تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 290

أسلمت له، لرب موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين.
ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالاً شديداً وإنما هم إثنان وثلاثون فارساً فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم (1)، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فأقبلوا (2) حتى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتى انتصف النهار، واشتد القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد، لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض، فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ليحيطوا بهم (3)، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون (بينها) (4) فيشدون على الرجل وهو يقوض وينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه ويقتلونه.
فقال ابن سعد: احرقوها بالنار وأضرموا فيها.
فقال الحسين عليه السلام: دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوز إليكم، فكان كما قال صلوات الله عليه.
وقيل: أتاه شبث بن ربعي، وقال: أفزعنا النساء فاستحيا، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد، وشد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة
(1) في المقتل: كشفوه.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: فاقتتلوا، وهو تصحيف.
(3) في المقتل: بها.
(4) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 291

الضبابي من أصحاب شمر.
فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم، ويقتل من أصحاب عمر العشرة (والعشرون) (1) فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.
فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبدالله، نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى اقتل دونك، واحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله (2) من المصلين، نعم هذا أول وقتها. ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي، فكفوا عنهم، فصلى الحسين عليه السلام وأصحابه.
فقال الحصين بن نمير: إنها لا تقبل.
فقال حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله، وتقبل منك يا ختار، فحمل عليه الصحين بن نمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب (به) (3) الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه.
فقال الحسين عليه السلام لزهير بن القين وسعيد بن عبدالله: تقدما أمامي حتى أصلي الظهر، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف.
(1) من المقتل.
(2) لفظ الجلالة أثبتناه من المقتل والبحار.
(3) من البحار.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 292


وروي أن سعيد بن عبدالله الحنفي تقدم أمام الحسين عليه السلام، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلما أخذ الحسين عليه السلام يميناً وشمالاً قام بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط إلى الأرض، وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصرة (1) ذرية نبيك، ثم مات رضي الله عنه، فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. (2) ثم خرج عبدالرحمن بن عبدالله اليزني، وهو يقول:
أنا ابن عبدالله من آل يزن ديني على دين حسين وحسن
أضربكم ضرب فتى من اليمن أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن
ثم حمل .
ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبداً أسود، فقال له الحسين عليه السلام: أنت في إذن مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا.
فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم (3)، وفي الشدة أخذلكم؟! والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفس علي بالجنة، فيطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي، لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.
(1) في المقتل والبحار: أردت بذلك نصرة.
(2) من قوله: (ثم برز من بعده سعد بن حنظلة) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/18 ـ 21 ، وكذا في عوالم العلوم : 17/261 وما بعدها.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: الرخاء الحسن اصحابكم.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 293


ثم برز للقتال، وهو (ينشد و) (1) يقول:
كيف يرى الكفار ضرب الأسود بالسيف ضرباً عن بني محمد
أذب عنهم باللسان واليد أرجو به الجنة يوم المورد (2)

ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه السلام، وقال: اللهم بيض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد.
وروي عن الباقر، عن علي بن الحسين عليهم السلام: أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جوناً بعد عشرة أيام تفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه. (3)
قال: ثم برز عمر بن خالد الصيداوي فقال للحسين عليه السلام: يا أبا عبدالله، قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيداً من (4) أهلك قتيلاً.
فقال له الحسين عليه السلام: تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.
(1) من البحار.
(2) روى الأرجاز في المقتل هكذا:
كيف يرى الفجار ضرب الأسود بالمشرفي القاطع المهند
أحمي الخيار من بني محمد أذب عنهم باللسان واليد
أرجو بذاك الفوز عند المورد من الإله الواحد الموحد
(3) من قوله: (ثم برز للقتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/22 ـ 23. وكذا في عوالم العلوم: 17/266.
(4) في الملهوف: بين.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 294


