تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 214

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 215


المجلس السابع

في مسير الحسين عليه السلام إلى العراق ومن تبعه من أهله وإخوانه وبني أخيه وبني عمه صلوات الله عليهم أجمعين


الخطبة


الحمد لله الوفي وعده، العلي مجده، الغالب جنده، العام رفده، لا راد لحكمه، ولا مغير لعلمه، المبدع المصور، والمخترع المقدر، الظاهر لخلقه بخلقه، والشامل لهم بلطفه ورزقه، حجب أفكارهم عن تصور كماله، وردع ابصارهم عن إدراك جلاله، وتجلى لأوليائه بشواهد حكمته، وظهر لقلوبهم ببدائع صنعته، فانقادت قلوبهم بأزمة التوفيق إلى مقام عرفانه، ووردوا مناهل التحقيق من فيض لطفه وإحسانه، وشربوا بالكأس الروية من شراب عنايته، ووقفوا على قدم الصدق في مقام طاعته.
فأشرق نور الحق على مرايا قلوبهم فطاح وجودهم في شهودهم، لما عاينوا من بهجة محبوبهم، فأصبحت قلوبهم بأنوار عرفان جلال مبدعهم مشرقة، ونفوسهم بالملكوت الأعلى من حصون صانعهم متعلقة، فأطلعهم سبحانه على أسرار الصفيح الأعلى، وأراهم لما أعد للمجاهدين في سبيله في ذلك المقام الأسنى، من منازل مونقة، وحدائق مغدقة، وأنهار متدفقة، وحسان

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 216

معشقة، وولدان ضياء جمالها قد أشرق، وثياب من سندس بطائنها من استبرق، اكلها دائم، وساكنها سالم، لا يذوق الموت، ولا يخشى الفوت، ظلها ظليل، دورها سلسبيل، وسقفها عرش الرحمن، وخدمها الحور الحسان، « يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون» (1).
فاختاروا الاقامة في دار المقامة، والاستظلال بتلك الأطلال، وكرهوا الرجوع من دار البقاء إلى دار الفناء، والعود من المحل الأعلى إلى المقام الأدنى، ومن الصفيح الأرفع إلى الخراب البلقع، فطلبوا إلى ربهم ألا يهبطهم من درجتهم، ولا يزحزحهم عن لذتهم، ولا يخرجهم من جنتهم، ولا يحطهم عن رتبتهم.
فتجلى لأفكارهم، وخاطبهم في أسرارهم: إني قد جعلت الدنيا طريقاً يسلك به إلى نعيمي المقيم، وسبيلاً يتوصل به إلى ثوابي الجسيم، فلو لا امتثال عبادي أوامري، وانزجارهم عن زواجري، والاخلاص بطاعتي والامحاص في محبتي، وتحمل المشاق في عبادتي، والاستظلال بأروقة طاعتي، لم أخلق خلقي، ولم أبسط رزقي، لكن أبدعتهم ليعرفوني ويوحدوني وينزهوني، « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (2).
فاتبعوا دليلي، وجاهدوا في سبيلي، وصابروا أعدائي، وانصروا أوليائي، أجعلكم خزان علمي في عبادي، وامناء وحيي في بلادي، وشهدائي
(1) سورة الواقعة: 17 ـ 24.
(2) سورة الذاريات: 56.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 217

