تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 251

غيرهم، وحثوا الركاب فنالوا المنى بسيرهم.
ولما علموا أنهم لا يمنعهم من حصول المطلوب بوصال المحبوب، ولا يحجبهم عن السر المحجوب في سترات الغيوب، إلا خلع ملابس الحياة الفانية، والتجرد عن خيالات النفس الواهية، والاتصال بالمبدع الأكمل، والترقي إلى المقام الأفضل.
بذلوا الأجساد والأموال لتخليص أنفسهم من كدورات ظلمات أبدانها، وبالغوا في إخراجها عن محل متاعها وحوادث أزمانها، وباعوها من ربها بالثمن الأوفى، وبذلواها لمالكها بالعوض الأعلى، وجاهدوا أعداءه إعلاءً لكلمته، ونصروا أولياءه إخلاصاً بطاعته حتى خلصت أنفسهم من سجون أحسادها، وبلغت أرواحهم من السعادة الأبدية أقصى مرادها، فأصبحوا في عرصة كربلاء بين مخذول قد فقدت منه الأنصار، ومقتول تسفي عليه عواصف الأعصار، وظمآن سقى نهلته بكؤوس الحتوف، ولهفان لم تنقع غلته إلا غروب السيوف.
أسألك بحق تلك الأرواح المبذولة في محبتك، والأشباح المنبوذة في نصرتك، والأوداج المقطعة في إعلاء كلمتك، والأشباح المبضعة لتأييد حجتك، وبحق تلك النفوس التي قواعد إيمانها على التقوى مؤسسة، وبحق تلك الأبدان التي اصول مجاريها بطهور العصمة مقدسة، وبحق تلك الضرائح التي هي مهابط متقربي ملائكتك، وبحق تلك المشاهد التي شرفت ثراها بأجساد اوليائك وخاصتك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعلنا ممن جل مصابه لمصيبتهم، وعظم بلاؤه لبليتهم، وأضرمت نيران الأحزان شواظها في فؤاده، وأوردته موارد الأشجان في إصداره وإيراده، وأغرقت في لجة العبرات إنسان

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 352

مقلته، وأحرقت بتصاعد الزفرات لهفان مهجته، وأن يكشف كربنا بقيام قائمهم الداعي إليك، وأن تدفع غمنا بظهور عالمهم الدليل عليك، وأن تجعلهم شفعاءنا إليك في حشرنا، ووسائلنا لديك يوم نشرنا، إنك سميع قريب، رحيم مجيب.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 353



فصل
ثم إن عمر بن سعد لعنة الله عليه ارتحل في اليوم الثاني عشر من مقتل الحسين عليه السلام وساق حرم رسول الله عليه وآله كما يساق الاسارى، حافيات حاسرات مسلبات باكيات يمشين في أسر الذل، حتى إذا وصل الكوفة خرج الناس لاستقباله، فجعلوا يبكون ويتوجعون، وعلي بن الحسين عليه السلام مريض قد نهكته العلة، فجعل يقول: إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا، فمن قتلنا؟!
قال بشير بن خزيم (1) الأسدي: نظرت إلى زينب بنت علي عليه السلام فلم أر خفرة قط أنطق منها كأنما تفرغ من (2) لسان أمير المؤمنين عليه السلام، فأومت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأصوات، فقالت:
الحمد لله، والصلاة على محمد (3) رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار.
يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، فإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم.
(1) في المقتل: حذيم، وفي مستدركات علم الرجال: 2/37: جزيم.
(2) في المقتل: كأنما تنطق عن.
(3) في المقتل: أبي محمد، وفي الملهوف: جدي محمد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 354


ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق (1) الاماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة، أو كقصة (2)(على) (3) ملحودة.
ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، (فلقد) (4) ذهبتم بعارها وشنارها، ولم ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل(خاتم) (5) الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة غداً، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة ألسنتكم.
ألا ساء ما تزرون، فبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبوئتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله صلى الله عليه وآله فريتم؟! وأي دم له سفكتم؟ (وأي كريمة له أبرزتم؟!) (6) واي حريم له أصبتم؟! وأي حرمة له انتهكتم؟! « لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا» (7) إن (ما) (8) جئتم بها (لصلعاء عنقاء سوداء فقماء) (9) خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء.
(1) كذا في المقتل والملهوف، وفي الأصل: قلق.
والصلف: الوقاحة. النطف: التلطخ بالعيب. الشنف: الكراهة والبغض.
(2) كذا في المقتل، وهو الصحيح، وفي الأصل والملهوف: كفضة.
والقصة: الجصة بلغة أهل الحجاز.
(3 و 4 و 5 و 6 و 8 و 9) من المقتل.
(7) سورة مريم: 89 و 90.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 355

