تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 255


فلما ورد كتابه على الحسين عليه السلام وقرأه رماه من يده، وقال: لا أفلح قوم شروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.
فقال له الرسول: الجواب يا أبا عبدالله.
فقال له: ما له عندي جواب، لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول إلى ابن زياد، فخبره بذلك، فغضب عدو الله أشد الغضب، ثم جمع أصحابه وقال: من منكم يتولى قتال الحسين أتولى به (1) أي بلد شاء؟ فلم يجبه أحد، والتفت إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص وقد كان قبل ذلك بأيام قد عقد له عهداً وولاه الري وتستر، وأمره بحرب الديلم فأراد أن يخرج إليها، فلما كان ذلك أقبل عليه ابن زياد: فقال: اريد أن تمضي إلى حرب الحسين فإذا نحن فرغنا من أمره سرت إلى عملك.
فقال عمر بن سعد: أيها الأمير، إن رأيت أن تعفيني عن قتال الحسين منعماً علي.
فقال ابن زياد: فإنا قد أعفيناك، فاردد علينا عهدنا الذي كتبناه لك واجلس في منزلك حتى نبعث غيرك.
فقال عمر: فأمهلني اليوم حتى أنظر في أمري.
قال: قد أمهلتك.
قال: فانصرف عمر بن سعد إلى منزله ليستشير إخوانه ومن يثق به، فلا يشير عليه أحد بذلك غير أنهم يقولون: آثر الله واتق ربك ولا تفعل، وأقبل اليه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اخته، فقال انشدك الله يا خال ان تسير إلى

(1) في المقتل: بولاية.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 256

(قتال) (1) الحسين فإنك تأثم بذلك وتقطع رحمك، فوالله لئن خرجت من سلطان الأرض كلها هو خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين.
قال: فسكت عمر وفي قلبه من الري ما فيه (2)، فلما أصبح أقبل على ابن زياد، فقال له: ما عندك يا عمر؟
فقال: أيها الأمير، إنك وليتني هذا بعمل، وقد تسامع الناس به، فإن رأيت أن تفسده لي وتولي غيري فافعل، فإن في الكوفة أسماء بن خارجة، وكثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، وغيرهم.
فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف الكوفة، فإني لا أستأمرك فيمن اريد أن أبعث، فإن سرت أنت فرجت عنا هذه الغمة، وأنت الحبيب القريب، وإلا فاردد علينا عملنا (3)، والزم منزلك فإنا لا نكرهك.
قال: فسكت عمر، وغضب ابن زياد، وقال: يا ابن سعد، والله لئن لم تمض إلى حرب الحسين (4) وتتولاه لأضربن عنقك، ولأهدمن دارك، ولأنهبن مالك (ولا ابقي عليك) (5) كائنا من كان.
فقال: إذاً فأنا سائر إليه غداً، فجزاه ابن زياد خيراً، ووصله وأعطاه، وضم إليه أربعة آلاف فارس، وقال له: خذ بكظم الحسين ، وحل بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه، ثم سار عمر بن سعد في أربعة آلاف نحو الحسين، وكان
(1 و 5) من المقتل.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: ما في قلبه.
(3) في المقتل: عهدنا.
(4) في المقتل: لم تسر إلى الحسين.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 257

