تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 125


المجلس السادس

في ذكر مقامات أذكر فيها ما تم على الحسين عليه السلام بعد موت معاوية عليه اللعنة والعذاب، وذكر ولاية يزيد عليه من الله ما يستحق من العذاب المهين أبد الآبدين إلى يوم الدين، وغير ذلك من رسائل صدرت إليه عليه السلام من مواليه ومخالفيه، وما أجاب عنها، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المنتجبين.



الخطبة


الحمد لله الذي جعل البلاء موكلاً بأنبيائه وأوليائه، والابتلاء وسيلة لهم إلى اجتبائه واصطفائه، وكلفهم ببذل الأرواح في جهاد أعدائه، وشرى منهم الأنفس والأموال بنعيمه الباقي ببقائه، وربحت تجارتهم لما أوقعوا عقد بيعة ربهم، وفازت صفقتهم لما حازوا من الزلفى بقربهم، وشمروا عن ساق في سوق عباده إلى طاعته، وكشفوا عن ساعد الاستنفاذ أنامه من ورطة معصيته، وتلقوا حر الصفاح بوجوههم وأجسادهم، وصبروا على مض الجراح لاستخلاص الهلكى وإرشادهم ، فأغرى الشيطان سفهاءهم، وحمل أولياءه على حربهم،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 126

فركبوا الصعب والذلول في قتالهم، وخالفوا نص الرسول بكفرهم وضلالهم وقصدوهم في أنفسهم وأموالهم، وحاربوهم بخيلهم ورجالهم، فاستشعروا لباس الصبر الجميل طلباً للثواب الجزيل، وباعوا النزر القليل بالباقي الجليل، وجاهدوا الفجرة بجدهم وجهدهم، وحاربوا الكفرة بذاتهم وولدهم، وتبرموا بالحياة في دولة الظالمين، واستطابوا الممات لغلبة الضالين، وامتثلوا أمر الله بعزائم أبية، وانوف حمية، واصول نبوية، وفروع علوية، وأرواح روحانية، وأنفس قدسية، وقلوب على تقوى الله جبلت، وبالحق قضت وعدلت.
عرجت أرواحها إلى المحل الأسنى، ورقت نفوسها إلى الملكوت الأعلى، فشاهدت بأبصار بصائرها منازل الشهداء في جنة المأوى، ولاحظت بأفكار ضمائرها ما اعد للمجاهدين في سبيله في دار الجزاء، فآثرت الآخرة على الاولى، وما يبقى على ما يفنى.
فيا من يخطىء صوابهم، ويستحب عتابهم، ويستعذب ملامهم، ويسفه أحلامهم، ويتلو بنية فاسدة مشتركة: « ولا تلقوا بأيـديكم إلى التهلـكة» (1)، جهلاً منه بمواقع التنزيل، وغياً عن مواضع التأويل، تبت يدك، وفل جدك، لقد نافقت بإسلامك، وأخطأت عن مرامك، وعشى عن ضوء شمس الحق إنسان عينك، واستولى الشك على مشوب يقينك، أتعلم من أنزل في بيوتهم، وورد الذكر في صفاتهم ونعوتهم، وفخر جبريل يوم العبا بصحبتهم، وانزلت سورة (هل أتى) في مدحتهم؟
يا ويلك أتورد حجتك، وتورك شبهتك، على قوم الدنيا في أعينهم أقل من كل قليل، وعزيزها لديهم أذل من كل ذليل؟ علمهم لدني، وكشفهم
(1) سورة البقرة: 195.
تسلية المجالس وزنية المجالس 127

رحماني، أطلعهم سبحانه على مصون سره، وقلدهم ولاية أمره في بره وبحره، وسهله ووعره، فهم الوسائل إليه، والأدلاء عليه، قصرت الأفهام عن إدراك جلالهم، وحصرت الأوهام عن تصور كمالهم، فاقوا الخضر في علم الباطن والظاهر، وفاتوا الحصر بالدليل القاطع والمعجز الباهر، فالخليل يفخر بابوتهم، والكليم يقصر عن رتبتهم، والمسيح باسمائهم يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، والروح الأمين يتنزل عليهم في منازلهم بأمر الله.
لما علموا أن الحياة الفانية مبالغة لهم عن حصول مطلوبهم، قاطعة عن الوصول إلى محبوبهم، حاجبة عن منازل قربهم، حاجزة عن جوار ربهم، قطعوا العلائق للاتصال بالمحلل الأسنى، وخلعوا لباس العيش الدني الاولى، وتلقوا بوجههم الصفاح والرماح، وصبروا بشدة عزمهم على مض الجراح، تشوفاً إلى الاتصال بمنازل القبول والرضوان، وتشوقاً إلى الاستظلال بأظلة تلك العواطف والامتنان، وبذلوا أنفسهم فنالوا فضلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان أعظم من أطاع الله منهم بجده وجهده، وأخلص لله ببذل نفسه وولده، وأراد أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وسبب الله الأقوى، ودينه الأعلى، إمام الامة، وأب الأئمة، ومنبع الحكمة، ومجمع العصمة، صاحب الأصل السامي، والفرع النامي، والمجاهد المحامي، معاذي وملاذي يوم حشري وقيامي، وحياتي ومماتي وارتحالي ومقامي، والأواه الحليم، الجواد الكريم، صاحب المصيبة العامة، والرزية الطامة، والواقعة الكبرى، والمحنة العظمى، قتيل العبرة وصريع الفجرة، وسليل البررة، وسراج العترة، وطاهر الاسرة.
النبوة أصله، والامامة نسله، خاتم أصحاب الكساء، ابن خير الرجال وخير النساء، جده النبي، وأبوه الوصي، وامه الزهراء ومغرسه البطحاء، طار

