تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 236

(حتى أذلتهم) (1). (2)
وفي كتاب تاريخ غر الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينا أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط، فانطلقت نحوها حيث أتيت أدناها، فقلت: لمن هذه الأبنية؟
فقالوا: للحسين عليه السلام.
قلت: ابن علي وابن فاطمة عليهما السلام؟
قالوا: نعم.
قلت: أين هو؟
قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين عليه السلام متك على باب الفسطاط يقرأ كتباً بين يديه، فسلمت فرد علي، فقلت: يا ابن رسول الله، بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة؟
قال: إن هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا والله محرماً إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من فرم (3) الأمة.
قال: ثم سار صلوات الله عليه وحدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: كنا
(1) من الملهوف.
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/226، الملهوف على قتلى الطفوف: 131 ـ 132.
(3) الفرم: خرقة الحيض.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 237

مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة، فكنا نساير الحسين عليه السلام حتى لحقناه، وكان إذا أراد النزول اعتزلناه فنزلنا ناحية (1).
فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فبينا نحن نتغدى من زاد (2) لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم.
ثم قال: يا زهير بن القين، إن أبا عبدالله عليه السلام بعثني إليك لتاتيه، فطرح كل منا ما في يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير.
فقالت له امرأته (3) ـ وهي ديلم بنت عمرو ـ : سبحان الله، أيبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لا تأتيه؟ فلو أتيته فسمعت من كلامه.
فمضى إليه زهير، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوض وبثقله (4) ومتاعه فحول إلى الحسين عليه السلام.
وقال لامر أته: أنت طالق، فإني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم أعطاها حقها (5) وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها. فقامت إليه (وودعته) (6) وبكت، وقالت: كان (7) الله لك، أسألك أن
(1) انظر: تاريخ الطبري: 5/393 ـ 394، إرشاد المفيد: 223، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق: 211 ح 268، إعلام الورى: 229، الكامل في التاريخ: 4/39، البداية والنهاية: 8/169، البحار: 44/186 ح 14.
(2) في الملهوف: بطعام.
(3) في الملهوف: زوجته.
(4)كذا في الملهوف: وفي الأصل: بفسطاطه وثقله
(5) في الملهوف: مالها.
(6) من الملهوف.
(7) في الملهوف: خار.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 238

تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام.
ثم قال لأصحابه: من أراد (1) أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد (مني) (2) به.
وهذا الحديث نقلته من كتاب إغاثة الملهوف لسيدنا علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (3).
ورأيت حديثاً أن زهير رضي الله عنه قال لأصحابه لما ودعهم: إني كنت غزوت بلنجر (4) مع سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما فتح الله علينا اشتد سرورنا، فقال سلمان: أفرحتم بما أفاء الله عليكم؟
قلنا: نعم.
فقال: إذا أدركتم شبان آل محمد فكونوا أشد فرحاً لقتالكم معهم (5) منكم ما أصبتم اليوم، وأنا أستودعكم الله تعالى، ثم ما زال الحسين عليه السلام حتى قتل رحمه الله. (6)
وقيل: إن الحسين عليه السلام لما وصل إلى زرود لقي رجلاً على راحلة، فلما رآه الرجل عدل عن الطريق، وكان الحسين عليه السلام قد وقف
(1) في الملهوف: من أحب منكم.
(2) من الملهوف.
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 132 ـ 133. وانظر : وقعة الطف: 161 ـ 162.
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: عزمت بلخاً.

وبلنجر : مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب : «معجم البلدان : 1/489» .
(5) في المقتل: بقتالكم معه.
(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/225.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 239