(الحر) (1) عنده ألف فذلك خمسة آلاف، ثم دعا عمر بن سعد برجل من أصحابه يقال له عروة بن قيس، فقال له: امض إلى الحسين فاسأله ما الذي جاء به إلى هذا الموضع؟ وما الذي أخرجه من مكة؟
فقال عروة: أيها الأمير، إني كنت قبل اليوم اكاتب الحسين ويكاتبني، وأنا أستحي أن أصير إليه، فإن رايت أن تبعث غيري، فبعث ابن سعد برجل يقال له كثير بن عبدالله الشعبي (2)، وكان ملعوناً ناصبياً شديد العداوة لأهل البيت عليهم السلام فسل سيفه، فلما رأى أبو ثمامة الصائدي (3) قال للحسين: يا ابن رسول الله، قد جاءك شر الناس واجرأهم على سفك الدماء.
قال: فقام الحسين وقال له: ضع سيفك حتى نكلمك فقال: لا ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعت مني بلغت ما ارسلت به، وإن أبيت انصرفت.
فقال له أبو ثمامة: تكلم بما تريد ولاتدن من الحسين فإنك رجل فاسق، فغضب ورجع إلى ابن سعد، وقال: إنهم لم يتركوني أن أدنو من الحسين فابلغه رسالتك فابعث غيري، فأرسل إليه برجل يقال له قرة بن قيس الحنظلي، فلما أشرف على عسكر الحسين قال الحسين لأصحابه: هل تعرفون الرجل؟
فقال حبيب بن مظاهر: نعم، يا ابن رسول الله، هذا رجل من بني تميم ثم من بني حنظلة، وقد (4) كنت أعرفه حسن الرأي، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد، ثم تقدم الحنظلي حتى وقف بين يدي الحسين عليه السلام وأبلغه
(1) من المقتل.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: يقال غيلان بن عبدالله السبيعي.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: الصيداوي.
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: هذا رجل من تميم وقد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 258

رسالة عمر بن سعد.
فقال الحسين عليه السلام: يا هذا، أبلغ صاحبك اني لم ارد هذا البلد، ولكن كتب إلي أهله أن آتيهم يبايعوني ويمنعوني وينصروني، فإن كرهتموني انصرفت عنكم من حيث جئت.
ثم وثب إليه حبيب بن مظاهر، وقال: ويحك يا قرة، عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل البيت، فما الذي غيرك حتى جئتنا بهذه الرسالة، فأقم عندنا وانصر هذا الرجل الذي قد أتانا الله به؟
فقال الحنظلي: سمعت مقالتك، وهو أحق بالنصر من غيره، ولكني أرجع إلى صاحبي بالرسالة وأنظر في ذلك، ثم انصرف وأخبر ابن سعد بمقالة الحسين.
فقال ابن سعد: الحمد لله، والله إني لا أرجو أن يعافيني الله من حربه، ثم كتب إلى ابن زياد:
إلى الأمير عبيدالله بن زياد من عمر بن سعد.
أما بعد:
فإني نزلت بالحسين، ثم بعثت إليه رسولاً وسألته عما أقدمه، فذكر ان أهل الكوفة أرسلوا يسألونه القدوم عليهم ليبايعوه وينصروه، فإذا قد بدا لهم في نصرته فإنه ينصرف من حيث أتى ويلحق بيزيد بن معاوية، أو يلحق بأي بلد أردت فيكون كواحد من المسلمين، فأحببت أن اعلم الأمير بذلك.
فلما قرأ ابن زياد كتاب عمر فكر ساعة، ثم قال: الآن وقد علقت مخاليبنا يرجو ابن أبي تراب النجاة منها، هيهات لانجى الله ابن زياد إن نجا منها

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 259

الحسين، ثم كتب إلى ابن سعد:
أما بعد:
فقد بلغني كتابك وما ذكرت من أمر الحسين، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعرض عليه البيعة ليزيد، فإن فعل وأجاب إلى البيعة وإلا فائتني به، والسلام.
فلما ورد الكتاب على ابن سعد قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخاف أن ابن زياد لا يقبل العافية، والله المستعان، فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبداً (1).
قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس، إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.
ثم نزل عن المنبر ووفر للناس العطاء، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام، ويكونوا عوناً لابن سعد على حربه، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلان المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفاً.
(1) في المقتل: لا يجيبه إلى ذلك أبداً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 260

ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا فإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث وأراد أن يعفيه ابن زياد، فأرسل إليه:
أما بعد:
فإن رسولي خبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون (1)، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً، فأقبل إليه شبث بعد العشاء، لئلا ينظر الملعون إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة، فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، وقال: احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد عليه.
فقال: أفعل أيها الامير. (2)
فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد: إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا اصبح ولا امسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد على قتال الحسين عليه السلام، وعمر بن سعد يكره ذلك. (3)
قال: والتأمت العساكر عند عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم (4)، وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام، فقال: يا ابن رسول الله، هاهنا
(1) إشارة إلى الآية: 14 من سورة البقرة.
(2) كذا في خ ل الأصل والمقتل، وفي الأصل: الرجل.
(3) في المقتل: يكرة أن يكون قتل الحسين يده.
(4) في البحار :وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد لستة ايام مضين من المحرم .
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 261

حي من بني أسد بالقرب منا أفتأذن لي بالمصير إليهم (الليلة) (1) فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم الأذى عنك؟
قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل مستنكراً مستعجلاً حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك، يا ابن عمنا؟
فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه، ولن يسلموه بيد أعدائه (2) وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة (3)، فإني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمد صلى الله عليه وآله في عليين. قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبدالله بن بشر، فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز (ويقول) (4):
قد علم القوم إذا تواكلوا (5) وأحجم الفرسان أو تثاقلوا (6)
أني شجاع بطل مقاتل (7) كأنني ليث عرين باسل
(1) من المقتل.
(2) في البحار: ولن يسلمه أبداً.
(3) في المقتل: وحسن ثواب الآخرة.
(4) من البحار.
(5) في المقتل: تناكلوا.
(6) في المقتل: إذ تناضلوا.
(7) في المقتل: إني الشجاع البطل المقاتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 262


ثم تنادى (1) رجال الحي حتى التأم (2) منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام، وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي يقال له (فلان) (3) ابن عمرو حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق الشامي ـ وهو الذي قتله وبنيه قاسم بن الحسن عليه السلام واحداً بعد واحد ـ ، فضم إليه أربعمائة فارس ووجه (به) (4) نحو حي بني أسد، بينا اولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين عليه السلام في جوف الليل إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطىء الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين النهر (5)، فناوش القوم بعضهم بعضاً واقتتلوا قتالاً شديداً، وصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق: ويلك مالك ومالنا؟ انصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرك (6)، فأبى الأزرق أن يرجع ، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يبينهم، ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فخبره بذلك.
فقال عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطىء الفرات، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 263

عليه السلام فأساً وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في (1) الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة، ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين عليه السلام وشرب الناس بأجمعهم وملؤا أسقيتهم، ثم غارت العين، فلم ير لها أثر. (2)
وبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذ ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان.
فعندما ضيق عليهم عمر بن سعد غاية التضييق.
ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي فضم إليه خيلاً عظيمة، وأمره أن ينزل علي الشريعة التي (هي) (3) حذاء عسكر الحسين.
قال: فنزلوا على الشريعة، فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس بن علي فضم إليه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات.
فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم؟
فقال رجل من أصحاب الحسين عليه السلام يقال له هلال بن نافع الجملي (4): أنا ابن عمم لك من أصحاب الحسين، جئت أشرب من هذا الماء الذي
(1) في المقتل: على.
(2) انظر أيضاً: مناقب ابن شهراشوب: 4/50 عنه مدينة المعاجز: 3/494 ح 1007.
(3) من المقتل.
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل والبحار: البجلي.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 264

منعتمونا إياه (1).
فقال عمرو: اشرب هنيئاً.
فقال هلال: ويحك كيف تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشاً؟!
فقال عمرو: صدقت، ولكن امرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه، فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس، فاقتتلوا على الماء قتالاً شديداً، فكان قوم يقاتلون وقوم يملأون (القرب) (2) حتى ملؤها، (قتل من أصحاب عمرو بن الحجاج جماعة) (3) ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد، ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولهذا (4) سمي العباس عليه السلام السقاء.
ثم أرسل الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد لعنه الله: إني أريد أن اكلمك فالقني الليله بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، فبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.
فقال له الحسين عليه السلام: ويلك يا ابن سعد، أما تتقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنه أقرب لك إلى الله تعالى.
(1) في المقتل: عنه.
(2 و 3) من المقتل.
(4) في البحار: ولذلك.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 265


