تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 52

من هذا عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين؟
وقيل: إن الحسين عليه السلام دخل على أخيه باكياً ثم خرج ضاحكاً، فقال له مواليه: ما هذا؟
قال: العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه فقلت: ما دعاك إلى تسليم الخلافة؟
قال: الذي دعا أباك فيما تقدم.
ولما انقضى أمر الصلح طلب معاوية البيعة من الحسين عليه السلام.
فقال الحسن عليه السلام: يا معاوية، لا تكرهه فإنه لن يبايع أبداً أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام. (1)
قال: فلما تم لمعاوية ما أراد وخطب وذكر علياً فنال منه ومن الحسن والحسين.
فقال الحسن: أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، ولعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قوماً (2)، واقدمنا كفراً ونفاقاً.
فقال الناس: آمين، ونحن نقول أيضاً: آمين.
(1) قوله: (وقيل: إن الحسين عليه السلام... اهل الشام) في مناقب ابن شهراشوب: 4/34 ـ 35.
(2) في المقاتل: قدماً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 53


قال: ثم إن معاوية دخل الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلةوبين يديه خالد بن عرفطة ومعه رجل يقال له حبيب بن حمار يحمل رايته، حتى دخل الكوفة وصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل، واجتمع الناس إليه.
روى عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينا علي عليه السلام على المنبر يخطب إذ دخل رجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عرفطة.
فقال أميرالمؤمنين: والله ما مات، إذ دخل رجل آخر، فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عرفطة.
فقال صلوات الله عليه: والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد ـ يعني باب الفيل ـ براية ضلالة يحملها له حبيب بن حمار (1)، فوثب رجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، أنا حبيب بن حمار.
قال أميرالمؤمنين عليه السلام: إنه ما أقول، فقدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار. (2)
قيل: ولما تم الصلح بين معاوية والحسن أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأبى، وكان رجلاً طويلاً إذا ركب الفرس المسرف
(1) في بعض المصادر: عمار، وفي بعضها: حماد، وفي بعضها: جماز.
(2) الإيضاح لابن شاذان: 330، بصائر الدرجات: 298 ح 11، الهداية الكبرى: 161، خصائص الأئمة: 52، إرشاد المفيد: 174، الاختصاص: 280، تيسير المطالب: 37، أعلام الورى: 177، الثاقب في المناقب: 267 ح 231، الخرائج والجرائح: 2/745 ح 63، مناقب ابن شهراشوب: 2/270، الملاحم والفتن: 113، كشف اليقين: 98/99ح90، نهج الحق وكشف الصدق: 243، إرشاد القلوب: 225، الإصابة: 1/410، إثبات الهداة: 2/439 ـ 440 ح 118، البحار: 41/288 ح 12 وص 313، وج42/61، ح 32، وج44/259 ح 11.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 54

خطت رجلاه الأرض، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني حلفت أن لا ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضعه بينه وبينه ليوفي في يمينه (1).
وكان قد انعزل في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما أتم الأمر لمعاوية لم يجد بداً من ذلك وأقبل على الحسن وقال: أنا في حل من بيعتك.
قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره، وأكب على قيس حتى مسح على يده فما رفع إليه قيس يده.
وقيل: إن معاوية أمر الحسن بعد الصلح أن يخطب وظن أنه سيحصر.
فقال عليه السلام: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وليس الخليفة من سار بالجور ذاك ملك ملك ملكاً يتمتع فيه قليلاً، ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته، « وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين». (2)
ثم انصرف الحسن عليه السلام بعد ذلك إلى المدينة، ورجع معاوية إلى الشام، وأراد البيعة لابنه يزيد، فلم يكن عليه أثقل من أمر الحسن عليه السلام، فجعل يحتال على قتله، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته صلوات الله عليه. (3)
قلت: وكان سيدنا ومولانا سبط الرسول، ومهجة البتول، ثابت الجأش، حمي الأنف، لا تأخذه في قول الحق لومة لائم، ولا يثني عزيمته عن الأمر بالمعروف مخافة شاغب ولا غاشم، خذلته الغدرة الفجرة، وخانته الاثمة الكفرة، وأسلموه إلى الحتف، وساقوه إلى الموت، وأظهروا له الطاعة ودينهم
(1) في المقاتل: ليبر يمينه.
(2) سورة الأنبياء: 111.
(3) مقاتل الطالبيين: 44 ـ 47.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 55

