دنيا الفتيات المراهقات 379

الفصل الرابع والخمسون
العناية بالجانب الذهني والنفسي



مقدمة

إن التغييرات الذهنية والنفسة للفتيات المراهقات ، هي من المسائل التي أشرنا اليها فيما سبق من البحث ، ونضيف هناأيضا أن مرحلة المراهقة تتضمن تجديد بناء الشخصية الذي يستتبع مغادرة العلاقات السابقة ونبدل طريقة التفكير ووعي الذات . وطبيعي إن المراهقة ليست مرضا أو إختلالا لكي يصار الى علاجه ، وإنما هي مرحلة من النمو يجب تحملها والعمل على توفير الأجواء والظروف المناسبة لتجاوزها بسلام . وطالما لم تعرض الفتيات لمتاعب إختلالات أثنائها ، ليس هناك داع للعلاج.
لكنه في الوقت ذاته ، ينبغي عدم إغفال العناية بالفتاة ومتابعة أوضاعها من النواحي الذهنية والنفسية ، فهي بحاجة في هذه الظروف الى العناية والإهتمام بها من الناحية النفسية ، وذلك من أجل أن تبقى في منأى من الإختلالات والأمراض النفسية من جهة، ولكي لا تتعرض للإحباط أو الخمول النفسي من جهة أخرى . وسنتحدث حول هذا الموضوع فيما سيأتي من الكلام .

في النمو الفكري

إن النمو الفكري والمنطقي لدى الفتاة يتيح لها إمكانيةالتحرر من أسار الغرائز وتجاوز حالة الوهم والخيال . وطبقا للبحوث التي أجراها بروكس ، فإن للبيئة الإجتماعية دورا مؤثرا جدا في النمو الفكري ، وهي التي تحدد ، بالأساس مستوى ودرجة المشكلة التي يمكن أن تعاني منها حول مسالة معينة .
والمهم في العمل مع الفتاة في هذه السن هو تعويدها على الطريقةالصحيحة

دنيا الفتيات المراهقات 380

في التفكير ، وفي الكلام ، وفي إتخاذ القرارات ،وتشجيعها على التفاعل الإيجابي مع الكلام المعقول . وكذلك من الضروري أن تتحرر بالتدريج من التبعية الفكرية للغير وأن تكون لنفسها آراء وتصورات تنطلق من قناعاتها الفكرية المستقلة ، وأن تبني مخاوفها وغضبها على اساس مبررات منطقية .
ففي أحايين كثيرة تجد الفتاة صعوبة في التفكير حول مسالة معينة وتحليلها وإتحاذ القرار المناسب بشأنها أو الحكم فيها . فمثلا تتصور إن واليدها لهما رأي سلبي في الأمر الكذائي أو أن المعلمة كانت تقصد بكلامها الكذائي المعنى الكذائي . الأمر الذي قد يولد لديها الحقد والضغينة نتيجة سوء فهمها لهما أو لها ، في حين لو إستفسرت منهم حول المسالة لكان قد ثبت لها عكس ما كانت تتصور . لذا فإنها بحاجة الى إرشاد وتوجيه فكريين .

في العقل والإرادة

الفتاة بحاجة لأن تتمتع بإرادة قوية كي تتمكن بواسطتها ضبط نفسها وكبح جماح عواطفها أمام عوامل الإثارة والإنفعال . فما أكثر الصدمات والأضرار ، التي تتعرض لها ضعيفات الإرادة ، نتيجة تغلب العاطفة على العقل لديهن ، وبالتالي إستسلامهن وخضوعهن لمختلف أنواع الرغبات والأهواء .
والمطلوب هو تربية عقول الفتيات من حيث أنه وبحسب تعبير تشيللر ، يمكن للعقل المستنير أن يبني الشعور الأخلاقي بشكل أفضل والعقل هو الذي يجب أن يكون دليل القلب وهاديه .وطبيعي أن تحقيق هذا الهدف ينخلله صعوبات جمة ، ويتطلب من أولياء الأمور والمربين بذل مزيد من الجد والجهد في سبيله .