أعجبتم أن مطرت (1) السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة (أشد و) (2) أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا وإن ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أول النحل وآخر صاد. (3).
قال بشير: فوالله (4) لقد رأيت الناس حيارى يومئذ يبكون وقد وضعوا أيديهم (5) في أفواههم، ورأيت شيخاً من قدماء أهل الكوفة وقد بكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت المرأة، كهولهم خير كهول، وشبانهم خير شبان، ونساؤهم إذا نطقن أنطق النسوان (ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى). (6)
وروى زيد بن موسى (7)، قال: حدثني أبي، عن جدي عليه السلام، قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردت (8) من كربلاء، فقالت:
الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به
(1) في المقتل: قطرت.
(2) من المقتل.
(3) أي قوله تعالى في سورة النحل: 1 : « أتى أمر الله فلا تستعجلوه»، وقوله تعالى في سورة ص: 88: « ولتعلمن نبأه بعد حين».
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: فوت الثار، وإن ربك لبالمرصاد. قال: فوالله.
(5) كذا في المقتل، وفي الأصل: وقد ردوا أبدانهم.
(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/40 ـ 42، الملهوف: 190 ـ 194. ومابين المعقوفين أثبتناه من المقتل.
(7) هو زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، توفي نحو سنة «250» هـ.
انظر في ترجمته، مقاتل الطالبيين: 534، جمهرة الأنساب: 55، الكامل في التاريخ: 6/104، الأعلام للزركلي: 3/61.
(8) في الملهوف: وردت.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 356

وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله، وأن ذبحوا آله بشط (1) الفرات بغير ذحل (2) ولا ترات.
اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصية علي بن أبي طالب عليه السلام، المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب كما قتل والده بالأمس في بيت من بيوت الله، فيه معشر مسلمة ألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه (اللهم) (3) فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته يا رب بالاسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، لم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلى الله عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً (لك) (4) في سبيلك، رضيته فهديته (5) إلى صراط مستقيم.
أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا، وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله على كثير ممن خلق تفضيلاً بيناً.
(1) في الملهوف: وأن ذريته ذبحوا بشط.
(2) الذحل: الحقد والعداوة، يقال: طلب بذحله، أي بثأره. (الصحاح: 4/1701 ـ ذ حل ـ ).
(3 و 4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: رضيته فاخترته وهديته.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 357


فكذبتمونا وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً، كأنا أولاد ترك وكابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين.
فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور، أمثالكم (1)، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق (2) بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.
ويلكم، اتدرون أي أيد طاعنتنا منكم؟ وأي (3) نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست والله (4) قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع على أفئدتكم، ختم على سمعكم وبصركم (5)، وسول لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
تباً لكم يا أهل الكوفة، (أي) (6) ترات لرسول الله صلى الله عليه وآله
(1) في الملهوف: تباً لكم.
(2) في الملهوف: فيسحتكم بعذاب ويذيق.
(3) في الملهوف: أيد يدٍ ... وأية.
(4) لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.
(5) في الملهوف: أسماعكم وابصاركم.
(6) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 358

قبلكم، وذحول له لديكم بما عنتم (1) بأخيه علي بن أبي طالب عليه السلام جدي وبنيه عترة النبي الطاهرين الأخيار.
وافتخر بذلك مفتخركم (2)، فقال:
نحن قتلنا علياً وبني علي (3) بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك ونطحناهم فأي نطاح