النفاق، وبذلوا النصيحة وطبعهم الشقاق.
وكان عليه السلام عالماً بذلك من لئيم طبعهم، متحققاً لغدرهم وخذلهم، متيقناً ممالاتهم عدوه عليه، عالماً بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، وأغواهم حب الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذتها الزائلة الفانية.
هل أغوى ابن حرب بحربه واستحثه على طلبه إلا حب زينتها، والافتتان بزهرتها، وطلب متاعها، والتلذذ باستماعها، والميل مع بنيها، إيثاراً من حطامها، ويتمتع بزائل أيامها، وكانت جماعة أكابرهم ورؤسائهم وأعيانهم وزعمائهم في كل حين لهم عيون ورسل ومكاتبات إلى اللعين بن اللعين ، فعليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، وإنما سار بهم عليه السلام إلى خصمه مع شدة يقينه بغدرهم، وعلمه (1) بقبيح نكثهم ومكرهم، قياماً للحجة عليهم، وتوجيهاً لقطع المعذرة منهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: « إنا كنا عن هذا غافلين» (2) أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوك لوجدتنا لك من الناصحين، فأقام عليهم الحجة بمسيره، وأظهر خفي نفاقهم بتدبيره، وكان ذلك فرض الله عليه، وما فوض من الرئاسة العامة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه وغدرهم به، فأذعن للهدنة، وأطفأ بصلحه الفتنة، ودرك عليهم الحجة فباءوا بغضب من الله بشملهم، وخزي في الدارين ببغيهم، وسيجازى كل بفعله، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، كل ذلك وهو عليه السلام كما وصف الله إباءه في محكم ذكره، ونوه فيه بمدحه وشكره، فقال سبحانه في كتابه المبين وذكره الحكيم: « أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك
(1) كذا الصحيح، وفي الأصل: علمهم.
(2) سورة الأعراف: 172.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 56

فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم». (1)
وكذلك كان صلوات الله عليه سالكاً طريق شيخه ووالده، بانياً في مكارم الأخلاق على قواعده، ساعياً فيما فيه الصلاح لامة جده، ناصراً مظلومهم بجهده وجده، كالطود الشامخ على المتكبرين، وكالماء الرائق للمؤمنين، لا يخضع إذا قل ناصره، ولا يضرع إذا غلب قاهره، كما قال الأول:
لا يخرج القرمني غير ما بيه ولا ألين لمن لا يبتغي ليني

وكذلك كان أخوه سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، لا يقذع صفاته، ولا يكدر صفاءه، ذا أنف حمي وطبع أبي، لما كان مجده أرفع من السماك الأعزل وأعلى، رأي القتل في الغز حياة والحياة في الذل قتلاً، صلى الله عليهما وعلى جدهما وابيهما وامهما.
روي أن يزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه وعلى المعتقد إسلامهما والشاك في كفرهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رأى زوجة عبدالله بن عامر بن كريز، وهي ام خالد بنت أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وكانت من الجمال والحسن في الغاية القصوى، فهام بها حتى امتنع من الطعام والشراب، وآلى أمره إلى ملازمة الفراش من شدة السقم والشغف بها، فعاده أبوه لعنه الله، فشكا ذلك إليه وأعلمه بسبب علته، وكان الرجل منزله المدينة، فأرسل معاوية إلى عامله عليها أن أرسل إلي بعبد الله بن عامر موقراً معظماً له، قائماً بجميع ما يحتاج إليه في سفره، وفيما فيه صلاح أهله.
فلما وصل عبدالله إلى معاوية أراه من التعظيم والتبجيل ما لا مزيد عليه،
(1) سورة المائدة: 54.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 57