على بريتي، وأوليائي في خليقتي، ولأقرنن طاعتكم بطاعتي، ومودتكم بمودتي، وولاءكم بولائي، ورضاكم برضائي، إن تنصروني أنصركم واثبت أقدامكم، وإن تقرضوني اجازكم واضاعف أعمالكم.
فرجعت أجسادهم إلى الحضيض السفلي، واستقرت أرواحهم العالم العلوي، تطالع جمال حضرة معبودها في جميع حالاتها، وتستضيء بأنوار جلال مبدعها بأبصار كمالاتها حين توجهاتها، ترى كل ما سواه مضمحلاً باطلاً، وكل ما عداه للعدم قابلاً، فوصلوا أسبابهم بأسبابه، وقطعوا العلائق عما سوى الاتصال بعزيز جنابه، ووقفوا على قدم الخدمة في جنح الظلام، ونادوا محبوبهم بلسان الاجلال والابتهال.
فاستخلصهم لنفسه لما أخلصوا بطاعته، واصطفاهم على خلقه لما صدقوا في محبته، وتوجهم بتيجان كرامته، وأفرغ عليهم حلل عصمته، وأطلعهم على مكنون سره، وقلدهم ولاية أمره، فساقوا الخلق إلى طاعة ربهم، ونصروا الحق بقالبهم وقلبهم، قد صدقت منهم العقائد والعزائم، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، حتى إذا أدوا النصيحة حقها في جنب الله، وبذلوا أرواحاً وأجساداً قد أخلصت صدقها في طاعة الله، ورقوا في معارج السعادة إلى منازل الشهادة، وسلكوا سبيل المجد بقدم الجد، واتبعوا دليل النجاة إلى عين الحياة، وركبوا سفينة الهدى، وتنكبوا سبيل الردى، وجاهدوا في الله بأنفسهم وأموالهم، وأنكروا المنكر بأفعالهم وأقوالهم.
اوذوا فصبروا، وابتلوا فشكروا، يعدون البأساء نعمة، والضراء رحمة، والجهاد في الله منحة، والقتل في سبيل الله حياة باقية، والبلاء في الله عيشة راضية، فحسدوا على ما اختصهم الله به من قربه، وبذلوا الأجساد والأولاد في

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 218

حبه، ونفوا عن عقر دارهم، واخرجوا من منازلهم وقرارهم.
ضاقت بهم الأرض بعد رحبها، وقصدتهم الأعداء بفتكها وحربها، وكانت واقعة السبط الشهيد أبي عبدالله أفضع محنة، وأشنع فتنة، لم يحدث منذ وجود العالم مثلها، ولم يقع في الزمن المتقادم عديلها، اخرج ابن الرسول من حرم جده خائفاً، وللحياة في دولة الظالمين عائفاً، وللدنيا وأهلها قالياً، وللشهادة في الله راجياً، قد تبرم بالبقاء في دولة الأشرار، وسئم الحياة في سلطان الفجار.
فنصبوا له المهالك، وسدوا عليه المسالك، لم يأمن في حرم يأمن فيه الطير الطائر، والوحش الجائر، ولم يطمئن في بلد يسكنه البر والفاجر، فوعده النصر على أعدائه قوم ذووا أحلام عازبة، وأيمان كاذبة، لم يثلج في قلوبهم برد الايمان، ولم يزالوا بنكثهم أحزاب الشيطان، حتى إذا لزمته الحجة بوجود الناصر، والقيام بجهاد الظالمين في الظاهر، وام مصرهم ببنيه وبناته، وسار نحوهم بإخوانه وأخواته، وبلغ ضعفهم، وتوسط جمعهم، خانوا عهده وأخلفوا وعده، فليتهم إذ نكثوا أيمانهم، ونقضوا أمانهم، تركوه يذهب حيث شاء، أو يرجع من حيث أتى، بل سدوا عليه الموارد، وقعدوا له المراصد، وجندوا لمنعه جموعهم وجنودهم، وأرهفوا لقتله حدهم وحديدهم، وحرموا عليه ورد الماء المباح، ورفعوا عليه حدود الصفاح، فصار في أيديهم رهيناً ، وبسيوفهم ضميناً، ثم ساقوا بناته وحلائله اسارى، تحسبهم من هول ما أصابهم سكارى وما هم بسكارى، يسار بهم بين الأعداء على الأقتاب، ويساقون عنفاً بغير نقاب ولا جلباب، قد قشر حر الشمس وجوههم، وغير هجير القيض جسومهم.
فوا أسفا على تلك الأبدان المصرعة، والأجساد المبضعة، والأطراف المقطعة، والرؤوس المرفعة.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 219

