تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 325

وقال حميد بن مسلم: انتهيت إلى علي بن الحسين عليه السلام وهو مضطجع على فراش له وهو مريض، وإذا شمر معه رجل يقول: ألا نقتل هذا الصبي؟
سبحان الله! ما معنى قتل الصبيان؟ فما زال دأبي كذلك أدفع عنه حتى جاء عمر بن سعد، فقال: لا يدخلن أحد بيوت هذه النسوة، ولا يتعرض لهذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده، فوالله ما رد أحد شيئاً غير انهم كفوا.
فقال لي علي بن الحسين عليه السلام: جزيت خيراً فقد دفع الله عنا ـ بمقالتك ـ أشرار الناس. (1)
ولما دخل الناس بعد قتل الحسين الفسطاط ـ فسطاط النساء ـ للنهب أقبلت امرأة من عسكر ابن سعد كانت مع زوجها، فلما اقتحم الناس الفسطاط وأقبلوا يسلبون النساء أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط، ونادت: يا آل بكر ابن وائل، أتسلب بنات رسول الله؟ يا لثارات رسول الله، فأخذها زوجها فردها إلى رحله.
ثم أمر ابن سعد بإخراج النساء من الخيمة وأضرموا فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلة.
قال بعض من شهد الوقعة: ما رأيت مكثوراً (2) قط قتل ولده وإخوته وبنو عمه، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً ما رأيت قبل ولا بعده
(1) في المقتل: شر هؤلاء.
(2) المكثور: المغلوب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 326

مثله ـ أعني الحسين عليه السلام ـ لقد رأيت الرجال تنكشف عنه انكشاف المعزى إذا عاث (1) فيها الذئب.
ثم إن عمر بن سعد لعنه الله نادى: من ينتدب للحسين فيطأه بفرسه (2)؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم: أخنس بن مرثد الحضرمي، وهو القائل (3):
نحن رضضنا الظهر بعد الصدر بكل يعبوب شديد الأسر
(حتى عصينا الله رب الأمر بصنعنا مع الحسين الطهر) (4)

وقال عمر بن سعد لعنه الله: بهذا أمر الأمير عبيدالله.
قال الراوي (5) : فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم أولاد زنا، وهؤلاء أخذهم المختار رضي الله عنه وشد أيديهم وأرجلهم بسكك من حديد، ثم أوطأهم الخيل حتى ماتوا.
وأقام عمر بن سعد يومه ذاك بعد الواقعة إلى الغد، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء، فلما ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلوا عليهم ودفنوهم. (6)
(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: غارت.
(2) في المقتل: فيوطئة فرسه.
(3) نسب الرجز في الملهوف: 183 إلى أسيد بن مالك.
(4) من المقتل.
(5) هو أبو عمرو الزاهد: انظر في ترجمته: وفيات الأعيان: 1/500، تاريخ بغداد: 2/356، الأعملام للزركلي: 6/254.
(6) من قوله: (وأقام عمر بن سعد يومه) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/62 عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/306.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 327

وابتلى الله سبحانه الذين أخذوا سلب الحسين عليه السلام كل واحد منهم ببلاء، فالذي أخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فلبسها فصار زمناً مقعداً، والذي أخذ عمامته وهو جابر بن يزيد فصار مجذوماً، والذي أخذ درعه مالك بن نسير صار معتوهاً، والذي أخذ خاتمه وهو بجدل بن سليم الكلبي وقطع اصبعه عليه السلام مع الخاتم أخذه المختار وقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط بدمه حتى مات. (1)
وارتفعت في السماء ـ في تلك الساعة التي قتل فيها صلوات الله عليه وآله ـ غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم.
وقتل صلوات الله عليه (2) يوم عاشوراء عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستين من الهجرة، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف.
قال: وأقبل فرس الحسين عليه السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين عليه السلام، ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب الأرض برأسه عند الخيمة حتى مات. (3)
والسيف الذي كان مع الحسين صلوات الله عليه حين قتل ليس هو بذي الفقار، وإنما هو غيره، لأن ذا الفقار (كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله) (4) من
(1) انظر ذوب النضار: 123.
(2) زاد في المقتل: باتفاق الرواة، وفي البحار: باتفاق الروايات.
(3) من قوله: (وقتل صلوات الله عليه يوم عاشوراء) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/60 عن كتابنا هذا. وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/304.
(4) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 328

