تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 308

ثم برز أخوه عبدالله بن علي (وأمه ام البنين أيضاً) (1) وهو يقول:
أنا ابن ذي النجدة والإفضال ذاك علي الخير ذو (2) الفعال
سيف رسول الله ذو النكال في كل قوم ظاهر الأهوال (3)
فقتله هانىء بن ثبيت الحضرمي (4).
وكان العباس (5) السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه
= يخطب على منبره في مسجد الكوفة فقال في خطبته: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لاتسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة.
قال: فقام إليه رجل فاجر فاسق، وقال: يا علي، اخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟ فقال له الإمام عليه السلام: لقد أخبرني بسؤالك هذا ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله ونبأني بما سألت عنه، وانه على كل طاقة شعر من شعر رأسك ولحيتك شيطاناً يلعنك ويلعن ولدك ونسلك، وان لك ولداً رجساً ملعوناً يقتل ولدي وفرخي وقرة عيني الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت وولدك بريئان من الايمان، ولولا أن الذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به، ولكن حسبك فيما نبأتك به من لعنك ورجسك وولدك الملعون الذي يقتل ولدي ومهجة قلبي الحسين عليه السلام.
قال: وكان له ولد صغير في ذلك الوقت، فلما نشأ وكبر وكان من أمر الحسين عليه السلام ما كان نما الصبي وتجبر وتولى قتل الحسين عليه السلام. وقيل: إن ذلك الصبي كان اسمه خولي بن يزيد الأصبحي، وهو الذي طعن الحسين عليه السلام برمحه فخرج السنان من ظهره فسقط الحسين عليه السلام على وجهه يخور في دمه ويشكو إلى ربه. (فخر الدين صاحب مجمع البحرين) (المنتخب: 165). (1) من المقتل. (2) في المقتل: في. (3) في المقتل: وكاشف الخطوب والأهوال. (4) ذكر في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 4: رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم. (5) ما يتعلق بمصرع العباس بن علي عليه السلام والأرجاز نقله المؤلف رحمه الله من =
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 309

السلام، وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم، وجعل يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت رقى حتى اواري في المصاليت (1) لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا إني أنا العباس أغدو بالسقا
* ولا أخاف الشر يوم الملتقى *
ففرقهم، فكمن له زيد بن ورقاء (2) من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله وحمل، وهو يرتجز:
والله إن قطعتم يميني اني احامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الامين
فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكيم (3) بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله، فقال:
يا نفس لا تخشي من الكفار وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حر النار
= مناقب ابن شهراشوب: 4/108.
(1) المصلات: الشجاع، الماضي في الحوائج.
(2) الصحيح: زيد بن رقاد. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149 رقم 2.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: الحكم.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 310


فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلما رآه الحسين عليه السلام صريعاً على شاطىء الفرات بكى، وأنشأ:
تعديتم يا شر قوم ببغيكم وخالفتموا (1) قول (2) النبي محمد
أما كان خير الرسل أوصاكم بنا؟ أما نحن من نجل (3) النبي المسدد؟
(أما كانت الزهراء امي دونكم؟ أما كان من خير البرية أحمد؟) (4)
لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم فسوف تلاقوا حر نار توقد

ولما قتل العباس قال الحسين عليه السلام: الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي.
قال: تقدم علي بن الحسين عليه السلام، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، ورفع الحسين سبابته (5) نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك صلى الله عليه وآله، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك صلى الله عليه وآله نظرنا إلى وجهه، اللهم امنعهم بركات الأرض، وفرقهم
(1) في المناقب: بفعلكم ... وخالفتم.
(2) في البحار: دين.
(3) في المناقب: نسل.
(4) من المناقب والبحار.
(5) في المقتل: شيبته.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 311

تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلوننا.
ثم صاح الحسين بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع الحسين عليه السلام صوته وتلا: « إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم» (1).
ثم حمل علي بن الحسين على القوم، وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي من عصبة جد أبيهم النبي (2)
والله لا يحكم فينا ابن الدعي أطعنكم بالرمح حتى ينثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي (3) ضرب غلام هاشمي علوي

فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟
(1) سورة آل عمران :23 و 34 .
(2) في المقتل : نحن وبيت الله اولى بالنبي .
(3) في المقتل : حتى يلتوي .
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 312


فبكى الحسين عليه السلام، وقال: يا بني، يعز على محمد صلى الله عليه وآله، وعلى علي بن أبي طالب عليه السلام، وعلي (1) أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.
يا بني، هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه، وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً، فرجع عليه السلام إلى القتال، وهو يقول:
الحرب قد قامت (2)ها الحقائق وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق جموعكم أو تغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين، ثم ضربه مرة بن منقذ (3) العبدي لعنه الله على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم اعتنق عليه السلام فرسه، فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً.
فلما بغلت الروح (4) التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه، هذا جدي رسول
(1) في المقتل: وعلى أبيك.
(2) في المقتل والبحار: بانت.
(3) كذا الصحيح، وفي الأصل والمقتل والبحار: منقذ بن مرة.
وهو مرة بن منقذ بن النعمان الكندي. انظر: تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 150 رقم 8.
(4) في المقتل: روحه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 313

الله صلى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول(لك) (1): العجل العجل، فإن لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة.
فصاح الحسين عليه السلام وقال: قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله (2) وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول؟! على الدنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، ويا نور عيناه، فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي عليه السلام، وجاءت وانكبت عليه فجاء (إليها) (3) الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه، فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمام (4)
قال: وخرج غلام من تلك الأبنية وفي اذنيه درتان (5)، وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، فحمل عليه هانىء بن ثبيت لعنه الله، فقتله، فصارت شهربانوا تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة.
ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال، والتفت (عن) (6)
(1 و 3) من المقتل.
(2) في البحار: الرحمن.
(4) في (ح) فنظر الحسين بطرفه إلى السماء وقال: اللهم أنت الشاهد على القوم الذين قتلوا أشبه الخلق بنبيك.
والله مالي أنيس بعد فرقتكم إلا البكاء وقرع السن من ندمي
ولا ذكرت الذي أيد الزمان لكم إلا جرت أدمعي ممزوجة بدم
(5) في المقتل: قرطان.
(6)من البحار.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 314

يساره فلم ير أحداً، فخرج علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وكان مريضاً لا يقدر أن يقل سيفه، وام كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع.
فقال: يا عمتاه، ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله. وقال الحسين عليه السلام: يا ام كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله.
ولما فجع الحسين عليه السلام بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ (هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا) (1)؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم صلوات الله عليه إلى باب الخيمة، فقال: ناولوني علياً ابني الطفل حتى اودعه، فناولوه الصبي، فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد صلى الله عليه وآله خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي لعنه الله بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه، ثم رمى به إلى السماء فما رجع منه شيء، ثم قال: لا يكون أهون عليك من فصيل، اللهم إن كنت حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا. (2)
(1) من المقتل.
(2) في (ح) ونقل انه لما قتل العباس تدافعوا الرجال على الحسين عليه السلام وأصحابه، فلما نظر ذلك منهم نادى بالقوم: أما من مجير يجيرنا؟ أما من مغيث يغيثنا؟ أما من طالب حق ينصرنا؟ أما من خائف من النار يذب عنا؟ أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل الصغير فإنه لا يطيق الظمأ؟
فقام إليه ولده الأكبر شبيه الرسول، فقال: أنا أتيك بالماء يا سيدي.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 315