فقال عمر بن سعد: أخاف أن تهدم داري.
فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك.
فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.
فقال الحسين عليه السلام: أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.
فقال: لي عيالي (1) وأخاف عليهم.
(فقال: أنا أضمن سلامتهم.
قال: ) (2) ثم سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسين عليه السلام وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك؟ فوالله إني لا أرجو أن تأكل من بر العراق إلا يسيراً.
فقال ابن النحس سعد: في الشعير كفاية عن البر ـ مستهزئاً بذلك القول (3) ـ ، ثم رجع ابن سعد إلى معسكره، وإذا كتاب ابن زياد قد ورد عليه يؤنبه ويضعفه ويقول: ما هذه المطاولة؟ انظر إن بايع الحسين وأصحابه فابعث بهم إلي سالمين، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإذا قتلت الحسين فأوطىء الخيل ظهره وبطنه، فإنه عاق شاق، فإذا فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت ذلك فاعتزل خيلنا وجندنا وسلم الجند والعسكر إلى شمر بن ذي الجوشن فإنه أحزم منك أمراً، وأمضى عزيمة.
(1) في المقتل والبحار: عيال.
(2) من المقتل.
(3) من قوله: (فلم يعرض ابن سعد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/385 ـ 389 عن كتابنا هذا، وكذا في عوالم العلوم: 17/236.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 266

وروي أن ابن زياد بعث رجلاً يقال له جويرية بن زياد (1) (وقال) (2): إذا أوصلت كتابي هذا إلى عمر بن سعد فإن قام من ساعته لحرب الحسين فذاك، وإن لم يقم فخذه وقيده،وابعث به إلي، ويكون شمر بن ذي الجوشن الأمير على الناس.
فوصل الكتاب (وكان في الكتاب) (3): إني لم أبعثك يا ابن سعد لمنادمة الحسين، فإذا أتاك كتابي هذا فخيره بين أن تأتيني به أو تقاتله، فوثب ابن سعد من ساعته وأخبر الحسين بذلك، فقال الحسين عليه السلام: أخرنا إلى غد. (4)
وأقبل العباس إلى القوم الذين مع عمر بن سعد، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبدالله يسألكم الانصراف عنه باقي يومكم حتى ننظر (5) في هذا الأمر، ثم نلقاكم به غداً (6).
قال: فخبر القوم بذلك أميرهم، فقال عمر بن سعد لشمر: ماذا ترى؟
قال: أنا أرى رأيك ايها الأمير، فقل (7) ما تشاء.
فقال عمر بن سعد: إني أحببت ألا أكون أميراً فلم اترك وأكرهت، ثم أقبل عمر بن سعد على أصحابه، فقال: الرأي عندكم.
فقال رجل من أصحابه وهو عمرو بن الحجاج: سبحان الله! والله لو كانوا
(1) في المقتل: جويرة بن يزيد التميمي.
(2 و 3) من المقتل.
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/236 ـ 246.

وانظر وقعة الطف: 175 ـ 189، الملهوف على قتلى الطفوف: 138 ـ 142.
(5) في المقتل: ينظر.
(6) كذا في المقتل، وفي الأصل: نلقاك غداً.
(7) في المقتل: فافعل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 267