قال: وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين عليه السلام يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: « يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم» (1).
يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى (2).
ثم التفت إلى الحسين عليه السلام وقال: أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بإخواننا؟
فقال له الحسين عليه السلام: بلى (3)، رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لا يبلى.
وقاتل حتى قتل أبطالاً، وصبر صبراً جميلاً على احتمال الأهوال (4)، حتى قتل رضي الله عنه.
قال: وتقدم (سويد) (5) بن عمر بن أبي المطاع، وكان شريفاً كثير الصلاة، فقاتل قتال الاسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط بين القتلى وقد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكيناً من خفه، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان
(1) سورة غافر: 30 ـ 33.
(2) إقتباس من الآية: 61 من سورة طه.
(3) في الملهوف: بل.
(4) في الملهوف: وصبر على احتمال الأهوال.
(5) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 295

الله عليه.
ثم خرج الحجاج بن مسروق وهو مؤذن الحسين عليه السلام، وهو يقول:
أقدم حسين هادياً مهدياً اليوم تلقى جداك النبيا
ثم أباك ذا الندى (1) عليا (والحسن الخير الرضا الوليا
وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا) (2)

ثم حمل، فقاتل حتى قتل.
ثم خرج من بعده زهير بن القين(البجلي) (3) رضي الله عنه، وهو يرتجز:
أنا زهير وأنا ابن القين أذودكم بالسيف عن حسين
إن حسيناً أحد السبطين من عترة البر التقي الزين
ذاك رسول الله غير المين أضربكم ولا أرى من شين
* يا ليت نفسي قسمت قسمين*

فقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلاً، فشد عليه كثير بن عبدالله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه.
فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير: لا يبعد الله (يا زهير) (4)، ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.
ثم خرج سعيد بن عبدالله الحنفي، وهو يرتجز:
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا وشيخك الحبر علياً ذا الندى
(1) في المقتل: العلا.
(2 و 3) من المقتل.
(4) من البحار.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 296

وحسناً كالبدر وافى الأسعدا وعمك القرم الهمام الأرشدا (1)
حمزة ليث الله يدعى أسدا وذا الجناحين تبوأ مقعدا
* في جنة الفردوس يعلو صعدا (2)*

فلم يزل يقاتل حتى قتل.
ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي، وهو يقول:
أنا حبيب وأبي مظهر فارس هيجاء وحرب تسعر
وأنتم عند العديد أكثر ونحن أعلى حجة وأقهر (3)
(وأنتم عند الهياج غدر ونحن أوفى منكم وأصبر) (4)

فقتل اثنين وستين رجلاً، فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق فرسه.
ثم برز هلال بن نافع البجلي (5)، وهو يقول:
أرمي بها معلمة أفواقها والنفس لا ينفعها إشفاقها
مسمومة تجري بها أخفاقها ليملأن أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه، ثم ضرب بيده إلى سيفه فاستله،
(1) في المقتل: القرم الهجان الأصيدا.
(2) روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:
وحمزة ليث الإله الأسدا في جنة الفردوس نعلو صعدا
ومن قوله: (فقاتل حتى قتل مائة وعشرين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/25 ـ 26.
(3) في المقتل: وأظهر.
(4) من المقتل.
(5) لعله هو نفسه نافع بن هلال الجملي. وقد ذكرنا أن نسبة الجملي أصح.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 297

وجعل يقول:
أنا الغلام اليمني البجلي (1) ديني على دين حسين وعلي
إن اقتل اليوم فهذا أملي فذاك رأيي والاقي عملي

فقتل ثلاثة عشر رجلاً فكسروا عضديه، واخذ أسيراً، فقام إليه شمر فضرب عنقه.
قال: ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة، وكانت امه معه، فقالت له امه: اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن رسول الله، فخرج، فقال الحسين عليه السلام: هذا شاب قتل أبوه، ولعل امه تكره خروجه.
فقال الشاب: امي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول:
أميري حسين ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير
علي وفاطمة والداه فهل تعلمون له من نظير؟
له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير

وقاتل حتى قتل، وحز رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام، فحملت امه رأسه وقالت: أحسنت يا بني، يا سرور قلبي، ويا قرة عيني، ثم رمت برأس ابنها رجلاً فقتلته، وأخذت عمود خيمة وحملت عليهم، وهي تقول:
أنا عجوز سيدي ضعيفة (2) خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة دون بني فاطمة الشريفة
(1) في المقتل: الجملي.
(2) في المقتل: أنا عجوز في النساء ضعيفة.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 298


