المجالس السنية ـ الجزء الخامس 293

المجلس الخامس والاربعون بعد المائتين

لما أمر المنصور بحمل بني الحسن الى العراق حملهم رياح عامل المدينة الى الربذة مكبلين مغلولين عليهم المسوح فخرج المنصور راكباً بغلة شقراء ومعه وزيره الربيع فناداه عبد الله بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا باسراكم يوم بدر فقال له المنصور اخسأ ولم يعرج عليه ثم ان المنصور حسبهم بالعراق في مكان يقال له قصر ابن هبيرة شرقي الكوفة وكانوا لا يعرفون الليل من النهار ولا يعرفون أوقات الصلاة لا باحزاب من القرآن يقرأها بعضهم واذا مات منهم أحد ترك في مكانه فلما خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن أمر بهدم الحبس علهيم (ولما ادخل عليه محمد بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن وكان يسمى الديباج لجماله فنظر اليه المنصور فقال له أنت الديباج الأصغر قال نعم قال أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك فأمر أن تبنى عليه اسطوانة وهو حي (وكان) معهم رجل من ولد عثمان وهو أخو عبد الله بن الحسن لأمه أمهما جميعاً فاطمة بن الحسين بن علي عليهما السلام فلما أدخل على المنصور وعليه قميص وأزار رقيق تحت القميص جرى بينهما كلام لا يليق ذكره فغضب عليه المنصور وأمر بشق ثيابه فشق قميصه عن ازراره فأشف عن عورته ثم أمر به فضرب مائتين وخمسين سوطاً وهو في أثناء الضرب يفتري عليه ويشتمه فأصاب سوط منها وجهه فقال ويحك اكفف عن وجهي فان له حرمة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاغرى المنصور به الجلاد فقال الرأس الرأس فضرب على رأسه نحو من ثلاثين

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 294

سوطاً فاصاب سوط منها احدى عينيه فسالت ثم أخرج كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه وأسالت دمه فقام مولى له والقى عليه رداءه وأجلس الى جانب أخيه لأمه عبد الله بن الحسن فعطش مما ناله فطلب ماء فقال أخوه عبد الله يا معشر المسلمين من يسقي ابن رسول الله فتحاماه الناس فما سقوه حتى جاء خراساني بماء فسقاه (الله أكبر) اما كان يوجد يوم كربلا رجل مثل عبد الله بن الحسن فينادي يا معشر المسلمين من يسقي امامه وابن بنت نبيه وابن رسول الله الماء وما كان يوجد رجل مثل هذا الخراسناني فتأخذه الغيرة من أبي عبد الله الحسين عليه السلام فيأتي له بالماء بلى والله لقد كثر طلب الماء يوم عاشوراء من أهل الكوفة للحسين عليه السلام وعياله وأكفاله فما رقت قلوبهم فممن طلبه منهم برير بن خضير الهمداني فقالوا له قد أكثرت الكالم يا برير فو الله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله وقد طلب منهم الحسين الماء مراراً عديدة وهم يقولون والله لا تذوق الماء حتى تذوق الموت عطشاً وآخر مرة طلب فيها الماء وهو يجود بنفسه فقال له قائل والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فقال له أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها لا والله بل أرد على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأشرب من ماء غير آسن وأشكو اليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بي .
فعز أن تتلظى بينهم عطشاً والماء يصدر عنه الوحش ريانا

المجلس السادس والاربعون بعد المائتين

روى الشريف المرتضى رضي الله عنه في الغرر والدرر قال قدم

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 295

على الرشيد رجل من الأنصار يقال له نفيع فحضر باب الرشيد يوماً ومعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وحضر موسى بن جعفر عليهما السلام على حمار له فتلقاه الحاجب بالبشر والاكرام وأعظمه من كان هناك وعجل له الاذن فقال نفيع لعبد العزيز من هذا الشيخ قال أو ما تعرفه قال لا قال هذا شيخ آل أبي طالب هذا موسى بن جعفر فقال نفيع ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم (يعني بني العباس) يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير اما ان خرج لأسوأنه فقال له عبد العزيز لا تفعل فان هؤلاء أهل بيت قل ما تعرض لهم أحد في خطاب الا وسموه في الجراب سمة يبقى عارها عليه مدى الدهر (قال) وخرج موسى بن جعفر فقام اليه نفيع الأنصاري فأخذ بلجام حماره ثم قال له من أنت فقال يا هذا ان كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن اسماعيل ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله وان كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين وعليك ان كنت منهم الحج اليه وان كنت تريد المفاخرة فو الله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا يا محمد اخرج الينا أكفاءنا من قريش (وذلك لما برز شيبة بن ربيعة وأخوه عتبة وولده الوليد بن عتبة يوم بدر وطلبوا المبارة فبرز اليهم جماعة من الأنصار فقالوا يا محمد اخرج الينا أكفاءنا من قريش فبرز اليهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعلي بن أبي طالب) وان كنت تريد الصيت والأسم فنحن الذين أمر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات الفرائض في قوله اللهم صل على محمد وآل محمد ونحن آل محمد خل عن الحمار فخلى عنه ويده ترعد وانصرف بخزي فقال له عبد العزيز ألم أقل لك (ثم) آل الأمر بالرشيد الى أن قبض على الامام موسى بن جعفر «ع» وهو قائم يصلي عند رأس النبي

