله معها فيقول ، « والله لم اغضب فاطمة ابدا ولم اجبرها على اي عمل كما ان فاطمة لم تعص لي امرا ولم تغضبني ابدا » (1) .
ان الزواج الذي يكون على غرار زواج فاطمة الزهراء وحياتها الزوجية قائما على سنة رسول الله ويستند الى التوجيهات والوصايا النورانية القيمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بها ، مثل هذا الزواج يكون ثابتا وراسخا ورائعا ومستحكما حيث يعيش الزوج والزوجة بكل ود ومحبة وطاعة وعيشة ممتعة مليئة بالنشاط والفرح والسرور حيث يقومان بتربية اطفال صالحين وسعداء في اطار من العفة والوفاء . يقول الله تبارك وتعالى في القران الكريم : « الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والنجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون » (2) .
ان العادات والتقاليد المرهقة والمضنية المتبعة في مراسم الزواج تشكل عبئا يثقل كاهل الناس وقيودا تكبل ايديهم وترهق اجسامهم وتجرح قلوبهم وتؤذي نفوسهم . ان سبيل الخلاص من هذا الوضع يتمثل في العمل بشكل واقعي وجدي بتوجهات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والسنن والتعاليم الربانية التي جاء بها وبهذه الطريقة نتخلص من العناء والاذى الذي تسببه هذه الاشواك وهذه القيود والاغلال ونصل الى قمة الفلاح حيث ان اتباع التعاليم والسنن النبوية الربانية يؤدي الى الخلاص من كل الظلمات والخبائث والقبائح والتحرر من العبودية والاسر ويمنح القلب صفاء والحياة اشراقا وجمالا . لاحظوا هذه الرسالة التي بعثتها احدى الاخوات بكل صدق وصراحة .
(1) راجع النص الكامل في كتاب بيت الاحزان ، للمحدث القمي .
(2) سورة الاعراف ، اية : 156 .
العلاقات الزوجية
64
الرسالة : . . . تزوجنا قبل خمس سنوات وفي يوم ولادة فاطمة الزهراء عليها السلام ، واتفقنا على ان نعيش حياة سعيدة في ظل التعاليم الالهية وبناء على طلبي لم يتشدد والدي ولا والدتي في موضوع تعيين المهر واقيمت مراسم حفل الزواج بكل بساطة وبفرح وسرور . وخلافا لكل البدع والعادات والتقاليد التي كانت سائدة في مدينتنا والاعباء التي تثقل كاهل الشباب الحديثي العهد بالزواج هم واسرهم ، فاني رفضت ان اخذ الا اثاثا بسيطا الى بيت زوجي . اني لا اعرف تلك العادات والتقاليد الموجودة في المدن الاخرى ! ولكن جرت العادة في مدينتنا ان تاخذ العروس الى بيت زوجها كافة المستلزمات والمتطلبات المعيشية صغيرها وكبيرها والويل كل الويل لتلك الفتاة التي لاتملك جهازا او اذا كان جهازها قليلا وبسيطا فعند ذلك تتعرض الزوجة مدى العمر للانتقادات اللاذعة من قبل اهل زوجها . . .
ولكني اشكر الله لان زوجي شاب مؤمن ومتدين جدا ويتمتع باخلاق عالية ويحظى بتربية اسلامية وهو شاب طيب ومحنك وصبور يتحلى بالصفح والتسامح ولم يحدث خلال هذه الاعوام التي عشت فيها معه ان احتد علي او قال لي شيئا يزعجني كما لم يحدث ان احتج او اعترض على عمل قمت به او شيء اشتريته . وان والدته وشقيقته تتمتعان بالفهم والشعور والادراك فهما لا تتدخلان ابدا في حياتنا الزوجية الا نادرا ومن اجل تقديم النصح والارشاد فقط وذلك باسلوب متين جدا وبكل هدوء وطيبة خاطر بحيث اني اشعر حقا بالفرح والسعادة واعرب عن شكري لهما . . .