في الثقة بالنفس

من المشاكل المهمة التي تعاني منها بعض الفتيات في هذه السن هي مسالة

دنيا الفتيات المراهقات 381

فقدان الثقة بالنفس . فاللاتي قد تعرضن في ضغرهن لحالات الإهانة والتحقير أو واجهن مشاكل وصعوبات في حياتهن سابقا ، قد يصبحن في هذه السن شخصيات ذليلة تابعة للغير . وإذا واجهن مسالة تحتاج الى قرار وتصميم ، نجدهن حائرات مترددات لا يستطعن التصرف إزائها .
وفي مثل هذه الحالة ، يجب على أولياء الأمور ، والأمهات بشكل خاص العمل على غرس روح الثقة والإعتماد على الذات في نفس الفتاة ، وتشجيعها على إدارة شؤونها والقيام بواجباتها وأعمالها بنفسها ، وعدم مؤاخذتها وتأنيبها في الحالات التي تصدر منها أخطاء خلال الممارسة ، بل إرشادها وتوجيهها بالأسلوب الذي يغنيها ولا يشعرها بالعجز.
وكذلك يجب ، في سبيل تنميةقدرة الفتاة على الإعتماد على الذات السعي الى تعريفها بجوانب القوة والضعف في شخصيتها ، ذلك لأن وعي الذات ومعرفة القدرات يولد لديها الثقة بالنفس الى حدود كبيرة ، ويدفعها الى الإهتمام بتجاوز نقاط الضعف وتعزيز نقاط القوة في شخصيتها .

في الأمن والجرأة

وجود بيئة وأجواء آمنة للفتاة ، شيء ضروري لنموهن وتقدمهن . ومن هنا يجب يجنيب أجواء الأسرة عوامل التوتر واللا أمن . ومن المسائل التي تسمم أجواء الأسرة وتشيع فيها دواعي الخوف والقلق والإضطرا ، يمكن الإشارة الى حالات الشجار ، والمشاحنة ، والمهاترات الكلامية ، والخصام ، والطلاق و ...
وكذلك من الضروري تعويدهن على الإقدام والجرأة وعدم الخوف من المشاكل ، وتوجيههن الى أن السبيل غلى النجاح في الحياة يكمن إي غمتلاك الجرأة على التعبير عن الإرادة وفي السعي الجاد من أجل بلوغ الأهداف ، وفي الإعتراف بالأخطاء والتصميم على تجاوزها وعدم العودة اليها مجددا.

دنيا الفتيات المراهقات 382


في الأمراض النفسية

قلنا إن المراهقات يواجهن في هذه السن ظروفايتعرض بعضهن على أثرها لإحتلالات نفسية فيما يصاب البعض الآخر منهن بأمراض نفسية ، ولما كانت الوقاية مثل هذه الحالات بشكل كامل أمر غير متيسر لجميع اولياء الأمور ، بإعتبارها تتطلب معلومات واسعة في مجال علم النفس وعلم النفس التربوي ،لذا فإننا نعتقد إن الطريقة السهل والأنجح في الوقاية هي الحفاظعل دفء أجواء الأسرة ، وإحاطة الفتيات بالحب والحنان ، وتجنيبهن عوامل الإثارة والقلق والإضطراب .
وبشأنالإصابات النفسية ، فهناك بعض الأمراض ما زال المتخصصون لم يتوصلوا الى علاج ناجح ودقيق لها كمرض (إنفصام الشخصية) الشيزوفرنيا لكن إستشارة الطبيب المختص بشأنها مسالة هامة وضرورية وبخصوص مرض الهستيريا ، يوصي الأطباء بضرورة إخضاع المريض للعلاج النفسي أو العمل على تعزيز معنوياته.
وكذلك هو الحال مع حالات الهواجس والإدبار النفسي عن الطعام ، والسوداوية والى آخرها من الأمراض والإختلالات المشابهة ، يمكن لأولياء الأمور الواعين معالجتهن وإحاطتهن بالعطف والحنان اللازمين .