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 128

بقوادم الشرف وخوافيه، وتعالى في سماء الكرم بمعاليه، أشرف خلق الله، وأفضل شهيد في الله، الباذل ذاته في الله، البائع نفسه من الله، القائم بأمر الله، الصادع بحكم الله، المخلص بجهاده في الله، الموفي بما عاهد عليه الله.
كتف الرسول مركبه، وثدي البتول مشربه، كل شرف لشرفه يخضع، وكل مجد لمجده يصرع، وكل مؤمن له ولأبيه وجده يتبع، وكل منافق عن سبيله وسبيل آله يتكعكع، لا يقبل الله إيمان امرىء إلا بولائه، ولا يزكي عمل عامل إلا باتباعه، ولا يدخل الجنة إلا مستمسكاً بحبله، ولا يصلى النار إلا منكراً لفضله، أطول خلق في المجد باعاً وذراعاً، وأشرف رهط في الفخر ذرية وأشياعاً، جده علي، وجده نبي، وأبوه ولي، وولده أطهار، ونجله أبرار.
المجاهد الصبور، الحامد الشكور، منبع الأئمة، وسراج الامة، أطهر الأنام أصلا، وأظهرهم فضلاً، وأزكاهم فعلاً، وأتقاهم نجلاً، وأنداهم كفاً، وأعلاهم وصفاً، وأشرفهم رهطاً، وأقومهم قسطاً، سؤدده فاخر، ومعدنه طاهر، لا يقذع صفاته، ولا تغمز قناته، ولايدرك ثناؤه، ولا يحصى نعماؤه، كم أغنى ببره عائلاً؟ وكم آثر بقوته سائلاً؟ أفخراً أسباط الانبياء، وأفضل أولاد الأولياء، محيي الليل بركوعه وسجوده، ومجاري السيل بنائله وجوده، واقوى من بذل في الله غاية مجهوده، وأسمى من استأثر من العلى بطارفه وتليده.
إمام المشرقين والمغربين، ونتيجة القمرين، بل الشمسي، وابن مجلي الكربين، عن وجه سيد الكونين، في بدر وحنين، ومصلي القبلتين، وصاحب الهجرتين، سيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين، عليه تحياتي بتوالي صلواتي تتلى، وفي فضله تروى قصائدي، وبذكره تنجح مقاصدي، وبسببه تتصل أسبابي، وفي حضرته محط ركابي، ولرزيته تتصاعد زفراتي، ولمصيبته تتقاطر

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 129

عبراتي، ولواقعته تستهل شؤوني، ولقتله لا تبخل بدمعها عيوني.
فها أنذا أنشد من قلب جريح، وأروي عن طرف قريح:
ولى الشبـاب فقلبي فيه حسـرات وفي حشـاي لفرط الحزن حرقات
وحين ولى شبابي وانقضى عمري حلت بجسمي لفرط الضعـف آفات
في كل يوم يزيد الوهن في جسدي وتعترينـي من الأسقـام فتـرات
وابيض فودي ولكن سودت صحفي كبـائر صـدرت عنــي وزلات
إذا تذكرتها أذكـت رسيـس جوى في مهجتي وجرت في الخد عبرات
كم ليلـة بـت أحسبهـا بمـوبقة تذكو لتذكارها فـي القلب جمرات
كأن ما كان من شرح الشباب ومن لذات عيـش مضـت إلا منامات
أعملـت فكري فـي قوم صحبتهم لم يبق مـن أثرهـم إلا الروايات
سألـت ربعهـم عني فجــاوبني من الصدى كل مـن ناديتهم ماتوا