حبذا لو ان جميع الاسر كانت كاسرة زوجي وليتهم كانوا كزوجي مسامحين وطيبين يتمتعون باخلاق طيبة هادئة وحبذا لو كان جميع الازواج وجميع الزوجات مثلنا يتفقون على العيش كما عاشت فاطمة الزهراء وعلي عليهما السلام ويقمون بتربية ابنائهم بهدوء اعصاب وراحة فكر ويسلمون هؤلاء الابناء الى المجتمع بكل فخر واعتزاز .
ولكنك تعرفين جيدا بان اتباع نور الهداية الذي يشع من سيدة الاسلام العظيمة فاطمة الزهراء عليها السلام يحتاج الى بصيرة ومعرفة ونرجو من الله سبحانه
العلاقات الزوجية
65
وتعالى ان يجعل في قلوبنا مثل هذه البصيرة لكي نتوصل الى منبع النور وننفض عن اجسامنا وانفسنا غبار التعب وننقذها من لهيب العطش والظما ونزيل عنا الهموم والاحزان ونحطم القيود والاغلال التي تكبل ايدينا وارجلنا .
ونتمنى لك العزة والتوفيق .
العلاقات الزوجية
66
الفصل (15)
السعي في قضية الزواج من افضل الاعمال
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) (1) .
ان الزواج هو من ضروريات الحياة وحاجة طبيعية عند الانسان حيث يحقق له الاستقرار والطمانينة والسعادة اذ ان الشخص المتزوج يكون محبوبا عند الله حيث يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم : ( ما بني بناء في الاسلام احب الى الله عز وجل من التزويج ) (2) .
فالزواج هو سنة رسول الله فعندما سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم ان عثمان بن مظعون يعرض عن الزواج ولا يريد ان يتزوج وضع يده المباركة على صدر عثمان وقال له : ( لا تعرض عن سنتي فمن اعرض عن سنتي فان الملائكة تعترض سبيلة يوم القيامة وتحول بينة وبين حوض الكوثر ) (3) .
ان تنفيذ هذه السنة النبوية وتحقيقها بالنسبة للابناء هي مسؤولية تقع بالدرجة الاولى على عاتق الاب فهو الذي عليه ان يهيئ مقدمات الزواج ويعقد لابنه على الزوجة اللائقة الكفؤة . كما ان كل فرد من افراد المجتمع يتحمل ايضا مسؤوليته في هذا المجال ، لان هناك بعض الشباب المحرومين من نعمة وجود الاب وقدرته على القيام بهذه المهمة وهم لوحدهم لا يستطيعون ان يخطوا خطوة واحدة على
(1) سورة الروم ، اية : 21.
(2) وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص3 باب 1 ح4 .
(3) مستدرك وسائل الشيعة .
العلاقات الزوجية
67
طريق الزواج ولهذا فيجب على كل من تتوفر لديه القدرة والاستطاعة ان يسعى في مجال تزويج الشباب ويقول كلمة او يقوم بالوساطة بين اهل الشاب واهل الفتاة وان يقدم العون والمساعدة ويجمع بين شاب وفتاة مؤمنين صالحين ويهيئ لهما سبيل الزواج . لان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : ( من عمل في تزويج بين مؤمنين حتى يجمع بينهما زوجه الله عز وجل الف امراة من الحور العين ، وكان له بكل خطوة خطاها او بكل كلمة تكلم بها في ذلك عمل سنة قيام ليلها وصيام نهارها ) (1) وقال صلى الله عليه واله وسلم
: ( من زوج اخاه المسلم اضله الله يوم القيامة بظل عرشه ) (2) .