والهفاه لتلك الوجوه التي هتكت بعد صونها وحجابها، وبرزت بين طواغيتها وكذابها، فدمعي عليهم مهتون، وقلبي لمصابهم محزون.
فيالله وللاسلام ايقتل نجل الرسول بين ظهرانيكم، وتسبى نساؤه وذراريه بين أيديكم، ويراق دمه وأنتم تنظرون، وللحق تخذلون، وللباطل تنصرون؟ لا منكر ينكر بقلبه ولسانه، ولا دافع يدفع بحسامه وسنانه، ولا ذو أنف حمي يغضب لله، ولا صاحب دين قويم يجاهد في سبيل الله، فأنتم أكفر امة كفرت بعد إيمانها، وأفجر فرقة تظاهرت ببغيها وبهتانها، لم ترض بقائد النجاة دليلاً، اولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً (1)، بأنعم عدل بها هاديها، عن الحق السوي، واسامها راعيها في المرعى الوبي.
فيا سبط نبيي، ورهط وليي، ويا سبيل نجاتي، ويا سليل هداتي، مصيبتك أرخصت في سوق أحزاني عبراتي، وأسعرت بلهيبها في جناني حسراتي، وحرمت على جفوني طيب منامي، وإفرغت على جسدي أثواب سقامي، ضاقت بك الدنيا يا ابن الرسول ومن أجلك خلقت، وشدوا عليك القضا يا نجل البتول وابوابه دونك غلقت، أخرجوك من حرم جدك خائفاً تترقب، ونفوك عن مسقط رأسك وذهبوا بك كل مذهب، حتى إذ وجهت وجهة آمالك، وظعنت بعيالك وأطفالك، نحو اناس لم ينصروا الحق مذ كانوا، ولم يؤثروا الصدق مذ خانوا، ولم يغضبوا لله، ولا انقادوا لأولياء الله، بل الغدر شيمتهم، والكذب سجيتهم، إن خلفوا خبثوا، وإن عاهدوا نكثوا، اضر من ضافر إذا جردت السيوف، وألأم من مادر إذا طرقت الصنوف، أنباط أسقاط، أنذال أرذال، أنكاد أوغاد، للوصي وابنه خذلوا، وللسبط الشهيد وولده قتلوا، تساق بنات نبيهم
(1) إقتباس من الآية: 44 من سورة الفرقان.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 220

على الأقتاب في أسواقهم وشوارعهم، وتشهر رؤوس أبناء وليهم على الرماح في رحابهم ومجامعهم.
فيا دموعي لمصابهم حدي بالدموع خدي، ويا زفراتي تصاعدي بسعير حسراتي ووجدي، ويا كبدي لرزئهم تقطعي، ويا أحشائي حزناً عليهم تضعضعي، وعمى لطرفي إن لم يسح دماً بقرينهم، وسحقاًً لقلبي إن لم ينقطع أسفاً لمحنتهم، لما كست السماء حمرة نجيع شهدائهم شفقاً ، أروت في فؤادي بانعكاس أشعة لهيبها حرقاً، فقلبي حريق بسعير حزني، وطرفي غريق بمعين جفني، امثل ثفنات وجوههم من أثر السجود على الرماح، كالكواكب الدرية بضيائها أو كشمكاة فيها مصباح.
فلهذا وقفت بكائي وجزعي عليهم، وصرفت المراثي من نظمي ونثري إليهم، أنثر في ثرى ضرائحهم عبراتي، واصاعد في صعيد مراقدهم زفراتي، وأهدي إلى أرواحهم سلامي وتحياتي، واصلي على أشباحهم عقيب صلواتي، وفي جميع آناتي، وانشد لعظيم مصيبتي في خلواتي، ولجسيم رزيتي نحيبي وأناتي:
يا مصاب السبط أورثت البكا أعيناً والقلب وجداً وعنا
وعلى عيني حرمت الكرى ومزجت الدمع مني بالدما
لا تلمني أيها العاذل إن نحت بالترجيع من فرط الجوا