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 130

يذيـب تذكـارهـم قلـبي ويجعلـه دمعـاً يصـاعده وجـد وزفرات
سبعون عاماً تقضت صرت أحصرها في عدها لفناء عمـري علامـات
لـم أستفد صالحـاً فيهـا ولا علقت يدي بما فيه لي في الحشر منجات
سوى اعتصامي بمن في مدحهم نزلت مـن المهيمـن في التنزيل آيات
في سورة الدهر والأحـزاب فضلهم مقامهـم قصـرت عنه المقامات
وفي العقود مـن المجـد الرفيع لهم عقود مـدح لهـا فيهـم إشارات
ليوث حرب إذا نيـرانها اضطرمت غيوث جـدب إذا مـا عم أزمات
مطهرون من الأرجـاس إن وصفوا منزهون عـن الأدنـاس سادات
هم المصـابيح فـي جنح الدجا فلهم فيـه مـن الله بالاخلاص حالات
هـم البحـار إذ وازنـت فضلهـم بهـا فعلمهــم فيــه زيـادات
باعـوا مـن الله أرواحـاً مطهـرة أثمانهـا مـن جـوار الله جنات


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 131

يطـاف منهـا عليهـم فـي منـازلهم من الرحيق بأيدي الحور كاسات
نـاداهـم الله بـالتعظيـــم إذ لـهم أرواح صدق سميعات مطيعـات
أن ابذلــوا أنفســاً في طاعتي فلكم ببذلها في جنان الخلد روضـات
أجاب منهــم لســان الحـال ان لنا رضاك روح وريحان وراحـات
الخلــد والجنـة العليــا ولذتهــا في جنب حبك إيانا حقيــرات
أنت المــراد وأنت السؤل قد صدقت منا لأمرك في الدنيا العزيمـات
هذا الحسيــن الذي وفـــى ببيعته لله صدقاً فوافته السعـــادات
نال المعـــالي ببـذل النفس مجتهداً لم تثنه من بني الدنيا خيـالات
إن قيل في الناس من أعلى الورى نسباً أومت إليه اصول هاشميــات
أعلى الورى حسبـــاً أقواهم سببـاً أزكاهم نسباً ما فيه شبهــات
الجــد أكــرم مبعــوث ووالـده في الله كم كشفت منه ملمـات


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 132

حزني لمـا نالـه لا ينقضي فــإذا ذكرته هـاج بي للوجد حسرات
وينثني الطرف مني والحشا لهمــا في الخد والقلب عبرات وحرقات
لم أنسه في صعيد الطف منعفــراً قد أثخنته مــن القوم الجراحات
يشكوا الاوام ويستسقي وليس لعصـ ـبة به أحدقت فـي الله رغبات
لهفي عليه تريب الخد قـد قطعـت أوصاله من أكف القوم شفـرات
أردوه في الترب تعفوه الرياح لــه من الدماء سرابيل وخلعـــات
وصيروا رأسه مــن فوق ذابلهـم كبدر تم به تجلـى الدجنــات
وسيدات نساء العالميــن لهـــا فوق الرحـال لفرط الحزن أنات
تساق والصدر فيه مـن تألمهـــا عقود دمع لهـا في الخد حبـات
يسترن منهن بالأيدي الوجـوه وفي قلوبهن مـن التبريـح جمـرات
يندبن من كان كهف العائذيـن ومن في كفه لذوي الحاجـات نعمـات


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 133

أو في الأنـام فتـى وفـي ببيعته وخير من ربحت منه التجـارات
مـن عرقت فيـه أصلاب مطهرة من كل رجس وأرحـام زكيـات
وامهات وآباء علــت شرفــاً على السمـاك وأجداد وجــدات
إن عد علم وحكم كـان فيه لهـم بالخطب والحرب آراء ورايـات
في حبهـم قدمـي مـا ان لثابتها حتى اضطجاعي في لحدي مزلات
أبكي لخطبهـم بدل الدموع دمـاً كأنني لعظيــم الـحزن مـقلاة
إذا ذكرت ابن بنت المصطفى وبه قد أحدقت مـن جنود البغي ثلاث
وصار فيهم وحيداً لا نصيـر لـه منهم ولا من له في الخير عادات
قوم بغاة شروا دين الضلالة بـالـ ـهدى فخابت لهم للخسر صفقات
فيا عيوني أذرفي حزناً عليه لكي تطفي سعيراً لها في القلب لدغات
إذا خبت زادها مني رسيس جوى يذيب ناحل جسمي منه نفحــات