وضربت رجلين فقتلتهما، فأمر الحسين عليه السلام بصرفها ودعا لها.
وجاء عابس بن أبي شبيب (1) الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟
قال: ما أصنع؟! اقاتل حتى اقتل.
قال: ذاك الظن بك، تقدم بين يدي أبي عبدالله حتى يحتسبك (2) كما احتسب غيرك، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.
فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام، وقال: يا أبا عبدالله، (أما) (3) والله ما أمسى على وجه (4) الأرض قريب ولا بعيد أعز (علي) (5) ولا أحب إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبدالله، أشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مشى (6) بالسيف نحوهم.
قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلاً عرفته ـ وقد كنت شاهدته في المغازي ـ وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس، هذا أسد الاسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجل؟ ألا رجل؟
فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كل جانب،
(1) كذا الصحيح، وفي الأصل: عابس بن شبيب. وكذا في الموضع الآتي.
(2) في المقتل: حتى أحتسبك ويحتسبك.
(3 و 5) من البحار.
(6) في البحار: مضى.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 299

فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، ثم إنه (1) تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة، هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك.
فقال عمر بن سعد: لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد، حتى فرق بينهم بهذا القول.
ثم جاءه عبدالله وعبدالرحم ن الغفاريان، فقالا: يا أبا عبدالله، السلام عليك، أحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك.
فقال: مرحباً بكما، ادنوا مني، فدنوا منه (2)، وهما يبكيان، فقال: يا ابني أخي ما يبكيكما؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين.
فقالا: جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد احيط بك ولا نقدر على أن نمنعك. (3)
فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين، ثم استقدما وقالا:
السلام عليك يا ابن رسول الله.
فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته.
فقاتلا حتى قتلا رضي الله عنهما.
(1) في البحار: إنهم .
(2) كذا في المقتل والبحار، وزاد في الأصل: ثم قاتلا حتى قتلا، ثم جاءه سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن سريع فدنوا منه.
(3) في البحار: ننفعك.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 300


قال: ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه السلام، وكان قارئاً للقرآن، فجعل يقاتل (ويرتجز) (1) ويقول:
البحر من طعني وضربي يصطلي والجو من سهمي ونبلي يمتلي
إذا حسامي بيميني ينجلي ينشق قلب الحاسد المبجل

فقتل جماعة، ثم سقط صريعاً ، فجاءه الحسين عليه السلام فبكى ووضع خده على خده، ففتح عينيه فرأى الحسين عليه السلام فتبسم، ثم صار إلى ربه رضي الله عنه.
(قال: ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم، وكان كلما رمى قال الحسين عليه السلام: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة، فحملوا عليه فقتلوه) (2)
وكان يأتي الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل، فيقول: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبه الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يقرأ: « فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر» (3) حتى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم، ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته.
وهكذا (4) يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل الله، وينصر الحق وإن قتل، قال سبحانه: « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون» (5) وقال النبي صلى الله عليه
(1 و 2) من البحار.
(3) سورة الأحزاب: 23.
(4) الكلام من هنا للخوارزمي.
(5) سورة آل عمران: 169.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 301

وآله: كل قتيل في جنب الله شهيد، ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على شهداء احد وفيهم حمزة رضي الله عنه قال: أنا شهيد على هؤلاء القوم زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً، فاللون لوم الدم، والريح ريح السمك (1)، (فهم) (2) كما قيل:
كسته القنا حلة من دم فأضحت لدى الله من أرجوان
جزته معانقة الدارعين معانقة القاصرات الحسان (3)

ولقد أحسنت في وصفهم، وبالغت نعيهم بالتعزية، وسميتها بـ (مجرية العبرة ومحزنة العترة) وهي التي وضعتها لتعزية المؤمنين يوم التاسع من المحرم، وستأتي في المجلس التاسع يوم التاسع إن شاء الله، وهي مشتملة على نكت لطيفة، واستعارات ظريفة، وأشعار رائقة، وعبارات شائقة، أنشأتها بإذن الله، وأوردتها على المنبر بحضور جمع من المؤمنين، قبالة ضريح سيدالشهداء، وثالث الأوصياء، وخامس أصحاب الكساء في حضرته الشريفة، أبكيت بها عيون المؤمنين، وأحزنت قلوب المخلصين، راجياً أن يكون جزائي عنها وثوابي منها ثواب المستشهدين بين يدي حضرته، الباذلين أنفسهم دونه ودون اسرته.
ولما قتل أصحاب الحسين عليه السلام ولم يبق إلا أهل بيته، وهم: ولد علي، وولد جعفر، وولد عقيل، وولد الحسن، وولده صلوات الله عليه اجتمعوا
(1) من قوله: (فقتل اثنين وستين) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 45/27 ـ 32 عن كتابنا هذا.
(2) عن المقتل.
(3) انتهى كلام الخوارزمي.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 302