ذخائر النبوة والامامة لا يطلع عليه أحد.
وكان عدة القتلى من أصحاب الحسين عليه السلام الذين قتلوا معه اثنين وسبعين رجلاً رضوان الله عليهم ورحمته وسلامه هؤلاء الذين قتلوا قبل أهل بيته. وأما عدة المقتولين من أهل بيته فالأكثرون على أنهم كانوا سبعة وعشرين:
سبعة من بني مسلم ومن بني عقيل (1): مسلم المقتول بالكوفة، وجعفر، وعبدالرحمن(ابنا عقيل) (2)، ومحمد بن مسلم، وعبدالله بن مسلم، وجعفر بن محمد بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل.
وثلاثة من ولد جعفر: محمد بن عبدالله بن جعفر، وعون الأكبر بن عبدالله، وعبيدالله بن عبدالله.
وتسعة (3) من ولد أميرالمؤمنين عليه السلام: الحسين عليه السلام، والعباس؛ ويقال: وابنه محمد بن العباس. (4)
ذكر صاحب مقاتل الطالبيين ان العباس بن علي بن أبي طالب، وعثمان ابن علي بن ابي طالب، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن علي بن أبي طالب هؤلاء الأربعة صلوا مع الحسين عليه السلام وكانت امهم ام البنين بنت
(1) في البحار: سبعة من بني عقيل، وفي مناقب ابن شهراشوب: 4/112: (تسعة) بدل (سبعة) وزاد في الأسماء: عون بن عقيل فقط.
(2) من البحار.
(3) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: سبعة.
(4) مقال الطالبيين: 53 ـ 56، عنه البحار: 45/39.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 329

حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيل (1)،وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان العباس أكبرهم، وهو آخر من قتل من إخوته لامه وأبيه. وفي العباس عليه السلام يقول الشاعر:
أحق الناس أن يبكي عليه فتى أبكى الحسين بكربلاء
أخوه وابن والده علي أبو الفضل المضرج بالدماء
ومن واساه لا يثنيه شيء فجادله على عطش بماء

وفيه يقول الكميت بن زيد:
وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو شفاء النفوس من أسقام
قتل الأدعياء إذا قتلوه أكرم الشاربين صوب الغمام

وكان العباس رجلاً جسيماً وسيماً جميلاً، وكان يركب الفرس المطهم (2) ورجلاه تخطان الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين عليه السلام معه يوم قتل.
وكانت ام البنين ام هؤلاء الإخوة الأربعة تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، وكان مروان يجيء فيمن يجيء فيسمع ندبتها ويبكي.
وعبدالله الأصغر، ومحمد الأصغر، وأبوبكر، يشك في قتله.
وأربعة من بني الحسن عليه السلام: أبوبكر، وعبدالله، والقاسم؛ وقيل:
(1) كذا في مقاتل الطالبيين، وفي الأصل: بنت حزام بن خويلد بن الوحيل.
(2) المطهم من الناس والخيل: الحسن التام كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال (لسان العرب: 12/372 ـ طهم ـ.)
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 330

وبشر؛ وقيل: عمر وكان صغيراً.
وستة من أولاد الحسين عليه السلام مع اختلاف فيهم: علي الأكبر، (وإبراهيم) (1)، وعبدالله، وعلي الأصغر، وجعفر، ومحمد، وذبح (2) عبدالله في حجره.
وأسروا الحسن بن الحسن مقطوعة يده، وقيل: لم يقتل محمد الأصغر ابن الحسين (3) لمرضه، ويقال: رماه رجل من بني دارم فقتله.
والمقتولون في الحملة الاولى من أصحاب الحسين: نعيم بن عجلان، وعمران بن كعب، وأنس بن حارث (4) الأشجعي، وحنظلة بن عمرو الشيباني (5)، وقاسط بن زهير، وكنانة بن عتيق، وعمرو بن مشيعة (6)، وضرغامة ابن مالك، وعامر بن مسلم، وسيف بن مالك النميري، وعبدالرحمان ألأرحبي، ومجمع العائذي،وحباب بن الحارث، وعمروالجندعي، والحلاس ابن عمرو الراسبي، وسوار بن حمير (7) الفهمي، وعمار بن سلامة (8) الدالاني،
(1) من المناقب والبحار.
(2) في المناقب: عبدالله ومحمد وحمزة وعلي وجعفر وعمر وزيد، وذبح...
. (3) في المناقب: محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
(4) في المناقب والبحار: عمران بن كعب بن حارث، وما في المتن يوافقه ما في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليه السلام: 152 رقم 27 وص 153 رقم 53.
(5) ذكر فيما مر حنظلة بن سعد الشبامي.
(6) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: عمر بن شيبة، وسماه في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليه السلام: 153 رقم 42: عمرو بن ضبيعة.
(7) في المناقب: سوار بن أبي عمير، وفي البحار: سوار بن أبي حمير، وسماه في تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام: 156 رقم 103: سوار بن حمير الجابري.
(8) في المناقب والبحار: عمار بن أبي سلامة.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 331

والنعمان ابن عمرو الراسبي، وزاهر بن عمرو مولى ابن الحمق، وجبلة بن علي،ومسعود بن الحجاج، وعبدالله بن عروة الغفاري،وزهير بن بشر الخثعمي، وعمار بن حسان، وعبدالله بن عمير، ومسلم بن كثير، وزهير بن سليم (1)، وعبدالله وعبيدالله ابنا زيد البصري، وعشرة من موالي الحسين عليه السلام، وموليان من موالي أميرالمؤمنين عليه السلام.
هؤلاء المقتولون في الحملة الاولى الى تمام الخمسين، والباقون قتلوا بعد هؤلاء، وهم: الحر، وبرير، وعمرو بن خالد الأسدي، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن القين، وغيرهم ممن ذكرنا أولاً رضي الله عنهم أجمعين، ولعن الله قاتلهم إلى يوم الدين.
قال: ثم إن عمر بن سعد لعنه الله سرح (2) برأس الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ـ يوم قتل فيه عليه السلام ـ مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأسدي إلى ابن زياد لعنه الله، ثم أمر برؤوس الباقين من أهل بيته وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن (وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج) (3) إلى الكوفة، وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال ـ كما أشرنا أولاً ـ .
وروي أن رؤوس أصحاب الحسين عليه السلام وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً، وأقتسمتها القبائل لتتقرب بذلك إلى عبيدالله وإلى يزيد:
فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث.
(1) كذا في المناقب والبحار، وفي الأصل: مسلم.
(2) في الملهوف: بعث.
(3) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 332