ينتظره، فلما عدل مضى وتركه.
قال عبدالله بن سليم (1) والمنذر بن الشمعل (2) الأسديان: فعدلنا إلى الراكب، فسلمنا عليه، فرد علينا، فقلنا: مم الرجل؟
فقال: أسدي. قلنا: ونحن أسديان، فما الخبر؟
قال: الخبر إن مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة قتلا، ورأيتهما يجران في الأسواق. فأتينا الحسين عليه السلام: فقلنا: إن عندنا خبراً، فنظر إلى أصحابه، فقال: ما دون هؤلاء سراً.
قلنا: أرأيت الراكب الذي عدل عن الطريق؟ إنه أخبر بكذا وكذا.
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قلنا: ننشدك الله في نفسك وهؤلاء الصبية فإنه ليس لك في الكوفة ناصر قريب (ولا شيعة، فنظر الحسين إلى بني عقيل فقال لهم: ما ترون فقد قتل مسلم؟ فبادر (3) بنو عقيل فقالوا: قتل صاحبنا، وننصرف! إنك والله لست كمثل مسلم، ولو قد نظر الناس إليك ما عدلوا بك أحد، وإنا والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا أو نذوق الموت كما ذاق أخونا، فنظر الحسين إلينا، وقال: ولا خير في
(1) في المقتل: سليمان.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: والمراد بن إسماعيل، وفي وقعة الطف: والمذري المشمعل.
(3) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 240

الحياة بعد هؤلاء، فعلمنا أنه يسير لا محالة، فقلنا: خار الله لك. (1)
وقيل: إن الخبر أتى الحسين بقتل مسلم في زبالة (2)، فعرف بذلك جماعة ممن تبعه، فتفرق عنه أهل الأطماع والارتياب، وبقي معه أهله وخيار أصحابه.
قال: وارتج الوضع لقتل مسلم وسالت الدموع كل مسيل. (3)
ثم سار الحسين عليه السلام قاصداً لما دعاه الله إليه، فلقيه الفرزدق، فسلم عليه ودنا منه وقبل يده، فقال له الحسين: من أين أقبلت؟
قال: من الكوفة. قال: كيف خلفت الناس (4)؟
فقال الفرزدق: يا أبا عبدالله، كيف تركن إله أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم وشيعته؟
فاستعبر الحسين عليه السلام باكياً، ثم قال: رحم الله مسلماً، فقد صار إلى روح الله وريحانه، وجنته (5) ورضوانه، قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ثم أنشأ يقول:
فإن تكن الدنيا تعد نفيسه فإن ثواب الله أعلى وأنبل
(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/228 ـ 229. وانظر: وقعة الطف: 164.
(2) زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة،وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية ... بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد. (معجم البلدان: 3/129).
(3) الملهوف على قتلى الطفوف: 134.
(4) في المقتل: أهل الكوفة.
(5) في المقتل والملهوف:وتحيته.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 241

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً فقلة سعي (1) المرء في الكسب (2) أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل
وإن تكن الأجساد (3) للموت انشئت فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل

قال: وكتب الحسين عليه السلام إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي.
فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيدالله بن زياد لعنه الله ليفتشه، فأخرج الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد لعنه الله.
فلما مثل بين يديه، قال: من أنت؟
قال: أنا رجل من شيعة علي بن أبي طالب وابنه الحسين عليه السلام.
قال: فلماذا مزقت الكتاب؟
قال: لئلا تعلم ما فيه؟
قال: وممن الكتاب؟ وإلى من؟
(1) في المقتل والملهوف : حرص.
(2) في المقتل: الرزق، وفي الملهوف : السعي، وجاء فيهما هذا البيت ثالثاً.
(3) في المقتل والملهوف: الأبدان. وجاء فيهما هذا البيت ثانياً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 242

قال: من الحسين عليه السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه، أو لاقطعنك (1) إرباً إرباً.
فقال: أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم، وأما لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.
فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، وأكثر من الترحم على علي وولده عليهم السلام، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، ولعن عتاة بني امية بني امية عن أولهم وآخرهم.
ثم قال: أيها الناس (2) أنا رسول الحسين بن علي عليه السلام إليكم، وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.
فأخبروا ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلى القصر، فالقي من هناك، فمات رحمه الله.
وبلغ الحسين عليه السلام موته فاستعبر باكياً، وقال: اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك (3)، إنك على كل شيء قدير.
وروي أن هذا الكتاب كتب من الحاجز، وقيل غير ذلك (4).
(1) في الملهوف: وإلا قطعتك.
(2) من الملهوف.
(3) في الملهوف: مستقر رحمتك.
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/223، الملهوف على قتلى الطفوف: 134 ـ 136.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 243