وودع (1) بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب، فأول من برز من أهل بيته عبدالله ابن مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام، وهو يرتجز ويقول:
اليوم ألقى مسلماً وهو أبي وفتية بادوا على دين النبي
ليسو بقوم (2) عرفوا بالكذب لكن خيار وكرام النسب
(من هاشم السادات أهل الحسب) (3).
فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلاً في ثلاث حملات، ثم قتله عمرو ابن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك.
ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل، وهو (يرتجزو) (4) يقول:
أنا الغلام الأبطحي الطالبي من معشر في هاشم وغالب
ونحن حقاً سادة الذوائب هذا (5) حسين أطيب الأطائب
* من عترة البر التقي العاقب *
فقتل خمسة عشر فارساً، ثم قتله بشر بن سوط الهمداني (6).
ثم خرج من بعده أخوه عبدالرحمن بن عقيل، وهو يقول:
أبي عقيل فاعرفوا مكاني من هاشم وهاشم إخواني
(1) في البحار: يودع.
(2) في المقتل: كقوم.
(3 و 4) من البحار.
(5) في المقتل: فينا.
(6) ذكر في وقعة الطف: 247 أن قاتله عمرو بن صبيح الصدائي.
وفي ذوب النضار: 122: عمرو بن صبيح الصيداوي طلبه المختار رحمه الله فأتوه وهو على سطحه بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه وسيفه، فقال: قبحك الله من سيف، ما أبعدك على قربك؟! فجيء به إلى المختار، فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح حتى مات.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 303

كهول صدق سادة الأقران هذا حسين شامخ البنيان
وسيد الشيب مع الشبان (1)

فقتل سبعة عشر فارساً، ثم قتله عثمان بن خالد (2) الجهني.
وخرج من بعده محمد بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وهو يقول:
نشكو إلى الله من العدوان قتال (3) قوم في الردى عميان
قد تركوا معالم القرآن ومحكم التنزيل والبيان (4)
* وأظهروا الكفر مع الطغيان*
ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي.
ثم خرج من بعده عون بن عبدالله بن جعفر، وهو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن جعفر شهيد صدق في الجنان أزهر
بطير فيها بجناح أخضر كفى بهذا شرفاً في المحشر

ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر رجلاً، ثم قتله عبدالله بن قطبة الطائي.
(1) روى الرجز الأخير في المقتل هكذا:
فينا حسين سيد الأقران وسيد الشباب في الجنان
(2) ذكر في وقعة الطف: 347 أن عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن حوط القابضي الهمداني اشتركا في قتل عبدالرحمن بن عقيل بن أبي طالب، واشتركا في سلبه. وهما كانا في الجبانة فأخذهما المختار رحمه الله فضرب أعناقهما، ثم أحرقهما بالنار، انظر: ذوب النضار:118. (3) في المقتل: فعال. (4) في البحار: والتبيان. وروى الرجز الأخير في المقتل هكذا:
قد تركوا معالم القرآن وأظهروا الكفر مع الطغيان
الأدب 304


ثم خرج من بعده عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن عليه السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر الحسين عليه السلام إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين عليه السلام في المبارزة، فأبى الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول:
إن تنكروني فأنا فرع الحسن سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن بين اناس لاسقوا صوب المزن

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل ـ على صغره ـ خمسة وثلاثين رجلاً.
قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما.
فقال عمرو بن سعد الأزدي: والله لأشدن عليه.
فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه.
قال: والله لأفعلن، فشد، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عماه.
قال: فجاءه الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف، وشد شدة الليث الحرب فضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتقاه بيده فأطنها من المرفق، فصاح