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 296

صلى الله عليه وآله وسلم فقطع عليه صلاته وأخذه فحبسه ثم أرسله الى البصره فحبسه فيها عند عيسى بن جعفر بن المنصور فبقي محبوساً عنده سنة ثم أخذه منه فحبسه عند الفضل بن الربيع ثم سلمه الى السندي بن شاهك فحبسه عنده حتى مضت عليه أربع سنوات وهو محبوس ثم سمه الرشيد وهو في المجلس فلما توفي في يد السندي بن شاهك حمل على نعش ونودي هذا امام الرافضة فاعرفوه فلما اتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا عليه بنداء فظيع الا من أراد ان يرى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج وخرج سليمان بن المنصور عم الرشيد من قصره الى الشط فسمع الصياح والضوضاء فقال لغلمانه وولده ما هذا قالوا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش فقال لغلمانه وولده يوشك ان يفعل هذا به في الجانب الغربي فاذا عبر به فانزلوا وخذوه من أيديهم فان مانعوكم فاضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم فلما عبروا به نزلوا اليهم وأخذوه من أيديهم ووضعوه في مفرق أربع طرق وأقام سليمان المنادين ينادون الا من أراد ان يرى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليخرج وحضر الخلق وغسل وحنط بحنوط فاخر وكفنه سليمان بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار عليها القرآن كله واحتفى ومشى في جنازته متسلباً مشقوق الجيب الى مقابر قريش فدفنه هناك وكتب الى الرشيد بخبره فكتب اليه الرشيد وصلتك رحم يا عم وأحسن الله جزاءك واعتذر بأن ما فعله السندي لم يكن عن أمره . (أما) كان يوجد يوم كربلا رجل مثل سليمان فيصلي على الحسين عليه السلام ويشيعه ويدفنه حتى لا يبقى ثلاثة أيام بلا دفن تسفي عليه الرياح وتصهره الشمس .
ما ان بقيت من الهوان على الثرى ملقى ثلاثا في ربى ووهاد


المجالس السنية ـ الجزء الخامس 297

الا لكي تقضي عليك صلاتها زمر الملائك فوق سبع شداد

المجلس السابع والأربعون بعد المائتين

روى الصدوق في العيون بسنده ان المأمون قال أتدرون من علمني التشيع فقالوا لا قال علمنيه الرشيد قالوا كيف والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت قال كان يقتلهم على الملك ولقد حججت معه سنة فلما ورد المدينة قال لحجابه لا يدخلن علي رجل الا نسب نفسه فكان يعطيهم على قدر شرفهم وهجرة آبائهم من خمسة آلاف دينار الى مائتي دينار فدخل عليه يوماً الربيع فقال على الباب رجل يزعم أنه موسى بن جعفر فاقبل الرشيد علي وعلى الأمين والمؤتمن والقواد ونحن قيام على رأسه فقال احفظوا علي أنفسكم ثم قال لآذنه ائذن له ولا ينزل الا على بساطي فأقبل شيخ مصفر اللون قد نهكته العبادة وكلم من السجود وجهه وانفه فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه فقال الرشيد لا والله الا على بساطي الحجاب من الترجل ونظرنا اليه بالاجلال والاعظام فما زال يسير على حماره حتى صار الى البساط والحجاب والقواد محدقون به فنزل فقام اليه الرشيد واستقبله الى اخر البساط وقبل وجهه وعينيه واخذ بيده فأجلسه معه في صدر المجلس وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحواله ثم قال له يا أبا الحسن ما عليك من العيال قال يزيدون على الخمسمائة قال أولادك كلهم قال لا أكثرهم موالي وحشم فأما الولد فلي نيف وثلاثون والذاكران منهم كذا والنسوان كذا قال فلم لا

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 298

تزوج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن قال اليد تقصر عن ذلك قال فما حال الضيعة قال تعطي في وقت وتمنع في آخر قال فهل عليك دين قال نعم قال كم قال نحو من عشرة آلاف دينار فقال الرشيد يا ابن عم انا أعطيك من المال ما تزوج الذكران والنسوان وتقضي الدين وتعمر الضياع فقال له وصلتك رحم يا ابن عم وشكر الله لك هذه النية الجميلة والرحم ماسة والقرابة واشجة والنسب واحد والعباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصنوا أبيه وعم علي بن أبي طالب وصنو أبيه قال افعل ذلك يا أبا الحسن وكرامة ثم قام فقام الرشيد لقايمه وقبل عينيه ووجهه ثم أقبل علي وعلى الأمين والمؤتمن فقال يا عبد الله ويا محمد ويا ابراهيم امشوا بين يدي عمكم وسيدكم خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه الى منزله فأقبل علي أبو الحسن موسى بن جعفر سراً بيني وبينه فبشرني بالخلافة فقال لي ملكت هذا الأمر فأحسن الى ولدي ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه فلما خلا المجلس قلت يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك اليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له قال هذا امام الناسا وحجة الله على خلقه وخليفته على عباده فقلت أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك أنا امام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر وموسى بن جعفر امام حق والله يا بني انه لأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني ومن الخلق جميعاً والله لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك فان الملك عقيم فلما أراد الرحيل أرسل اليه صرة مع الفضل فيها مائتا دينار وقال قل له يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة وسيأتيك برنا فقلت يا أمير المؤمنين تعطي سائر الناس خمسة آلاف دينار الى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر وقد أعظمته وأجللته مائتي دينار أخس عطية