وجاءت هوازن باثني عشر رأساً، وصاحبهم شمر.
وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً.
وجاءت بنو أسد ستة عشر رأساً.
وجاءت مذحج بسبعة رؤوس.
وجاء سائر الناس بثلاثة عشر رأساً. (1)
ثم أذن ابن سعد بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين وأخواته وعلي بن الحسين وذراريهم، فاخرجوا حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة، فقلن: بحق الله ما نروح معكم ولو قتلتمونا إلا ممرتم بنا على مصرع الحسين، فأمر ابن سعد لعنه الله ليمروا بهم من المقتل حتى رأين إخوانهن، وأبناءهن، وودعنهم، فذهبوا بهن إلى المعركة، فلما نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن.
قال: فوالله ما أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين: يا محمدا، صلى عليك مليك السماء، وهذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى، وإلى حمزة سيدالشهداء.
وا محمداه هذا حسين بالعراء، تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه واكرباه، اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب محمد، هؤلاء ذرية
(1) نقل هذه القطعة المجلسي رحمه الله في البحار: 45/62 عن كتابنا هذا، وكذا البحراني في عوالم العلوم: 17/ 306.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 333

المصطفى يساقون سوق السبايا.
وفي بعض الروايات: يا محمداه، بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليهم الصبا، هذا ابنك مجزوز (1) الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، ولا جريح فيداوى، فما زالت (تقول هذا القول) (2) حتى أبكت والله كل صديق وعدو، حتى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين فاجتمع عدة من الناس حتى جروها. (3) (4).
قلت: ولما قرعت هذه الأخبار الشنيعة بقوارعها سمعي، وأحرقت هذه الآثار الفضيعة فؤادي، وأجرت دمعي بصورته عليه السلام صريعاً بين يدي الأعادي بين بصيرتي، ومثلته طريحاً في سري وفكرتي، ونقشت صورة ذاته الشريفة في لوح حياتي، وأجريت ذكره قتيلاً في خاطري وبالي، وأوقفت في عالم الخيال نحيل بدني بين يديه، ومزقت بيد فكري جيب صبري جزعاً عليه ، وناديت صارخاً بأنه ينبىء عن عظيم مصيبتي، وندبت جازعاً بزفرة
(1) في الملهوف، محزوز. (2) من المقتل. (3) في (ح): لمحرره الحقير:
أخي يابن امي ليتك اليوم غائب فلم أراك قط قبل يوم وفاة
فأرضى على نيران هجرك أحرق بشرط حياتك يا ذا الجود والحسنات
فيرجو وصالك قلبي وقلب من هواك من الأحباب حال حياة
ويا ليت امي لم تلدني ولم أعش ولم أر جسمك مجروحاً بسيف طغاة
أخي نور عيني أنت امي ووالدي فأيتمتني والله والأخوات
تنوح سكينة بالحزن والأسى تقول أبي وأين صاحب الحملات
أبي ما ... يا أنيسي وكافلي لحزن طويل منتهاه حياتي
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/4 ـ 39، الملهوف على قتلى الطفوف: 156 ـ 190.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 334

تجبر في جنبه رزيتي، قائلاً: يا حزني، موضع انقضاك مماتي، ويا وجدي خذ منتهاك وفاتي، ويا عبرتي موضع جمودك حفرتي، ويا زفرتي وقت جمودك منيتي،ويا مهجتي تصاعدي دماً بنار أحزاني من مقلتي، ويا كبدي ذوبي بضرام أشجاني ونفسي، فلأي فقيد أدخر دمعي بعد مصابي بأحبائي؟ وعلى أي شهيد أبذل جهدي بنحيبي وبكائي.
فيا من خدت واقعة أخاديد في خدودي من ماء جفوني، وأذابت رزيته أحشائي فاسالتها دماً من شؤون عيوني، أعلى أي قانت سواك أشق ثوب صبري؟ أم على أي هالك غيرك أهتك مصون ستري؟ وحبك ديني ومعتقدي، وولاؤك روحي في جسدي ، وذكرك انيس وحدتي ، ومدحك جليس خلوتي، وخيالك في سواد مقلتي، وجمالك في سويداء مهجتي، أيليق البكاء إلا على مصيبتك؟ أم يحسن العزاء إلا لرزيتك؟ هل لنبي سبط غيرك شهيداً فأبكيه؟ أم لوليي قرة عين سواك فأرثيه؟ أم للزهراء ثمرة قلب إلا جمال بهجتك؟ وهل لأئمة الهدى شرف إلا من شريف حضرتك؟
واقعتك أرخصت في سوق الأحزان عقيق عبرتي، ومصيبتك هدت بمعاول الأشجان قواعد تثبتي ، وأحرقت بقوادح الأسقام مهجتي، وأغرقت أسفاً بتناثر العبرات وجنتي، وبدلت برقادي سهادي، وصيرت الأوصاب دثاري ومهادي، فجسمي سقيم، وصبري عديم، وقلبي حريق، وطرفي غريق، لشيك الخضيب، وخدك التريب، ونسوتك الاسارى، وذريتك الحيارى، وأطفالك الذين سقوا من ثدي الحمام قبل الفطام، وجرعوا كؤوس الممات بمقابل الطعام، ذكر ظعنك يطيف الأحزان بقلبي، وتفور حتفك يهيج نيران الأسى غمومي وكربي، ومصرع شبانك يذهل عقلي ولبي، ومقتل فتيانك