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 221

وجرى دمعي دماً مما على سبط خير الرسل في الطف جرى
وعلى الأبرار من اسرته أهل بيت ومقام وصفا
صرعوا فيه ظماة قد سقوا بكؤوس الموت من بعد الظما
صاعدت نيران أحشائي الحشا مدمعاً قان على خدي جرى
خير أهل الأرض أضحوا صرعاً بشبا البيض وأطراف القنا
سادة الخلق اولي الأمر الذي مدحهم حقاً أتى في هل أتى
بكت الأرض دماً مذ صرعوا فرقها حزناً وأطباق العلا
كربلا منك فؤادي ملؤه من عظيم الوجد كرب وبلا
كم شموس غربت فيك وكم من بدور أفلت بعد الضيا؟
ووجوه لبنات المصطفى هتكت من بعد صون وحيا


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 222

وجسوم غيرت أوصافها منهم البوغاء (1) من بعد السنا
وقلوب ظاميات لم تر غير ورد الموت من كف الردى
كم علت فوق العوالي منهم طلعت أنوارها تجلو الدجى
وأبينت عضد مع ساعد وأكف كبحور في الندى
ويرى الناظر من أوجههم ثفنات كنجوم في السرا
يا عيوني إن تضني بالبكا لهم لا نلت في الدنيا المنى
وكذا يا حرقتي إن سكنت منك أحشائي أو طرفي غفا
أيها الراكب وجناء لها أثر في الخد من جذب البرا
تقطع الال كرال نافل (3) ليس يثنيها كلال ووجا
لا تهاب السير في جنح الدجى وكذا لا تخشي حر الضحى
(1) البوغاء، التراب الناعم الهابي في الهواء.
(2) كذا في الأصل، ولعلها: تقطع الأتلال ناقة.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 223

عج بأرض حل فيها سيد مجده أرفع قدراً من ذكا
خير من جاهد في الله ومن في سبيل الله بالنفس سخا
تركوه في العرا منجدلاً ذا فؤاد يشتكي حر الصدا
بدر تم صار من بعد الثرا وعلو المجد ضمناً في الثرى
كربلا مذ أشرقت من دمه أظلمت في الخلق أعلام الهدى
يا شريك الذكر من ذكرك في مهجتي من حر أشجاني لظا
وبخدي لحمه من أدمعي فيضها أربى على بحر ظما
ما دروا كم فريت من بغيهم كبد للمصطفى والمرتضى
يا مصاباً أهله فاطمة وأبوها وعلي ذو العلا
أيها القاصد بيت الله بالـ ـعج والثج إذا نلت المنى
من تمام الحج والعمرة عج بضريح ضم خير الأنبيا


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 224

أبلغته من سلامي ما زكا من فؤاد ضمنه صدق الولا
ثم قل يا خير مبعوث به كشف الله عن الخلق العمى
لو ترى سبطك فرداً ماله ناصر يفديه من جهد البلا
وبنات لك قد أثخنتها من مديد السير افراط العنا
وأكفاً بريت من ساعد كان في راحتها بحر الندى
ووجوهاً كالمصابيح لها في ظلام الليل نور يستضا
كم تجافت عن وثير الفرحش أجـ ـسادها تخلص لله الدعا
أصبحت في كربلا مخضباً شيبها بالدم من حد الظبا
يا بني الزهراء مما نالكم مدمعي من فرط حزني ما رقى
وكذا نار الأسى في كبدي حرها يذكي رسيساً في الحشا
وبقلبي لوعة ما آن لها فيكم حتى مماتي منتهى