بفيك أيها القائل الأثلب والكثكث (4)، افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى أبوك،وإنما لكل امرىء ما اكتسب وما قدمت أوائله (5)، حسدتمونا ـ ويلا ً لكم ـ على ما فضلنا الله به.
فما ذنبنا إن جاش دهراً بحورنا وبحرك ساج ما يواري الدعامصا (6)
« ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» (7) « ومن لم يجعل الله نوراً فما له من نور» (8).
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد
(1) في الملهوف: عند تم.
(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: وافتخر مفتخر.
(3) كذا في الملهوف، وفي الأصل: قد قتلنا علي وابن علي.
(4) في (ح): الأثلب والكثكث ـ بكسر الهمزة في الأول والكافين في الثاني ـ : لفظان مترادفان يعني دقاق التراب والحجر يستعملان في الحقارة والذم.
(5) في الملهوف: يداه.
(6) الدعموص: دويبة تغوص في الماء. (الصحاح: 3/1040 ـ دعمص ـ ).
(7) سورة الحديد: 21.
(8) سورة النور: 40.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 359

أحرقت قلوبنا، وأنضجت (1) نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت.
قال: وخطبت ام كلثوم بنت علي عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها، رافعة صوتها بالبكاء، وقالت:
يا أهل الكوفة، شوه (2) لكم، ما لكم خذلتم حسيناً (وقتلتموه، وانتهبتم أمواله، وورثتموه، وسبيتم نساءه) (3) ونكثتموه؟ فتباً لكم وسحقاً.
ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتموها؟ (وأي كريمة اهتضمتموها؟ وأي صبية سلبتموها؟ وأي أموال نهبتموها؟) (4) قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه وآله، ونزعت الرحمة من قلبوكم، الا إن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
ثم قالت:
قتلتم أخي صبراً فويل لأمكم ستجزون ناراً حرا يتوقد (5)
سفكتم دماء حرم الله سفكها وحرمها القرآن ثم محمد
ألا فابشروا بالنار إنكم غداً لفي سقر حقاً يقيناً تخلدوا
(1) في الملهوف: وأنضحت.
(2) في الملهوف: سوءاً.
(3) من الملهوف. وفيه : (ونكبتموه) بدل(ونكثتموه).
(4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: لفي قعر نار حرها يتصعد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 360

وإني لأبكي في حياتي على أخي على خير من بعد النبي سيوجد (1)
بدمع غزير مستهل مكفكف على الخد مني دائماً (2) ليس يحمد

قال: فضج الناس بالبكاء والحنين (3) والنوح، ونشرت النساء شعورها ووضعن التراب على رؤوسها، وخمشن الوجوه، وضربن الخدود (4)، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال(ونتفوا لحاهم) (5)، فلم ير باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم.
ثم إن زين العابدين عليه السلام أومأ إلى الناس أن اسكتوا (فسكتوا) (6)، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، ذكر النبي (بما هو أهله) (7) فصلى عليه، ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا (أعرفه بنفسي: أنا) (8) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، واستلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً.
أيها الناس، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه
(1) في الملهوف: سيولد.
(2) في الملهوف: دائب.
(3) في الملهوف: قال الراوي: فضج الناس بالبكاء والنحيب.
(4) في الملهوف: ونشرت النساء شعورهن، وحثين التراب على رؤوسهن، وخمشن وجوههن، ولطمن خددوهن.
(5 و 6 و 7 و 8) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 361

وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟! فتباً لما قدمتم لأنفسكم، وشوهاً (1) لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله غداً إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي؟!
قال (الراوي) (2): فارتفعت اصوات الناس بالنحيب من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.
فقال صلوات الله عليه: رحم الله امرءً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي، في الله وفي رسوله وآهل بيته، فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وآله اسوة حسنة.
فقال الناس كلهم باجمعهم: نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامكم (3)، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا.
فقال عليه السلام: هيهات هيهات، أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين ما تشتهي أنفسكم (4)، أتدرون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي (5) من قبل؟! كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسني ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله وثكل أبي وبني
(1) في الملهوف: وسوءاً.
(2) من الملهوف.
(3) في الملهوف: لذمامك.
(4) في الملهوف: وبين شهوات أنفسكم.
(5) في الملهوف: أبي.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 362