في الصحة النفسية

يجب التركيز في هذه المرحلة من العمر على الصحة النفسية للفتاة بوجه خاص ، أعني العمل على مساعدتها من أجل حل مسائلها ومشكلاتها النفسية بطرق مرضية ، وحمايتها من التعرض للوساوس والقلق والإضطرابات ، إن هناك

دنيا الفتيات المراهقات 383

الكثير من الإعتلالات النفسية ، التي تبدو بسيطة في الظاهر ، تصيب الفتاة فتفقدها توازنها النفسي في غفلة من الوالدين.
وينبغي عند العمل على تربية الفتاة تربيةنفسية صحيحة ، عدم إجهادها بالواجبات المدرسية الكثيرة ، والإمتناع عن إشعارها بالذنب دون التوعية ، وحمايتها من الإيحاءات الذهنية المثيرة ، وتجنيبها المشاهد السلبية ، والإستجابة لحاجاتها بدرجات معقولة ، والسعي الى الحد من حالات الإنفعال والإضطراب لديها ، وإغنائها ثقافيا ، وإبعادها عن التطلعات غير المنطقية ، وتزويدها بخبرات في مجال ضبط النفس أمام العواطف والإنفعالات .

في العلاج

في حال تعرض الفتاة لإختلالات أو أمراض نفسية مستعصية ، يجب المبادرة الى علاجها عن طريق إستشارة الطبيب المختص أو الطبيب النفساني ومن الحالات التي يكتسب الرجوع الى الطبيب النفساني بشأنها ضرورة قصوى ، يمكن الإشارة الى ما يلي :
ــ السلوك الإنحرافي المتكرر كالسرقة ، وتناول الكحول ، ومارسة العنف والتخريب .
ــ الإنحرافات الجنسية العمدية كالدعارة ، والحمل غير الشرعي ، والميل الى نفس الجنس ، والتهتك الخلقي .
ــ الإدبار عن الدراسة في الأوضاع الطبيعية .
ــ الإعتلالات النفسية المستمرة كالكآبة ، والحزن ، والأرق ، والشعور بالإحباط واليأس ، والتفكير بالإنتحار .
ــ الإنطواء على النفس ، والإبتعاد عن الأسرة نفسيا ، والهواجس والهذيان و ...

دنيا الفتيات المراهقات 384




دنيا الفتيات المراهقات 385

الفصل الخامس والخمسون
العناية بالجانب الديني والأخلاقي


مقدمة

لا يمكن للتربية أن تكتفي بتنمية القدرات الفكرية وحسب ، بل لا بد من أن يرادف ذلك السعي من أجل إعداد الأشخاص خصوصا الفتيات أخلاقيا ودينيا أيضا . والمحيط الطبيعي لنمو الفتيات دينيا وأخلاقيا هو الأسرة ، أولا والمدرسة ثانيا والمجتمع بشكل عام ثالثا . ويجب خلال ذلك فرض نوع من الوصاية والإشراف المباشرين على طبيعة علاقات أعضاء هذه الفئة الى نهاية مرحلة المراهقة ، وحتى بعد ذلك بدرجات أخف .
إن للدين والأخلاق تأثير إيجابي مهم جدا في حياة الفتيات الىدرجة يقول فيها أحد المشتغلين بأمر التربية : أن الكثير من الأشخاص البالغين قد برئوا من حالة الإستمناء أو الإرضاء النفسي ن حتى من النوع النفسي الخطير منها ، على أثر الإقبال على الدين الذي أحدث إنقلابا عاطفيا في حياتهم وجعلهم يبدلون حب (الأنا) بحب الله والمقدسات.

الإرشاد الديني

يوصي الباري تعالى في القرآن الكريم أولياء الأمور بقوله : «قوا أنفسكم وأهليكم نارا ... »(1) أي قوا انفسكم النار بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعن إتباع الشهوات ، وإحفظوا اهليكم من النار بدعائهم الى الطاعة وتعليمهم الفرائض ونهيهم عن القبائح وحثهم على افعال الخير .