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 225

أنتم سفن نجاتي لا أرى غيركم ينقذ إن خطب عرا
وبكم ارجو إذا ما نشرت صحف الأعمال في يوم القضا
ان يراني الله رقاً خالصاً لعلا مجدكم العالي البنا
آه من نسوتكم يسرا بها حسراً يمشون في ذل السبا
بين أرجاس لهم أفئدة ملئت حقداً كجلمود قسا
فوق أقتاب بها يسرى إلى الـ ـرجس نجل ابن زياد ذي الشقا
قد مزجت الدمع فيكم بدم وعلى عيني إذ نفث البكا
وبقلبي حرقة من هظمكم حرها منذ وجودي ما خبا
كم مراث فيكم أرسلتها نظمها ينبىء عن صدق الولا
يزدريها حاسدي من غيظه حين يطويها ولبي بالثنا
ويرى للبغض منه وجهة ذا امتناع لاح ما فيه خفى


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 226

يظهر النصح وفي أحشائه من نظامي حر نار تصطلى
ويراني ضاحكاً مبتسماً بمديح وثناء ودعا
وإذا ما غبت عنه سل من بغيه غضباً به عرضي برا
يختل الأغمار بالزهد وفي قلبه الفاسد مكر ودها
وترى في فرض عرضي جاهداً معلناً كالنار في جزل الغضى
فإذا فكرت فيما نالكم هان ما ألقاه من فرط الأسى
وأرى الصبر جميلاً غبه فاسلي القلب مني بالأسى
يا عياذي وملاذي إن عرت غصة تعرض في الحلق شجا
كل عام ينقضي أقضي من حقكم مأتم حزن وعزا
واسيل الدمع من نظم بكم راق يستفديه رب النهى
وتراه شابني في فمه علقماً لا يزدريه ذي الشقا


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 227

وابكي شيعة في حبكم طاب منها فرعها والمحتدى
وبكم أرجو نجاتي من لظى حرها ينزع باللفح الشوى
وعليكم صلوات ما بدا كوكب أظهره ليل بدا
وعلى من منعوكم حقكم لعنات ما لها من منتهى


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 228



فصل

في خروج الحسين صلوات الله عليه إلى العراق، وما جرى عليه في طريقه، ونزوله في الطف (1)


قيل: جمع الحسين عليه السلام أصحابه بعد أن وصل إليه كتاب مسلم بطاعة أهل العراق وحسن نياتهم وانقيادهم فعزم عليه السلام على الخروج وأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه رحله وزاده، ثم إنه طاف بالبيت وتهيأ للخروج وحمل بناته وأخواته على المحامل، فقصد (2) من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلاً من شيعته ومواليه وأهل بيته، فلما خرج اعترضه أصحاب الأمير عمرو بن سعيد بن العاص فجالدهم بالسياط ولم يزد على ذلك فتركوه وصاحوا على أثره: ألا تتقي الله تعالى تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الامة؟
فقال الحسين عليه السلام: « لي عملي ولكم عملكم» (3)الآية.
وسار صلوات الله عليه حتى صار بالتنعيم، ولقي هناك عيراً تحمل الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية لعنه الله من عامله باليمن، فأخذ الحسين
(1) انظر فيما يتعلق بهذا الفصل: الفتوح لابن أعثم الكوفي: 5/119 وما بعدها، تاريخ الطبري: 5/382 وما بعدها.
(2) في المقتل: وفصل.
(3) سورة يونس: 41.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 229