أبي، ووجده بين لهواتي (1)، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي ألا تكونوا لنا ولا علينا.
ثم قال صلوات الله عليه:
لا غرو إن قتل الحسين فشيخه قد كان خيراً من حسين وأكرما
فإن تفرحوا يا أهل كوفان بالذي أصاب حسيناً كان ذلك أعظما
قتيل بشط النهر روحي فداؤه وإن الذي ارداه يجزى جهنما (2)

ثم قال عليه السلام: رضينا منكم رأساً برأس، فلا يوم لنا ولا يوم علينا. (3)
قال (الراوي) (4): ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن للناس إذناً عاماً، وجيء برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه، وأدخل نساء الحسين وبناته وأخواته وصبيانه (إليه) (5).
فجلست زينب بنت علي سلام الله عليها متنكرة، فسأل عنها؛ فقيل : هذه زينب بنت علي.
فأقبل عليها، فقال لعنة الله عليه: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب
(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: لهاتي.
(2) في الملهوف: جزاء الذي ارداه نار جهنما.
(3) في الأصل ـ خ ل ـ : فلا اليوم لنا واليوم علينا، وفي الملهوف: فلا يوم لنا ولا علينا.
(4 و 5) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 363

احدوثتكم!!
فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا.
فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
فقالت: ما رأيت إلا جميلاً، وهؤلاء قوم كتب (1) عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم ـ يا ابن زياد ـ فيحاجون ويخاصمون (2)، فانظر لمن الفلج يومئذ (3)، هبلتك امك يا ابن مرجانة.
(قال الراوي:) (4) فغضب ابن زياد فكأنه هم بها، فقال عمرو بن حريث: إنها إمرأة (5)، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.
فقال ابن زياد: يا زينب، شفيت نفسي من طاغيتك (6) الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.
فقالت زينب: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد لعنه الله: هذه سجاعة، ولقد كان أبوها شاعراً سجاعاً.
(1) في الملهوف: كتب الله.
(2) في الملهوف: فتحاج وتخاصم.
(3) كذا في الملهوف، وفي الأصل: فانظر يومئذ الفلج.
(4) من الملهوف.
(5) في الملهوف: فقال له عمرو بن حريث: أيها الأمير إنها امرأة.
وعمرو هذا هو: عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي، كانت داره مأوى لأعداء أهل البيت عليهم السلام، ولي الكوفة لزياد بن أبيه ولابنه عبيدالله، مات سنة (85) هـ. (سير أعلام النبلاء: 3/417 ـ 419، الأعلام: 5/76).
(6) في الملهوف: فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 364


فقالت: يا ابن زياد، ما للمرأة والسجاعة؟ إن لي عن السجاعة لشغلاً.
فالتفت ابن زياد إلى علي بن الحسين، فقال: من أنت؟
فقال: أنا علي بن الحسين.
فقال: ألم يقتل الله (1) علي بن الحسين؟ فسكت.
فقال: ما لك لا تتكلم؟
فقال: كان لي أخ يقال له علي (2)، قتله الناس ـ أو قال: قتلتموه ـ وان له منكم مطلباً يوم القيامة.
فقال الملعون: بل الله قتله.
فقال علي بن الحسين عليه السلام: « الله يتوفى الأنفس حين موتها» (3)، « وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً» (4).
فقال الملعون: أنت والله منهم، وبك جرأة على جوابي، اذهبوا به، فاضربوا عنقه.
فسمعت عمته زينب، فقالت: يا ابن زياد، إنك لم تبق منا أحداً، فإن كنت قد عزمت على قتله فاقتلني معه.
فقال علي بن الحسين: اسكتي يا عمة حتى اكلمه.
(1) في الملهوف: أليس قد قتل الله؟
(2) في الملهوف: كان لي أخ يسمى علي بن الحسين.
(3) سورة الزمر: 42.
(4) سورة آل عمران: 145.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 365