ثم قام الحسين عليه السلام وركب فرسه وتقدم إلى القتال، وهو يقول:
كفر القوم وقدماً رغبوا عن ثواب الله رب الثقلين
قتل (1) القوم علياً وابنه حسن الخير كريم الأبوين
حنقاً منهم وقالوا أجمعوا واحشروا الناس إلى حرب الحسين
(يا لقوم من اناس رذل جمع الجمع لأهل الحرمين) (2)
ثم ساروا وتواصوا كلهم باجتياحي لرضاء الملحدين
لم يخافوا الله في سفك دمي لعبيد الله نسل الكافرين
وابن سعد قد رماني عنوة بجنود كوكوف الهاطلين (3)
لا لشيء كان مني قبل ذا غير فخري بضياء النيرين
بعلي الخير من بعد النبي والنبي القرشي الوالدين
خيرة الله من الخلق أبي ثم امي فأنا ابن الخيرين
فضة قد خلصت من ذهب فأنا الفضة وابن الذهبين
من له جد كجدي في الورى أو كشيخي فأنا ابن العلمين
= فقال: امض بارك الله فيك.
قال: فأخذ الركوة بيده واقتحم الشريعة وملأ الركوة فأقبل بها نحو أبيه عليه السلام وقال: الماء طلبت، يا أبي، اسق آخي الصغير فإنه لا يطيق العطش، فإن بقي شيء فصبه علي، فإني والله عطشان.

فبكى الحسين عليه السلام من قوله وأجلس ولده الصغير على فخذه وأخذ الركوة وقربها إلى فمه، فلما هم وأراد أن يشرب الطفل الماء أتاه سهم مسموم فوقع في حلقه فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً، فبكى الحسين عليه السلام ورمى الركوة من يده، الفخري مؤلف مجمع البحرين. (المنتخب: 443).
(1) في البحار: قتلوا.
(2) من البحار.
(3) يقال: وكف البيت بالمطر: تقاطر وسال قليلاً، والهطل: تتابع المطر والدمع وسيلانه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 316

فاطم الزهراء امي وأبي قاصم الكفر ببدر وحنين
عبدالله غلاماً يافعاً وقريش يعبدون الوثنين
يعبدون اللات والعزى معاً وعلي كان صلى القبلتين
وأبي شمس وامي قمر فأنا الكوكب وابن القمرين
وله في يوم احد وقعة شفت الغل بفض العسكرين
ثم في الأحزاب والفتح معاً كان فيها حتف أهل الفيلقين
في سبيل الله ماذا صنعت امة السوء معاً بالعترتين
عترة البر النبي المصطفى وعلي القرم (1) يوم الجحفلين (2)

ثم وقف صلوات الله عليه قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيساً من الحياة، عازماً على الموت، وهو يقول:
أنا ابن علي الطهر (3) من آل هاشم كفاني بهذا مفخراً حين أفخر
وجدي رسول الله أكرم من مضى ونحن سراج الله في الأرض (4) نزهر
وفاطم امي من سلالة أحمد (5) وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر
(1) في البحار: الورد.
(2) انظر الأبيات أيضاً في: الاحتجاج: 301، الفتوح لابن أعثم: 5/210، مطالب السؤول: 2/29، كشف الغمة: 2/27، عبرات المصطفين: 2/93.
(3) في المقتل: الخير.
(4) في البحار: الخلق.
(5) في المقتل: وفاطمة امي ابنة الطهر أحمد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 317

وفينا كتاب الله انزل صادقاً (1) وفينا الهدى والوحي بالخير بذكر
ونحن أمان الله للناس (2) كلهم نسر بها في الأنام ونهجر
ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا بكأس رسول الله ما ليس ينكر (3)
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة (4) ومبغضنا يوم القيامة يخسر

وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين عليه السلام من إنشائه، وقال: وليس لأحد مثلها:
وإن تكن الدنيا تعد نفيسة فإن ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت انشئت فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً فقلة سعي المرء في الكسب أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المرؤ يبخل؟
(1) في المقتل: صادعاً.
(2) في المقتل: في الخلق.
(3) في المقتل: نسقي محبتنا ... بكأس وذاك الحوض للسقي كوثر.
(4) في المقتل: فيسعد فينا في القيام محبنا.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 318

(سأمضي وما بالقتل عار على الفتى إذا في سبيل الله يمضي ويقتل) (1)

ثم إنه عليه السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا منه من عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة.
ثم (2) حمل عليه السلام على الميمنة وقال:
الموت خير من ركوب العار (والعار أولى من دخول النار ) (3)