1) راجع مجمع البيان للطبرسي ، تفسير الآية 6 /، سورة التحريم ، ص 477 .
دنيا الفتيات المراهقات 386

ويجب أن يبتني الإرشاد والتعليم في هذا المجال على اللطف والمحبة والحوار الإقناعي ، بإعتبار إن القوة والإجبار غسلوب غير مجد في عملية التربية والإرشاد .
الفتيات مهيئات فطريا ونفسيا ، في هذه السن لإستقبال الإرشادات والتوجيهات المعنوية والالتزام بتعاليم وواجبات الدين ، ويبدو أنه ليست هناك صعوبات كثيرة في العمل معهن في هذا المجال . يقول هاوفيلد بأنهن مهيئات بشكل اكبر لتقبل القضايا المعنوية في سني 14 ـ 16 عاما ، لأنهن أفضل إدراكا في هذه السن لمعاني الحب والعاطفة.
رغم ما يمكن أن تنطوي عليه حالةالفتاة في هذه السن من مشاكل نفسية وإبتعاد عاطفي عن الأسرة ، الا أنها تبقى ميالة الى تقليد الأسرة في العادات والتقاليد والى الالتزام بما تلتزم به من سلوكيات وتصرفات في الحياة . ومن هنا فإذا كان الوالدان مؤمنين وملتزمين بالتعاليم الدينية ، فإن الفتاة أيضا تتبعهما في الإيمان والالتزام .
غير أنها تميل في الوقت ذاته الى أن يكون تدينها مبنيا على فلسفة واضحة تدركها وتفهم تفاصيلها بوضوح ، لأن ذلك يثبت إيمانها ويجذره في نفسها ، ويولد لديها حالة من الإطمئنان والإستقرار النفسي ، ومن شأن الإستجابة لهذا الميل والرغبة ، بالإرشاد والتوجيه الواعيين ، أن يجعلها ينطبق عليها قول الرسول صلى الله عليه واله الذي يفيد بأن (الإيمان يخالط لحمه ودمه)(1).

في الإستفهامات الديني

ذكرنا إن سن المراهقة هي سن الشك والترد والإستفهام حول كل شيء،

(1) كتاب تحف العقول عن ال الرسول .
دنيا الفتيات المراهقات 387

حتى حول القضايا العقائدية والدينية . فالفتاة تشك في هذه السن فيما إذا كانت المعلومات ، التي تلقتها من أولياء الأمور أو من الآخرين ، حول المسائل العقائدية صحيحة أم لا ؟ كما وتراودها إستفهامات عديدة حول مسائل من قبيل الجبر والتفويض ، والعقاب والثواب ، وسؤال القبر ، والحشر والحساب و ... الخ . ويجب عل أولياء الأمور والمربين المبادرة الى توضيح مثل هذه المسائل وإزالة الإبهام والغش في ذهن الفتاة بشأنها .
ليس ضروريا في توعية أعضاء هذه الفئة دينيا ، شرح جميع القضايا العقائدية لهم على أساس البرهان والدليل المنطقي المعمق ، بل المطلوب هو الإجابة على الأسئلة والإستفهامات ، التي تدور في أذهانهم ، بإسلوب إقناعي معقول بحيث لا يبقى لديهم مجال للإبهام والغموض في هذا المجال . ومن المفيد فيإغناء المراهقين عقائديا مبادرة أولياء الأمور والمربين الى طرح الأسئلة التي يفترض أنها تراود أذهانهن ، في أوساطهم والإجابة عليها ، أو العمل على توعيتهم وإرشادهم من خلال عقد جلسات إسبوعية داخل الأسرة.

في الأخلاق

الأخلاق عامل لحفظ وصيانة السلوك ووسيلة لضبط العلاقات الإجتماعية . والتربية الأخلاقية تلعب دورا مهما جدا في الحفاظ عل عفاف وشرف الفتيات المراهقات من عوامل الإنحراف والجنوح ، ويزداد تأثير التربية الأخلاقية إذا كانت مقرونة ، بالالفة والإنسجام وبالإنفتاح غير المقيد على الفتاة من قبل أولياء الأمور والمربين .
فهذه السن هي سن القلق والإضطراب السلوكي . ومن الممكن أن تتعرض فيها بعض الفتيات للجنوح الأخلاقي والسلوكي . إذن فإن الواجب يحتم على

دنيا الفتيات المراهقات 388

أولياء الأمور والمربين بذل مزيد من الرعاية والإهتمام بهن والعمل على إصلاح شؤونهن . ومن الضروري الإشراف على الفتاة وتوجيهها بغستمرار في سلوكها ، وطريقة كلامها ، ونوع لباسها ، وطبيعة علاقاتها بصديقاتها وزميلاتها وبالآخرين .