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 305

فتنحى عنه، وحملت (خيل) (1) أهل الكوفة فاستنقذوه من يد الحسين، فوقف الحسين على رأس الغلام وهو يفحص (برجليه) (2)، فقال الحسين: يعز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ولا ينفعك (3)، بعداً لقوم قتلوك.
ثم احتمله، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتى ألقاه بين (4) القتلى من أهل بيته.
ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.
ثم خرج عبدالله بن الحسن الذي ذكرناه أولاً وهو الأصح أنه برز بعد القاسم، وهو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن حيدره ضرغام آجام وليث قسوره
على الأعادي مثل ريح صرصره (أكيلكم بالسيف كيل السندره) (5)
فقتل أربعة عشر رجلاً، ثم قتله هانىء بن ثبيت الحضرمي لعنه الله فاسود وجهه.
(1) من المقتل والبحار.
(2 و 5) من المقتل.
(3) في المقتل والبحار: فلا يعينك.
(4) في المقتل: مع.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 306


ثم تقدم إخوة الحسين عليه السلام عازمين على أن يموتوا دونه، فأول من خرج منهم أبوبكر بن علي، واسمه عبيدالله (1)، وامه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميمية، فتقدم، وهو يرتجز ويقول:
شيخي علي ذوالفخار الأطول من هاشم الصدق الكريم المفضل
هذا حسين بن النبي المرسل عنه نحامي (2) بالحسام المصقل
تفديه نفسي من أخ مبجل (يا رب فامنحني ثواب المجزل) (3)
فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر (4) النخعي، وقيل: عبدالله بن عتبة الغنوي.
ثم برز من بعده أخوه عمر بن علي ، وهو يقول :
اضربكم ولاارى فيكم زحر ذاك الشقي بالنبي قد كفر
يازحر يازحر تدان من عمر لعلك اليوم تبوء من سقر
شر مكان في حريق وسعر لانك الجاحد ياشر البشر

ثم حمل على زحر قاتل اخيه فقتله ، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً وهو يقول :
خلوا عداة الله خلوا عن عمر خلوا عن الليث العبوس المكفهر
يضربكم بسيفه ولايفر وليس فيها (5) كالجبان المنحجر
(1) كذا في البحار، وفي الأصل والمقتل: عبدالله.
(2) في المقتل: نذود عنه.
(3) من المقتل.
(4) في المقتل: قيس.
(5) في المقتل: يغدو.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 307

فلم يزل يقاتل حتى قتل.
ثم خرج من بعده أخوه عثمان بن علي، وامه ام البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب، وهو يقول:
إني أنا عثمان ذو المفاخر شيخي علي ذو الفعال الظاهر
وابن عم للنبي الطاهر أخي حسين خيرة الأخائر
وسيد الكبار والأصاغر بعد الرسول فالوصي الناصر (1)

فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جنبه (2) فسقط عن فرسه، وحز (3) رأسه رجل من بني أبان بن حازم فقتله.
ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي، وامه ام البنين أيضاً، وهو يقول:
إني أنا جعفر ذو المعالي ابن (1) علي الخير ذوالنوال
حسبي بعمي شرفاً وخالي أحمي حسيناً ذي الندى المفضال (5)

ثم قاتل فرماه خولي الأصبحي (6) فأصاب شفيته أو عينه (7).
(1) بدل قوله: (وابن عم ... فالوصي الناصر) في المقتل:
صنو النبي ذي الرشاد السائر ما بين كل غائب وحاضر
(2) في البحار: جبينه. (3) في البحار: وجز. (4) في المقتل: نجل. (5) روى هذا الرجز في المقتل هكذا:
أحمي حسيناً بالقنا العسال وبالحسام الواضح الصقال
(6) ذكر في تسمية من قتل مع الحسين بن علي عليهما السلام: 149رقم 3 ان قاتله هانىء بن ثبيت الحضرمي.
(7) في (ح) روى سلمان الفارسي قال: كان سيدنا أميرالمؤمنين عليه السلام يحدثنا كثيراً بالأشياء المغيبات التي تحدث على مرور السنين والأوقات، وانه كان يوم الجمعة =

السابق السابق الفهرس التالي التالي