ثم على الميسرة، وهو يقول:
أنا الحسين بن علي آلـيـت ألا انـثـني
أحمي عيـالات أبي أمضي على دين النبي
ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.
فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب، فاحملوا عليه من كل جانب، وكانت الرماة أربعة آلاف ترمية بالسهام فحالوا بينه وبين رحله.
فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم أعراباً.
(1) من المقتل.
(2) من هنا إلى قوله: (من كل جانب) نقله المؤلف رحمه الله من مناقب ابن شهراشوب: 4/110.
(3) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 319


فناداه شمر، فقال: ما تقول، يا ابن فاطمة؟
قال: أقول: انا الذي اقاتلكم وتقاتولني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً.
فقال شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم.
قال: فقصدوه القوم وهو في ضمن ذلك يطلب شربة ماء، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه أجمعهم حتى أحالوه (1) عنه، ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته،فقال صلوات الله عليه، اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً.
ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلا بعجه بسيفه فقتله، والسهام آخذة له من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره، ويقول: يا امة السوء ، بئسما خلفتم محمداً في عترته، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.
قال: فصاح به الحصين بن مالك السكوني، فقال: وبماذا ينتقم لك منا؟
قال: يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب
(1) في المقتل: أجلوه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 320

الأليم.
ثم لم يزل يقال حتى أصابته جراحات عظيمة.
وروي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة.
وقال الباقر عليه السلام: اصيب الحسين عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح، وضرب بسيف، ورمية بسهم.
وفي رواية: ألف وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعة كالشوك في جلد القنفذ، وروي أنها كانت كلها في مقدمته.
وهذا الروايات رواها الشيخ الثقة رشيد الدين بن شهراشوب المازندراني رضي الله عنه في كتابه المناقب. (1)
فوقف صلوات الله عليه يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فأخذ الثوب (2) ليمسح الدم عن وجهه فأتاه سهم محدد مسموم، له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره (3)، فقال الحسين عليه السلام: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على

(1) مناقب ابن شهراشوب : 4/ 110 _ 111، عنه البحار : 45 / 52 ، وعوالم العلوم : 17/ 295
(2)كذا في المقتل والبحار ، وهو الصحيح ، وفي الاصل : التراب
(3) في المقتل : قلبه
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 321

الجرح، فلما امتلأت (دماً) (1) رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانياً، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان.
ثم ضعف عليه السلام عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه (وكره أن يلقى الله بدمه) (2)، حتى جاء رجل من كندة يقال له مالك بن النسير (3) لعنه الله فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس (4) فقطع البرنس فامتلأ دماً.
فقال له الحسين عليه السلام: لا أكلت بها ولا شربت (5)، وحشرك الله مع الظالمين، ثم ألقى البرنس وليس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيى، وجاء الكندي وأخذ البرنس، وكان من خز، فلما قدم (به) (6) بعد الوقعة على امرأة فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته، أتدخل بيتي سلب ابن رسول الله؟ اخرج عني حشى الله قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيرأ بأسوء حال ويبست يداه، وكانتا في الشتاء ينضحان دماً، وفي الصيف يصيران يابستين كأنهما
(1 و 2 و 6) من المقتل.
(3) كذا ضبطه في الكامل في التاريخ: 4/75،لكنه عاد وسماه مالك بن بشير البدي، وذلك في ص 239 حينما أحضره المختار رحمه الله فأمر بقطع يديه ورجليه وترك يضطرب حتى مات.
وفي المقتل والملهوف: النسر، وفي والأصل: البشير، وفي البحار: اليسر.
(4) البرنس: القلنسوة الطويلة.
(5) في المقتل: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 322