وورد الخبر بقتل قيس على الحسين عليه السلام وهو بزبالة، وكان قد تبعه خلق كثير من المنازل التي كان يمرها لأنهم كانوا يظنون استقامة الأمر له صلوات الله عليه.
فلما سار من زبالة قام في الناس خطيباً، فقال: إن أهل الكوفة وثبوا على مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة فقتلوهما وقتلوا قيس بن مسهر (1)، فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منا ذمام، فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة (2)، وإنما أراد أن يصحبه إنسان إلا على بصيرة.
ثم سار عليه السلام حتى بقي على مرحلتين من الكوفة، فقال رجل من القوم: الله أكبر.
فقال الحسين: مما كبرت؟
قال: رأيت نخيل الكوفة.
قال الأسديان: هذا مكان ما رأينا فيه نخلاً قط.
قال الحسين عليه السلام: فما تريانه؟
قالا: والله نرى أسنة (3) الرماح، وآذان الخيل.
قال الحسين عليه السلام: وأنا أرى ذلك، فهل لنا ملجأ؟

(1) في بعض المصادر: عبدالله بن بقطر (يقطر) وهو أخو الحسين عليه السلام من الرضاعة.
(2) في المقتل: مكة.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: قال: ما تريان إلا أسنة.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 244

قالا: بلى، ذو حسم (1) إلى جنبك فمل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد، فأخذ ذات اليسار، وطلعت الخيل، فعدلوا إليه وسبق الخيل إلى ذي حسم، فنزل صلوات الله عليه فيه، فجاء الحر بن يزيد الرياحي في ألف رجل فوقفوا.
فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: اسقوا القوم ومدوهم، فسقوهم حتى ارتووا وكانوا شاكين في السلاح.
فقال الحسين عليه السلام: من قائدكم؟
فقالوا: الحر بن يزيد الرياحي، فناداه الحسين، وقال: يا حر، لنا أم علينا؟
فقال الحر: بل عليك.
فقال الحسين عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
قال: ودنت صلاة الظهر، فقال الحسين للحجاج بن مسروق: أذن يرحمك الله وأقم الصلا حتى نصلي.
قال: فأذن، فلما فرغ من أذانه صاح الحسين بالحر، فقال: أتريد أن تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟
فقال الحر: بل أنت صل ونصلي بصلاتك، فتقدم الحسين عليه السلام وصلى بالعسكرين جميعاً، فلما فرغ من صلاته وثب قائماً واتكى على قائم

(1) اسم جبل، كان النعمان يصطاد فيه، وبينه وبين عذيب الهجانات إلى الكوفة ثلاث وثلاثون ميلاً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 245

سيفه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس معذرة إلي وإلى (1) من حضر من المسلمين، إني لم أقدم إلى هذا البلد حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم أن أقدم إلينا فإنه ليس علينا إمام، فلعل الله يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على عهدكم فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم أدخل مصركم معكم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي انصرفت على المكان الذي جئت منه، والسلام.
فقال له الحر: أما والله ما ندري بهذه الكتب التي تقول.
فقال: يا عقبة (2) بن سمعان، أخرج الخرجين وأخرجها، فنشر الكتب بين يديه.
فقال الحر: لسنا من هؤلاء.
وإذا بكتاب قد ورد من الكوفة من عبيدالله بن زياد إلى الحر:
أما بعد:
يا حر، فإذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين ولا تفارقه حتى تأتيني به، فإني قد أمرت رسولي أن يلازمك فلا يفارقك حتى تأتيني بإنفاذ أمري إليك، والسلام.
فلما قرأ الكتاب بعث إلى بقاية من أصحابه (3) فدعاهم، ثم قال: ويحكم قد ورد علي كتاب هذا اللعين ابن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوء

(1) في المقتل: معذرة إليكم اقدمها إلى الله وإلى.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: عتبة.
(3) في المقتل: إلى ثقات أصحابه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 246