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 335

يجعل من دموعي شربي، لغمتك شجرة الغموم بقلبي نبتت، ولكربتك قواعد الهموم بلبي ثبتت، سحقاً لأيامي إن استمسكت بغير عروتكم يدي، وبعداً لمقامي إن جعلت سواكم معتقدي، وخرساً للهاتي إن فاهت بغير مدحتكم، وعمىً لطرفي إن نظر جميلاً سوى بهجتكم، لا قرت عيني إن نثرت على غير عروس مجدكم فائق نثري. ولا راف معيني إن أطافت بسوى كعبة جودكم رائق شعري.
أنتم وسيلتي إلى خالقي، وبكم وضحت في الحق طرائقي، وإلى نحوكم منطق شكري صرفته، وعلى مدحكم بديع نظامي وقفته، إن رضيتم خدي موطئاً لأقدامكم، ووجهي موضعاً لنعالكم،وأثبتم اسمي في جرائد عبيدكم، ووفرتم قسمي من عنايتكم وجودكم، فيا زلتفي من ربي، ويا وصولي وقربي، وإن طردتموني عن أبواب كرمكم، ومحو تموني من دفاتر خدمتكم، فيا خسارة صفقتي ويا سوء عاقبتي، فيا سعادة أنفساً بذلت في طاعتكم أرواحاً وأبداناً، ويا فرحة طائفة بلغت في نصرتكم بوجوهها وصدورها حساماً وسناناً.
فلعمري لقد حازوا بجميل صبرهم ثواباً جسيماً، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، جلت رياض الجنة عرائس أزهارها على زهيرهم، وأعلت على منازل أبرارها درجة حرهم وبريرهم، وجعلت حبيبهم حبيب حور عينها، وصيرت لمنثور لؤلؤها لون جونها، ووهب وهبتها من غرفاتها أعلاها، ويسرت لمسلمها من قداح لذاتها معلاها، كانت دار النعيم أشد شوقاً إليهم، وأشد ابتهاجاً بمقدمهم منهم عليها، وفوا لله سعيهم فوفى لهم بما عاهدهم، وصدقوا ما عاهدوه عليه فأنالهم الحسنى وزيادة على ما وعدهم.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 336

فوا أسفاه إذ لم أكن معهم شهيداً، وواحزناه إذ لم أكن في زمرتهم عديداً، أتلقى عن سيدي رماح الأعداء كما تلقوا بقلوبهم وصدورهم،واقابل صفاح الأشقياء كما قابلوا بوجوههم ونحورهم، وأجعل خدي جنة لجنتي في حشري، ووجهي وقاية لمعادي يوم نشري، ويراني سيدي لأمره سميعاً مطيعاً، وبين يديه شهيداً صريعاً، قد قطعت في نصره أعضائي، واريقت في جنبه دمائي، مجاهداً عنه بقولي وفعلي، مجالداً بسيفي ونبلي، قائلاً:
يا امة كفرت بأنعم ربها، واستوجبت سوء العذاب بحربها، وقطعت رحم رسولها، وانتهكت حرمة بتولها، وهدمت بنية إسلامها، ونكثت بيعة إمامها، تباً لك من امة شرت ضلالها بهداها، ودنياها باخراها، ونكصت على أعقابها ، بلامع سرابها.
ويلكم أتدرون على من جردتم سيوفكم، ورتبتم صفوفكم؟ هذا سبط خاتم الرسل، وريحانة موضح السبل، أشرف من مشى على وجه الغبراء، وأفضل من تأزر بالمجد وارتدى، وأفخر من قامت سيدة النساء،وأجمل من كفلته البضعة الزهراء، حجرها مهده، وفرعها ولده، وثديها مشربه، وكتف والدها مركبه، عنه سماء صلب نبيكم انفطرت، ومنه ينابيع ذرية وليكم تفجرت، خادم مهده جبرائيل،وبشير مولده ميكائيل، وولي عقد نكاح امه الملك الجليل، وخطيب عرس والده راجيل.
سفهت أحلامكم، ونكست أعلامكم، وأحاطت أطواق العار بأعناقكم، واستوجبت أطباق النار بنفاقكم، يا عباد الجبت والطاغوت، ويا كفاراً بصاحب العزة والجبروت، يا جند الشيطان، ويا أعداء الرحمن، أليس