عودان.
ولما ضعف عليه السلام نادى شمر لعنه الله: ما وقوفكم؟ وما تنتظرون بالرجل؟ قد أثخنته الجراح والسهام، احملوا عليه ثكلتكم امهاتكم، فحملوا عليه من كل جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه، وأبو أيوب الغنوي بسهم في حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وعمر بن خليفة الجعفي على حبل عاتقه، وطعنه صالح بن وهب المزني في جنبه، وكان قد طعنه سنان (1) بن أنس النخعي في صدره، فوق صلوات الله عليه على الأرض على خده الأيمن، ثم استوى جالساً ونزع السهم من حلقه (2). ثم دنا عمر بن سعد من الحسين عليه السلام.
قال حميد: وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وقرطاها يجولان بين اذنيها، وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد: أيقتل أبوعبدالله وأنت تنظر إليه؟ ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، والحسين عليه السلام جالس وعليه جبة خز، وقد تحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه اليسرى، ثم ضربه على عاتقه، ثم انصرفوا عنه، وهو يكبوا مرة ويقوم اخرى.
فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخولي بن يزيد: اجتز رأسه، فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: جب (3) الله عضدك،
(1) كذا في المقتل والبحار، وفي الأصل: سفيان، وهو تصحيف.
(2) في المقتل: نحره.
(3) في المقتل والبحار: فت.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 323

وأبان يدك، فنزل إليه شمر (1) لعنه الله، وكان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على قفاه، ثم أخذ بلحيته، فقال الحسين عليه السلام: أنت (الكلب) (2) الأبقع الذي رأيتك في منامي.
فقال: اتشبهني بالكلاب؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام. (3)
وقيل: لما جاء شمر والحسين عليه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، فطلب الماء فرفسه شمر لعنه الله برجليه، وقال: يا ابن أبي تراب، ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه؟ فاصبر حتى تأخذ الماء من يده، ثم جلس على صدره.
فقال له الحسين عليه السلام: أتقتلني ولا تعلم من أنا؟
فقال: أعرفك حق المعرفة: امك فاطمة الزهراء، وأبوك علي المرتضى، وجدك محمد المصطفى،وخصمك العلي الأعلى، أقتلك ولا ابالي، فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة، ثم جز رأسه صلوات الله وسلامه عليه ، ولعن الله قاتله ومقاتله والسائرين إليه بجموعهم.
ثم سلبوه (4) عليه السلام لباسه وجميع ما كان عليه؛ فأخذ عمامته جابر ابن يزيد الأزدي،وقميصه إسحاق بن حيوة (5)، وثوبه جعونة بن حوبة
(1) في المقتل: فنزل إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل: بل شمر.
(2) من المقتل: وفيه (رأيته) بدل (رأيتك).
(3) من قوله: (ولما قتل أصحاب الحسين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/32 ـ 56 عن كتابنا هذا.
(4) انظر في أسماء من سلبه عليه السلام: مناقب ابن شهراشوب: 4/111.
(5) كذا في الكامل: 4/80 ووقعة الطف: 255، وفي الأصل غير مقروءة، وفي الملهوف: =
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 324

الحضرمي، وقطيفته من خز قيس بن الأشعث الكندي، وسرواويله بحير بن عمرو الجرمي (1)
وكان عليه السلام قد قال لأهله: ائتوني بثوب لا يرغب فيه لئلا اسلبه، فأتوه بتبان، فقال: هذا من لباس أهل الذمة، فأتوه بسراويل أوسع منه فسلبوه إياها، سلبها (بحير بن) (2) عمرو المذكور؛ وقيل: أخذها بحر بن كعب التميمي، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي وهانىء بن ثبيت الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي، ونعليه الأسود الاوسي،وسيفه رجل من بني نهشل بن دارم (3)، وقيل: الأسود بن حنظلة، فأحرقهم المختار رضي الله عنه بالنار، ثم مال الناس على الورس والأمتعة والإبل فانتهبوها، ثم تسابقوا على نهب بيوت آل الرسول حتى كانوا ينزعون ملحفة المرأة عن رأسها وظهرها.
وعن فاطمة بنت الحسين قالت: لما دخلت العامة علينا بالنهب دخل رجل وأنا صغيرة وفي رجلي خلخالان فنزعهما من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟
فقال: وكيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟!
فقلت: لا تسلبني.
فقال: أخاف أن يأخذه غيري.
= حوبة، وفي البحار: حوية.
(1) في الكامل: 4/77 و 78 ووقعة الطف: 255 والملهوف: بحر بن كعب التيمي، وفي البحار: أبجر بن كعب التيمي.
(2) أثبتناه للضرورة.
(3) في المقتل: نهشل من بني دارم.

السابق السابق الفهرس التالي التالي