ذلك كله وقال لأصحاب الإبل: لا اكرهكم، من أحب أن يمضي معي إلى العراق أوفيناه كراه حسناً، وأحسناً صحبته، ومن أراد فرقتنا من مكاننا هذا وفيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق، فمن فارقه حاسبه ووفاه حقه (1)، ومن مضى معه أعطاه كراه وكساه. (2)
وإنما أخذ عليه السلام العير لأنها كانت من أموال المسلمين، وكان حكم المسلمين، إليه صلوات الله عليه، وكان خروجه قبل أن يعلم بقتل مسلم، وقيل: كان خروجه من مكة يوم قتل مسلم بعد أن كتب إليه مسلم بأخذ البيعة واجتماع الناس عليه وانتظارهم إياه.
وروى ابن جرير ـ بحذف الاسناد ـ عن الأعمش قال: قال لي ابو محمد الواقدي وزرارة بن صالح (3): لقينا الحسين عليه السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاثة، فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة، وأن قلوبهم معه واسيافهم عليه.
فأوماً بيده نحو السماء، ففتحت ابواب السماء، ونزلت الملائكة عدداً لا يحصيه إلا الله عزوجل. فقال عليه السلام: لو لا تقارب الاشياء، وسقوط الأجر، (4) لقاتلتهم بهؤلاء، ولكني أعلم علماً (5) أن هناك مصرعي، وهناك مصارع أصحابي، لا
(1) في المقتل: ما قطع من الأرض ، فمن فارقه منهم حوسب وأوفاء حقه.
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/220 نقلاً عن ابن أعثم.
(3) في الملهوف: خلج.
وذكر في مستدركات علم الرجال: 3/425 زرارة بن خلج وزرارة بن صالح وعدهما شخصين، وكلامهما تشرف بلقاء الحسين عليه السلام، ولعل الاسمين لشخص واحد.
(4) في الملهوف:وحضور الأجل.
(5) في الملهوف: يقيناً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 230

ينجو منهم إلا ولدي علي (1). (2)
وروى سيدنا ومولانا، السيد الجليل علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن طاووس الحسيني رضي الله عنه أن مولانا الحسين عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً، فقال:
الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تتقاطعها عسلان (3) الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً، وأجوفة (4) سبغاً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضاء الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته، هي مجموعة عليه (5) في حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل (معنا) (6)، فإني راحل إن شاء الله (7). (8)
وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى،
(1) انظر: دلائل الامامة: 74، نوادر المعجزات: 107 ح 1، الدر النظيم: 167 (مخطوط). إثبات الهداة: 2/588 ح 68، البحار: 44/364.
(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 124 ـ 126 و 130.
(3) في الملهوف: تقطعها ذئاب.
(4) في الملهوف: تقطعها ذئاب.
(5) في الملهوف: له.
(6) من الملهوف.
(7) انظر: مثير الأحزان: 41، كشف الغمة: 2/29، البحار: 44/366 ـ 367.
(8) الملهوف على قتلى الطفوف: 126.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 231

عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنيفة عنه، فقال ابوعبدالله عليه السلام: يا حمزة، إني ساحدثك (1) بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك (2) هذا، إن الحسين عليه السلام لما فصل متوجهاً دعا (3) بقرطاس وكتب فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم أما بعد: فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف (عني) (4) لم يبلغ مبلغ الفتح، والسلام (5) وذكر شيخنا المفيد محمد بن (محمد بن) (6) النعمان رضي الله عنه (في كتاب مولد النبي صلى الله عليه وآله ومولد الأوصياء صلوات الله عليهم) (7) بإسناده إلى أبي عبدالله عليه السلام، قال: لما سار أبوعبدالله عليه السلام من
(1) في البحار: ساخبرك.
(2) في الملهوف: مجلسنا.
(3) في الملهوف: أمر.
(4) من الملهوف. وفيه: لم يبلغ الفتح.
(5) انظر: بصائر الدرجات: 481 ـ 482 ح 5، كامل الزيارات: 75، دلائل الامامة: 77، نوادر المعجزات: 109 ح 6، تيسير المطالب: 91، الخرائج والجرائح: 2/771 ذ ح 93، المناقب لابن شهراشوب: 4/76، مختصر بصائر الدرجات : 6، إثبات الهداة: 2/577 ح 18، البحار : 42/81 ح 12،وج 45/84 ح 13 وص 87 ح 23.
(6 و 7) من الملهوف.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 232