ولا والله لا تطاوعني نفسي بذلك ولا تجيبني.
قال: فالتفت إليه رجل من أصحاب الحر يقال له أبو الشعثاء الكندي إلى رسول ابن زياد فقال له: فيما جئت ثكلتك امك؟
فقال: أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، وجئت برسالة أميري.
فقال له أبو الشعثاء: لعمري لقد عصيت ربك، وأطعت إمامك، وأهلكت نفسك، والتبست (1) عاراً، فبئس الإمام إمامك، قال الله سبحانه: « وجعلناهم أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون» (3).
وقام الحسين عليه السلام على قدميه عند ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله، ونحن أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، السائرين فيكم بالظلم والعدوان، فإن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله فيكون ذلك رضى، وإن كرهتمونا وجهلتم حقنا، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم انصرفت عنكم.
فأجابه الحر بما أجابه، وقال: امرنا إن لقيناك لا نفارقك حتى نقدم بك على الأمير.
قال: فتبسم الحسين صلوات الله عليه، ثم قال: يا ابن يزيد، أولا تعلم أن الموت أولى من ذلك؟ ثم التفت الحسين إلى أصحابه وقال: احملوا النساء واركبوا حتى ننظر ما (3) الذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه.

(1) في المقتل: واكتسبت.
(2) سورة القصص: 41.
(3) كذا في المقتل، وفي الأصل: ماذا؟
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 247


قال: فركب أصحاب الحسين وساقوا النساء بين أيديهم لينصرفوا إلى مكة، فتقدمت خيل أهل الكوفة حتى حالت بينهم وبين المسير، وضرب الحسين بيده إلى سيفه، وقال: يا ابن يزيد، ثكلتك امك، ما الذي أن تصنع؟
فقال الحر: أما والله يا حسين، لو قالها أحد من العرب غيرك لرددتها عليه كائناً من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر امك من سبيل، غير أني لابد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.
فقال الحسين عليه السلام: أما والله لا أتبعك أو تذهب نفسي.
فقال الحر: إذا والله لا افارقك أو تذهب نفسي ونفس أصحابي.
قال الحسين عليه السلام: فذر أصحابك وأصحابي وابرز إلي، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد، وإن قتلتك أرحت الخلق منك.
فقال الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما امرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ابن زياد، وأنا كاره والله أن ابتلي بشيء من أمرك، غير أني أخذت بيعة القوم وخرجت إليك، وأنا أعلم أنه ما يوافي أحد من هذه الامة يوم القيامة الا وهو يرجو شفاعة جدك، وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة، لكن يا أبا عبدالله، لا أقدر على الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ في غير الطريق وامض حيث شئت حتى أكتب إلى ابن زياد ان الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه، وانا انشدك الله في نفسك.
فقال: يا حر، كأنك تخبرني أني مقتول.
قال الحر: نعم يا أبا عبدالله، ما أشك في ذلك إلا أن ترجع من حيث

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 248

جئت.
فقال الحسين عليه السلام: لا أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عم له لقيه وهو يريد نصر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أين تذهب إنك مقتول؟
فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مذموماً وخالف مجرماً
أقدم نفسي لا اريد بقاءها لتلقى خميساً في الوغى (1) وعرمرما
فإن عشت لم اذمم وإن مت لم الم كفى بك ذلاً أن تعيش فترغما
ثم أقبل الحسين عليه السلام على أصحابه، وقال: هل فيكم أحد يعرف (2) الطريق على غير الجادة؟
فقال الطرماح (3): نعم، يا ابن رسول الله، أنا أخبر الطريق.
فقال الحسين عليه السلام: سر بين أيدينا، فسار الطرماح واتبعه الحسين
(1) في المقتل: النزال.
(2) في المقتل: يخبر.
(3) هو الطرماح بن عدي الطائي.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 249