وعلى هذا الاساس فان الاشخاص الخيرين والمحسنين والنساء والرجال من اصحاب الهمم والنوايا الخيرة يجب عليهم ـ في حدود طاقاتهم وامكاناتهم ـ ان يبحثوا عن الشباب والشابات الذين هم في سن الزواج ويبادروا ( في اطار الحفاظ على كرامتهم وسمعتهم وشخصيتهم ) الى مساعدتهم والقيام بدور الاب والام بالنسبة لهؤلاء الشباب وليكونوا على يقين بانهم سينالون الاجر والثواب يوم القيامة على اعمال الخير هذه وهو شفاعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
اني لا اعرف الى اي مدى تهتمون بهذا الواجب الالهي ـ الاجتماعي ؟ والى اي حد تؤدون هذا الواجب وتقومون به ؟ وهنا ـ ومن اجل ان تشعروا اكثر بمسؤليتكم في هذا المجال وتدركوا بشكل اعمق ضرورة القيام بهذا الواجب ـ ارى من المناسب ان تقراوا هذه الرسالة التي بعث بها بكل صدق وصراحة شاب يواجه مشكلة ، وتتخذوا القرار المناسب .
الرسالة : . . . الهدف من كتابة هذه الرسالة هو عرض مشاكلي التي تؤلمني منذ فترة طويلة وبعد عناء طويل توصلت الى هذه النتيجة وهي ان اعرض مشكلتي على شخص امين يحفظ الاسرار . . . وهنا اقولها بصدق : اني شاب ابلغ من العمر سبعة وعشرين عاما . . لا استطيع الزواج وتشكيل حياة اسرية وذلك لانني يتيم الاب واعاني من مشاكل عائلية حيث انني اتولى اعالة ثلاثة اطفال يتامى اضافة الى والدتي وايضا بسبب حالتي
(1) وسائل الشيعة ، ج 14 ، باب 12 ح 5 .
(2) وسائل الشيعة ، ج 14 ، باب 12 ح 3 .
العلاقات الزوجية
68
المادية الضعيفة والصعوبات والنفقات الكثيرة التي يضعها امامي اهالي الفتيات اللواتي ذهبت لخطبتهن ونظرا لسني فان هذه المشكلة تسبب لي ضغوطا نفسية شديدة كما سببت لي حالة عدم استقرار بحيث بت اعاني من حالة نفسية سيئة لانني اشعر بشيء ينقصني في حياتي ، فانا احتاج الى شخص ابادله المحبة واجعله شريكا لي في افراحي واحزاني وهمومي . . . لقد تركت هذه الضغوط النفسية علي تاثيرا سلبيا وسيئا انعكس على جميع شؤون حياتي ولا سيما على تصرفاتي وتعاملي مع اهلي ولله الحمد فاني سيطرت على نفسي حتى الان ولكن صبري نفد مع الاسف وقد انجرف في اية لحظة نحو الذنوب والمعاصي . . . ارجو منكم ان ترشدوني وتوجهوني ، وشكرا .
التوقيع : ع ـ ي سيد
1ـ حبذا لو انشئت صناديق خيرية في المساجد تتولى مساعدة مثل هؤلاء الشباب المؤمنين المتقين وتقديم الخدمات لهم وتيسير امورهم . كما ان على المؤسسات والجمعيات ان تقدم المساعدات والخدمات والاعانات الى هؤلاء الشباب اكثر من ذي قبل وتفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يساعد الشبان على الزواج وبعملهم هذا يدخلون الفرح والسرور على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
2ـ يجب على الاقارب الذين تربطهم علاقات الصلة والقرابة ان يشكلو مجمعا او جمعية تتولى مساعدة شبان العائلة وبالتالي احياء سنة الزواج الحسنة .
3ـ وانت ايها الاخ العزيز الكريم استمر ـ كما كنت من قبل ـ في ذكر الله والخوف من ارتكاب المعاصي وحافظ على ايمانك ولا تلوث نفسك بالمعاصي والذنوب وذلك من خلال اهتمامك بتقديم الخدمات الاجتماعية وقضاء اوقاتك في العبادة حتى تحل مشكلتك بفضل الله وبفضل جهودك ومساعيك وبفضل مساعي المؤمنين الصادقين . احي قلبك ونوره بذكر الله لان الله سبحانه وتعالى يقول : « الا بذكر الله تطمئن القلوب ».
نتمنى لك التوفيق وان شاء الله ستصل الى اهدافك الكبيرة من خلال تعزيز ثقتك بالله وسعيك الدؤوب .