الأدب 337

هذا ابن نبيكم وهاديكم؟ أليس أبوه بنص الغدير واليكم؟ نقضتم حبل إسلامكم، وعكفتم على أصنامكم، أهذا كان جزءاً من ارسل إليكم رحمة، وعليكم نعمة، أن تقتلوا ذريته، وتهتكوا اسرته، وتذبحوا أطفاله، وتقتلوا رجاله، تباً لكم يا قتلة أولاد النبيين، وبعداً لكم يا خذلة أوصياء المرسلين.
ثم أزدلف لقتالهم بقالبي وقلبي، مشتاقاً بجهدي إلى لقاء ربي، طالباً درجة الشهادة بين يدي وليي وابن وليي، راغباً في منازل السعادة بمرافقة رسولي ونبيي، اورد حسامي من نحورهم،واصدر عاملي من صدورهم، أتلقى سيوفهم بسواعدي ومناكبي، وأرد سهامهم بوجهي وترائبي، لا ضارع ولا ناكل، ولا خاضع ولا متواكل، بل عزمي أمضى من ذي شفرتين، وحدي أقطع من ذي حدين، أقذف بعزيز نسبي في جموعهم، وابالغ بعروفي عصبي في تقطيعهم،مبالغاً في النصيحة لولي أمري. سمحاً في جهاد أعدائه بالبقية من عمري، متلقياً من سهام القوم ما يصل إليه، مقطعة اوصالي بسيوفهم بين يديه.
فيالها حسرة في قلبي مدتها لا تنقضي، وغصة في نفسي جمرتها لا تنطفي، إذ لم أرق بقدم الشهادة إلى منازل الأبرار، ولم اطر بقوادم السعادة إلى مواطن الأخيار، بل قعد بي جسدي، وكل عن ذلك جدي، وتأخر زمن وجودي، وغابت أنجم سعودي، قبل بلوغ مجهودي، ونيل مقصودي.
فها أنذا أنشد من قلب بسهام المصائب مصاب، وأروي عن فؤاد بضرام النوائب مذاب، مرتدياً ببردة حزني على ولد البتول، ومعارضاً برائق نظمي ببردة أشرف نبي ورسول:
الصبر والحزن مقطوع وموصول والنوم والدمع ممنوع ومبذول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 338

والجسم منسقم والطرف منسجم والوجد محتكم والقلب متبول
وفي فؤادي من فرط الأسى حرق منها الحشا بضرام الحزن مشعول
من ما جرى بعد خير الرسل من عصب في الدين من سعيها نقص وتبديل
خانت عهوداً وأيماناً مؤكدة فالحق من جهلها في الناس مجهول
مما جنت سفها يوم السقيف دم الوصي صنو رسول الله مطلول
وسبطه بوجي السم مخترم وشلوه في صعيد الطف مقتول
خانوه إذ وعدوه حفظ اسرته فالعقد منهم بكف الغدر محلول
وفي الغدير أقروا باللسان وفي ال ـفؤاد عهدهم بالنقض مفلول
يا امة كفرت بالله إذ مكرت بعقد خم وغرتها الأباطيل
وضيعوا ما به أوصى النبي وما يوم القيامة عنه المرء مسؤول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 339

من صدق ود اولي قربى النبي ومن فيهم أتانا من الرحمن تنزيل
قوم ولاؤهم فرض وحبهم حبل بحبل إله العرش موصول
سل عنهم (هل أتى) تلقى بها شرفاً في ذكره لهم مدح وتفضيل
وفي العقود وفي النجوى مديحهم يزينه من سليم القلب ترتيل
وإن تلاه زنيم الأصل حل به من خبث باطنه بالجهل تأويل
فكل فخر على أبواب مجدهم له سجود وإذعان وتقبيل
البحر علمهم والطود حلمهم بفضلهم كامل الإفضال مفضول
أخنى الزمان عليهم فانثنوا ولهم بأس لمجمله بالصبر تفصيل
في كربلاء أصبحوا يروي مناقبهم حتى القيامة جيل بعده جيل
طافت عليهم بكأس الموت طائفة فكلهم لعقاب الحتف مغلول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 240

فاستشعروا حبنا من حسن صبرهم بها رضا الله مطلوب ومأمول
مضوا كراماً بأرض الطف يشملهم من ذي المعارج توقير وتبجيل
نالوا بقتلهم في الله ما قصرت عن وصفه من بني الدنيا الأقاويل
حازوا السعادة من بذل النفوس ففي دار الخلود لهم فضل وتفضيل
لم ينسخ الظل منها ضوء مشرقه فيا لهم بجميل الصبر تنويل
راقت مشاربها فاقت عجائبها فسعى طالبها ما فيه تضليل
أشباحهم في الثرى منبوذة ولهم أرواح صدق لها بالصفو تكميل
قوم لأوجههم يوم القراع وفي بذل المكارم تقطيب وتهليل
قوم تراهم وسوق الحرب قائمة والرمح والسيف منصوب ومسلول
أسد الشرى في ظلام النقع ترفل في سرد الحديد لها سمر القناغيل