ثم قال: إني ما دعوتك إلا لأني تفكرت في رجل أعتمد عليه في اموري وأجعله عيبة سري، فما رأيت أصلح لذلك إلا أنت، وقد أردت أن اوليك البصرة، وازوجك ابنتي رملة اخت يزيد لأني ما وجدت لها كفواً غيرك، فاغتر الأحمق بقوله، فأتاه في اليوم الثاني وقال: إني عرفتها ذلك فرضيت، وقالت: كفو كريم، ولكن له زوجة ولا يليق بمثلي أن أكون عند رجل له زوجة غيري، فإن طلق زوجته كنت له أهلا وكان لي بعلاً، فرضي عبدالله بذلك وطلق زوجته ام خالد، فلما انقضت عدتها طلب من معاوية ما وعده.
فقال: إن أمرها إليها، وإنها قالت: اذا كان الرجل لم يوف لابنة عمه وهي من الجمال والحسن على ما ليس عندي فكيف يوفي لي؟ وامتنعت.
ثم إن معاوية أرسل بأبي الدرداء صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخطبها ـ أي ام خالد ـ على ابنه يزيد، وكانت الصحابة إذا ورد أحد منهم المدينة أول ما يبدأ بالسلام على النبي صلى الله عليه وآله، ثم يأتي إلى سيدنا الحسن بن رسول الله صلى الله عليه وآله تبركاً به وتيمناً بطلعته الشريفة صلوات الله عليه، فدخل أبوالدرداء على الحسن عليه السلام، فقال: ما أقدمك ـ يا عم ـ المدينة؟ فأعلمه بالقصة.
فقال: يا أبا الدرداء، هل لك أن تذكرني لها؟ فمضى أبو الدرداء وأعلمها ما كان من أمر بعلها، وأنه طلقها، وأن معاوية أرسله ليخطبها على ابنه يزيد، وأعلمها بمقالة الحسن عليه السلام، فقالت: يا عم، اختر لي أي الرجلين أصلح.
فقال أبو الدرداء: اعلمك أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الحسن ويضع شفته على شفته، وإني مشير عليك أن تضعي شفتك موضعاً وضع

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 58

رسول الله صلى الله عليه وآله شفته.
فقالت: رضيت بالحسن، وزوجته نفسها، فوصل الخبر بذلك إلى معاوية، فأقامه ذلك واقعده، ولعن أبا الدرداء.
ثم إن عبدالله بن عامر أتى المدينة حقيراً خائباً مما امل، وأتى الحسن وقال: يا ابن رسول الله، إن لي عند أهلك ـ ابنة عمي ـ أمانات وودائع لي وللناس، فإن تفضلت بإعلامها بذلك فافعل.
فمضى به الحسن إليها وضرب بينهما حجاب، فأتته بالأمانات التي كانت عندها، فبكى الرجل واشتد حزنه، وبكت المرأة من وراء الستر.
فقال الحسن عليه السلام: ألك هوى في ابنة عمك؟
فقال: نعم، يا ابن رسول الله.
وفي رواية: أنه صلوات الله عليه وقال: أولا ترضى أن أكون محللكما؟ فطلقها الحسن صلوات الله عليه وردها إلى بعلها كرماً منه وتفضلاً ورأفة بامة جده صلوات الله وسلامه عليه. (1)
عن عبدالملك بنعمير والحاكم (والعباس) (2) قالوا: خطب الحسن عليه السلام عائشة بنت عثمان، فقال مروان: أزوجها من عبدالله بن الزبير.
ثم إن معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب ام كلثوم بنت عبدالله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى مروان عبدالله بن جعفر فاخبره بذلك.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/38 ملخصاً، عنه البحار: 44/171 ضمن ح 5، وعوالم العلوم: 16/303 ح 1.
(2) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 59

فقال عبدالله: إن أمرها ليس إلي، إنما أمرها إلى سيدنا أبي عبدالله الحسين وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك.
فقال: أستخير الله تعالى، أللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد، فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله عليه وآله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين عليه السلام وعنده جماعة من الجلة (1)، وقال: (إن) (2) أميرالمؤمنين معاوية أمرني بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وبوجهه يستسقى الغمام، وهو كفو من لا كفو له؟ فرد خيراً يا أبا عبدالله.
فقال الحسين عليه السلام: الحمدلله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه ـ إلى آخر كلامه ـ ، ثم قال: يا مروان، قد قلت فسمعنا، أما قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في بناته ونسائه وأهل بيته (وهو) (3) أثنتا عشرة اوقية يكون أربعمائة وثمانون درهماً.
وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا؟
وأما صلح ما بين هذين الحيين، فإنا قوم عاديناكم في الله فلم نكن نصالحكم للدنيا، فقد أعيا النسب فكيف السبب؟
وأما قولك: العجب من يزيد كيف يستمهر؟! فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أبي يزيد، ومن جد يزيد.