صلوات الله عليه وأصحابه، وجعل الطرماح يرتجز (ويقول) (1):
يا ناقتي لا تجزعي (2) من زجر وامضي بنا قبل طلوع الفجر
بخير فتيان وخير سفر آل رسول الله آل (3) الفخر
السادة البيض الوجوه الزهر (4) الطاعنين بالرماح السمر
الضاربين بالسيوف (5) البتر حتى تحلى بكريم النجر (6)
الماجد الجد (7) الرحيب الصدر أتى به (8) الله لخير أمر (9)
عمره الله بقاء الدهر يا مالك النفع معاً والضر
أيد حسيناً سيدي بالنصر على الطغاة من بقايا الكفر
على اللعينين سليلي صخر يزيد لا زال حليف الخمر
وابن زياد العهر وابن العهر (10)
(1) من البحار.
(2) في المقتل والبحار: لا تذعري.
(3) في المقتل: أهل.
(4) في المقتل: الغر.
(5) في المقتل: بالصفاح.
(6) في البحار: الفخر.
(7) في المقتل: الحر.
(8) في البحار: أثابه.
(9) بقية الأرجاز في المقتل هكذا:
عمره الله بقاء الدهر وزاده من طيبات الذكر
يا مالك النفع معاً والضر أيد حسيناً سيدي بالنصر
على الطغاة من باقايا الكفر أعني اللعينين سليل صخر
وابن زياد العاهر ابن العهر فأنت يا رب به ذو البر

وما في وقعة الطف يختلف عن المتن والمقتل.
(10) من قوله: (ثم أقبل الحسين عليه السلام) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار:
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 250


قال: وأصبح الحسين عليه السلام من وراء عذيب الهجانات (1) وإذا بالحر قد ظهر له (2) أيضاً في جيشه، فقصد الحسين، فقال: ما وراءك يابن يزيد؟ أليس أمرتنا أن نأخذ على غير الطريق فأخذنا وقبلنا مشورتك؟
فقال: صدقت، ولكن هذا كتاب ابن زياد ورد علي يؤنبني ويضعفني في أمرك.
قال الحسين: فذرنا ننزل بقرية نينوى أو الغاضرية؟
فقال الحر: والله ما أستطيع ذلك، هذا رسول ابن زياد معي، وإنما بعثه عيناً علي.
فأقبل زهير بن القين على الحسين، فقال: يابن رسول الله، ذرنا نقاتل هؤلاء القوم فإن قتالنا إياهم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم.
فقال الحسين عليه السلام: صدقت يا زهير، ولكن ما كنت بالذي أبدأهم بالقتال حتى يبدأوني.
فقال زهير: سر بنا حتى ننزل كربلاء فإنها (على) شاطىء الفرات فنكون هناك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا عليهم بالله.
فدمعت عينا الحسين عليه السلام، وقال: أللهم إني أعوذ بك من
= 44/378 ـ 379 عن كتابنا هذا وكذا في عوالم العلوم: 17/229.
(1) عذيب الهجانات قريب من عذيب القوادس، وعذيب القوادس ماء بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وقيل غير ذلك. (معجم البلدان) 4/92).
(2) في المقتل: عارضه.
(3) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 251

الكرب والبلاء ونزل الحسين في موضعه ونزل الحر حذاءه. (1).
وقام إلى الحسين رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع الجملي (2)، فقال: يا ابن رسول الله، الست تعلم أن جدك رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا من أمره إلى ما يحب (3)، وقد كان (منهم) (4) منافقون يعدونه النصر ويضمرون له الغدر، ويلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل حتى قبضه الله تعالى إليه، وأن أباك أمير المؤمنين عليه السلام كان في مثل ذلك، فقوم اجتمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين (وقوم قعدوا عنه وخذلوه) (5) حتى آتاه الله أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيته فلن يضر إلا نفسه، والله تعالى مغن عنه، فسر بنا معافى راشداً إن شئت مشرقاً أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله،ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
ثم وثب إليه رجل من شيعته يقال له برير بن خضير الهمداني، فقال: والله يا ابن رسول الله، لقد من الله تعالى بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع (فيك) (6) أعضاؤنا، ثم يكون جدك صلى الله عليه وآله شفيعاً لنا يوم القيامة، لا أفلح قوم ضيعوا ابن (بنت) (7) نبيهم، اف لهم غداً ما يلاقون، ينادون بالويل والثبور في نار جهنم.
(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/229 ـ 234. وانظر: وقعة الطف: 167 ـ 173.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: البجلي.
(3) في المقتل: ما كان أحب.
(4 و 5 و 6 و 7) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 252