التدليل على الثقة بهن

قد لا يوجد عامل أكثر تأثيرا وأهمية في نمو الفتيات أخلاقيا من الإيحاء لهن بالثقة في سلامة سلوكهن وتصرفاتهن في علاقاتهن مع الآخرين . فمن الضروري بمكان أن ندلل لهن بأننا نثق بهن ونعتبر أقوالهن وافعالهن صادقة مائة بالمائة ولا تشوبها أي شائبة . إن هذه الثقة أو الشعور بها يجعلهن يترددن أكثر من مرة قبل الإقدام على ما يمكن أن يكون معيبا في السلوك والخلق السويين ،ويعد أرضية مناسبة للعمل على إصلاح سلوكهن ونربيتهن تربية صالحة .
فبوجود الثقة المتبادلة يمكن الإشراف على شؤون الفتيات وتوجيههن في علاقاتهن الإجتماعية الوجهة الصحيحة ، والحيلولة بينهن وبين السلوك والتصرفات الخاطئة في مختلف جوانب حياتهن . وبإمكان الوالدين أن يكونا قدوة وأسوة للفتيات بأخلاقهما ، وسلوكهما ، وبقوة منطقهما ، ورزانة تصرفاتهما في البيت وفي علاقاتهما في المجتمع العام دون أن يثقلا عليهن بالأوامر والنواهي فقط . إن الحنو على الفتاة وإشعارها بأننا نريد خيرها وصلاحها يعد بحد ذاته باعثا على كسب ودها وثقتها ، وبالتالي تسهيل العمل على بنائها أخلاقيا وسلوكيا .
ومن مظاهر ثقة الفتيات بأولياء الأمور والمربين التعامل الصادق معهم ، وتجنب حالات الحساسية والخصومة والجفاء معهم ، وعدم التردد في مفاتحتهم بمسائلهن ومشكلاتهن الخاصة وطلب العون والإستشارة بشأنها .

الحرية المشروطة

يمكن إفهام الفتيات عن طريق الكلام والحوار الإقناعي بأن حرياتهن

دنيا الفتيات المراهقات 389

ليست مطلقة بل محدودة بإطار مشروط ، ولا يحق لهن التحلل من الالتزامات والتصرف كما يحلو لهن ودون أي ضوابط . كما ويجب العمل على إعدادهن وتدريبهن بالتدريج على ممارسة حرياتهن والإعتماد على ذواتهن في الحياة بشكل كامل . ومن وجهة النظر الإسلامية ، يوصى بإعطاء الفتاة إعتبارا من سن ما بعد الرابعة عشر عاما مجالا أوسع في ممارسة الحرية ، وغشراكها في الأعمال والنشاطات ، وتكليفها ببعض الواجبات والمسؤوليات في الحياة ، وهذا هو معنى الوزارة في السبع الثالث من الحياة ( ... ووزير سبع سنين) .
إن تقييد الفتيات بشدة أمر غير مستحسن ومن شأنه أن يولد لديهن صدمات نفسية ، ويؤدي بهن الى الإضطراب والعور بأنهن شخصيات مهزوزة وغير موثوق بقدراتها . ومن هنا فإن الحرية مطلوبة بالنسبة لهن ولكن ليس الى حد العصيان والتمرد ، والإستقلال بالنفس ضرورة ولكن بحسب شروط وضوابط معينة ووعي بما ينفعهن وما يضرهن .
يكتسب الجو العائلي والأسري أهمية إستثنائية في التربية الأخلاقية ، حيث إن الكثير من حالات الإختلال والجنوح السلوكي إنما تحصل بسبب تأثير الأجواء المشحونة بالأخطاء والمشاكل . إن التوجيه الأخلاقي في ظل الأجواء القلقة والمضطربة عمل غير مجد وخاطئ بالمرة . فالفتيات عادة يقارن بين ما يتلقينه من توجيهات أخلاقية في الأسرة وبين سلوك وتصرفات الوالدين في البيت ، وإذا لاحظن أنها تتناقض مع أقوالهما وتوجيهاتهما ،فإنهن يتمردن عليها ولا يلتزمن بها !
يجب السعي الى تعزيز إيمانهن بالأصول والضوابط الأخلاقية وتجذيرها في أنفسهن أكثر فأكثر وبالشكل الذي لا يتزلزلن أمام دواعي وعوامل الإنحراف والسقوط . وفي حال الشعور بضعفهن أمام إيحاءات جو معين ، يجب المبادرة الى