(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: الجهلة.
(2 و 3) من المناقب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 60


وأما قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته في الكفاءة شيئاً.
وأما قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأما قولك: من يغبط منا له أكثر ممن يغبطه بنا، فإنما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.
ثم قال الحسين ـ بعد كلام ـ : فاشهدوا جميعاً أني قد زوجت ام كلثوم بنت عبدالله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أوقال: أرضي بالعقيق، وإن غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إن شاء الله.
قال: فتغير وجه مروان، وقال: ما أتيتم إلا غدراً يا بني هاشم، تأبون إلا العداوة، فذكره (1) الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة بنت عثمان وفعله، ثم قال: فأين موضع الغدر يا مروان (2)؟
وقال الحسن عليه السلام: إن لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب فيهما خلق لم يهموا بمعصية الله قط، والله ما فيهما وما بينهما حجة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين عليه السلام. (3)
(1) كذا في المناقب، وفي الأصل: فذكر.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/38 ـ 40، عنه البحار: 44/207 ح 4، وعوالم العلوم: 17/87 ح 2.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/40.
ورواه في بصائر الدرجات : 339 ح 4 و 5 وص 493 ح 11 وص 494 ح 12، الكافي: 1/462 ح 5، مختصر بصائر الدرجات: 11 و 12، الاختصاص: 291، المحتضر:
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 61


فضائل السمعاني: قال اسامة بن زيد: جاء الحسن عليه السلام إلى أبي بكر وهو يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: انزل عن مجلس أبي.
قال: صدقت هذا مجلس أبيك، ثم أجلسه في حجره وبكى.
فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: والله ما هذا من أمري.
قال: صدقت والله صدقتك وما اتهمتك. (1)
وفي رواية الخطيب (2): ان الحسين عليه السلام قال يوماً لعمر: انزل عن منبر أبي وامضى إلى منبر أبيك.
فقال عمر: لم يكن لأبي منبر، وأخذني وأجلسني معه، ثم سالني: من علمك هذا؟
فقلت: والله ما علمني أحد. (3)
= 104
(1) ترجمة الامام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد: 68 ح 108 باختلاف، أنساب الأشراف: 3/26 رقم 41.
(2) تاريخ بغداد: 1/141.
(3) مناقب ابن شهراشوب 4/40.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 62



فصل

في ذكر وفاته عليه السلام


لما تمت من إمرة معاوية عشر سنين عزم على البيعة لابنه يزيد لعنه الله، ولم يكن أثقل عليه من الحسن عليه السلام وسعد بن أبي وقاص، فأرسل بما دسه لسعد بن أبي وقاص فقتله به، ثم أرسل إلى ابنة الأشعث: اني ازوجك من ابني يزيد على أن تسمي الحسن، وبعث إليها بمائة ألف درهم، ففعلت وسمته، فسوغها المال ولم يزوجها من يزيد، فتزوجها رجل من بني طلحة فأولدها، فكان إذا جرى كلام عيروهم وقالوا: يا بني مسممة الأزواج. (1)
كتاب الأنوار: قال: إنه عليه السلام قال: لقد سقيت السم مرتين وهذه الثالثة.
كتاب روضة الواعظين: إن الحسن عليه السلام قال: لقد سقيت السم مراراً ما سقيت مثل هذه المرة، لقد تقطعت كبدي قطعة قطعة فجعلت اقلبها بعود معي، ثم قال للحسين عليه السلام: يا أخي إني مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السم، ورميت بكبدي في الطشت، وإني لعارف بمن سقاني، ومن أين دهيت، وأما اخاصمه إلى الله سبحانه.

(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/42، عنه البحار: 44/155 ح 25 وعن الارشاد للمفيد: 192.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 63