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 341

أجسادهم بعروض الموت قطعها من الصوارم في الهيجاء تفاعيل
لها ثرى كربلاء مغنى وللملأ الـ أعلى لدى تربها حمداً وتهليل
في الله مذ بذلوا الأرواح قيل لهم في جنة طاب مثواها لكم قيل
معارج العالم العلوي منزلهم له عليه بأمر الله تنزيل
يا من مصابهم أوهى قواي فما للحزن عن قلبي المكروب تحويل
قضية الصبر في أحشائي مهملة والكرب والغم موضوع ومحمول
لهفي لنسوتكم عنفاً تساق على كور المطي لها بالسير تعجيل
وفي الرماح بدور من وجوهكم لها بشمس الضحى بالحسن تمثيل
يا امة قتلت آل الرسول وفي عفو الإله لها بالظن تأميل
ضلت مساعيكم خابت ظنونكم فما لكم غير خزي الله محصول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 342

قد هيئت لكم في الحشر أربعة نار وعار وأغلال وتنكيل
يعوذ أهل لظى منكم ويلعنكم أهل الضلال وفرعون وقابيل
قتلتم عترة خير الأنام لهم جد وسادسهم في العد جبريل
ومن بفضلهم في الذكر قد شهدت من غافر الذنب في القرآن تنزيل
ومن لهم بفؤادي منزل رحب بخالص الود معمور ومأهول
يا عاذلي لا تلمني إن بكيت دماً لما عراهم فما ذو الحزن معذول
من سفح عيني في سفح الطفوف جرى عقيق دمع بكف الوجد معمول
ويا معاشر لوامي على جزعي لما أصابهم ما شئتم قولوا
اسناد وجدي صحيح لا خلاف به لكن أحاديث سلواني مراسيل
دعواي صدق ولاءهم لا يدنسه شك بوسوسة الشيطان مغلول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 343

لمرسل الدمع من عيني معجزة فيها دليل على صدق ومدلول
صرفت نحوهم من منطقي دررا بيانها من معاني الحب منقول
إذا تلاها ولي طاب مولده له فؤاد على الاخلاص مجبول
بهذه طرباً موصول نعمتها ومن بلاغتها وصل وتذييل
يا سادتي يا بني طه الهداة ومن بحبهم عملي في الحشر مقبول
ومن إذا خابت الآمال كان بهم لي في المعاد إذا حوسبت مأمول
كم شانىء صده الله العلي بكم عني فرد بغيض وهو مخذول
يصد عني بوجه كالح وله طرف بمرود ما يجفيه مكحول
رام انتقاصي برأي قائل فلذا ك الحد منه بعون الله مغلول
إذا تصورت ما ابداه من حمق فيه لقلبي تخويف وتهويل


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 244

جعلتكم جنتي من ينل فتنته فتنثني وهو بالتوبيخ مرذول
يا من هم عصمتي في النائبات ومن أمري إليهم مدى الأيام موكول
لا تطردوني عن أبواب جودكم فأنتم غايتي والقصد والسؤل
حساد رائق شعري في مديحكم إلي ترمق منهم أعين حول
مددت كف سؤالي نحو سيبكم إذ ليس لي غيركم في الناس مسؤول
سجل دعواي في صدق الولاء له من حاكم العقل أبيات وتسجيل
ولي شهود على إثبات معتقدي لها من الله بالتصديق تعذيل
لدر فائق نظمي في محبتكم بالدر من ناقد الألفاظ تعديل
مني عليكم سلام ليس يحصره من طالب عده جد ولا قيل
ما لاح صبح به للناظرين هدى أو فاح روض بماء المزن مبلول


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 345


المجلس الثامن

في الأحوال التي جرت بعد قتل الحسين عليه السلام من سبي ذراريه ونسائه، وحملهم إلى اللعين ابن مرجانة لعنه الله، ثم منه إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.


الخطبة:

الحمد لله الذي أشرقت بنور عناية قلوب العارفين، وتعلقت بأذيال رحمته أرواح السالكين، وغرقت في بحار ربوبيته عقول العالمين،واحترقت بشعاع سحاب بهجته أفئدة العالمين، وأطلعت على أسرار حكمته نفوس المخلصين، وتاهت في بيداء إلهية أفكار الطالبين، فانقلبت أبصار بصائرهم حيرة عن إدراك كمال عظمته، ورجعت أنفسهم خاسئة عن تصور جلال عزته، وقعد بهم جدهم عن الوصول إلى كعبة عرفانه، وطال عهدهم في طلب المحجوب من أسرار عظيم شأنه، فعلموا أن جلاله جل عن الاحاطة بفكر وضمير، ومجده عز عن الشبيه والنظير، فعزفت أنفسهم عن مشاركة اولي الأنفس الناقصة لكمالها وتمامها، وعرجت إلى الرفيق الأعلى بأقدام عزمها وإقدامها، وشربت من عين الحياة الباقية التي لا ا نقطاع لمعينها، وطلبت درجة السعادة العالية التي لا انقضاء لنعيمها، فأطلعها مبدعها على أسرار ملكوته،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 346