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 299

أعطيتها أحداً من الناس فقال اسكت لا أم لك لو أعطيته ما وعدته لم آمنه ان يضرب وجهي غداً بمائة الف سيف من شيعته ومواليه وفقر هذا واهل بيته أسلم لي ولكم فلما نظر الى ذلك مخارق المغني اغتاظ فقال يا أمير المؤمنين أكثر أهل المدينة يطلبون مني شيئاً فان لم أقسم فيهم شيئاً لم يتبين لهم تفضل أمير المؤمنين علي فأمر له بعشرة آلاف دينار فقال بناتي أريد أو أزوجهن فأمر له بعشرة آلاف دينار فقال لابد لي من غلة فأمر باقطاعه ما غلته عشرة آلاف دينار وعجلها له فقام مخارق من فوره وقصد موسى بن جعفر وقال له قد وقفت على ما عاملك به هذا وقد احتلت لك عليه وأخذت منه ثلاثين الف دينار وقطاعاً يغل عشرة آلاف دينار ولا والله يا سيدي ما احتاج الى شيء منه وما أخذته منه الى لك قال بارك الله لك في مالك وأحسن جزائك ما كنت لآخذ منه درهماً واحداً وقد قبلت صلتك وبرك فانصرف راشداً ولا تراجعني فقبل يده وانصرف (أمثل) هذا الامام في علمه وزهده وفضله ينقل من حبس الى حبس فتارة في حبس عيسى بن المنصور وتارة في حبس الفضل بن الربيع وتارة في حبس السندي بن شاهك حتى مضت عليه أربع سنوات وهو محبوس وهو امام أهل البيت الطاهر النبوي في عسره وسيد بني هاشم ووارث علوم جده صلى الله عليه وآله وسلم ولما نقل الى السندي ابن شاهك ضيق علهي في الحبس ثم دس اليه الرشيد السم فمضى الى ربه مسموماً شهيداً صابراً محتسباً كما مضى جده الحسين بن علي عليهما السلام شهيداً بالسيف قتيلا ظامياً صابراً محتسباً وفدى دين جده بنفسه فان أهل البيت عليهم السلام كما قال زين العبادين عليه السلام لما أمر ابن زياد بقتله ابا لقتل تهتددني أما علمت ان القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة .

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 300

تتبعـوكم ورامـوا مـحو فضلكم وخيب الله من في ذلكم طمعا
اني وفي الصلوات الخمس ذكركم لدى الشهيد للتوحيد قد شفعنا

المجلس الثامن والأربعون بعد المائتين

روى المفيد في الارشاد والصدوق في العيون عن ياسر الخادم ان المأمون كتب الى الرضا عليه السلام يستدعيه ويستقدمه الى خراسان فاعتل عليه بعلل كثيرة فما زال المأمون يكاتبه ويساله حتى علم الرضا انه لا يكف عنه فخرج فلما وصل الى مرو عرض عليه المامون ان يتقلد الخلافة فابى ذلك قال المامون فولاية العهد فاجابه الى ذلك على شروط فكتب الرضا عليه السلام اني ادخل في ولاية العهد على ان لا آمر ولا انهى ولا اقضي ولا اغير شيئاً مما هو قائم فأجابه المامون الى ذلك ودعا المأمون القضاة والقواد والشاكرية وبني العباس الى ذلك فاضربوا عليه فأخرج اموالاً كثيرة واعطى القواد وارضاهم الا ثلاثة نفر ابوا ذلك فحبسهم وبويع الرضا عليه السلام وكتب بذلك الى البلدان وضربت الدنانير والدراهم باسمه وخطب له على المنابر وانفق المأمون على ذلك اموالا كثيرة فلما حضر العيد بعث المأمون الى الرضا عليه السلام يسأله ان يركب ويحضر العيد لتطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضله وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة فبعث اليه الرضا قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الامر فقال المأمون انما اريد ان يرسخ في قلوب الناس هذا الأمر فيقروا بما فضلك الله تعالى به فلما الح عليه قال ان اعفيتني من ذلك فهو احب