فقال له الحسين عليه السلام: فمن سقاكه؟
قال: ما تريد منه؟ أتريد أن تقتله؟ إن يكن هو هو فالله نقمة منك، وإن لم يكن هو فما احب أن يؤخذ (بي) (1) بريء، فبحقي عليك إن تكلمت بكلمة واحدة، وانتظر ما يحدث الله في.
وفي خبر: بالله اقسم عليك إن تهريق في أمري محجمة دم. (2)
وحكي أن الحسن عليه السلام لما أشرف على الموت قال له الحسين عليه السلام: اريد أن أعلم حالك يا أخي.
فقاله له الحسن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا يفارق العقل منا أهل البيت ما دامت الروح فينا، فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك الموت أغمزيدك، فوضع يده في يده، فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزاً خفيفاً، فقرب الحسين اذنه من فمه، فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فإن الله عنك راض وجدك شافع. (3)
وكان الحسن عليه السلام أوصى بأن يجدد عهده عند جده، فلما مضى لسبيله غسله الحسين وكفنه وحمله على سريره، فلما توجه بالحسن إلى قبر جده صلى الله عليه وآله أقبلوا إليه بجمعهم وجعل مروان يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في اقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ أما لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.
فبادر ابن عباس وكثر المقال بينهما حتى قال ابن عباس: ارجع من حيث
(1) من المناقب.
(2) مناقب ابن شهراشوب: 4/42، عنه البحار: 44/158 ح 28.
(3) مناقب ابن شهراشوب: 4/43، عنه البحار: 44/160 ح 29.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 64

جئت فإنا لا نريد دفنه هاهنا، لكنا نريد (أن) (1) نجدد عهداً بزيارته، ثم نرده إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته، فلو كان أوصى بدفنه عند النبي لعلمت أنك أقصر باعاً من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بحرمة قبر جده من أن يطرق إليه (2) هدماً، ورموا بالنبال جنازته صلوات الله عليه حتى سل منها سبعون سهماً.
قال ابن عباس: وأقبلت امرأة (3) على بغل برحل في أربعين راكباً تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احب؟
فقال ابن عباس ـ بعد كلام ـ : عائشة يوماً على جمل ويوماً على بغل. (4)
فنظمه الصقر البصري رضي الله عنه:
ويوم الحسـن السبط (5) على بغلـك أقبلـت (6)
وما يست ومانعـت وخاصمت وقاتـلت
وفي بيت رسول الله في الكل (7) تحكمت
هل الزوجة أولى با لمواريث من البـنت
لك التسع من الثمن وللكـل تملــكت (8)
(1) من المناقب.
(2) في المناقب: عليه.
(3) في المناقب: عائشة.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/44، عنه البحار: 44/156 ـ 157 ذ ح 25 و عن إرشاد المفيد: 192 ـ 193.
(5) في المناقب: الهادي.
(6) في المناقب: أسرعت.
(7) في المناقب: بالظلم.
(8) في المناقب: فبالكل تحكمت.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 65

تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت (1)
ولما وضع الحسن عليه السلام في قبره أنشأ سيدنا ومولانا أبوعبدالله الحسين عليه السلام:
أأدهن رأسي ام اطيـب مـجالسي ورأسـك معـفور وأنت سليــب
أو اسـتمتع الدنيـا بشـيء احبه الاكل مــا أدنى إليـك حــبيب
فلا زلت أبكي مـا تغنـت حمامة عليك ومــا هبـت صبا وجنوب
وما هملت عيني من الدمـع قطرة وما اخضر في دوح الحجاز قضيب
بكائي طويل والدمـوع غزيـرة وأنـت بعيـد والمـزار قــريب
غريب وأطراف البيوت تنوشـه (2) ألاكـل مـن تحت التراب غـريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى فكـل فتـى للمـوت فيـه نصيب
وليس حريب مـن اصـيب بماله ولكــن مـن وارى أخـاه حريب
(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/44 ـ 45.
(2) في المناقب: تحوطه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 66

نسيبك من أمسى يناجيك طرفه وليس لمن تحت التراب نسيب (1)

وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين عليه السلام:
يا كذب الله من نعى حسناً ليس لتكذيب نعيه ثمن (2)
كنت حليفي (3) وكنت خالصتي لكل حي من أهله سكن
أجول في الدار لا أراك وفي الدار اناس جوارهم غبن
بدلتهم منك ليت إنهم أضحوا وبيني وبينهم عدن (4)

وقال دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه:
تعز بمن قد مضى اسوة فإن العزاء يسلي الحزن
بموت النبي وقتل الوصي وذبح الحسين وسم الحسن (5)