ونفعها صانعها بحلل عرفان صفات جبروته، فأشرقت أنوار توفيقه على مرايا أفئدتها، فانطبع مثال العالم العلوي والسفلي في ألواح معرفتها.
ولما أفرغ سبحانه حلل العناية على أعطافها، ومنحها من كنوز العصمة ذخائر ألطافها، أنزلها إلى عالم الفناء لاستنقاذ عباده من ورطة جهالتهم، وتخليص أنامه من لجة حيرتهم، وأن يسلكوا بهم سبيل النجاة إلى نعيم جنته، ولو رودهم معين الحياة من زلال رحمته، ويحكوا لهم ما شاهدوا من عجائب حكمته، ويصفوا ما عاينوا من غرائب صنعته،وما أطلعهم عليه سبحانه من خواص قدرته، وما أعد للمتقين من نعيم لا تفنى أيامه، ولا تنقضي أعوامه، ولا تبلى ثيابه، ولا يتسن طعامه وشرابه.
فهدوهم النجدين، وأوضحوا لهم السبيلين، وأروهم ما توعد به من أرخى لامارته عنان شهوتها، وأجرى جواد معصيته في ميدان لذتها، من نار فضيع عقابها، وجيع عذابها، ساطع لهبها، شديد كلبها، حامية قدورها، فضيعة شرورها، سلاسلها طوال، ومقامعها ثقال، وأهلها في بلاء شامل، وعناء متواصل، لا ينظر إليهم، ولا يعطف عليهم، قد أغلقت أبواب الرحمة عنهم وانقطعت الآمال منهم، حتى إذا أوضحوا لهم الدليل، وهدوهم السبيل، ونقعوا غليلهم من عين صافية، بكأس وافية، فلبى دعوتهم،واتبع شرعتهم، واقتفى أثرهم، وأطاع أمرهم.
رجال صدقت عهودهم، ووفت وعودهم، وخلص يقينهم، وصفى معينهم، لم يلبسوا الظلم إيمانهم، ولم يشوبوا بشك إنفاقهم، بذلوا الأجساد في طاعتهم، وجادوا بالأرواح في نصرتهم، فأثبتهم سبحانه في ديوان خواصه، وشرفهم بتشريفه واختصاصه، وألحقهم بدرجة سادتهم، ورقى بهم إلى منزل

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 347

قادتهم، لما بذلوا الأرواح والأجساد في جهاد الأعداء طاعة لربهم، وتلقوا الصفاح والصعاد (1) من أكف الأشقياء في حربهم، وقويت بامتثال عزائم الله منهم العزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، جعلهم أشرف أهل الجنة بعد الأنبياء والمرسلين، وسادة الشهداء من الأولين والآخرين.
وكان أعظم من اختص بهذه الصفات السنية،والمقامات العلية، وجعل نفسه جنة لولي أمره، ووقاية لإمام عصره، لما كفر من كفر، وأنكر من أنكر، أصحاب كربلاء الذين أشرقت أنوار العناية على سرائرهم، وبرقت بوارق الكرامة من ضمائرهم، فشاهدوا ما القي إليهم من غيوب البرزخ بأبصار بصائرهم، ولا حظوا قيام الخلق شتاتاً حين مصادرهم،ورأوا سبط نبيهم، ورهط وليهم، قد حفت بساحته كتائب الطغيان، وأحدقت بعرصته مواكب البهتان، قد خلعوا أربقة الايمان من أعناقهم، وقادهم الشيطان بزمام نفاقهم، فاعتقدوه رباً وخالقاًُ ومدبراً ورازقاً فآثروا طاعته على طاعة ربهم، وامتثلوا أوامره بقالبهم وقلبهم، وارتدوا على أدبارهم خاسرين، وأصبحوا بأنعم ربهم كافرين، قد حقت عليهم كلمة العذاب، واستوجبوا سوء العقاب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويهدموا منار الاسلام باعتامهم وسفهائهم، وخذلوا الأطهار من ذرية رسولهم، ونصروا الأشرار بفعلهم وقولهم، فاستحبوا العمى على الهدى، وباعوا الآخرة بالاولى، وكحلوا بمرود الوقاحة أحداقهم، ولووا عن سماع الموعظة أعناقهم، وكفروا بعد إسلامهم،وجعلوا سيد شباب أهل الجنة غرضاً لسهامهم، وأشركوا وألحدوا، وأخلفوا ما أوعدوا، وصبوا شآبيب نبالهم
(1) الصعدة: ... قيل: هي نحو من الألة،والألة أصغر من الحربة.
(لسان العرب: 3/255 ـ صعد ـ )
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 348