دنيا الفتيات المراهقات 390

إبعادهن من ذلك الجو ومن المفيد ، في بعض الحالات ، حتى الهجرة الى منطقة أخرى حفظا للفتاة وصيانة لعرضها وعفافها ، وهو ما يوصي به القرآن الكريم(1).

(1) سورة النحل ، الآية 28 .
دنيا الفتيات المراهقات 391


الباب الخامس عشر


دنيا الفتيات المراهقات 392




دنيا الفتيات المراهقات 393


تمهيد

يشتمل هذا الباب ، الذي هو خاتمة الكتاب ، على ثلاثة فصول .
الفصل الأول منها يدور حول مسالة التدريب على الحياة ، ونسعى فيه الى تناول الممارسات العملية التي يجب أن تتمرس فيها الفتاة بالتدريج ، وذلك من أجل إعدادها لدخول معترك الحياة الزوجية ,الأسرية ، وتمكنها من حل مشاكلها بنفسها .
والفصل الثاني يتصل بالثقافة والحياة الذي يستند الى التقبل الثقافي ، ووجوب أن تكون الفتيات لأنفسهن فلسفة خاصة بهن عن الحياة ، ويدركن الآداب والتقاليد السائدة في المجتمع ويتفاعلن معها بشكل إيجابي ، ويتعرفن على الفنون المهنية و ...
وبالتالي ، يدور الفصل الثالث والأخير حول التربية الإجتماعية ، والتقبل الإجتماعي ، وحول ضرورة الوعي بحسن أو قبح الأمور في العلاقات الإجتماعية والصداقات والزمالات ، ووجوب ستر النفس وصيانة العفة، و...

دنيا الفتيات المراهقات 394




دنيا الفتيات المراهقات 395

الفصل السادس والخمسون
التدريب على الحياة


مقدمة

إن الهدف من جميع البحوث والدراسات والآراء والتوصيات حول ظروف النمو وكيفية التعامل مع حالاته ، إنما هي من أجل الحفاظ على سلامة الفتاة وإعدادها نفسيا وفكريا في سبيل الدخول الى معترك الحياة والعيش السليم الهادف والمتطلع نحو السمو والرفعة في ظل ظروف طبيعية.
ومن هنا فمن الواجب تركيز جانب من الجهود والمساعي التربوية على توضيح معاني الحياة للفتاة ، وشرح الأبعاد التي تساهم في نموها وتكامل شخصيتها ، وتجنيبها مشاعر اليأس والإحباط في الحياة ،والعمل على توعيتها وتثقيفها بالواجبات والمسؤوليات التي تنتظرها في المستقبل .
فالفتاة في هذه السن لا هي طفلة كي تبقى منغمسة في دنيا اللهو وملاعب الصبا ، ولا هي إمرأة كبيرة وناضجة كي تترك لحالها تدبر شؤونها وتعتمد على نفسها في التعامل مع مسائل الحياة. ومن هنا فإنها بحاجة الى توجيه أولياء الأمور والمربين ورعايتهم لكي تنمو نموا طبيعيا ، كما تحتاج النبتة في سبيل نموها الى نور الشمي والرعاية الدائمة لكي تنضج وتعطي ثمارها في نهاية المطاف .

الإعداد للحياة

من حسن الطالع إن الفتاة في هذه السن هي في وضع تميل فيه ذاتيا غلى التوصل لمستوى معقول ومنطقي في الحياة ، وأن تتمكن من تحمل مسؤولياتها الفردية والإجتماعية بنفسها في الحياة ، وأن تدرك دورها وواجباتها الجنسية في معترك الحياة الأسرية والإجتماعية.