ثم أقبل عليه (1)، فقال: أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة؟
فقال ابن زياد: دعوه ينطلق مع نسائه، اخرجوهم عني، فأخرجوهم إلى دار في جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب: لا يدخلن علينا عربية إلا ام ولد أو مملوكة، فإنهن سبين وقد (2) سببنا. (3)
ثم أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فوضع في طشت بين يديه فجعل ينكت بقضيب في وجهه وقال: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط، وكان يشبه (4) وجه رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقيل: إن ابن زياد أرسل إلى أبي برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: كيف شأني وشأن الحسين؟
قال أبو برزة: الله أعلم، فما علمي بذلك؟
فقال: إنما أسألك عن علمك؟
قال: أما إذا سألتني فإن الحسين يشفع فيه رسول الله جده صلى الله عليه وآله ويشف لك زياد.
فقال: اخرج، لو لا ما جعلت لك لضربت عنقك.
وروى (محمد بن) (5) خالد الضبي، عن إبراهيم؛ قال: لو أني كنت ممن
(1) في الملهوف: إليه.
(2) في الملهوف: كما.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 194 ـ 202.
(4) في المقتل: فقلت: أما إنه كان يشبه.
(5) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 366

قاتل الحسين ثم أتيت بالمغفرة من ربي فادخلت الجنة لاستحييت من محمد صلى الله عليه وآله ان أمر عليه فيراني.
وعن زيد بن أرقم: قال: كنت جالساً عند عبيد الله بن زياد إذ أتى برأس الحسين صلى الله عليه فوضع بين يديه فأخذ قضيبة فوضعه بين شفتيه، فقلت: إنك تضع قضيبك في موضع طالما لثمه رسول الله صلى الله عليه وآله! فقال: قم إنك شيخ قد ذهب عقلك.
ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج وهو يقول: ملك عبد حراً، أنتم ـ يا معشر العرب ـ العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم،ويستعبد شراركم، رضيتم بالذل فبعداً لمن رضي. (1)
وعن شهر بن حوشب: قال: لما جاء نعي الحسين عليه السلام لعنت ام سلمة رضي الله عنها أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله تعالى، غروه وأذلوه لعنهم الله.
قيل: إن أول ذل دخل على العرب قتل الحسين وادعاء زياد. (2)
ذكر سيدنا السيد الجليل فخر آل الرسول علي بن موسى بن محمد الطاوس الحسني رضي الله عنه ان ابن زياد لعنه الله أمر برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة.
ثم قال رضي الله عنه: ويحق أن أتمثل بابيات لبعض ذوي العقول يرثي

(1) من قوله : « ثم رفع يزيد » الى هنا اخرجه المجلسي رحمه الله في البحار : 45/ 117 عن كتابنا هذا . وكذا البحراني في عوالم العلوم : 17 / 384 .
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : 2/ 41 ـ 46.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 367

بها قتيل آل الرسول:
رأس ابن بنت محمد ووصيه للناظرين على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع لا منكر منهم ولا متفجع
كحلت بمنظرك العيون عماية وأصم رزؤك كل اذن تسمع
أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع
ما روضة إلا تمنت أنها لك حفرة ولخط قبرك موضع (1)

قال: ثم خرج ابن زياد لعنه الله ودخل المسجد، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أميرالمؤمنين يزيد وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب!!
قال: فما زاد على هذا الكلام شيئا حتى وثب إليه عبدالله بن عفيف الأزدي، وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل، والاخرى يوم صفين، وكان لا يكاد أن يفارق المسجد (2) الأعظم يصلي فيه إلى الليل، ثم ينصرف إلى منزله، فلما سمع مقالة اللعين وثب إليه قائماً وقال: يا ابن مرجانة، إن الكذاب وابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله، أتقتلون أبناء خير النبيين (3) وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟
فغضب ابن زياد، ثم قال: من المتكلم؟
فقال: أنا المتكلم، يا عدو الله، أتقتل الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنها
(1) في الملهوف: مضجع.
(2) في الملهوف: وكان يلاز م المسجد.
(3) في الملهوف: أتقتلون أولاد النبيين.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 368