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 301

إلي وان لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما كان يخرج امير المؤمنين علي بن ابي طالب «ع» فقال المأمون واخرج كما تحب وامر المأمون القواد والناس ان يبكروا الى باب الرضا فعد الناس لابي الحسن الرضا في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد على باب الرضا «ع» فلما طلعت الشمس قام الرضا فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن والقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه وتشمر ثم قال لجميع مواليه إفعلوا مثلما فعلت فأخذ بيده عكازه وخرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله الى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فلما قام ومشينا بين يديه رفع رأسه الى السماء وكبر اربع تكبيرات فخيل الينا ان الهواء والحيطان تجاوبه والقواد والناس على الباب وقد تزينوا ولبسوا السلاح وتهيئوا بأحسن هيأة فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمرنا وطلع الرضا وقف وقفة على الباب وقال الله اكبر الله اكبر الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما ابلانا ورفع بذلك صوته ورفعنا اصواتنا فتزعزعت مرو من البكاء والصياح فقالها ثلاث مرات فسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما نظروا الى ابي الحسن وصارت مرو ضجة واحدة ولم يتمالك الناس من البكاء والضجة وكان ابو الحسن يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفه فيكبر الله اربع مرات فيخيل الينا ان السماء والارض والحيطان تجاوبه فبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين ان بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخففنا كلنا على دمائنا فالراي ان تسأله ان يرجع فبعث اليه المأمون قد كلفناك شططاً واتبعناك فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم فدعا بخفه فلبسه ورجع (ودخل) دعبل ابن علي الخزاعي على الرضا «ع» بمرو فقال له يا ابن رسول الله اني قد

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 302

قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي ان لا أنشدها احداً قبلك فقال هاتها فأنشده :
مدارس ايات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ الى قوله :
ارى فيأهم في غيرهم متقسماً وايديهم من فيئهم صفرات

بكى ابو الحسن الرضا وقال له صدقت يا خزاعي فلما بلغ الى قوله
إذا وتروا مدوا الى واتريهم اكفاً عن الاوتار منقبضات

جعل ابو الحسن «ع» يقلب كفيه ويقول اجل والله منقبضات فلما بلغ الى قوله :
لقد خفت في الدنيا وايام سعيها واني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا «ع» آمنك الله يوم الفزع الاكبر فلما انتهى الى قوله
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في لاغرفات

قال له الرضا «ع» افلا الحق لك بهذا الموضوع بيتين بهما تمام قصيدتك فقال بلى يابن رسول الله فقال
وقبر بطوس يالها مـن مصيبة توقد في الاحشاء بالحرقات
الى الحشر حتى يبعث الله قائما يفـرج عـنا الهم والـربات

فقال دعبل يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو فقال الرضا «ع» قبري ولا تنقضي الايام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري الا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 303

القيامة مغفوراً له وفي هذه القصيدة يقول دعبل رحمه الله :
افاطم لـو خلت الحـسين مجـدلا وقـد مات عطشاناً بشط فرات
اذاً للطـمت الخـد فاطـم عـنده واجريت دمع العين في الوجنات
افاطم قومـي يا ابنة الخير واندبي نجـوم سمـوات بارض فـلاة
قبور بجنب النهر من ارض كربلا معـرسهم فيـها بـشط فـرات
توفوا عـطاشى بالفـرات فليتني توفيت فيهم قبل حيـن وفـاتي

المجلس التاسع والاربعون بعد المائتين

روى الصدوق فيعيون اخبار الرضا ان المأمون لما جعل علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولي عهده قصده الشعراء ووصلهم بأموال جمة حين مدحوا الرضا وصوبوا رأي المامون فيه دون ابي نواس فانه لم يقصده ولم يمدحه فدخل ابو نواس على المأمون فقال له يا ابا نواس قد علمت مكان علي بن موسى الرضا مني وما اكرمته به فلماذا اخرت مدحه وأنت شاعر زمانك وقريع دهرك فانشأ يقول :
قيل لـي انت اوحد الناس طراً في فنون من الكلام النبيه
لك مـن جوهـر الكلام بديـع يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى والخصال التي تجمعن فيه
قلـت لا أهتـدي لمـدح امام كان جـبريل خادما لابيه

فقال له المأمون احسنت ووصله من المال بمثل ما وصل به كافة

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 304

الشعراء وفضله عليهم (وفي) عيون اخبار الرضا ايضا قال نظر ابو نواس الى ابي الحسن علي ابن موسى الرضا ذات يوم وقد خرج من عند المأمون على بغلة له فدنا منه ابو نواس فسلم عليه وقال يا ابن رسول الله قد قلت فيك ابياتا فأحب ان تسمعها مني قال هات فأنشأ يقول :
مطـهرون نقيـات ثـيابهم تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه فـماله في قـديم الـدهر مفتخر
فالله لـما بـدا خلقا فاتـقنه صفاكـم واصطفاكـم ايها البشر
فانتم الملاء الاعلى وعندكم علم الكتاب وما جاءت به السور

فقال الرضا «ع» قد جئتنا بابيات ما سبقك اليها احد ثم قال يا غلام هل معك من نقتضنا شيء فقال ثلاثمائة دينار فقال اعطه اياها ثم قال لعله استقلها يا غلام سق اليه البغلة (وفي العيون ايضا) بسنده عن ابي العباس محمد بن يزيد المبرد قال خرج ابو نواس ذات يوم من دار فبصر براكب قد حاذاه فسأل عنه ولم ير وجهه فقيل انه علي بن موسى الرضا فانشأ يقول :
اذا ابصرتك العين من بعد غاية وعارض فيك الشك اثبتك القلب
ولـو ان قوما يمـموك لقادهم نسيمك حتى يستدل بك الـركب