عن عمر بن بشير الهمداني، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟
قال: حين مات الحسن عليه السلام، وادعى زياد، وقتل حجر. (6)
عن هشام بن سالم وجميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام أن الحسن عليه السلام توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة.
(1) مناقب ابن شهراشوب: 4/45، عنه البحار: 44/160 ذ ح 29، وعوالم العلوم: 16/299 ح 1.
(2) كذا في الديوان، وفي الأصل: حسن.
(3) في المناقب: خليلي.
(4) مناقب ابن شهراشوب: 4/45، عنه البحار: 44/161 ح 30، وعوالم العلوم: 16/300 ح1.
(5) مناقب ابن شهراشوب: 4/46، ديوان دعبل الخزاعي: 303.
(6) مقاتل الطالبيين: 50.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 67


وروي أيضاً أنه توفي وهو ابن ست وأربعين. (1)
روى الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار، وروى ابن عبد ربه في كتابه العقد (2) أنه لما بلغ إلى معاوية بموت الحسن سجد وسجد من حوله، وكبر وكبروا معه، فدخل (عليه) (3) ابن عباس بعد ذلك، فقال معاوية: يا ابن عباس، أمات أبومحمد؟
قال: نعم، ورحمة الله عليه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله لا يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. (قال) (4) أحسبه ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش. فقال ابن عباس: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وكلنا كنا صغاراً فكبرنا.
قال: فأنت تكون سيد القوم بعده.
قال: أما وأبوعبدالله الحسين عليه السلام حي فلا. (5)
قال شيخنا السعيد الشهيد محمد بن مكي الفقيه رضي الله عنه في دروسه:
ولد الحسن ليلة (6) الثلاثاء بالمدينة منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة. (7)
وقال المفيد: سنة ثلاث، وقبض بها مسموماً يوم الخميس سابع صفر سنة
(1) مقاتل الطالبيين: 50.
(2) ربيع الأبرار: 4/186، العقد الفريد: 4/361 ـ 362.
(3 و 4) من المناقب.
(5) مناقب ابن شهراشوب: 4/43، عنه البحار: 44/159، وعوالم العلوم: 16/298 ح 1.
(6) في الدروس: يوم.
(7) الدروس: 152، عنه البحار: 44/134.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 68

تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع أو ثمان وأربعين سنة.
قال الحسن للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله، ما لمن زارنا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زارني حياً أو ميتاً، أو زار أخاك حياً أو ميتاً كان حقاً علي أن أستنقذه يوم القيامة. (1)
وقيل للصادق عليه السلام: ما لمن زار واحداً منكم؟
قال: كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله، إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمته شفعاؤه يوم القيامة. (2)
(1) أخرجه في البحار: 99/373 ح 8 عن الهداية: 67.
وفي ج100/140 ح 7 عن علل الشرائع: 460، وفي ص 141 ح 8 ـ 11 عن كامل الزيارات: 11 وح12 عن أمالي الصدوق: 57 ح4، وح13 عن ثواب الأعمال: 107 ح1، وح15 عن ثواب الأعمال: 107 ـ 108 ح2، وفي ص 259 ح 6 عن كامل الزيارات.
(2) أخرجه في البحار: 100/116 ح1 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام وعلل الشرائع، وفي ص117 ح2 و 3 و 6 عن كامل الزيارات، وح5 عن العيون والعلل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 69


الندبة


يا من نسبه من كل نسب أعلى، وسببه من كل سبب أقوى، ومجده بكل فضل أولى، وحبه شرف الآخرة والاولى، جدك فارس البراق ليلة الاسراء، وأبوك أول السباق إلى دين الهدى، وامك سيدة نساء الدنيا والاخرى، قد اكتفتك الاصول الطاهرة، واحتوشتك المحامد الفاخرة، طوت بقوادم الشرف وخوافيه (1)، وتسمت ذروة الشرف وأعاليه، فلا شرف إلا وإليك منتهاه، ولا سؤدد إلا وأنت بدؤه وقصاراه.
همتك أعلى من هامة السماك الأعزل، ورفعتك أسمى من رفعة السماء وأطول، عالية مبانيك، هامية أياديك، صادقة أقوالك، زاكية أفعالك، غامر إفضالك، وافر نوالك، طاهرة آباؤك وامهاتك، ظاهرة في صحائف المجد سماتك.
نزهت عن كل عيب، وقدست من كل ريب، لا جرم من كان جده خاتم النبيين، جاز أن يقول: أنا أشرف خلق الله أجمعين، ومن كان أبوه سيد الوصيين، كان مجده في الشرف أعلى من عليين، ومن كانت أمه سيدة النساء كان أفخر من أشرقت عليه ذكاء. رزؤك يا ابن المصطفى أجرى عبرتي، وسمك يا نجل المرتضى أسهر.
(1) الخوافي: جمع الخافية، وهي الريش الصغار التي، في جناح الطير عند القوادم.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 70