قال: فجمع الحسين عليه السلام ولده وإخوته وأهل بيته بين يديه، ثم نظر إليهم، فبكى ساعة، ثم قال: اللهم إنا عترة نبيك صلى الله عليه وآله وقد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا،وتعدت بنو امية علينا، فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين.
ثم نادى عليه السلام بأصحابه ورحل من موضعه (1) حتى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو الخميس، وذلك في اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيدالدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت (2) معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون. ثم قال: أهذه كربلاء (3)؟ فقالوا: نعم.
فقال: هذا موضع كرب وبلا، هاهنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا. (4)
فنزل القوم وحطوا أثقالهم ناحية من الفرات، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته، وضرب إخوته وبنو عمه خيامهم حول خيمته، وجلس
(1) كذا في المقتل، وفي الأصل: ودخل موضعه.
(2) كذا في المقتل، وفي الأصل: ما دارت.
(3) في (ح) وردت هذه الأبيات:
وجد السرى يطوي الفيافي إلى أن أتى في سيره أرض كربلا
فلم ينبعث مهر الحسين بخطوه فقال الله يا صحب ما هذه الفلا
فقالوا تسمى كربلا قال هونوا مسيركم يا قوم قد نزل البلا
(4) انظر: الفتوح لابن أعثم: 5/149، مطالب السؤول: 2/36، نظم درر السمطين: 216، أمالي الصدوق: 132، تيسير المطالب: 92، المناقب لابن شهراشوب: 4/97،مثير الأحزان: 49، كشف الغمة: 2/47، البحار: 44/315.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 253


الحسين عليه السلام يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذر الغفاري، فأنشأ الحسين يقول:
يا دهر أف لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل
من طالب بحقهن قتيل (1) والدهر لا يقنع بالبديل
وكل حي سالك سبيل ما أقرب الوعد من الرحيل
وإنما الأمر إلى الجليل (سبحانه جل عن المثيل) (2)

فسمعت بذلك اخت الحسين زينب وام كلثوم، فقالت: يا أخي، هذا كلام من أيقن بالموت.
فقال: نعم، يا اختاه، لوترك القطا لغفا ونام.
فقالت زينب: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة،مات جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، ومات أبي علي، وماتت امي فاطمة، ومات أخي الحسن، والآن ينعى إلي أخي الحسين نفسه.
قال: وبكت النسوة، ولطمن الخدود، وشققن الجيوب، وجعلت ام كلثوم تنادي (3): وامحمداه، واعلياه، وااماه، واحسناه، واحسيناه ، واضيعتاه، يا أبا عبدالله.
فعزاها الحسين وصبرها، وقال: يا اختاه، تعزي بعزاء الله، وارضي بقضاء الله، فإن سكان السماء يفنون (4)، وأهل الأرض يموتون، « كل شيء
(1) في المقتل: من صاحب وطالب قتيل.
(2) من المقتل.
(3) في المقتل: وجعلت اخته تنادي.
(4) في المقتل: فإن أهل السماء يفوتون.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 254

هالك إلا وجهه»
يا اختاه، كان أبي وجدي وأخي وامي أفضل مني وقد ذاقوا الموت، وصاروا تحت الثرى، وان لي ولهم ولكل مؤمن اسوة برسول الله.
وعزاها الحسين: يا اختاه يا ام كلثوم ويا زينب ويا فاطمة، انظرن إذا قتلت فلا تشققن علي جيباً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تقلن هجراً.
وقال الطرماح بن عدي: الوجه عندي في ذلك يا ابن رسول الله أن تركب معي جمازه فإني (أبلغ) (3) بك الليلة قبل الصباح أحياء طي، واسوي لك امورك، واقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل يقاتلون عنك.
فقال الحسين عليه السلام: ليس من مروة الرجل أن ينجو بنفسه ويهلك أهل وعياله.
فقال له أصحابه: إن هؤلاء إذا لم يجدوك لم يفعلوا بالعيال مكروهاً ، فلم يلتفت إلى قولهم، وجزى الطرماح خيراً.
وأقبل الحر حتى نزل بإزاء الحسين بكربلاء.
وكتب ابن زياد إلى الحسين عليه السلام:
أما بعد:
يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أميرالمؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد.
(1) سورة القصص: 88.
(2) من المقتل.

السابق السابق الفهرس التالي التالي