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 134

يا للرجال أما للحق مـن عصب لهــا وفـاء وآنـاف حميـات
تذب عن أهل بيت للأنـام هـم نور به تنجلي عنهـم مغمــات
قوم لهم نسب كالشمس في شرف تزينـه أوجــه منهـم نقيـات
البذل شيمتهم والمجـد همتهـم والذكر فيـه لهـم فضل ومدحات
البيت يزهو إذا طافوا بـه ولهم مجد به شرفـت منهـم بيوتـات
أخنى الزمان عليهم فانثنى وهم في كربلا لسيوف البغي طعمـات
اولي رؤوس وأطراف مقطعـة تقرأ عليها مــن الله التحيــات
نفسي الفدا لهم صرعى جسومهم تسفي عليها من الأعصاب قترات
أرواحها فارقت أجسادها فلهـا بذاك في دار عفـوا الله غرفـات
حزني لنسوته حسرى مهتكــة إلى يزيد بها تسـري الحمـولات
اولي وجوه لحر الشمس ضاحية ما آن لها من هجير القيظ سترات


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 135

حتى إذا دخلـوا شـر البلاد على شر العبـاد بدت منـه المسـرات
وعاده عيــد أفـراح بمقدمهـم عليه اسرى ووافتـه البشــارات
فأظهر الكفـر والإلحـاد حينئـذ بقوله ليت أشياخــي الاولى فاتوا
في يوم بدر رأوا فعلي وما كسبت يدي لطابت لهم بالصفو أوقــات
ولا استهلوا وقالوا يا يزيـد لقـد بك انجلت من غموم الحزن كربات (1)

وذكر الامام أحمد بن أعثم الكوفي ان معاوية لما حج حجته الأخيرة ارتحل من مكة، فلما صار بالابواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته، فاطلع في بئر الأبواء، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه، فأصبح وهو لما به مغموم، فدخل عليه الناس يعودونه، فدعوا له وخرجوا من عنده، وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به.
فقال له مروان بن الحكم: أجزعت يا أميرالمؤمنين؟
فقال: لا يا مروان، ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفاً، ثم إني بكيت في إحني، وما يظهر للناس مني، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان من دفعي حق علي بن ابي طالب عليه السلام، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه، ولولا هواي من يزيد لأبصرت رشدي، وعرفت قصدي.
(1) سقط من الأصل ـ ما بعد هذا ـ مقدار صفحة واحدة أو صفحتين، ولعل القصيدة لم تنته بعد.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 136


قال: ولما أخذ البيعة ليزيد أقبل عليه فقال: يا بني، اخبرني الآن ما أنت صانع في هذه الامة، أتسير فيهم بسيرة أبي بكر الصديق الذي قاتل أهل الردة، وقاتل في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟
فقال: يا أمير المؤمنين، إني لا اطيق أن أسير بسيرة أبي بكر، ولكن آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله.
فقال: يا بني، أتسير فيهم بسيرة عمر بن الخطاب الذي مصر الأمصار، وفتح الديار، وجند الأجناد، وفرض الفروض، ودون الدواوين، وجبى الفيء، وجاهد في سبيل الله حتى مضى والناس عنه راضون؟
فقال يزيد: لا أدري ما صنع عمر، ولكن آخذ الناس بكتاب الله والسنة.
فقال معاوية: يا بني، أفتسير فيهم بسيرة ابن عمك عثمان بن عفان الذي أكلها في حياته، وورثها بعد مماته، واستعمل أقاربه؟
فقال يزيد: قد أخبرتك يا أميرالمؤمنين، إن الكتاب بيني وبين هذه الامة به آخذهم وعليه أقتلهم.
قال: فتنفس معاوية الصعداء وقال: إني من أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، ودفعت حق علي بن ابي طالب، وحملت الوزر على ظهري، وإني لخائف انك لا تقبل وصيتي فتقتل خيار قومك، ثم تغزو حرم ربك فتقتلهم بغير حق، ثم يأتي الموت بغتة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت.
يا بني، إني جعلت هذا الملك مطعماً لك ولولدك من بعدك، وإني موصيك بوصية فاقبلها فإنك تحمد عاقبتها، وإنك بحمد الله صارم حازم؛ انظر ان تثب