على شريف خده، وأوردوا معابل انتقامهم من وريد ولده، وجعلوا عياله يندبن صارخات، ويتوسلن متصرخات.
فعندها بعث روح القدس في عقولهم، وهزتهم أريحية الايمان لما شاهدوا من بنات رسولهم، وجعلوا نحورهم موارد الصفاح، وصدورهم مصادر الرماح، ووجوههم وقاية لولي أمرهم، وجباههم جنة لوسيلتهم إلى ربهم في حشرهم.
ولما صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأصبحو صرعى بين يديه، قد تحملواا الأذى واللأواء، وسبقتهم أعضاؤهم إلى جنة المأوى، واطلع سبحانه على أسرارهم وإعلانهم، فوجدهم لا يزيد على إخلاصهم وإيمانهم، نقلهم إلى جوار حضرته، ونعيم جنته، في قصور عالية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، ورياض زاهية، قد تفجرت عيونها، وراق معينها، وابتسمت أزهارها، وأينعت ثمارها، نعيمها لا يبرح، وساكنها لا ينزح، وظلها مديد، وعيشها رغيد، وأزواجها أطهار، وحورها أبكار، لا يذوقون الموت، ولا يخشون الفوت، سقفها عرش الرحمن، وصعيدها رضا المنان .
ولما فارقت الأرواح منهم الأشباح، وتكاملت بالسعادة الأبدية لهم الأفراح، وسيقوا إلى الجنة زمراً،واستنشقوا رياح الرحمة نشراً، اقيموا على أعتابها، واوقفوا بأبوابها، منتظرين قائدهم،وورود رائدهم، حتى إذا شرب صلوات الله عليه من كأس المنية ما شربوا، ورغب من جوار الله بما فيه رغبوا، أقبلت صفوف الملائكة بين يدي حضرته قائمين، بشرائط خدمته قائلين: أبشر بلقاء جدك وأبيك، وجوار امك وأخيك، فهم إلى رؤيتك مشوقون، ولمقدمك متشوفون.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 349


ولما شاهد صلوات الله عليه شهداء قد سبقوا، وبفناء الجنة أحدقوا، قد حمدوا مشاربهم، وبلغوا مناهم، وشكروا مسعاهم، قد أزلفهم مولاهم، وأتحفهم وحياهم، وقربهم وأدناهم، واطمأنت بهم الدار، وطاب لهم القرار، وزالت المتاعب، وأمنت المصائب، وجمع شملهم بحبيب قلوبهم، وانيلوا من النعيم المقيم زيادة على مطلوبهم، وفتحت لهم أبواب الجنة بأمر رب العالمين، وقيل لهم: « ادخلوها بسلام آمنين» (1). فاستوطنوا من غرفها أعلاها، واستشعروا من حللها أضفاها، وسقوا من كؤوسها أصفاها، وعانقوا من حورها أسناها، تجري من تحت أبنيتهم الأنهار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب « سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» (2).
ولما أحلهم سبحانه دار المقامة، وأنزلهم منازل الكرامة، وأزارهم ملائكة المقربين، ورافق بهم أنبياءه المرسلين « وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين» (3) فأقاموا في نعمة لا حصر لعدها، وداموا في سعادة لا انتهاء لحدها، « يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون» (4).
فيا حسرتي إذ لم أكن من السابقين في حلبتهم، أو المصلين في سبقتهم، المحسوبين في زمرتهم، المعدودين من جملتهم، أتمتع برؤية أوليائي كما
(1) سورة الحجر: 46.
(2) سورة الرعد: 24.
(3) سورة الزمر: 74.
(4) سورة الواقعة: 17 ـ 24.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 350

تمتعوا، وأنقع غليلة أشواقي بمشاهدة ساداتي كما نقعوا، إذا بارك الجليل عليهم من فوق عرشه عمتني بركته، وإذا أرسل جوده إليهم غمرتني رحمته، وإذا علم سبحانه ذلك من خالص نيتي، وصادق طويتي، فالمرجو من فيضه العميم، وفضله الجسيم، أن يلحقني بدرجتهم، ويرقى بي إلى منزلتهم، وأن يبلغ فؤادي بهذه النية الخالصة غاية أمله، فإن نية المرء خير من عمله.

المناجاة


يا حليماً لا يعجل في حكمه، ويا عليماً لا يخرج شيء عن علمه، ويا قاهراً لا يعجزه شيء من مخلوقاته، ويا قادراً على كل من عداه من مصنوعاته، ويا مبدع كل صورة لا من مادة وصورة، ويا من كل نفقس في قبضة قهره مأسورة، ويا من أحيى قلوب أوليائه بزلال محبته، ويا من فطر نفوس أحبائه على مراقبته وطاعته، واستخلصهم لنفسه واصطفاهم، وأيدهم بروح قدسه واجتباهم، وتجلى لهم في ذكره الصادر عن حضرة عزته، فظهر لبصائرهم في بدائع ما اخترع من لطيف صنعته، فشاهدوا كل ما سواه حقيراً في جنب عظمته أسيراً في قبضة مننه، معدوماً بالنسبة إلى وجوب وجوده، موسوماً بسمة الافتقار الى فيضان جوده.
ولما ارتوت أنفسهم القدسية من معين عرفانه، واطلعت أرواحهم العلوية على جلال عظيم سلطانه، بذلوا تلك النفوس الطاهرة في حبه، وطلبوا بهممهم العالية منازل قربه،ووالوا أولياءه بقلوب لا يشوبها شك، وجاهدوا أعداءه بأبدان لا يشيبها شرك، يرون القتل في حبه عز الآخرة والاولى، والموت في طاعته وسيلة إلى السعادة الكبرى، كشف لهم الحجاب فشاهدوا ما ستر عن

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 351


السابق السابق الفهرس التالي التالي