= يخطب على منبره في مسجد الكوفة فقال في خطبته: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لاتسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة.
قال: فقام إليه رجل فاجر فاسق، وقال: يا علي، اخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟
فقال له الإمام عليه السلام: لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله ونبأني بما سألت عنه، وانه على كل طاقة شعر من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك، وان لك ولداً رجساً ملعوناً يقتل ولدي وفرخي وقرة عيني الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت وولدك بريئان من الايمان، ولولا أن الذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به، ولكن حسبك فيما نبأتك به من لعنك ورجسك وولدك الملعون الذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحسين عليه السلام.
قال: وكان له ولد صغير في ذلك الوقت، فلما نشأ وكبر وكان من أمر الحسين عليه السلام ما كان نما الصبي وتجبر وتولى قتل الحسين عليه السلام.
وقيل: إن ذلك الصبي كان اسمه خولي بن يزيد الأصبحي، وهو الذي طعن الحسين عليه السلام برمحه فخرج السنان من ظهره فسقط الحسين عليه السلام على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربه. (فخر الدين صاحب مجمع البحرين) (المنتخب: 165).
(1) من المقتل.
(2) في المقتل: في.
(3) في المقتل: وكاشف الخطوب والأهوال.
(4) ذكر في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 4: رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم.
(5) ما يتعلق بمصرع العباس بن علي عليه السلام والأرجاز نقله المؤلف رحمه الله من =
= مناقب ابن شهراشوب: 4/108.
(1) المصلات: الشجاع، الماضي في الحوائج.
(2) الصحيح: زيد بن رقاد. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 2.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: الحكم.
(1) سورة آل عمران :23 و 34 .
(2) في المقتل : نحن وبيت الله اولى بالنبي .
(3) في المقتل : حتى يلتوي .
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
312
فبكى الحسين عليه السلام، وقال: يا بني، يعز على محمد صلى الله عليه وآله، وعلى علي بن أبي طالب عليه السلام، وعلي (1) أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.
يا بني، هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه، وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً، فرجع عليه السلام إلى القتال، وهو يقول:
الحرب قد قامت (2)ها الحقائق
وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق
جموعكم أو تغمد البوارق
فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثم ضربه مرة بن منقذ (3) العبدي لعنه الله على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق عليه السلام فرسه، فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً.
فلما بغلت الروح (4) التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه، هذا جدي رسول
(1) في المقتل: وعلى أبيك.
(2) في المقتل والبحار: بانت.
(3) كذا الصحيح، وفي الأصل والمقتل والبحار: منقذ بن مرة.
وهو مرة بن منقذ بن النعمان الكندي. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 150 رقم 8.
(4) في المقتل: روحه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
313
الله صلى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول(لك) (1): العجل العجل، فإن لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة.
فصاح الحسين عليه السلام وقال: قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله (2) وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول؟! على الدنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، ويا نور عيناه، فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي عليه السلام، وجاءت وانكبت عليه فجاء (إليها) (3) الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه، فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمام (4)
قال: وخرج غلام من تلك الأبنية وفي اذنيه درتان (5)، وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، فحمل عليه هانىء بن ثبيت لعنه الله، فقتله، فصارت شهربانوا تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة.
ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال، والتفت (عن) (6)
(1 و 3) من المقتل.
(2) في البحار: الرحمن.
(4) في (ح) فنظر الحسين بطرفه إلى السماء وقال: اللهم أنت الشاهد على القوم الذين قتلوا أشبه الخلق بنبيك.
(1) من المقتل.
(2) في (ح) ونقل انه لما قتل العباس تدافعوا الرجال على الحسين عليه السلام وأصحابه، فلما نظر ذلك منهم نادى بالقوم: أما من مجير يجيرنا؟ أما من مغيث يغيثنا؟ أما من طالب حق ينصرنا؟ أما من خائف من النار يذب عنا؟ أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل الصغير فإنه لا يطيق الظمأ؟
فقام إليه ولده الأكبر شبيه الرسول، فقال: أنا أتيك بالماء يا سيدي.