وقال الرضا «ع» اني مقتول ومسموم ومدفون بارض غربة اعلم ذلك بعهده عهده الي ابي عن آبائه عن علي بن ابي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا فمن زارني في غربتي كنت وآبائي شفعاءه يوم القيامة ومن كنا شفعاءه نجا ولو كان عليه وزر الثقلين ولله در القائل :
حفـر بطيبة والغـري وكربلا وبطوس والزورا وسامراء
ما جئتهم في حاجة الا انقضت وتبـدل الـضراء بالسراء


المجالس السنية ـ الجزء الخامس 305

بأبي وامي تلك الحفر ومن فيها لقد تركتهم الأعداء شتى مصارعهم متفرقة قبورهم متباعدة صرائحهم :
بعـض بطيـبة مدفـون وبعـضهم بكربلاء وبعـض بالـغريين
وارض طـوس وسامرا وقد ضمنت بغداد بدرين حلا وسط قبرين
يا سادتـي الـمن انعي اسى ولـمن ابكي بجفنين من عيني قريحين
ابكي على الحسن المسموم مضطهداً ام للحـسين لقى بين الخمسين
ابكي عليه خضـيب الشيب من دمه موزع الجسم محزوز الوريدين
مصائب شـتت شـمل النـبي ففي قلب الهدى السن ينطقن بالتلف

المجلس الخمسون بعد المائتين

روى المفيد رحمه الله في الارشاد بسنده انه لما اراد المأمون ان يزوج ابنته ام الفضل ابا جعفر محمد بن علي الجواد عليه السلام بلغ ذلك العباسيين فعظم عليهم وخافوا ان ينتهي الامر الى ما انتهى اليه مع ابيه الرضا عليه السلام فاجتمع اهل بيته الادنون وناشدوه الله ان يصرف نفسه عن تزويج ابن الرضا وقالوا نخاف ان تخرج به عنا امراً قد ملكنا الله اياه فقد عرفت ما كان بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا وما كان عليه الخلفاء قبلك من تبعيدهم وقد كنا في خوف من عملك مع الرضا حتى كفانا الله المهم من ذلك فاصرف رايك عن ابن الرضا واعدل الى من تراه من اهل بيتك يصلح لذلك فقال اما ما بينكم وبين آل ابي طالب فأنتم السبب


المجالس السنية ـ الجزء الخامس 306

فيه واما ما كان يفعله من كان قبلي بهم فقد كان به قاطعاُ للرحم واعوذ بالله من ذلك واما ابو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتقدمه على كافة اهل العلم مع صغر سنه والاعجوبة فيه بذلك فقالوا انه وان راقك منه هديه فانه صبي لامعوفة له ولا فقه فأمهله ليتأدب ويتفقه فقال اني أعرف به منكم وان هذا من اهل بيت علمهم من الله فان شئتم فامتحنوه فاجمع رأيهم ان يطلبوا من يحيى بن اكثم وهو يومئذ قاضي القضاة ان يسأله مسألة لايعرف الجواب فيها ووعدوه باموال نفيسة فحضر يحيى ابن اكثم وأمار المامون ان يفرش لأبي جعفر دست ويجعل لهو فيه مسورتان (اي وسادتان) ففعل ذالك وخرج ابو جعفر وهو يومئذ ابن سبع سنين واشهر فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن اكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر فقال يحيى للمأمون اتاذن لي أن اسال ابا جعفر قال استأذنه في ذلك فقال أتاذن لي جعلت فداك في مسألة قال سل ان شئت قال ما تقول جعلني الله فداك في محرم قتل صيدا فقال ابو جعفر قتله في حل ام حرم عالما ام جاهلا عمدا ام خطأ حرا كان ام عبداُ صغيراُ ام كبيرا مبتدئاُ بالقتل ام معيداُ من ذوات الطير كان الصيد ام من غيرها من صغر الصيد ام من كباره مصراُ على مافعل اونادما محرما بالعمرة ام الحج فتحيريحيى وبان في وجهه العجز ( فقال) المأمون الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ثم قال لهم اعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ثم قال لأبي جعفر ان رأيت جعلت فداك ان تذكر الفقه فيما فصلته فقال ان المحرم اذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة فان أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا فاذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن واذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ وان كان من الوحش