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 137

على أعدائك كوثوب الهزبر البطل، ولا تجبن كجبن الضعيف النكل، فإني قد كفيتك الحل والترحال، وجوامع الكلم والمنطق، ونهاية البلاغة، ورفع المؤنة، وسهولة الحفظ، ولقد وطأت لك يا بني البلاد، وذللت لك رقاب العرب الصعاب، واقمت لك المنار، وسهلت لك السبل، وجمعت لك اللجين والعقيان، فعليك يا بني من الامور بما قرب مأخذه، وسهل مطلبه، وذر عنك ما اعتاص عليك.
وأعلم ـ يا بني ـ ان سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث: بقلب واسع، وكف بسيط، وخلق رحيب، وثلاث اخر: علم ظاهر، وخلق طاهر، ووجه طلق، ثم تردف ذلك بعشر اخر: بالصبر، والأناة والتودد، والوقار, والسكينة، والرزانة، والمروءة الظاهرة، والشجاعة، والسخاء، والاحتمال للرعية بما تحب وتكره.
ولقد علمت ـ يا بني ـ أني قد كنت في أمر الخلافة جائعاً شبعان، بشماً شهوان، اصبح عليها جزعاً، وامسي هلعاً، حتى أعطاني الناس ثمرة قلوبهم وبادروا إلى طاعتي، فادخل ـ يا بني ـ من هذه الدنيا في حلالها، واخرج من حرامها، وانصف الرعية، واقسم فيهم بالسوية.
واعلم ـ يا بني ـ أني أخاف عليك من هذه الامة أربعة نفر من قريش: عبدالرحمان بن أبي بكر، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، وشبيه أبيه الحسين بن علي.
فأما عبدالرحمان بن أبي بكر فإنه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم وهو رجل همته النساء ولذة الدنيا فذره ـ يا بني ـ وما يريد، ولا تأخذ عليه شيئاً من أمره فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الامة، وقد يحفظ الولد في أبيه.
وأما عبدالله بن عمر فإنه رجل صدق وحش من الناس، قد أنس بالعبادة، وخلا بالوحدة فترك الدنيا وتخلى منها، فهو لا يأخذ منها شيئاً، وإنما

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 138

تجارته من الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب، فاقرأ عليه ـ يا بني ـ منك السلام وابعث إليه بعطاياه موفرة مهنأة.
وأما عبدالله بن الزبير فما أخوفني منه عنتاً فإنه صاحب خلل في القول، وزلل في الرأي، وضعف في النظر، مفرط في الامور، مقصر عن الحق، وإنه ليجثو لك كما يجثوا الأسد في عرينه، ويراوغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته منك فرصة لعب بك كيف شاء، فكن له ـ يا بني ـ كذلك، واحدة كحذو النعل بالنعل، إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة فأمسك عنه واحقن دمه، وأقمه على ما يريد.
وأما الحسين بن علي، فأوه أوه يا يزيد، ماذا أقول لك فيه؟ فاحذر أن تتعرض له إلا بسبيل خير، وامدد له حبلاً طويلاً، وذره يذهب في الأرض كيف يشاء، ولاتؤذه ولكن أرعد له وأبرق، وإياك والمكاشفة له في محاربة بسيف أو منازعة بطعن رمح، بل أعطه وقربه وبجله، فإن جاء إليك أحد من أهل بيته فوسع عليهم وأرضهم، فإنهم أهل بيت لا يسعهم إلا الرضا والمنزلة الرفيعة.
وإياك ـ يا بني ـ أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فقد حدثني ابن عباس، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته وهو يجود بنفسه وقد ضم الحسين إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأبرار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لم يحفظه من بعدي.
قال ابن عباس: ثم اغمي على رسول الله ساعة ثم أفاق فقال: يا حسين، إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصماً لمن قاتلك يوم القيامة.
يا بني، فهذا حديث ابن عباس وأنا احدثك عن رسول الله صلى الله عليه

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 139

وآله انه قال: أتاني يوماً حبيبي جبرئيل فقال: يا محمد، إن امتك تقتل ابنك حسيناً، وقاتله لعين هذه الامة، ولقد لعن النبي صلى الله عليه وآله قاتل حسين مراراً.
فانظر ـ يا بني ـ ، ثم انظر أن تتعرض له بأذى، فإنه مزاج ماء رسول الله، وحقه والله ـ يا بني ـ عظيم،وقد رأيتني كيف كنت أحتمله في (1) حياتي، واضع له رقبتي وهو يجبهني بالكلام القبيح الذي يوجع قلبي فلا اجيبه، ولا أقدر له على حيلة، لأنه بقية أهل الأرض في يومه هذا. (2)
قلت: لعن الله معاوية ما اشد نفاقه، وأعظم شقاقه؟ فإنه كان يعرف الحق لكن الشقاق وحب الدنيا غلب على قلبه، حتى كفر بأنعم ربه، وارتد عن الدين الذي كان قد تدين به ظاهراً، وأبوه من قبله لا باطناً، وهب إنه كان في الظاهر والباطن مسلماً وليس كذلك، أليس قد كفر بحرب أميرالمؤمنينن وقتل جماعة من المهاجرين الأولين، كخزيمة بن ثابت وعمار وغيرهما من أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فهو إما كافر أصلي أو مرتد عن الاسلام، فعلى كلا الأمرين لا تقبل توبته لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي، حربك حربي (3)
وقوله صلى الله عليه وآله:محاربوا علي كفرة (4)
وقوله صلى الله عليه وآله: يا علي، من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن
(1) ما بين المعقوفتين أثبتناه من مقتل الخوارزمي.
(2) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/173 ـ 176.
(3) انظر: إحقاق الحق: 6/440 ـ 441، وج7/296 ، وج13/70.
(4) انظر في معناه: إحقاق الحق: 4/235 و 238 ـ 239 و 276 و 277، وج7/331 و 337 و ج15/580، وج17/279، وج18/470.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 140

آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله. (1)
ومما يدل على كفره وإلحاده فعله بالامام السبط التابع لمرضاة الله أبي محمد الحسن عليه السلام من شن الغارات عليه، وإفساد قلوب الناس له، وبذل الأموال في حربه، وإفساد جموعه وجنوده، ثم دس السم له حتى ألقى كبده وحشاه، ومضى شهيداً مظلوماً مسموماً، فهل في فعله هذه الأفعال الشنيعة من حرب أميرالمؤمنين وموارطته ثمانية عشر شهراً، ثم قتل سبعة من أكابر الصحابة بعد كحجر بن عدي وأصحابه، ثم بسبه أميرالمؤمنين عليه السلام على المنابر إلا كما قال الله سبحانه: « فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» (2) وكقول فرعون لما أدركه الغرق: « قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين» (3) فرد الله سبحانه عليه بقوله: « الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين» (4).
فكان حال معاوية لما رأى علامات الموت كحال فرعون والكفار الذين ذكرهم سبحانه بقوله: « فلما رأوا بأسنا»، فعليه وعلى من يعتذر له، ويصوب آراءه واجتهاده فيما علم بطلانه من الدين ضرورة لعنة الله ولعنة اللاعنين، لأن إنكار ولاية أميرالمؤمنين وحربه، واستحلال وسفك دمه ودم ذريته وشيعته، كحال منكري الشرائع من الصلاة والزكاة والحج والنبوة، فهل يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصوب اجتهاده، ويؤول مراده، ويمهد له العذر على فعله؟
(1) انظر: إحقاق الحق: 6/380 ـ 394، وج16/588 ـ 599، وج 21/537 ـ 543.
(2) سورة غافر: 84 و 85.
(3) سورة يونس: 90.
(4) سورة يونس: 91.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 141


وإذا قبحنا باب تصويت اجتهاده وإنكار ما علم من الدين ضرورة بطلانه من استحلال حرب أميرالمؤمنين، وقتل ذريته وشيعته، فاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام أن يعتذروا ويحتجوا علينا باجتهاده ويقولوا: نحن ساقنا اجتهادنا إلى القول بصحة ما اعتقدناه من خلافكم ففعله عليه اللعنة والعذر له من أعظم حجة لهم علينا فلا نمنع من سبه، ولا نقول بإيمانه إلا من حاله كحاله في الكفر والبغي، وعداوة الحق وأهله.
وأقول: إن معاوية عليه اللعنة مع كفره ونفاقه كان يري أهل الشام والهمج الرعاع الصلاح واللين والتحلم والصفح عن المسيء منهم حتى استمال قلوب الناس، وصاروا يعدونه من أكابر الصحابة، ويسمونه «خال المؤمنين»، و«كاتب الوحي»، ويرون القتال معه جهاداً، وكان الحسن والحسين صلوات الله عليهما إذا دخلا عليه أراهم من التعظيم والاجلال ما لا مزيد عليه مع كفره وبغضه لهما في الباطن.
وأما يزيد عليه اللعنة فإن حاله كانت في الظاهر بخلاف حاله، لأنه كان متهتكاً متظاهراً بالفجور وشرب الخمر والتماجن والتشبيب بالسناء واقتناء الكلاب والفهود وآلات اللهو، وكان قد اتخذ قرداً وكلف به وأخدمه رجالاً، وسماه قيساً، كان إذا ركب أركبه معه في موكبه والخدم مكتنفة به وعليه ثياب الديباج، وكان إذا جلس للشرب أحضره معه في مجلسه ويسقي الحاضرين الخمر.
فمن كانت هذه حاله كيف يليق بأهل الصلاح والدين أن يقروا ببيعته، أو يدخلوا تحت طاعة أولاد الأنبياء وشيعتهم؟ فلولا جهاد سيدنا أبي عبدالله عليه السلام، وبذله نفسه وولده في إظهار كفره، وعدم الرضا بفعله، وأمره بالمعروف،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 142