(مكة ليدخل) (1) المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة والمردفة (2) في أيديهم الحراب، على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك صلى الله عليه وآله بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا.
فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني.
فقالوا: يا حجة الله، مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟
فقال: لا سبيل لهم علي، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.
وأتته أفواج مسلمي (3) الجن، فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.
فجزاهم الحسين خيراً، وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: « أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة» (4) وقال سبحانه: « لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم» (5)؟ وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى (6) هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا
(1) من الملهوف.
(2) في الملهوف: المسومين والمردفين.
(3) في الملهوف: من مؤمني.
(4) سورة النساء: 78.
(5) سورة آل عمران: 154.
(6) في الملهوف: فبم يمتحن؟
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 233

يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى (لي) (1) يوم دحا الأرض،وجعلها معقلاً لشيعتنا،وتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة؟ ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الذي في آخره اقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.
فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك (2) قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.
فقال لهم عليه السلام: نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن « ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة» (3). (4)
ثم سار الحسين صلوات الله عليه حتى بلغ ذات عرق (5) فلقيه رجل من بني أسد يقال له بشر بن غالب، فقال الحسين: من أين أقبلت؟ قال: من العراق. قال: كيف خلفت أهل العراق؟
(1) من الملهوف.
(2) زاد في الملهوف: لخالفناك و.
(3) سورة الأنفال: 42.
(4) الملهوف على قتلى الطفوف: 129 ـ 130.
ومن قوله : (روى محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: 44/330 ت 331 عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: 17/179.
(5) ذات عرق: مهل أهل العراق ، وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق. وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق.
وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق. (معجم البلدان: 4/107 ـ 108).
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 234


فقال: يا ابن رسول الله، خلفت القلوب معك والسيوف مع بني امية.
فقال: صدقت إن الله يفعل ما يشاء.
فقال الرجل: يا ابن رسول الله، خبرني عن قول الله سبحانه: « يوم ندعوا كل اناس بامامهم» (1).
فقال الحسين: نعم، يا أخا بني أسد، هما إمامان، إمام هدى دعا إلى هدى، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنة، وهذا من أجابه إلى الضلالة في النار.
قال: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أميرالمدينة بأن الحسين عليه السلام توجه إلى العراق، فكتب إلى ابن زياد:
أما بعد:
فإن الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحذر ـ يا ابن زياد ـ أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك (وقومك) (2) أمراً في مدة (3) الدنيا لا يسده (4) شيء، ولا تنساه الخاصة والعامة أبداً ما دامت الدنيا.
قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد. (5)
(1) سورة الاسراء: 71.
(2) من البحار.
(3) في المقتل والبحار: هذه.
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/220 ـ 221، الملهوف على قتلى الطفوف: 131.
ومن قوله : واتصل الخير بالوليد) إلى هنا نقله المجلسي رحمه الله في البحار: =
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 235

قال: ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية (1) وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد، ثم استيقظ، فقال: رأيت هاتفاً (2) يقول: أنتم تسرعون (3) والمنايا تسرع بكم إلى الجنة.
فقال له ابنه علي: يا أباه، ألسنا على الحق؟
فقال: بلى، يا بني، والذي إليه مرجع العباد.
فقال: يا أباه، إذن لا نبالي بالموت.
فقال الحسين عليه السلام: جزاك الله خير ما جزى ولداً عن والده.
ثم بات صلوات الله عليه، فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي قد أتاه فسلم عليه، ثم قال: يا ابن رسول الله، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدك صلى الله عليه وآله؟
فقال الحسين عليه السلام: ويحك يا أبا هرة، إن بني امية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة (منهم) (4) فحكمت في أموالهم ودمائهم
= 44/368 عن كتابنا هذا. وكذا في عوالم العلوم: 17/218.
(1) الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة على ميل منها مشرف، وإنما سميت بالثعلبية لإقامة ثعلبة بن عمرو بها، وقيل: سميت بثعلبة بن دودان بن أسد وهو أول من حفرها ونزلها. (معجم البلدان: 2/78).
(2) في المقتل: فارساً.
(3) في الملهوف: تسيرون.
(4) من المقتل والملهوف.

السابق السابق الفهرس التالي التالي