مقلتي، وهضمك أطال حزني، وظلمك أذوى عصبي، أما ليلي فزفرة وعبرة، وأما نهاري فحيرة وفكرة، أتفكر في فوادح مصائبكم، وأتذكر عظيم نوائبكم، وأتصور علم الاسلام والدكم، وإمام الأنام قائدكم، خير الامة بعد نبيها، وخير الملة وحفيها، الذي أخذ الله ميثاق ولاته على خلقه، وأحيى بمعين علمه موات حقه، وجعله الهادي إليه، والدليل عليه.
كل علم لا يؤخذ عنه فهو ضلال، وكل دين لا يتلقى منه فهو محال، لولا جهاده لما قام عمود الاسلام، ولولا بيانه لما عرف الحلال من الحرام، قلبه مخزن علم الله، ونفسه مشرق نور الله، بحر لا يدرك قراره، وسائق لا يشق غباره، لا يعرف الله إلا من سلك سبيله، ولا ينجو في تيه الضلالة إلا من اتبع دليله، كيف اجتمعت امة السوء على قتاله، وانبعث أشقاها لاغتياله، وصيره ضمناً في حال ركوعه، ملقى في خلال خشوعه؟ بعد أن سلبوه تراث ابن عمه، وغصبوه ميراث شقيق دمه ولحمه، وجعلوا ولي أمرهم أرذلهم نسباً، وإمام عصرهم أخملهم حسباً، أخفض بيت في تيم بن مرة، وأكذب منعوت بالصدق والامرة، لما شادوا بالباطل سقيفتهم، وسموه بخلاف تسمية ربهم خليفتهم، هدموا من الحق ما شيد ولي الله بجده وجهده، وطمسوا من الصدق ما بين في صدره وورده، وفرقوا كلمة الاسلام بجبتهم وفاروقهم، وعطلوا أحكام القرآن بثالثهم طاغوتهم.
فتباً لها من أمة سوء شرت الضلالة بالهدى، وباعت الآخرة بالاولى، وعدلت بصفوة الله من لا يمت بفضله، بل ولا يعدل عند الله شرك نعله، وأهانت خلافة الله حتى تلاعبت بها اولوا الأخلاق الذميمة، والأعراق الموصومة، وصيروها ملكاً عضوضاً، وعهداً منقوضاً، فعاد المؤمن فيها يحذر من فيه وظله،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 71

ويخفي شخصه عن صحبه وأهله، ويبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، وينحجر في الزوايا خشية الرقباء، يرى حتفه بعينيه، ويسمع لعنه باذنيه، وكيف لا يخشى بادرتهم، ويحذر فاقرتهم، وهو يرى صنيعهم لسيدهم ووليهم، وخذلهم هاديهم وخليفة نبيهم، وأذاهم له بقولهم وفعلهم، وإجلابهم عليه بخيلهم ورجلهم، وحربهم له في صفينهم وجملهم، وقتلهم له في قبلة مسجده، وفتكهم به في حال تهجده، وتصييرهم ولديه سبطي نبي الرحمة، وفرعي شفيع الامة، وسيدي شباب أهل الجنة، ومن جعل الله وجودهما في الخلق أعظم منة، ما بين مسموم ومقتول، ومهضوم ومخذول؟
فأبعدها الله من امة خبل سعيها، ودام غيها، وطال شقاها، وخاب رجاها، تقتل ذرية نبيها بين ظهرانيها، وتسبي بنات رسولها وهي تنظر إليها، ليس فيها رشيد يردعها، ولا سديد يدفعها، فما أبعدها من رحمة الله واشقاها، وأحقها بخزي الله وأولاها؟ قد أوثقها الله بذنوبها، وختم على قلوبها وغرها سرابها، وتقطعت أسبابها، فارتدت على أعقابها، وضلت في ذهابها وإيابها، قد طوقها الله طوق لعنته، وحرم عليها نعيم جنته، فالمؤمن فيها حامل حتفه على كتفه، وناظر هلكه بطرفه، يسلقونه بحداد ألسنتهم، ويعنفونه بفضيع مقالتهم، فهو بينهم كالشاة بين الذئاب، أو الغريب تحتوشه الكلاب، وعلماؤهم يتجسسون على عورات المؤمنين، ويبتغون زلات الصالحين، ويحرمون ما أحل الله بأهوائهم، ويحلون ما حرم الله بآرائهم، ويسفهون أحلام من التزم بحبل أهل بيت نبيه، ويستهزئون بمن استمسك بولاء عترة وليه، وهم مع ذلك يتولى بعضهم بعضاً ، ويعظم بعضهم بعضاً، وما ذاك إلا لاختصاص قول المؤمنين بآل محمد صلى الله عليه وآله فلعداوتهم لهم رموهم عن قوس واحدة.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 72


هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلاً عقد على امه عقد نكاح وهو يعلم أنها امه ثم وطئها لسقط عنه الحد ولحق به الولد.
وكذلك قوله في الاخت والبنت وسائر المحرمات ويزعم أن هذا نكاح شبهة أوجب سقوط الحد عنه. (1)
ويقول: لو أن رجلاً استأجر غسالة، أو خياطة، أو خبازة، أو غير ذلك من أصحاب الصناعات ثم وثب عليها ووطئها وحملت منه لأسقطت عنه الحد وألحقت به الولد.
ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثم أولجه في فرج امرأة ليست له بمحرم لم يكن زانياً، ولا يجب عليه الحد.
ويقول : إن الرجل إذا تلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحد، ولكن يردع بالكلام الغليظ والأدب والخفقة والخفقتين بالنعل، وما أشبه ذلك.
ويقول: إن شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق إذا طبخ وبقي على الثلث وهو سنة وتحريمه بدعة.
وقال الشافعي: إن الرجل إذا فجر بامرأة فحملت وولدت بنتاً فإنه يحل للفاجر أن يتزوج بها ويطأها ويستولدها لا حرج عليه في ذلك، فأحل نكاح البنات (2).
وقال: لو أن رجلاً اشترى اخته من الرضاعة ثم وطئها لما وجب عليه الحد، وكان يجوز سماع الغناء بالقصب وما أشبه.
(1) الام للشافعي: 5/153، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري:4/66 و 124.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري:4/66 و 124.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 73


وكان مالك بن أنس يرى سماع الغناء بالدف وأشباهه من الملاهي، ويزعم أن ذلك سنة، وكان يجيز وطيء الغلمان المماليك بملك اليمين.
وقال داود بن علي الاصفهاني (1): إن الجمع بين الاختين بملك اليمين حلالاً طلق، والجمع بين الام والبنت غير محظور.
فاقيم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما بينهم واستحلوه، ولم ينكر بعضهم على بعض، مع أن الكتاب والسنة والاجماع تشهد بضلالهم في ذلك، وعظموا أمر المتعة واستنكروها وضللوا فاعلها، مع أن القرآن والسنة يشهدان بصحتها، وأن النبي صلى الله عليه وآله أباحها، وفعلت على زمانه، ومات صلى الله عليه وآله وهي جارية في الصحابة وغيرهم حتى حرمها الثاني بجهله وكفره تعصبه بالباطل، فصوبوا آراءه،وسددوا اجتهاده في تحريمها، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين، ولكنهم من أهل العصبية والعدواة لآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولنختم المجلس بقصيدة أملاها خالص إيماني على جناني، وألقاها محض اعتقادي إلى فؤادي، وكتبتها يد محبتي على لوح فكرتي، واستخرجتها صناعة بلاغتي من خزانة فصاحتي، أسأل الله أن يجعلها صدر جريدة عملي، وبيت قصيدة أملي، وهو حسبنا ونعم الوكيل:
عصر الشباب تولى وانقضى زمني كطيف حلم مضى في غمضة الوسن
(1) داود بن علي بن خلف الاصفهاني، المعروف بالظاهري، ولد عام «202» هـ، وتوفي عام «270» هـ ، ولد بالكوفة، ورحل إلى نيسابور، ونشأ ببغداد وتوفي بها، من تصانيفه: كتابان في فضائل الشافعي. «معجم المؤلفين: 4/139»

السابق السابق الفهرس التالي التالي