الرجس في كتابه وتزعم أنك على دين الاسلام؟ واغوثاه، اين أبناء المهاجرين والأنصار، (ينتقمون منك و) (1) من طاغيتك اللعين بن اللعين على لسان محمد نبي رب العالمين؟
قال: فازداد غضب عدو الله، ثم قال: علي به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه فنادى بشعار الأزد وعبدالرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال: ويحك أهلكت نفسك وقومك، وكان في الكوفة يومئذ سبعمائة (مقاتل) (2) من الأزد، فوثبوا إليه وانتزعوه منهم، وانطلقوا به إلى منزله، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر، ودخل عليه أشراف الناس، فقال: أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟
فقالوا: قد رأينا أصلح الله الأمير، وإنما الأزد فعلت ذلك فشد يدك على ساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك، فأرسل ابن زياد إلى عبدالرحم ن بن مخنف الأزدي فأخذه، وأخذه معه جماعة من (أشراف) (3) الأزد فحبسهم، وقال: لاخرجتم من يدي أن تأتوني بعبدالله بن عفيف، ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن الأشعث وشبث بن ربعي وجماعة من أصحابه، وقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى الله قلبه كما أعمى بصرى فائتوني به.
وانطلقت رسل اللعين، يريدون ابن عفيف، وبلغ ذلك الأزد فاجتمعوا، واجتمع معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم عبدالله بن عفيف.
وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث
(1) من الملهوف.
(2 و 3) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 369

وأمره (1) بقتال القوم.
قال: فأقبلت قبائل مضر نحو قبائل اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى أصحابه يوثبهم ويضعفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن عليهم، وبعث إليه شبث بن ربعي: أيها الأمير، إنك أرسلتنا إلى اسود (2) الآجام فلا تعجل.
قال: واشتد قتال القوم حتى قتل بينهم جماعة من العرب.
ووصل القوم إلى دار عبدالله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه، وصاحب ابنته: يا أباه، أتاك القوم من حيث تحذر.
فقال: لا عليك يا ابنتي ناوليني سيفي، فناولته السيف، فأخذه وجعل يذب عن يمينه وشماله بسيفه (3) ويقول:
أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر عفيف شيخي وابن ام عامر
كم دارع من جمعكم وحاسر وبطل جندلته مغاور؟

وجعلت ابنته تقول: القوم عن يمينك، القوم عن يسارك، يا ليتني كنت رجلاً فاقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة.
وجعل القوم يدورون حوله عن يمينه وشماله ومن ورائه وهو يذب عن
(1) في الملهوف: وأمرهم.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: سواد.
(3) في المقتل والملهوف: وجعل يذب عن نفسه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 370

نفسه بسيفه وليس أحد يقدم عليه، ثم تكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه.
فقال جندب بن عبدالله الأزدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اخذ والله عبدالله بن عفيف، فقبح العيش (1) من بعده، وقام ثم قاتل من دونه فاخذ أيضاً، وانطلق بهما إلى ابن زياد لعنه الله وعبدالله يقول:
اقسم لو يكشف (2) لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري

فلما ادخلا على ابن زياد قال لعبد الله: الحمد لله الذي أخزاك.
قال عبدالله: وبما أخزاني، يا عدو الله؟
والله لو يكشف لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري

فقال له ابن زياد: يا عدو نفسه، ما تقول في عثمان؟
فقال: يا ابن مرجانة، ويا ابن سمية الزانية (3)، ما أنت وعثمان أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد؟ والله تعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل، ولكن سلني عنك، وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه.
فقال ابن زياد: لا أسألك عن شيء إلا أن تذوق الموت.
فقال ابن عفيف: الحمد لله رب العالمين، أما إني كنت أسأل ربي أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك مرجانة، وسألته أن يجعل ذلك على يد ألعن خلق
(1) في المقتل: أخذوا والله... فقبح الله العيش.
(2) في الملهوف: يفسح.
(3) في المقتل: يابن سمية، يا عبد بني علاج.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 371

الله وأبغضه إليه، فلما ذهب بصري أيست من الشهادة، والآن الحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الإجابة منه لي في قديم دعائي.
فقال ابن زياد لعنه الله: اضربوا عنقه، فضربت وصلب رحمه الله. (1)
ثم دعا ابن زياد لعنه الله بجندب بن عبدالله رضي الله عنه، فقال: يا عدوه الله، ألست صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟
قال: نعم، وما زلت له ولياً، ولكم عدواً، ولا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر ولا أتنصل.
فقال ابن زياد: أما إني أتقرب إلى الله بدمك.
فقال جندب: والله ما يقربك دمي إلى الله تعالى، ولكن يباعدك منه، وبعد فلم (2) يبق من عمري إلا أقله، وما أكره أن يكرمني الله بهوانك.
فقال لعنه الله: أخرجوه عني فإنه شيخ قد خرف وذهب عقله، فاخرج وخلي سبيله.
ثم دعا بعبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فقال: ما هذه الجماعة على بابك؟
فقال: ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبنا، وأنا لك سامع مطيع وإخوتي جميعاً، فسكت ابن زياد، وخلى سبيله وسبيل أصحابه. (3)
(1) زاد في الملهوف: في السبخة.
(2) في المقتل: وبعد فإني لم.
(3) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 2/52 ـ 55، الملهوف على قتلى الطفوف: 203 ـ 207.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 372