ونهيه عن المنكر في متاجرته، لفسد نظام الاسلام، وارتد أكثر الناس على الأعقاب، ولحصل فتق في الاسلام ليس له راتق، فجزاه الله عن الاسلام وأهله أفضل الجزاء.
ولنرجع إلى ما كنا فيه:
ثم قال معاوية: وانظر ـ يا بني ـ أهل الحجاز فإنهم أصلك وفرعك، فأكرم من قدم عليك، ومن غاب عنك فلا تجفه ولا تعنفه.
وانظر أهل العراق فإنهم لا يحبونك أبداً، ولا ينصحونك، ولكن دارهم ما أمكنك، وإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف.
وانظر أهل الشام فإنهم بطانتك وظهارتك، وقد بلوت بهم وعرفت ثباتهم (1)، وهم صبر عند اللقاء، حماة في الوغى، فإن رابك (2) أمر من عدو يخرج عليك فانتصر بهم، فإذا أصبت حاجتك فارددهم إلى بلادهم يكونوا [بها] (3) لوقت حاجتك، ثم اغمي على معاوية، فلم يفق بقية يومه من غشيته، فلما أفاق قال: اوه اوه جاء الحق وزهق الباطل، ثم قال: إني كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو يقلم أظفاره، فأخذت القلامة، وأخذت بشقص من شعره على الصفا، فجعلتها في قارورة فهي عندي، فاجعلوا الشعر والأظفار في فمي واذني، ثم صلوا علي وواروني في حفرتي (4).
(1) في المقتل: نياتهم.
(2) في المقتل: دار بك.
(3) من المقتل.
(4) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/176 ـ 177.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 143


فليت يا شعري كيف لم يستحي من الله ورسوله وقد بارز أهل بيته بالعداوة ونصب الغوائل لهم والوقيعة في أسفارهم وانسارهم (1) أجسادهم؟! ثم عقد الأمر عند موته وولاية عهده لابنه يزيد الذي لا يوازيه كافر، ولا يلحقه فاجر، أكفر الخلق بالله، وأبغضهم للحق وأهله، وأشد الخلق تهتكاً مع خلعه جلباب الحياء، وتظاهره بشرب الخمور، وتعاطي الزنا والفجور، وسفك الدماء المحرمة، وغصب الأموال المحترمة، فعليه وعلى أبيه أشد العذاب وأعظم النكال، والله لو واروه في حفرة النبي صلى الله عليه وآله لم يغن عنه ذلك من الله شيئاً، كما لم يغن عن الأولين الذين دفنا إلى جانبه صلى الله عليه وآله نزهه الله عنهما ونقلهما عنه، « وقيل لهما ادخلا النار مع الداخلين» (2) وهو يرجو مع قبيح فعله الشفاعة من النبي، ويتبرك بشعره وظفره، والله يقول: « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى» (3)
ثم انقطع كلام معاوية ولم ينطق بشيء، وخرج يزيد على عادته في التهتك واللهو والصيد في يومه ذلك إلى نواحي حوران للنزهة والصيد وترك أباه بحاله، وقال للضحاك بن قيس: انظر لا تخف علي شيئاً من أمره، وتوفي معاوية من غد وليس يزيد حاضر، فكان ملكه عليه اللعنة تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، ومات بدمشق يوم الأحد لأيام خلت من شهر رجب سنة ستين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
قال: فخرج الضحاك من دار معاوية لا يكلم أحداً والأكفان معه حتى دخل المسجد الأعظم ونودي له في الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،
(1) كذا في الأصل.
(2) سورة التحريم: 10.
(3) سورة الأنبياء: 28.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 144

ثم قال: إن أميرالمؤمنين معاوية قد ذاق الموت، وشرب بكأس الحتف، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر بين الصلاتين ولا تقعدوا عن الصلاة عليه، ثم نزل عن المنبر وكتب إلى يزيد:
بسم الله الرحمن الرحيم (1)

الحمد لله الذي لبس (رداء) (2) البقاء، وكتب على عباده الفناء، فقال سبحانه: « كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذوالجلال والإكرام» (3).
لعبد الله أميرالمؤمنين يزيد من الضحاك بن قيس.
أما بعد:
فكتابي (4) إلى أمير المؤمنين كتاب تهنئة ومصيبة، فأما التهنئة فبالخلافة التي جاءتك عفواً، وأما المصيبة فبموت أميرالمؤمنين معاوية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل لتأخذ الناس بالبيعة، بيعة اخرى مجددة.
قال: فلما ورد الكتاب على يزيد وقرأه وثب من ساعته صائحاً باكياً، وأمر بإسراج دوابه، وسار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاث من موت معاوية، وخرج (الناس) (5) إلى استقباله، فلم يبق أحد يطيق حمل السلاح إلا ركب
(1 و 2 و 5) من المقتل.
(3) سورة الرحمن: 26 و 27.
(4) كذا في المقتل، وفي الأصل: فكتب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 145