من أهل الترك والديلم ويسألوا هذه الخصلة (1) لكان ينبغي أن نجيبهم إلى ذلك، فكيف وهم آل الرسول؟
فقال عمر بن سعد: خبروهم أنا قد أجلناهم باقي يومنا.
فنادى رجل من أصحاب ابن سعد: يا شيعة حسين، إنا قد أجلناكم يومنا إلى غد، فإن استسلمتم ونزلتم عل الحكم وجهنا بكم إلى الأمير، وإن أبيتم ناجزناكم، فانصرف الفريقان، وجاء الليل فبات الحسين عليه السلام ليلته تلك راكعاً وساجداً وباكياً ومستغفراً ومتضرعاً، وكذلك كانت صبيحته عليه السلام، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.
وقيل (2) لعلي بن الحسين ما أقل ولد أبيك؟!
فقال عليه السلام: العجب كيف ولدت أنا له، إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟
وكذلك أصحابه باتوا كذلك لهم دوي كدوي النحل، وأقبل شمر في نصف الليل (يتجسس) (3) ومعه جماعة من أصحابه حتى قرب من عسكر الحسين عليه السلام، والحسين رافع صوته يتلو هذه الآية: « ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً» (4) الآية: ثم تلا: « ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب» (5)
(1) في المقتل: الليلة.
(2) انظر: الملهوف على قتلى الطفوف: 154، البحار: 44/196 ح 10، وج82/311 ح17، وعوالم العلوم:17/61 ح 1.
(3) من المقتل.
(4) سورة آل عمران: 178.
(5) سورة آل عمران: 179.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 268

فصاح رجل من أصحاب شمر وقال: نحن ورب الكعبة الطيبون وأنتم الخبيثون، وقد ميزنا منكم، فقطع برير بن خضير صلاته، ثم ناداه: يا فاسق: يا فاجر، يا عدو الله، يا ابن البوال على عقبيه، أمثلك يكون من الطيبين والحسين من الخبيثين؟! والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل، فأبشر بالخزي يوم القيامة،فصاح به شمر وقال: أيها المتكلم، إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.
فقال برير: يا عدو الله، أبالموت تخوفني، والله إن الموت مع ابن رسول الله أحب إلي من الحياة معكم، والله لا نال شفاعة محمد قوماً أراقوا دماء ذرياته (1) وأهل بيته.
وأقبل رجل من أصحاب الحسين، فقال: يا برير، إن أبا عبدالله يقول: إرجع إلى مكانك (2)، ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء فلقد نصحت وأبلغت.
فلما (3) كان وقت السحر خفق الحسين عليه السلام برأسه، ثم استيقظ، فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ رأيت كأن كلاباً قد شدت علي (لتنهشني) (4) وفيها كلب أبقع رأيته أشدها، وأظن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء ، ثم اني رايت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني، أنت شهيد آل محمد، وقد استبشرت بك ملائكة السماوات (5) وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة، فعجل
(1) في المقتل: ذريته.
(2) في المقتل: موضعك.
(3) انظر أيضاً: البحار: 45/3، وج61/183 ح50.
(4) من المقتل.
(5) في المقتل: وقد استبشر بك أهل السماوات.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 269

ولا تتأخر، فهذا ملك من السماء قد نزل ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك (1).
قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت.
فقال الحسين عليه السلام: مهلاً، يا اختاه، لا يشمت (2) القوم بنا.
ثم جمع الحسين عليه السلام أصحابه بالليلة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهم، فقال:
أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أصلح (3) منكم، ولا أهل بيت آثر (4) ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله (عني) (5) جميعاً خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منك بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد(هذا) (6) الليل وذروني وهؤلاء، فإنهم لا يريدون غيري.
فقال له إخوته وبنو عمه وأولاد عبدالله بن جعفر: ولم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً، وكان الذي بدأ بهذا القول العباس بن أميرالمؤمنين، ثم تابعوه الباقون.
ثم نظر الحسين عليه السلام إلى بني عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم.
وروي من طريق آخر: فتكلم إخوته وجميع أهل بيته، وقالوا: يا ابن
(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/250 ـ 252.
(2) في الملهوف: خيراً.
(3) في الملهوف: أبر.
(4) في الملهوف: أبر.
(5 و 6) من الملهوف.

السابق السابق الفهرس التالي التالي