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 307

وكان حمار وحش فعليه بقرة وان كان نعامة فعليه بدنة (اي بعير او ناقة) وان كان ظيباً فعليه شاة فان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة واذا اصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان احرامه بالحج نحره بمنى وان كان احرامه بالعمرة نحره بمكة وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء وفي العمد عليه الاثم ولا اثم في الخطأ والكفارة على الحر في نفسه وعلى السيد في عبده والصغير لا كفارة عليه والنادم يسقط عنه عقاب الآخرة والمصر عليه العقاب في الآخرة (قال) المأمون احسنت يا ابا جعفر احسن الله اليك بما رأى فقال المأمون ان اهل هذا البيت خصوا بما ترون من الفضل ولا يمنعهم صغر السن من الكمال اما علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح دعوته بامير المؤمنين علي بن ابي طالب وهو ابن عشر سنين وقبل منه الاسلام وحكم له به ولم يدع احداً في سنه غيره وبايع الحسنين وهما ابنا دون ست سنين ولم يبايع صبياً وغيرهما ذرية بعضهما من بعض يجري لآخرهم ما يجري لاولهم قالوا صدقت يا امير المؤمنين (الا) قاتل الله من لم يعرف فضل اهل البيت فدفعهم عن مقامهم وازالهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وظلمهم وقتلهم ونازعهم حقهم كما فعل بنو امية بالحسنين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولديه الذين بايعهما وهما صغيران كما قاله المأمون قد دسوا السم الى الحسن حتى اخرج كبده قطعة قطعة وقتلوا الحسين وسبعة عشر رجلا من اهل بيته بكربلا عطشان ظامياً غريباً وحيداً لا ناصر له ولا معين :
يا ابن الذين توارثوا الـ ـعليا قـبيلا عن قبيل
والـسابقيـن بفـضلهم في كـل جيل كل جيل
ان تمـس منكـسراللوا ملقى على وجه الرمول
فلقـد قـتلـت مهـذباً من كل عيب في القتيل


المجالس السنية ـ الجزء الخامس 308

يهدى لك الذكر الجميـ ـل على الزمان المستطيل

المجلس الواحد والخمسون بعد المائتين

في مروج الذهب للمسعودي قال سعي الى المتوكل بعلي بن محمد الجواد عليهما السلام ان في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من اهل قم وانه عازم على الوثوب بالدولة فبعث اليه جماعة من الاتراك فهجموا على داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئاً ووجدوه في بيت مغلق عليه وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى وهو متوجه الى الله يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد فحمل على حيله تلك الى المتوكل وقالوا للمتوكل لم نجد في بتيه شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة وكان المتوكل جالساً في مجلس الشراب فأدخل عليه والكأس في يد المتوكل فلما رآه هابه واعظمه واجلسه الى جانبه وقال له انشدني شعراً فقال عليه السلام اني قليل الرواية للشعر فقال لا بد من ذلك فانشده عليه السلام يقول :
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم غلب الرجـال فما اغنتـهم القلل
واستـنزلوا بعد عز من معاقلهم واسـكنوا حفراً يا بئـس ما نزلوا
ناداهـم صارخ من بعـد دفنهم ايـن الأسـرة والتـيجان والحلل
اين الـوجوه التي كانـت منعمة من دونها تضرب الاستار والكـلل
فافـصح القبر عنهم حين ساءله تلك الـوجوه عليها الـدود يقـتتل
قد طالما اكلوا دهراً وما شربوا فاصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا

قال فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته وبكى الحاضرون وامر

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 309

برفع الشراب ثم رده الى منزله مكرماً . هذا امام قد ادخل الى مجلس الشراب وهو علي الهادي وادخل امام آخر الى مجلس الشراب وهو جده علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ولكن شتان ما بين الدخولين اما علي الهادي فأدخل على المتوكل وحده ولم يكن معه نساء ولا اطفال ولما دخل على المتوكل أعظمه وحياه ورده الى منزله مكرماً وأما جده زين العابدين فادخل على يزيد هو ونساؤه ومن تخلف من أهل بيته وهم مقرنون في الحبال وزين العابدين «ع» مغلول بغل الى عنقه فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين عليهما السلام أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا هذه الصفة فلم يبق في القوم أحد الا وبكى فأمر يزيد بالحبال فقطعت وأمر بفك الغل عن زين العابدين عليه السلام ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرون اليه فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا الى الرأس فلما رأين الرأس صحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية فقالت فاطمة بنت الحسين على أبيها وعليها السلام ابنات رسول الله سبايا يزيد فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات ورآه علي بن الحسين عليه السلام فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً .
يا رأس مفترس الضياغم في الوغى كـيف اغتديت فريسة الاوغاد
يا مخـمداً لهب العدى كيف انتحت نوب الخـطوب اليك بالاخماد

المجلس الثاني والخمسون بعد المائتين

روى الشيخ المفيد عليه الرحمة في ا لارشاد بسنده أنه سعى رجل

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 310

بأبي الحسن الى المتوكل وقال عنده أموال وسلاح فتقدم المتوكل الى سعيد الحاجب ان يهجم عليه ليلا ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمله اليه (قال) سعيد الحاجب صرت الى دار أبي الحسن «ع» بالليل ومعي سلم فصعدت مه الى السطح ونزلت من الدرجة في الظلمة فلم أدر كيف أصل الى الدار فناداني أبو الحسن «ع» من الدار يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة فلم البث ان أتوني بشمعة فنزلت فوجدت علهي جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة فقال لي دونك البيوت فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت بدرة من المال مختومة بخاتم أم المتوكل وكيساً مختوماً معها فقال لي أبو الحسن دونك المصلى فرفعته فوجدت سيفاً في جفن فأخذت ذلك وصرت اليه فلما نظر الى خاتم أمه على البدرة بعث اليها فخرجت اليه فسألها عن البدرة فقالت كنت نذرت في علتك ان عوفيت ان أحمل اليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها اليه وهذا خاتمي على الكيس ما حركه وفتح الكيس الآخر فاذا فيه أربعمائه دينار فأمر ان يضم الى البدرة بدرة أخرى وقال لي احمل ذلك الى ابي الحسن وأردد عليه السيف والكيس بما فيه فحملت ذلك اليه واستحييت منه فقلت له يا سيدي عز علي دخولي دارك بغير اذنك ولكني مأمور فقال لي« وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (هذا) فعل المتوكل مع علي الهادي «ع» فانه لما علم براءة ساحته مما نسب الهي أمر ببدرة فحملت اليه ورد عليه السيف والما أما فعل يزيد مع جده علي بن الحسين «ع» فانه أمر بادخاله عليه هو وثقل الحسين عليه السلام ونساؤه ومن تخلف من أهله فأدخلوا عليه وهم مقرنون في الحبال وزين العابدين عليه السلام مغلول فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين «ع» أنشدك

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 311

الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فلم يبق في القوم أحد الا وبكى فأمر يزيد بالحبال فقطعت وأمر بفك الغل عن زين العابدين «ع» ثم وضع رأس الحسين «ع» بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن الهي فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا الى الرأس وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس فلما رأين الرأس صحن فصاح نساء يزيد وولولت بنات معاوية فقالت فاطمة بنت الحسين عليهما السلام أبنات رسول الله سبايا يا يزيد فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات ورآه علي بن الحسين عليهما السلام فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبداً .
يا رأس مفترس الضياغم في الوغى كيف اغتيدت فريسة الأوغاد
يا مخـمداً لهب العـدى كيف انتحت نوب الخطوب اليك بالاخماد

المجلس الثالث والخمسون بعد المائتين

قال ابن الأثير كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب «ع» ولأهل بيته وكان يقصد من كان يبلغه عنه أنه يتولى علياً واهله بأخذ المال والدم وكان يبغض من تقدمه من الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق في محبتهم لعلياً وأهل بيته وانما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي . وكان من جماعة ندمائه عبادة المخنث وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل والمغنون يغنون :

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 312

قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين

يحكي بذلك علياً «ع» والمتوكل يشرب ويضحك ففعل ذلك يوماً والمنتصر ولده حاضر فأومأ الى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه فقال المتوكل ما حالك فقام وأخبره فقال المنتصر يا أمير المؤمنين ان الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك فكل أنت لحمه اذا شئت ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه فقال المتوكل للمغنين غنوا جميعاً :
(غار الفتى لابن عمه) في كلام آخر قبيح

فكان هذا من جملة الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل من شدة بغض المتوكل لعلي وأهل بيته ان أمر بهدم قبر الحسين «ع» وهدم ما حوله من المنازل والدور وان يبذر ويسقى موضع قبره وان يمنع الناس من اتيانه فنادى بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق فهرب الناس وتركوا زيارته وحرث وزرع . وفي كتاب جواهر المطالب لأبي البركات شمس الدين محمد الباغندي قال :
ذكر ابن الكلبي ان الماء أجري على قبر الحسين ليعفى قبره وأثره فنضب الماء أربعين يوماً فجاء اعرابي من بني أسد فجعل يأخذ من التراب قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين «ع» فشم رائحة أزكى من المسك فبكي وقال بأبي أنت وأمي ما أطيبك وأطيب تربتك وما حوت ثم أنشد :
أرادوا ليخفوا قبره عن وليه وطيب تراب القبر دل على القبر

ولم يكف ما جرى على الحسين «ع» من طغاة بني أمية حتى جاء

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 313

فراعنة بني العباس وقفوا على أعمال بني أمية واقتدوا بهم في قبائح أفعالهم من أهل البيت عليهم السلام كما قال الشريف الرضي :
ألا ليس فعل الأولين وان علا على قبح فعل الآخرين بزائد

ولله در القائل :
تالله ان كانـت أمـية قـد أتـت قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقـد أتاك بنـو أبـيـه بمثـلها هذا لعمرك قبره مـهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا اشاركوا في قـتله فتتبعـوه رميما

المجلس الرابع والخمسون بعد المائتين

كان بنو حمدان من الشيعة وكانوا كانوا كما قال في اليتيمة ملوكا وامراء وجوههم للصباحة والسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة منهم سيف الدولة ومنهم أبو فراس الذي قال في حقه الصاحب ابن عباد بدئ الشعر بملك وختم بملك يعني امرأ القيس وأبا فراس وكان في عصره رجل شاعر من بني العباس يقال له محمد بن سكرة الهاشمي فقال قصيدة يفتخر بها على الطالبيين فلما وقف عليها أبو فراس قال يرد عليه ويذكر مناقب الطالبيين ومثالب العباسيين بهذه القصيدة :
الدين مخترم والحق مهتضم وفييء آل رسول الله مقتسم
يا للرجال أمـا لله منتـصر من الـطغاة أمـا لله منـتقم
بنو علي رعايا فـي ديارهم والأمر تملكه النسوان والخدم