= فقال: امض بارك الله فيك.
قال: فأخذ الركوة بيده واقتحم الشريعة وملأ الركوة فأقبل بها نحو أبيه عليه السلام وقال: الماء طلبت، يا أبي، اسق آخي الصغير فإنه لا يطيق العطش، فإن بقي شيء فصبه علي، فإني والله عطشان.
فبكى الحسين عليه السلام من قوله وأجلس ولده الصغير على فخذه وأخذ الركوة وقربها إلى فمه، فلما هم وأراد أن يشرب الطفل الماء أتاه سهم مسموم فوقع في حلقه فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً، فبكى الحسين عليه السلام ورمى الركوة من يده، الفخري مؤلف مجمع البحرين. (المنتخب: 443).
(1) في البحار: قتلوا.
(2) من البحار.
(3) يقال: وكف البيت بالمطر: تقاطر وسال قليلاً، والهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
316
فاطم الزهراء امي وأبي
قاصم الكفر ببدر وحنين
عبدالله غلاماً يافعاً
وقريش يعبدون الوثنين
يعبدون اللات والعزى معاً
وعلي كان صلى القبلتين
وأبي شمس وامي قمر
فأنا الكوكب وابن القمرين
وله في يوم احد وقعة
شفت الغل بفض العسكرين
ثم في الأحزاب والفتح معاً
كان فيها حتف أهل الفيلقين
في سبيل الله ماذا صنعت
امة السوء معاً بالعترتين
عترة البر النبي المصطفى
وعلي القرم (1) يوم الجحفلين (2)
ثم وقف صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيساً من الحياة، عازماً على الموت، وهو يقول:
أنا ابن علي الطهر (3) من آل هاشم
كفاني بهذا مفخراً حين أفخر
وجدي رسول الله أكرم من مضى
ونحن سراج الله في الأرض (4) نزهر
وفاطم امي من سلالة أحمد (5)
وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر
(1) في البحار: الورد.
(2) انظر الأبيات أيضاً في: الاحتجاج: 301، الفتوح لابن أعثم: 5/210، مطالب السؤول: 2/29، كشف الغمة: 2/27، عبرات المصطفين: 2/93.
(3) في المقتل: الخير.
(4) في البحار: الخلق.
(5) في المقتل: وفاطمة امي ابنة الطهر أحمد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
317
وفينا كتاب الله انزل صادقاً (1)
وفينا الهدى والوحي بالخير بذكر
ونحن أمان الله للناس (2) كلهم
نسر بها في الأنام ونهجر
ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا
بكأس رسول الله ما ليس ينكر (3)
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة (4)
ومبغضنا يوم القيامة يخسر
وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين عليه السلام من إنشائه، وقال: وليس لأحد مثلها:
وإن تكن الدنيا تعد نفيسة
فإن ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت انشئت
فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً
فقلة سعي المرء في الكسب أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها
فما بال متروك به المرؤ يبخل؟
(1) في المقتل: صادعاً.
(2) في المقتل: في الخلق.
(3) في المقتل: نسقي محبتنا ... بكأس وذاك الحوض للسقي كوثر.
(4) في المقتل: فيسعد فينا في القيام محبنا.
(1) من المقتل.
(2) من هنا إلى قوله: (من كل جانب) نقله المؤلف رحمه الله من مناقب ابن شهراشوب: 4/110.
(3) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
319
فناداه شمر، فقال: ما تقول، يا ابن فاطمة؟
قال: أقول: انا الذي اقاتلكم وتقاتولني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً.
فقال شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم.
قال: فقصدوه القوم وهو في ضمن ذلك يطلب شربة ماء، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه أجمعهم حتى أحالوه (1) عنه، ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته،فقال صلوات الله عليه، اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً.
ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلا بعجه بسيفه فقتله، والسهام آخذة له من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره، ويقول: يا امة السوء ، بئسما خلفتم محمداً في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.
قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: وبماذا ينتقم لك منا؟
قال: يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب
(1) مناقب ابن شهراشوب : 4/ 110 _ 111، عنه البحار : 45 / 52 ، وعوالم العلوم :
17/ 295
(2)كذا في المقتل والبحار ، وهو الصحيح ، وفي الاصل : التراب
(3) في المقتل : قلبه
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
321
الجرح، فلما امتلأت (دماً) (1) رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانياً، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان.
ثم ضعف عليه السلام عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه (وكره أن يلقى الله بدمه) (2)، حتى جاء رجل من كندة يقال له مالك بن النسير (3) لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس (4) فقطع البرنس فامتلأ دماً.
فقال له الحسين عليه السلام: لا أكلت بها ولا شربت (5)، وحشرك الله مع الظالمين، ثم ألقى البرنس وليس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيى، وجاء الكندي وأخذ البرنس، وكان من خز، فلما قدم (به) (6) بعد الوقعة على امرأة فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته، أتدخل بيتي سلب ابن رسول الله؟ اخرج عني حشى الله قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيرأ بأسوء حال ويبست يداه، وكانتا في الشتاء ينضحان دماً، وفي الصيف يصيران يابستين كأنهما
(1 و 2 و 6) من المقتل.
(3) كذا ضبطه في الكامل في التاريخ: 4/75،لكنه عاد وسماه مالك بن بشير البدي، وذلك في ص 239 حينما أحضره المختار رحمه الله فأمر بقطع يديه ورجليه وترك يضطرب حتى مات.
وفي المقتل والملهوف: النسر، وفي والأصل: البشير، وفي البحار: اليسر.
(4) البرنس: القلنسوة الطويلة.
(5) في المقتل: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها.
(1) في المقتل: فنزل إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل: بل شمر.
(2) من المقتل: وفيه (رأيته) بدل (رأيتك).
(3) من قوله: (ولما قتل أصحاب الحسين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/32 ـ 56 عن كتابنا هذا.
(4) انظر في أسماء من سلبه عليه السلام: مناقب ابن شهراشوب: 4/111.
(5) كذا في الكامل: 4/80 ووقعة الطف: 255، وفي الأصل غير مقروءة، وفي الملهوف: =
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2
324
الحضرمي، وقطيفته من خز قيس بن الأشعث الكندي، وسرواويله بحير بن عمرو الجرمي (1)
وكان عليه السلام قد قال لأهله: ائتوني بثوب لا يرغب فيه لئلا اسلبه، فأتوه بتبان، فقال: هذا من لباس أهل الذمة، فأتوه بسراويل أوسع منه فسلبوه إياها، سلبها (بحير بن) (2) عمرو المذكور؛ وقيل: أخذها بحر بن كعب التميمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي وهانىء بن ثبيت الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الاوسي،وسيفه رجل من بني نهشل بن دارم (3)، وقيل: الأسود بن حنظلة، فأحرقهم المختار رضي الله عنه بالنار، ثم مال الناس على الورس والأمتعة والإبل فانتهبوها، ثم تسابقوا على نهب بيوت آل الرسول حتى كانوا ينزعون ملحفة المرأة عن رأسها وظهرها.
وعن فاطمة بنت الحسين قالت: لما دخلت العامة علينا بالنهب دخل رجل وأنا صغيرة وفي رجلي خلخالان فنزعهما من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟
فقال: وكيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟!
فقلت: لا تسلبني.
فقال: أخاف أن يأخذه غيري.
= حوبة، وفي البحار: حوية.
(1) في الكامل: 4/77 و 78 ووقعة الطف: 255 والملهوف: بحر بن كعب التيمي، وفي البحار: أبجر بن كعب التيمي.
(2) أثبتناه للضرورة.
(3) في المقتل: نهشل من بني دارم.