دنيا الفتيات المراهقات 396

فهي ترغب في أن تعرف لماذا وكيف يجب أن تبادر الى تشكيل الأسرة ، وما هي الطريقة المثلى في التعامل مع الحياة الزوجية والأمومة ، وبالتالي هي تميل الى إستجلاء أجوبة كل هذه المسائل ومايشابهها ومعرفة ما يحيط بها من أسرار وملابسات ، وهي فرصة طيبة يجب إستثمارها ، على الوجه الصحيح ، في سبيل تنمية قابليات الفتاة ، نفسيا ، وفكريا ، وإجتماعيا ، وإقتصاديا ، بالشكل الذي ينضج شخصيتها ويؤهلها للعب دور إيجابي في الحياة الإجتماعية . كما إن النساء والفتايت يملن ذاتيا الى الأعمال والمهن النسائية أكثر من الأعمال الخاصة بالرجال.

تنمية الأنوثة

من المهم الإنتباه الى هذه المسالة وهي أننا نريد أن تكون الفتاة أنثى وتعتز بأنوثتها ، وأن تحمل في شخصيتها جميع صفات الأنوثة عن رضى وطيب خاطر ، وأن لا تنبذ أنوثتها بحيث تتمنى لوكانت ذكرا ، أو أن تتصرف على أساس الميل والرغبة بالإسترجال والذكورة.
وينبغي عدم إغفال حقيقة إن كل من الذكور والإناث نوع حياتي خاص به بحسب طبيعتهم والدور الذي ينتظر أن يلعبوه في الحياة مستقبلا كأعضاء في المجتمع الإنساني . ويجب إحترام هذه الطبيعة والدور وتنميتهما في مجاليهما المختلفين .
ففي سني ما بعد البلوغ ، يجب أن يتجه التركيز على التثقيف العملي ، وتكتسب مسائل الأسرة وفنون الحياة الزوجية وتربية الأطفال أهمية متزايدة في هذا المجال . إننا لا نعترض على مواصلة الفتيات لتحصيلهن الدراسي ، لكننا نعتقد ، كما يعتقد المتخصصون بشؤون المرأة ، إن الدور الأساس والواجب الأهم

دنيا الفتيات المراهقات 397

للفتيات هو تربية الأجيال وإدارة شؤون الأسرة . يقول (لامبروزو) بأن الدراسات العلمية المعمقة في مجالات الفلسفة ، والراياضيات ، والإقتصاد ، والسياسات ، والتي تصفي ذهن الرجل ، تساهم في إضعاف فراسة المرأة .

التدريب على العمل

يجب تجريب الفتاة ، منذ سني المراهقة على العمل ، وتشجيعها على القيام ببعض الأعمال البيتية كالطبخ ورعاية الأخوة والأخوات الصغر سنا ، وذلك من أجل أن تتمرس بالتدريج على تحمل الواجبات والمسؤوليات العملية في الحياة ،حيث إن هذه الطريقة تحمل تأثيرات إيجابية كبيرة جدا في تنمية قابليات الفتاة وإكتسابها للمهارات الضرورية التي تحتاجها مستقبلا .
فأحيانا نجد الأمهات يتصورن خطأ أنه يجب إشغال الفتاة بالأعمال الهامشية الروتينية ومنعها من القيام بالأعمال الأخرى المهمة كطهي الطعام وما الى ذلك ، خوفا من أن تلحق بالأسرة اضرارا مادية . في حين إن تعلم مثل هذه الأعمال يعد ضرورة لا غنى للفتاة عنها في حياتها الزوجية في المستقبل من الزمن .
ولا بد أن نسجل هنا إستثناء بخصوص عمل الفتاة في هذه السن وهو وجوب عدم الإثقال على الفتاة بكثرة الأعمال والواجبات البيتية الى الدرجة التي تأخذ كل وقتها ، وترهقها وتخلق لديها من جهة طابعا سلبيا عن المسؤوليات التي تنتظرها في المستقبل ، ومن جهة أخرى تحول بينها وبين التمتع بملذات سن الشباب ، بل يجب الأخذ بنظر الإعتبار ، عند تكليفها بالأعمال والواجبات راحتها وعدم إجهادها كثيرا ، وكذلك إعطائها وقتا كافيا للتفرغ الى نفسها وممارسة هواياتها اليومية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي