تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 74

وخاننـي جلـدي لمـا دنـا أجـلي وأقبل الشيـب بالترحال يـؤذنني
سبعون عاماً مضت ماكـان أجمعها إلا كومض بريـق لاح فـي مزن
لـم أسـتفد صالحـاً فيها ولا عملاً إلى رضا الله فـي الاخرى يقربني
فكرت في عصب من اسرتي سلفوا وأهـل ودي وفيمن كان يصحبني
فمـا وجدت لهـم عينـاً ولا أثراً وليس حـي سواي من بني زمني
أيقنت انـي بهـم لا شـك ملتحق وان دهري بسهم المـوت يرشقني
فعـادني منهـم عيـد فسـال دماً دمعي لـذكرهم كـالعارض الهتن
علمت من عادة الدهر الخؤون بأن الشيب والموت مقرونان في قرني
وابيض فودي ولكن سودت صحفي كبائر ذكرها ما عـشت يـحزنني
أيام عمري في دنياي مـذ قصرت طالت خوادع آمـالي فيـاغبـني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 75

وكلمـا ضعفـت منـي القوى قويت عزيمتي في الذي فـي الحشر يوبقني
لم أستفد في حياتـي غير صدق ولا صفـو اعتقـادي وإيمانـي عليه بني
بحـب أحمـد والأطهـار عتـرته اولي النهـى وذوي الآلاء والمــنن
قوم هم العروة الوثقى فمـن علـقت بهـا يداه رآهـا أحصـن الجــنن
لا يقبـل الله مـن أعمالنـا عمـلاً إلا بحبهـم فـي السـر والعلـــن
ماذا أقـول لقـوم كـان والــدهم للمصطفــى خير منصوب ومؤتمن
رب الـغدير وقســام السعيــر وذي العلم الغزير مبين الفرض والسنن
وصاحـب النـص فـي آي العقود فإنمــا وليكـم إن تتــل تستبـن
كـل إلى علمـه ذو حـاجـة وإذا أخبرته فهـو عنهـم بالكمـال غنـي
به استقامت طريق الحق واتضحت وثبــت الله مـا بالديـن مـن وهن


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 76

توراة موســى وإنجيل المسيح له في طيــها نشر ذكر واضح السنن
أهل السماء وأهل الأرض لو طلبوا أن يحصـروا عد ما فيه من الحسن
ضاقـت مذاهبهم عـجزاً وما بلغوا معشار ما جاء في المولى أبي حسن
سل عنه بدراً وأحـزاب الطغاة بني حرب وعمـرو بن ود عابدي الوثن
لمـا علاه بمشحوذ الغـرار هـوى يصافح الأرض بـالكفيـن والذقـن
علـي علـى كتف المختار معتمداً طهارة البيت مـن رجس ومن درن
ما قلته قطـرة مـن بحـر مدحته يكل عنـه بيــان الماهـر اللسن
في هـل أتى هل أتى إلا له شرف آيات مدحتــه تتلـى مدى الزمن
الله مادحــه والذكـر شاهــده هذي المكـارم لا قعبـان مـن لبن
به قواعـد إيماني علــت شرفاً فصـرت ودي لـه أرجوه يزلفني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 77

بآلــه وبــه أرجـو النجـاة غداً إذا عرا بي داعي الموت يطلبني
وصرت في اللحد منبــوذاً وفارقني رهطي وأنكرني من كان يعرفني
وطال في الترب مكثي وانمحى أثري كـأنني أرى الدنيـا ولم ترنـي
وقمت بين يدي ربــي وطائر أعـ ـمالي بما كان من فعلي يذكرني
هناك أرجــو إذا نوديــت منفرداً بثابت القول ربـي أن يثبتنـي
من عالــم الذر حتـى الآن حبـهم في مهـجتي مستقر لا يفـارقني
وهكذا بـغض مـ ن نـاواهم حسداً به اديــن إذا مـا الله يسألنـي
يا من هموا في حياتي عدتي وهموا عقدي وعهدي إذا لففت في كفني
وجدي لمـا نالـكم لا ينقضـي فإذا ذكرته هاج بي من لوعتي حزني
وما لقى بعـد خيـر الخلـق والدكم صنو النبي من الأرجاس يقلقني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 78

من الذي نفقـت سوق الفسوق وقـا م البغي منهم على سـاق من الفتن
لولا عتيـق وثانيـه لمــا ظهرت من آل حرب خفايا الحقد والضغن
ولا غدا الصنو في المحراب منجدلاً قـد قـد مفرقة في ظلمـة الدجن
من بعد مـا كفروا بـالله إذ نصبوا لـه الحروب وثنـوا بابنه الحسن
هروا بسمهـم منـه الحشـا فثوى خلف المنون من الأوغاد ذي الاجن
وجدي وصبري موصول ومنقطـع لرزئـه وفـؤادي بالغمـوم منـي
يابن النبي ويا نجل الوصي ويــا أعلى الورى نسبـاً يا خير ممتحن
لذكر صدك عن بيت الرسول ودفـ ــن الأوليـن به حزني يسهدني
وفعل مـن اقدمــوا للمنع تقدمهم ام الشـرور علـى بغـل يحيرني
وإن تفكرت في يـوم الطفوف وما عليكم ثم هـاج الوجد فـي بدنـي


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 79

وذكر صنـوك مقتـولاً على ظمأ مـن الصبابـة تطويني وتنشرني
لهفي على ماجد بالطف يهتف بالـ ـطغاة هل ناصر في الله ينصرني
هل من رحيم لـه فـي الله معتقد يرى أوامـي ومـا ألقى فيسعفني
هل عالم أن جدي المصطفى وأبي وصيـه المرتضى حقـاً فيسعدني
أليست البضعة الزهراء أمي والـ ــطيار عمي فلا خلق يسـاجلني
لم آتكـم رغبة فيكـم ولا طمعـاً في ملككم بل خشيت الله يمقتنـي
بترك فرض جهاد القاسطين فكـا نت حجة الله إذ خـالفت تلـزمني
وكنـت أعلـم أن الغدر طبعكـم لكن رجــاء ثواب الله يسترنـي
وددت لـو كان بعد المشرقين غداً منكم مقامـي وعنكـم نازح وطني
يا ناكصيـن علـى أعقابكم تربت يداكم فانثنيتم راكــدي السفــن


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 80

أليس بالطهر جـدي والوصـي أبي عليكــم الله أعلانــي وشرفنـي
بما استبحتم دمي والله أوجب في الـ ـتـنزيل ودي وصفانـي وطهرني
من كل رجس وفي يوم الكساء رسو ل الله خامسهـم بالنـص صيـرني
وهذه النسـوة اللاتــي ترون بنـا ت المصطفى فانتهوا يا عادمي الفطن
منعتموهن من شرب المبــاح فعد ن يشتكيـن الظمـاء بالمدمـع الهتن
يا امـة سفهــت بالبغي أنفسهـا فرأيهـا فالـذي اختـارت إلى أفـن
أجبت أن لنـا علـم بـأنــك أو لـى النـاس بالناس من باد ومقتطن
وان جدك هاديـهم وشيخــك وا ليهم وأنتم معـاذ الخلق فـي المحن
لكنما زينة الدنيــا وزهرتهــا نقد ومـن ذا يبيـع النقـد بالظنـن
لم يقس ماتـم في بدر فليس لنـا قلب لما صار فيها غير مضطعــن


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 81

جزرتــم عتبـة بعـد الوليـد بها جزر كجزركم كومـاً مـن البدن
فمــذ تحـقق أن القـوم طبعهــم غدر وجمعهـم بالله لــم يهـن
رأى جهادهـــم فرضـاً فناجزهم على سواء فلم ينكـل ولم يهـن
وباع نفسـاً علت فوق السهـا شرفاً من ذي المعارج بالغالي من الثمن
بجنـة طـاب مثواهــا فساكنهـا قد فازمنها بعيش في الخلود هني
وناجــز القوم فـي أبرار عترتـه فما استكانوا إلى الأعداء من وهن
حتى إذا استلبـوا أرواحهـم وغدوا طعم المناصـل والخطيـة اللدن
أضحى فتى المصطفى فرداً فوا أسفي على الفريد ويا وجدي ويـا شجن
ضرام وجدي إذا أجريت مصـرعه بفكري شب فـي قلبـي فيحرقني
فيرســل الطرف مدراراً فيطفي نا ر الحزن لكن بفيض الدمع يغرقني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 82

لهفـي علـى نسوة ضلـت مهتكـة يسترن تلــك الوجوه الغر بالردن
تسـاق عنفاً على الأقتاب ليس ترى إلا زنيماً مـن الأرجـاس ذا ظغن
كنسوة من اسـارى الشرك طيف بها وبرزت جهــرة فـي سائر المدن
يا اشرف الخلق جداً في الورى وابـاً وأسمـح النــاس بالآلاء والمنـن
ومن به عذب من ريب الزمان ومـن حططت رحلي به عند انتهاء زمني
حزني لما نالكم لا ينقضي ولو أن الـ ـلحد أصبـح بعـد الموت يسترني
لو كنـت حاضركـم في كربلا لرأيـ ـت القتل فرضاً به الجبار ألزمني
وكنـت أجعـل وجهـي جنة لك من سهام قـوم بغاة فيــك تقصـدني
حتـى أضــل وأوصالـي مقطعـة أذب عنــك وعيـن الله تلحضني
وصرت فـي عصبـة جادت بأنفسها فذكر ما صنعت في الفخر غير دني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 83

بــاعت مـن الله أرواحـاً مطهرة ما في الذي بذلت في الله من غبن
مولاي إذ لم أنل فضل الشهادة بالـ ـجهاد فيك ولا التوفيـق أسعدني
فقد وقفت لساني في جهاد اولي الـ ـضلال من فيكم بغيـاً يـؤنبني
عتيــق يغـلي أراه قيمة لعتـيـ ـقهم وانظره أدنـى مـن الثمن
وهكــذا الظـالم الثـاني وثالثهم ذو الغي أخبـث مغرور ومـفتتن
وعصبة صرعت حول البعير على أكــفار رتــبهم الله أطـلعني
وتابعوا الرجس فـي صفين لعنهم فرض علـي لـه الرحمن وفقني
وهكذا أنـا نحـو المــارقين بغا ة النهـر في كل آن مرسل لعني
هذا اعتقادي به أرجـو النجاة إذا أوقفت بيـن يـدي ربي ليسألني
ثم الصلاة عليكـم كلمـا سجعت حمائـم الأيك في دوح على فنن


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 84



تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 85


المجلس الخامس

في خصائص الامام السبط التابع لمرضاة الله أبي عبدالله الحسين عليه السلام، وما تم عليه من أعدائه، وذكر شيء من فضائله، وما قال الرسول صلى الله عليه وآله في حقه، وما جرى عليه من الامور التي امتحنه الله بها واختصه بفضائلها حتى صار سيدالشهداء وسيلة لأهل البلاء، وتعزية لأهل العزاء، صلوات الله عليه وعلى جده وأبيه، وامه وأخيه، والأئمة من بنيه، ولعن الله من ظلمهم، واغتصبهم حقهم، آمين رب العالمين.


الحمد لله الذي طهر بزلال الاخلاص قلوب أوليائه، وألزم نفوس الخواص بحمده وثنائه، وأطلع أحباءه على جلال عظمته وكبريائه، ورفع خلصاءه من حضيض النقصان إلى أوج الكمال باحتضانه، وسرح عقولهم في دوح معرفته فرتعوا في تلك الرياض المونقة، وشرح صدورهم بافاضة أنوار عنايته على قوابل أنفسهم المشرقة، فاقتطفوا بأنامل إخلاصهم ثمار العرفان من تلك الحدائق المغدقة،واستنشقوا بمشام هممهم عاطر أنوارها وأزهارها المحدقة، واساموا ابصار بصائرهم في خمائل جمالها، فشاهدوا ما تكل عن

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 86

وصفه الألسن، واجتنوا من ثمرات شجرات دوحها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
ولما عاينوا أنهار العناية قد فجرت خلالها تفجيراً . وأدارت ولدان المحبة على خالص المودة كأساً كان مزاجها كافوراً، ارتاحت أرواحهم إلى أسير... (1) زلال تلك الكؤوس المترعة، وسارت منهم النفوس إلى موارد مشارع معرفة الملك القدوس مسرعة، حتى إذا شربوا بالكأس الروية من شراب إخلاص المحبة، انبسطت أرواحهم من لذة حلاوة الشربة، وكشف لهم الغطاء عن السر المحجوب، واطلعوا من أحوال البرزخ على خفيات الغيوب.
ولما اطلع سبحانه على حقيقة إخلاصهم تفرد بإحبائهم واختصاصهم، وثبت في مداحض الأقدام اقدامهم، وأثبت في دفاتر الاعظام مقامهم، وصيرهم الوسائط بينه وبين عباده، والرسائل لأنامه في بلاده، واصطفاهم بالعصمة التامة، واجتباهم بالرئاسة العامة، فأنقذوا الجهال بإفاضة علومهم، ووازنوا الجبال برزانة حلومهم، ونفعوا العليل بفصيح وعظهم، وشفوا الغليل بمبين لفظهم، وساقوا الناس بسوط حكمهم إلى شريعة ربهم، ونادوا الخلق بصوت عزمهم إلى منازل قربهم، وعادوا في الله أعداءه، ووالوا في الحق اولياءه، حتى أشرقت بنورهداهم الأقطار، وازينت بذكر علاهم الأمصار، ورفل الحق في سرابيل العزة والافتخار، وخطر الصدق في ميادين القوة والاشتهار، ويسرت معالم الايمان بمعالم علمهم، وظهرت أحكام القرآن بواضح حكمهم، ورسخت اصول الدين في صعيد القوة بجدهم، وبسقت فروع الشرع في سماء العزة بجهدهم، فعلوم التوحيد منهم ينابيعها تفجرت، وأسرار التنزيل بقوانين معارفهم ظهرت، والعدل والحكمة صحة استنباطهم طرائقها قررت.
(1) غير مقروءة في الأصل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 87


لم يخلق الله خلقاً أكرم عليه منهم، ولم يصدر عنه من العلوم ما صدر عنهم.
ولما تمت كلمتهم، وكملت صفتهم، وشملت رئاستهم، وعمت خلافتهم، وعمر برهم، وعلا أمرهم،وخلصت قلوبهم، وصعبت نفوسهم، وأفاض الجليل سبحانه على أفئدتهم أنوار جلال عظمته، ورقى أرواحهم إلى سماء العرفان فاطلعوا على أسرار إلهيته، أراد سبحانه أن لا يترك خصلة من خصال المجد، ولا مزية من مزايا الفخر إلا ويجعلهم عيبتها ومجمعها ومنبعها ومشرعها وموئلها ومرجعها ومربعها، ففازوا من خلال الكرم بالعلى من سهامها، والأعلى من مقامها، حتى وصفهم سبحانه بأشرف خصال الكرامة، وأنزل قرآناً تتلى آيات مدحتهم فيه إلى يوم القيامة، وحازوا من المعارف الربانية والأحكام الشرعية ما ينفع العليل، ويبل الغليل.
عنهم اصول العلوم اخذت، وبنهم اولوا المعارف احتذت، وعلى قواعدهم بنوا، وعن أعلامهم رووا، وجعلهم الله لسانه الناطق بحقه، ومناره الساطع في خلقه.
ولما انتهت في الكمال رتبتهم، وعلت في الجلال غايتهم، وعرفوا المبدع حق معرفته، ونزهوه عما لا يليق بصفته، صفوا في مقام الخدمة أقدامهم، ونصبوا في حضرة العزة أبدانهم، ولحظوا بعين التعظيم جلال مبدعهم، وشاهدوا بعين اليقين كمال مخترعهم، اشتاقت أنفسهم إلى المقام الأسنى، وتاقت أرواحهم إلى الجناب الأعلى، من جهاد أعداء ربهم، والمموهين بزورهم وكذبهم، الذين باض الشرك في رؤوسهم، وفرخ وثبت الكفر في نفوسهم، ورسخ ونعق ناعق النفاق في قلوبهم فاتبعوه، ودعاهم داع الشقاق في صدورهم فأطاعوه،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 88

فأجلبوا على حرب الفتى، وثنوا بقتال الوصي، وتلبثوا بسم الزكي، وكفروا بأنعم ربهم العلي.
وكان أفضل من جاهدهم في الله حق جهاده، وبذل نفسه لله بجده واجتهاده، وتلقى حر الحديد بذاته وولده، وقاتل بجد مجيد بعد أبيه وجده.
ثاني السبطين، وثالث أئمة الثقلين، وخامس الخمسة، أشرف من بذل في الله نفسه، منبع الأئمة، ومعدن العصمة، السيد الممجد، والمظلوم المضطهد، سيد شباب أهل الجنة، ومن جعل الله حبه فرضاً لا سنة، وولاءه من النار أعظم جنة، سبط الاسباط، وطالب الثأر يوم الصراط، أشرف من مشى على وجه الأرض، وأقوم من قام بالسنة والفرض، وأفضل من بكت السماء لقتله، وأمجد من اجتمعت أمة السوء على خذله.
الإمام الشهيد، والولي الرشيد، قرة عين سيدة النساء، وثمرة قلب سيد الأوصياء، ومن شرفت بمصرعه كربلاء، وصارت مختلف أملاك السماء، السيد الماجد، والولي المجاهد، قتيل العبرة، وسليل العترة، وفرع السادة البررة، الإمام المظلوم، والسيد المحروم، الذي مصيبته لا تنسى، وحرها لا يطفى، المنهتك الحرمة، والمخفور الذمة، الذي لا يحق الجزع إلا على مصيبته، ولا يليق الهلع إلا من واقعته، الصبور عند البلاء، والشكور عند الرخاء.
كان للسائل كنزاً، وللعائذ عزاً، وللمجدب غيثاً، وللمستصرخ مغيثاً، عبرة كل مؤمن، واسوة كل ممتحن، صفوة المصطفين، وأحد السيدين، وابن صاحب بدر واحد وحنين، سيدنا ومولانا أبا عبدالله الحسين، الذي هضمت مصيبته الاسلام هضماً، وهدمت محنته الايمان هدماً، وألبست قلوب المؤمنين كرباً وغماً.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 89


يا لها مصيبة شق لها المؤمنون قلوبهم لا جيوبهم، وتجافت لعظمها عن المضاجع جنوبهم، وأمطرت السماء دماً وتراباً، وخبرت من أخي العرفان أكفاراً وألباباً، واضطربت لهولها السبع العلى،واهتز لها عرش المليك الأعلى.
النبي والوصي فيها أهل العزاء، وسيدة النساء تود لو تكون له النداء، أنسى كل مصيبة مصابها، وأمر كل طعم صابها، وأدارت كؤوس الأحزان على قلوب المؤمنين، وجددت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، كسيت السماء بحمرة نجيع شهدائها سقفاً، وأذكت في قلوب المؤمنين بفادح زنادها حرقاً، وأنفذت بتراكم أحزانها ماء الشؤون، وأذابت بتفاقم أشجانها القلوب فاسالتها دماً من العيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أي مصيبة طمت وعمت وأشجت قلوب المؤمنين وأعمت.
فيا إخواني عزوا نبيكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، اسعدوا وليكم المرتضى في مصابه برهطه، فإن البكاء في هذا العشر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، وإظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القرباتن ولما كانت هذه المصيبة لم تقع منذ خلق الله السماوات والأرض كواقعتها، ولا انهتكت حرمة نبي ولا ولي كانتهاك حرمتها، ولا غضب الله غضبها على من شب ضرامها، ونصب أعلامها، وقاد جنودها، وعقد بنودها، أردت أن أنفت حزازة (1) صدري، وأبوح بما في سري، واخاطب المؤمنين من إخواني بما خطر في جناني، ونطق به لساني، فقلت من شدة اسفي، وفرط لهفي، ودمعي
(1) نفتت القدر تنفت نفتا ... إذا كانت ترمي بمثل السهام من الغلي «لسان العرب: 2/100 ـ نفت ـ».
والحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. »لسان العرب : 5/335 ـ حزز ـ «.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 90

يملي ولا يمل، ووجدي يقلي ولا يقل:
يا إخواني، تفكروا في هذا الخطب الجسيم، والرزء العظيم، أيقتل ابن رسول الله في مفازة من الأرض من غير ذنب ارتكبه، ولا وزر احتقبه، ولا فريضة بدلها، ولا سنة أبطلها؟ فتجتمع عصابة تزعم أنها من امه جده، وسالكة منهاجه من بعده، فتحرم عليه الماء المباح، وتجعل ورده من دم الجراح، لا تأخذها به رافة، ولا تخشى أن ينزل بها من غضب الله آفة، وهو يستغيث بأوغادها فلم يغيثوه، ويستعين بهم ولم يعينه، بل قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ونقضوا عهدهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، لم يوقروا شيبته، ولم يذكروا قربته، ولا رحموا صبيته، ولا احترموا نسوته، ولا راعوا غربته، ولا استهابوا حرمة جده، ولا تألموا من خلف وعده، بل ذبحوا أطفاله، وهتكوا عياله، وقتلوا ذريته، واستأصلوا اسرته، وانتهبوا ثقله، واستباحوا قتله، وأضرموا النار في مضاربه، وسدوا عليه أبواب مطالبه، وأظهروا ما كان كامناً من نفاقهم، وأبدوا ما أخفوا من سقامهم.
فأي مسلم يعتقد إسلامهم؟ وأي عاقل يؤول مرامهم؟ فلا يشك في كفرهم إلا من بلغ في الغي غايتهم، وسلك في البغي جادتهم، فأحوال الملاحدة منكري الصانع أحسن من أحوالهم، وأفعال جاحدي الشرائع أضرب من فعالهم واقوالهم، إذ هم يعتقدون ما حسن العقل حسناً صريحاً، وما قبح العقل شنيعاً قبيحاً، وأهل الملل المنسوخة والشرائع المفسوخة من أهل الكتاب وغيرهم يعمظمون ذراري أنبيائهم، ويثابرون على محبة أبنائهم، ويتبركون بآثارهم ومزاراتهم، ويسجدون لصورهم المصورة في بيعهم ودياراتهم، وهذه الطائفة المارقة، والعصابة المنافقة، من بقايا الأحزاب، وسفهاء الأعراب، كانوا أهل

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 91

ضر ومتربة، وعسر ومسغبة، يخافون أن يتخطفوا من دارهم، وينفوا عن قرارهم، قد ضربت عليهم الذلة، وشملتهم البلية، وألجأتهم الأعداء إلى المفاوز المقفرة والبوادي المنقطعة، وأجلتهم خصماؤهم عن القرى المحتفة بالجنان الملتفة، والعيشة الرضية، والأقوات الشهية، كما قال سيدنا ومولانا أميرالمؤمنين عليه السلام: واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام، فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه (1) الأمثال!
تأملوا امورهم (2) في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يحتازونهم (3) عن ريف الآفاق، وبحر العراق، وخضرة الدنيا، إلى منابت الشيخ، ومهافي الريح، ونكد (4) المعاش، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر (5)، أذل الامم داراً، وأجدبهم قاراراً لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها (6)، ولا إلى ظل الفة (7) يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل (8)، وأطباق جهل! من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة.
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً، فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته الفتهم، كيف نشرت عليهم النعمة جناح كرامتها،
(1) أي تشابه.
(2) في النهج: أمرهم.
(3) أي يقبضونهم عن الأراضي الخصبة.
(4) المهافي: المواضع التي تهفو فيها الرياح أي تهب. والنكد: الشدة والعسر.
(5) الدبر: القرحة في ظهر الدابة. والوبر: شعر الجمال. والمراد أنهم رعاة
(6) أي لم يكن فيهم داع إلى الحق فيأووا إليه ويعتصموا بمناصرة دعوته.
(7) كذا في النهج، وفي الأصل: ولا إلى لغة.
(8) الأزل: الشدة.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 92

وأسالت لهم جداول نعمتها (1)، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعيمها (2) عرقين، وفي (3) خضرة عيشها فكهين، قد تراحت لهم الامور (4)، في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب، وتعطف الامور عليهم في ذرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الامور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن (5) كان يمضيها فيهم! لا تغمز لهم قناة، ولا تقرع لهم صفاة (6) (7) إنتهى كلامه.
قلت: فما كان جزاء من أسدى هذه المنة إليهم، وأسدل النعمة عليهم، إلا أن تركوه ميتاً لم يكفن، ومحبوراً لم يدفن، وأظهروا ما كان من حقدهم مخفياً، ونشروا من غيهم ما كان منطوياً، وأنكروا وصيته، وأهانوا ذريته، وجحدوا نصه وعهده، وأخلفوا وعده وعقده، وجعلوا زمام امورهم بأيدي أدناهم نسباً وألأمهم حسباً، وأقلهم علماً، وأسفههم حلماً، لا في السراة القصوى من قصتهم، ولا في المرتبة العليا من لومهم، ثم لم يقنعوا بما فعلوا، فلم يعترفوا إذ جهلوا، ولم يتحولوا إذ غيروا وبدلوا، ولم يستجيبوا إذ ضلوا، وضلوا حتى دبروا في قطع دابرهم، وإخفاء مآثرهم، يجرعونهم الغصص، ويوردونهم الربق (8)، ويأكلون
(1) في النهج: نعيمها.
(2) في النهج: نعيمها.
(3) كذا في النهج، وفي الأصل: وعن.
(4) في النهج: قد تربعت الامور بهم: وتربعت: أقامت.
(5) كذا في النهج، وفي الأصل: على من.
(6) القناة: الرمح. وغمزها: جسها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك.
والصفاة: الحجر الصلد. وقرعها: صدمها لتكسر.
(7) نهج البلاغة: 297 ضمن خطبة رقم192.
(8) الربق: الكرب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 93

تراثهم ، ويحوزون ميراثهم.
ثم لم تزل الأوغاد تنسخ على منوالهم، وتقتدي بأفعالهم وأقوالهم، إلى أن شنوا عليهم الغارات، وعقدوا لحربهم الرايات، واصطفوا لقتالهم بصفينهم وبصرتهم، وابتدروا لبوارهم وبوار شيعتهم، ثم اغتالوا وصيه في محرابه ساجداً راكعاً، وخذلوه متهجداً خاشعاً، وجرعوا سبط نبيهم ذعاف سمومهم، وصرعوا رهطه في كربلاء بشدة عزمهم وتصميمهم.
ثم جعلوا سب ذريته على منابرهم في جوامعهم، وهمز عترته في محاضرهم ومجامعهم، شرطاً من شروط صلواتهم، وشطراً من أوراد عباداتهم، وجعلوا شيعتهم إلى يوم الناس هذا أذلاء مقهورين، وضعفاء مستورين، قد كعمتهم (1) التقية، وشملتهم البلية، يقصدونهم في أنفسهم وأموالهم، ويغرون السفهاء من جهالهم، ويعيرونهم بزيارة قبور أوليائهم وساداتهم، ويبدعونهم في قصد مشاهد أئمتهم، بغض آل الرسول مركوز في جبلتهم، وهظم الطاهرة البتول مرموز في خطابهم ومحاورتهم.
ولقد شاهدت في القرية الظالم أهلها، النائي عن الحق محلها، المغضوب عليها، المنصوب علم الكفر لديها، أعني بلدة دمشق الشام محل الفجرة الطغاة، شرقي مسجدها الأعظم، وبيت أصنامها الأقدام، الذي لا طهر ولا قدس، بل على شفا جرف هار أسس، معدن العقوق، ومركز الفسوق، وبيت النار، ومجمع الفجار، ومنبع الأشرار، وشر من مسجد ضرار، خربة ـ كانت فيما تقدم مسجداً ـ مكتوب على صخرة عتبة بابها أسماء النبي وآله والأئمة الاثني عشر عليهم
(1) الكعام: شيء يجعل على فم البعير ... وقد يجعل على فم الكلب لئلا ينبح.
(لسان العرب: 12/522 ـ كعم ـ).
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 94

السلام، وبعدهم: هذا قبر السيدة ملكة بنت الحسين عليه السلام بن أميرالمؤمنين ولفرط بغضهم لأهل بيت نبيهم، تركوا القيام بعمارة ذلك المقام إلى أن استهدم، ثم جعلوه مطرحاً لقماماتهم، ومرمي لنجاساتهم وقاذوراتهم، فهزت أريحية الايمان رجلاً ممن تمسك بولائهم أن يميط الأذى والقاذورات عن تلك الخربة، لأنها وإن لم تكن مدفناً لأحد من ذريتهم فقد شرفت بنسبتها إليهم، فجدد بناءه واتخذه مسجداً مهيئاً للصلاة.
فلما أتمه وأماط الأرجاس عنه وألقى القمامة علم بذلك شيخ إسلامهم وبلغام (1) زمانهم وأحد أعلامهم وأكثر أصنامهم، عدوالله ورسوله، الكافر بفعله وقوله، المانع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، التام في النفاق حده ورسمه، فأقبل الشقي في جمع من المنافقين، والعصب المارقين وأمر بهدم ذلك المسجد، وأن يعاد مطرحاً للقمامات والقاذورات كما كان أولاً، وأحضر معه رجلاً نصرانياً ممن يعالج قطع الأحجار وأمره أن يمحو أسماء النبي والأئمة الطاهرين عن تلك الصخرة قائلاً: ترك هذه الأسماء على هذه الصخرة من أعظم بدعة في الاسلام، أفمن كان هذا دينهم ومعتقدهم هل يشك عاقل في كفرهم وارتدادهم، أو يرتاب في إلحادهم؟ وليس ذلك ببدع من نفاقهم، فهم فرع الشجرة الملعونة في القرآن ، وأتباع جند الشيطان ، وأعداء الرحمن، شر من قوم لوط وثمود، وأخبث من عاد قوم هود، فهم الكافرون الجاحدون المنافقون المارقون، « يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون» (2) .اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم لعناً وبيلاً، وعذبهم عذاباً أليماً.
(1) كذا في الأصل.
(2) سورة الصف: 8.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 95



فصل
في مناقب مولانا إمام الثقلين، وثاني السبطين، وأحد السيدين، أبي عبدالله الحسين صلوات الله وسلامه عليه


فمنها ما اختص به في حياته، ومنها ما ظهر بعد وفاته، فلنبدأ بما حصل في حياته وقيل مولده.
في كتاب الأنوار: إن الله سبحانه هنأ النبي صلى الله عليه وآله بحمل الحسين عليه السلام وولادته، وعزاه بقتله، فعرفت فاطمة ذلك فكرهته، فنزل قوله تعالى: « حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا» (1) فحمل النساء تسعة أشهر، ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين وعيسى عليهما السلام.
غرر أبي الفضل بن خيرانة (2) أن فاطمة عليها السلام اعتلت لما ولدت الحسين عليه السلام وجف لبنها، فطلب له رسول الله صلى الله عليه وآله مرضعاً فلم يجد، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصها، فيجعل الله له في إبهام رسول الله صلى الله عليه وآله رزقاً يغذوه.
(1) سورة الأحقاف: 15.
(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: عن أبي الفضل بن جبير.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 96

وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يدخل لسانه في فيه فيغره (1) كما يغر الطير فرخه، فيجعل الله له في ذلك رزقاً يغذوه، ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة، فنبت اللحم واشتد العظم منه من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله. (2).
عن برة أبنة أمية الخزاعي قالت: لما حملت فاطمة بالحسن عليه السلام خرج النبي صلى الله عليه وآله في بعض حوائجه (3) فقال لها: إنك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أصير إليك.
قالت: فدخلت على فاطمة حين وضعت (4) الحسن عليه السلام ولها (5) ثلاث ما أرضعته، فقلت لها: أعطينيه حتى ارضعه.
قالت: كلا، ثم أدركتها رقة الامهات فأرضعته، فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله قال لها: ماذا صنعت؟
قالت: أدركتني عليه رقة الامهات فأرضعته.
فقال صلى الله عليه وآله: أبى الله سبحانه إلا ما أراد، فلما حملت بالحسين عليه السلام قال لها: يا فاطمة، إنك ستلدين غلاماً قد هنأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتى أجيء إليك ولو أقمت شهراً.
قالت: أفعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض حوائجه (6)،
(1) أي يزقه.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/50، عنه البحار: 43/253 ح 31، ومدينة المعاجز: 3/492ح1004 وص493 ح 1005، وعوالم العلوم: 17/21 ح 14 و 1.
(3) في المناقب: وجوهه.
(4) في المناقب: ولدت.
(5) في المناقب: وله.
(6) في المناقب: وجوهه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 97

فولدت فاطمة الحسين عليهما السلام، فما أرضعته حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: ماذا صنعت؟
قالت: ما أرضعته، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فوضع (1) لسانه في فمه، فجعل الحسين عليه السلام يمص حتى قال النبي صلى الله عليه وآله: إيهاً حسين، إيهاً حسين، ثم قال: أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك ـ يعني الامامة ـ . (2)
ولما منع الحسين عليه السلام من الماء أخذ سهماً وعد فوق خيام النساء تسع خطوات، فحفر الموضع، فنبع ماء طيب فشربوا وملأوا قربهم. (3)
وروى الكلبي: أن مروان قال للحسين عليه السلام: لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفخرون علينا؟
فوثب الحسين عليه السلام فقبض على حلقه وعصره، ولوى عمامته في عنقه حتى غشي عليه، ثم تركه، ثم تكلم وقال آخر كلامه: والله ما بين جابلقا (4) وجابرسا رجل ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذ كان، وعلامة ذلك أنك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.
قال: فوالله ما قام مروان (من مجلسه) (5) حتى غضب فانتفض فسقط
(1) في المناقب: وجوهه.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/50ن عنه البحار: 43/254 ح 32، ومدينة المعاجز: 3/493 ح 1006، وعوالم العلوم:17/22 ح 2.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/50ن عنه مدينة المعاجز: 3/494 ح 1007.
(4) كذا في المناقب، وفي الأصل: جابرقا.
(5) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 98

رداؤه عن عاتقه. (1)
زرارة بن أعين: قال: سمعت الصادق عليه السلام يحدث عن آبائه عليهم السلام أن مريضاً شديد الحمى عادة الحسين عليه السلام، فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال الرجل: رضيت بما اوتيتم (به) (2) حقاً، والحمى تهرب منكم.
فقال الحسين عليه السلام: والله ما خلق الله شيئاً إلا وقد أمره بالطاعة لنا.
قال: فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقوم: لبيك.
قال: أليس أميرالمؤمنين أمرك ألا تقربي إلا عدواً لنا أو مذنباً لكي تكوني كفارة لذنوبه، فما بال هذا (3) وكان المريض عبدالله بن شداد الليثي. (4)
تهذيب الأحكام (5): (قال أبوعبدالله عليه السلام:) (6) إن امرأة كانت
(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/51، عنه البحار: 44/206 ح 1011 عن الاحتجاج: 299.
وأخرجه في مدينة المعاجز: 3/497 ح 1011 عن الاحتجاج. وفي ص 498 ح 1012 عن المناقب.
(2 و 3) من المناقب.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/51، عنه البحار: 44/183 ح 8، ومدينة المعاجز: 3/499 ح1013، وعوالم العلوم: 17/48 ح 1.
وروى مثله في رجال الكشي: 87، عنه البحار: 44/183 ح 9، وعوالم العلوم: 17/48 ح2.
(5) تهذيب الأحكام: 5/470ح293، عنه البحار: 44/183 ح 10، ومدينة المعاجز: 3/506 ح 1023، وعوالم العلوم: 17/47 ح 3.
(6) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 99

تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها، فمال بيده حتى وضعها على ذراعها فبقيت (1) يده في ذراعها حتى قطع الطواف، فأرسل إلى الأمير واجتمع الناس، وارسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الذي جنى الجناية.
فقال: ها هنا أحد (2) من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله؟
فقالوا: نعم، الحسين بن علي عليه السلام قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه، فقال: انظر ما لقي هذان، فاستقبل الكعبة ورفع يديه ومكث طويلاً يدعو، ثم جاء إليهما حتى تخلصت يده من يدها، فقال الأمير: ألا نعاقبه بما صنع؟
قال: لا. (3)
صفوان بن مهران: قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين عليه السلام في إمرأة وولدها، فقال واحد: هذا لي، وقال الآخر: هو لي، فمر بهما الحسين عليه السلام فقال لهما: فيما تمرجان؟
قال أحدهما: إن هذه الامرأة لي.
وقال الآخر: بل الولد والامرأة لي.
فقال للمدعي: الأول: اقعد، فقعد وكان الغلام رضيعاً، فقال الحسين عليه السلام: يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك الله سترك.
فقالت: هذا زوجي، والولد له، ولا أعرف هذا.
فقال عليه السلام للغلام: انطق بإذن الله.
(1) في المناقب: فأثبت الله.
(2) كذا في المناقب، وفي الأصل: فقيل: هنا رجل.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/51.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 100

فقال الغلام: ما أنا لهذا، ولا لهذا وما أبي الا راعي لآل فلان. فأمر عليه السلام برجمها.
قال جعفر عليه السلام (1): فلم يسمع أحد ان غلاماً نطق بعدها (2).
الأصبغ بن نباتة: قال: سألت الحسين عليه السلام، فقلت: يا سيدي، أسألك عن شيء أنا به موقن، وإنه من سر الله وأنت المسرور إليه ذلك السر.
فقال: يا اصبغ، أتريد أن ترى مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي دون (3) يوم مسجد قبا؟
قلت: هوالذي أردت. قال: قم، فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا أنا بالمسجد من قبل ان يرتد إلي بصري، فتبسم في وجهي، ثم قال: يا أصبغ، إن سليمان عليه السلام اعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأنا قد أعطيت أكثر مما اعطي.
فقلت: صدقت والله يا ابن رسول الله.
فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس عند أحد من خلقه ما عندنا لأننا أهل سر الله، ثم تبسم في وجهي، ثم قال: نحن آل الله، وورثة رسول الله عليه وآله.
فقلت: الحمد لله على ذلك، ثم قال: ادخل، فدخلت فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله مختبىء في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأميرالمؤمنين
(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: أبوجعفر ـ وهو تصحيف ـ.
(2) في المناقب: فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها.
(3) في المناقب: لأبي دون.
والدون : الخسيس، عبر به عن الأول والثاني تقية.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 101

عليه السلام قابض على تلابيب الأعسر (1)، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يعض على الأنامل وهو يقول: بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك، عليكم لعنة الله ولعنتي، الخبر. (2)
كتاب الإبانة: قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين عليه السلام: إنك تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك!
فقال عليه السلام: لإن اقتل في موضع كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي مكة، عرض به عليه السلام.
كتاب التخريج: عن العامري بالإسناد عن هبيرة بن مريم (3)، عن ابن عباس، قال: رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله سبحانه.
وعنف ابن عباس على تركه الحسين عليه السلام، فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.
وقال محمد بن الحنفية: وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم. (4)
(1) الأعسر: الشديد أو الشؤوم،والمراد به الأول به الأول أو الثاني.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/51 ـ 52، عنه البحار: 44/184 ذ ح 11، ومدينة المعاجز: 3/500 ح 1015 وص 501 ح 1016، وعوالم العلوم: 17/49 ح 1 وص 50 ح 1.
(3) في المناقب: بريم.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/52 ـ 53، عنه البحار: 44/185 ح 12، ومدينة المعاجز: 3/503 ح 1017 ـ 1019، وعوالم العلوم: 17/54 ح 2 و ص 41 ح 1.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 102



فصل
في مكارم أخلاقه عليه السلام


سأل رجل الحسين (1) عليه السلام حاجة، فقال صلوات الله عليه: يا هذا، سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك مما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور دفعت عني مؤنة (2) الاحتيال لك، والاهتمام لما أتكلف من واجب حقك.
فقال الرجل: يا ابن رسول الله، أقبل (اليسير) (3)، وأشكر العطية، وأعذر على المنع، فدعا الحسين عليه السلام بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها، ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة الف، فأحضر خمسين ألفاً من الدراهم. فقال: ما فعلت الخمسمائة دينار؟ قال: هي عندي
قال: احضرها، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، فقال : هات من
(1) في جميع المصادر باستثناء مقتل الخوارزمي: الحسين.
(2) في المقتل: مرارة، وفي الكشف: (الاحتفال) بدل (الاحتيال).
يقال: احتفل في الأمر : أي بالغ فيه.
(3) من المقتل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 103

يحمل معك هذا المال، فأتاه بالحمالين، فدفع الحسين إليهم رداءه لكراء حملهم حتى حملوه معه، فقال مولى له: والله لم يبق عندنا درهم واحد.
قال: لكني أرجوا أن يكون لي بفعلي هذا عندالله، أجر عظيم. (1)
قيل: خرج الحسن عليه السلام في سفر فأضل طريقة ليلاً، فمر براعي غنم فنزل عنده وألطفه وبات عنده، فلما أصبح دله على الطريق، فقال له الحسن عليه السلام: إني ماض إلى ضيعتي (2)، ثم أعود إلى المدينة، ووقت له وقتاً قال: تأتيني فيه، فلما جاء الوقت شغل الحسن بشيء من اموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي وكان عبداً لرجل من أهل المدينة فصار إلى أبي عبدالله الحسين عليه السلام وهو يظنه الحسن، فقال: يا مولاي، أنا العبد الذي بت عندي ليلة كذا وأمرتني (3) أن اصير إليك في هذا الوقت، وأراه علامات عرف الحسين عليه السلام أنه كان الحسن عليه السلام.
فقال الحسين عليه السلام: لمن أنت؟
فقال: لفلان. قال: كم غنمك؟ قال: ثلاثمائة.
(1) مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: 1/153.
ورواه في مطالب السؤول: 2/9، عنه كشف الغمة: 1/558 ـ 559.
ورواه في الفصول المهمة: 157، عنه حلية الأبرار: 3/63 ح 6 وعن المطالب.
وأخرجه في البحار: 43/347 ح 20 عن الكشف.
(2) الضيعة: النخل والكرم والأرض.
(3) في المقتل: ووعدتني.

السابق السابق الفهرس التالي التالي