وكان ابن زياد حين قتل الحسين عليه السلام أرسل يخبر يزيد بذلك، وكتب أيضاً إلى عمرو بن سعيد بن العاص ابن أخ عمرو بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك.
فأما عمرو بن سعيد فحيث (1) وصله الخبر صعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك، فعظمت واعية بني هاشم، وأقاموا سنن المصائب والمآتم، وكانت زينب بنت عقيل تندب الحسين عليه السلام وتقول:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

قال: فلما جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفاً يقول:
أيها القاتلون جهلاً (2) حسيناً أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل من في السماء يدعو عليكم من نبي ومرسل وقبيل (3)
(1) في الملهوف: فحين.
(2) في الملهوف: ظلماً.
(3) في الملهوف: يبكي عليه ... من نبي وشاهد ورسول.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 373

قد لعنتم على لسان ابن داود وموسى (1) وصاحب الإنجيل

وأما يزيد فلما قرأ كتاب ابن زياد أرسل إليه يأمره بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحابه ومن قتل معه، وأمره بحمل أثقاله ونسائه وعياله وأطفاله، فاستدعى ابن زياد بمحفر بن ثعلبة العائذي (2) وسلم إليه الرؤوس والاسارى والنساء ومعهم علي بن الحسين وأخواته وعماته وجميع نسائه إلى يزيد، فسار بهم محفر حتى دخل الشام كما يسار بسبايا الكفار، ويتصفح وجوههم أهل الأقطار. (3)
وروى سيدنا فخر العترة وجمال الاسرة علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني رضي الله عنه عن ابن لهيعة وغيره حديثاً أخذنا منه موضع الحاجة، قال: كنت أطوف بالبيت وإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك فاعلاً.
فقلت: يا عبدالله، اتق الله ولا تقل مثل هذا، فلو أن ذنوبك مثل قطر الأمطار (4)، وروق الأشجار واستغفرت الله لغفر لك، فإنه غفور رحيم.
(1) كذا في الملهوف، وفي الأصل: عيسى.
(2) كذا في الملهوف، وفي الأصل: مخفر بن ثعلبة العابدي.
وهو محفر بن ثعلبة بن مرة بن خالد، من بني عائذة، من خزيمة بن لؤي، من رجال بني امية في صدر دولتهم.
انظر في ترجمته: نسب قريش 441، جمهرة الأنساب: 165، أعلام الزركلي: 5/219.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 207 ـ 208.
(4) في الملهوف: الأمصار.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 374


فقال: تعال حتى اخبرك بقصتي فأتيته، فقال: اعلم أنا كنا خمسين نفراً ممن سار برأس الحسين إلى الشام، وكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حوله، فشرب أصحابي ليلة حتى إذا سكروا ولم أشرب معهم وجن علينا الليل سمعت رعداً أو رأيت برقاً وإذا بأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه وآله ومعهم جبريل وخلق كثير من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، فأخرج الرأس فضمه إلى نفسه وبكى وقبله، ثم فعل الأنبياء كذلك والملائكة كلهم وبكى النبي صلى الله عليه وآله على رأس الحسين عليه السلام وعزاه الأنبياء.
وقال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله: يا محمد، إن الله تعالى أمرني أن اطيعك في امتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يا جبرئيل، فإن لي معهم (1) موقفاً بين يدي الله يوم القيامة، ثم جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان يا رسول الله.
فقال: اذهب لا غفر الله (2)لك. (3)
(1) في الملهوف: فإن لهم معي.
(2) لفظ الجلالة أثبتناه من الملهوف.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 208 ـ 209، عنه عوالم : 17/425.