(وخرج) (1)، حتى إذا وافى اللعين قريباً من دمشق وجعل الناس يتلقونه فيبكون ويبكي معهم.
ثم نزل في قبة خضراء لابنه وهو معتم بعمامة خز سوداء متقلداً سيف أبيه، فلما دخلها نظر فإذا قد فرش له فرش كثيرة بعضها على بعض، ما يمكن لأحد أن يرقى عليها إلا بالكراسي، فصعد حتى جلس والناس يدخلون عليه يهنئونه بالخلافة ويعزونه بأبيه، ويزيد يقول: نحن أهل الحق وأنصار الدين، فأبشروا يا أهل الشام فإن الخير لم يزل فيكم وسيكون بيني (2) وبين أهل العراق ملحمة، وذلك اني رأيت في المنام منذ ثلاث ليال كأن بيني وبين أهل العراق نهراً يطرد بالدم العبيط (ويجري) (3) جرياً شديداً، وجعلت أجتهد في منامي أن أجوزه فلم أقدر حتى جاء عبيدالله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه.
قال: فأجابه أهل الشام وقالوا: يا أميرالمؤمنين، امض بنا حيث شئت فنحن بين يديك، وسيوفنا هي التي عرفها أهل العراق في صفين.
فقال يزيد: أنتم لعمري كذلك، ثم قال: أيها الناس، إن معاوية كان عبداً من عباد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من كان قبله، ولا ازكيه على الله، فهو أعلم به مني، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنوبه، ولقد وليت هذا الأمر من بعده ولست اقصر عن طلب حق، ولا أعتذر من تفريط في باطل، وإذا أراد الله شيئاً كان، فصاح الناس من كل جانب: سمعنا وأطعنا، يا أميرالمؤمنين.
قال: فبايع الناس بأجمعهم يزيد وابنه معاوية بن يزيد من بعده، وفتح
(1 و 3) من المقتل.
(2) في المقتل: بينكم.
تسلية المجالس وزنية المجالس 146

بيوت الأموال وأخرج أموالاً جليلة (1) ففرقها عليهم، ثم عزم على إنفاذ الكتب إلى (جميع) (2) البلاد بأخذ البيعة له، وكان مروان بن الحكم والياً على المدينة فعزله وولى مكانه ابن عمه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكتب إليه يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله يزيد أميرالمؤمنين إلى الوليد بن عتبة.
أما بعد:
فإن معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه فاستخلفه ومكن له، ثم قبضه إلى روحه وريحانه أو عقابه (3)، عاش بقدر، ومات بأجل، وقد كان عهد إلي وأوصاني أن أحذر آل أبي تراب وجرأتهم على سفك الدماء، وقد آن ـ يا وليد ـ أن ينتقم الله للمظلوم (4) عثمان من آل أبي تراب بآل أبي سفيان، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة (لي) (5) على جميع الخلق في المدينة.
قال: ثم كتب في رقعة صغيرة:
أما بعد:
فخذ الحسين وعبدالله بن عمر وعبدالرحمان بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه، والسلام. (6)
(1) في المقتل: جزيلة.
(2 و 4) من المقتل.
(3) في المقتل: إلى روحه وريحانه ورحمته وثوابه.
(4) في المقتل: وقد علمت يا وليد أن الله تعالى منتقم للمظلوم.
(6) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/177 ـ 180.
تسلية المجالس وزنية المجالس 147


وروي عن مكحول، عن أبي عبيدة الجراح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني امية(يقال له يزيد). (1)
وبإسناد متصل بأبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أول من يبدل ديني رجل من بني امية.
قال: ابن أعثم: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة قرأه واسترجع، ثم قال: يا ويح الوليد بن عتبة من دخوله في هذه الامارة، مالي وللحسين؟ ثم بعث إلى مروان فدعاه وقرأ الكتاب عليه، فاسترجع مروان، ثم قال: رحم الله معاوية. فقال الوليد: أشر علي برأيك.
فقال مروان: أرى أن ترسل إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى الطاعة والدخول في بيعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدمتهم وضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل واحد منهم وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك منهم ما لا قبل لك به، إلا عبدالله بن عمر فإني لا أراه ينازع، فذره عنك، وابعث إلى الحسين وعبدالرحمان بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير فادعهم إلى البيعة، مع أني أعلم أن الحسين خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبداً، ولا يرى له عليه طاعة، والله إني لو كنت موضعك لم اراجع الحسين في كلمة واحدة حتى أضرب عنقه، فأطرق الوليد بن عتبة، ثم رفع رأسه وقال: ليت الوليد بن عتبة لم يولد.
(1) من المقتل.

السابق السابق الفهرس التالي التالي