المجالس السنية ـ الجزء الخامس 314

محلؤون فأصفـى شربهم ومـثل عـند الورود وأوفـى وردهم لمم
والأرض الا على مـلاكها سـعة والـمال الا عـلى أربـابه ديـم
للمتقـين مـن الـدنـيا عواقبـها وان تعـجل فيـها الظالـم الأثم
لا يطـغين بـني العـباس ملكهم بنو علي مـواليهم وان زعـموا
اتفـخـرون عليـهم لا أبـا لـكم حتـى كان رسـول الله جـدكم
وما توازن يـوماً بينـكم شـرف ولا تساوت بكم في مـوطن قدم
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا مأمونكم كالرضا ان أنصف الحكم
قام النـبي بها يـوم الغديـر لهم والله يشهـد والأمـلاك والأمـم
حتى اذا أصبحت في غير صاحبها باتت تنازعها الـذؤبان والرخـم
وصـيرت بينهم شـورى كـأنهم لا يعلـمون ولاة الأمـر أينهـم
تالله مـا جهل الأقـوام موضـعها لكنـهم ستـروا وجه الذي علموا
ثم ادعـاها بـنو العـباس مـلكهم وما لهـم قـدم فيـها ولا قـدم
أمـا عـلي فقـد أدنـى قـرابتكم عـند الـولاية ان لـم تكفر النعم
هـل ينكر الحبـر عبـد الله نعمته أبـوكـم أم عبـيد الله أم قـثـم
بئـس الجزاء جزيتم في بني حسن ابـاهـم العـلم الـهادي وأمهـم
لا بـيعة ردعـتكم عـن دمـائهم ولا يمـين ولا قـربى ولا ذمـم
هلا صفحتم عن الأسرى بلا سبب للصافحين ببـدر عـن أسـيركم
هـلا كففتم عـن الـديباج السنكم وعـن بنات رسـول الله شتمكم
ما نزهـت لـرسول الله مهجـته عن الـسياط فهـلا نزه الحـرم
ما نال منهم بنو حرب وان عظمت تلك الجـرائـم الا دون نيـلكـم

يقول جرائم بني أمية الى آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان كانت عظيمة كقتلهم حمزة يوم أحد ودسهم السم الى الحسن بن علي حتى تقيأ كبده قطعة قطعة ومنعهم من دفنه عند جده وقتلهم الحسين عليه السلام بتلك الحالة

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 315

الفظيعة وسبيهم نساءه وأولاده وقتلهم زيد بن علي وصلبه عاريا ثلاث سنوات حتى عششت الفاختة في جوفه وقتلهم يحيى بن زيد الى غير ذلك من فظائعهم الا أنكم يا بني العباس قد اقتفيتم في ذلك آثار بني أمية وزدتم عليهم .
كم غدرة لكم في الدين واضحة وكـم دم لرسـول الله عندكـم
أأنتـم آله فيما تـرون وفـي أظفاركـم من بنيه الطاهرين دم

فمن الدماء التي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند بني العباس دماء أولاد الحسن السبط الذي قتلهم المنصور بعضهم بالسيف كمحمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن المثنى وبعضهم هدم عليهم الحبس كعبد الله بن الحسن وباقي أولاده وكانوا ثلاثة عشر رجلا (ومن الدماء) التي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند بني العباس دم موسى بن جعفر الذي سمه الرشيد بعد ما حبسه سبع سنين ودم ولده علي بن موسى الرضا الذي سمه المأمون ودم الحسين صاحب فخ وغيرهم ممن قتلوه بالسيف أو السم أو بنوا عليهم الحيطان وهم أحياء .
هيهات لا قربت قربى ولا رحم يوماً اذا أقـصت الأخلاق والشـيم
كانت مـودة سلـمان لهم رحماً ولم يكن بـين نوح وابـنه رحـم
باؤا بقتل الرضا من بعـد بيعته وابصروا بعض يوم رشدهم فعموا
لبئسما لقيت منهـم وان بلـيت بجانب الطف تلك الأعـظم الرمم

ما كفى ما فعله بنو أمية من قتل الحسين «ع» وأهل بيته وأنصاره ورض جسده الشريف وسبي نسائه وذراريه من بلد الى بلد وحمل رأسه ورؤوس أصحابه فوق الرماح حتى جاءت بنو العباس فبنت على ما أسسته بنو أمية وزادت عليه ورامت ان تدرس قبر الحسين «ع» وتعفي

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 316

أثر فأدار المتوكل الماء على القبر الشريف وأمر بحرثه واعفاء أثره ومنع الناس من زيارته يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره .
بنى لهم الماضون آساس هذه فعلوا على آساس تلك القواعد
ألا ليس فعل الأولين وان علا على قبـح فعل الآخرين بزائد

الى أن يقول أبو فراس رحمه الله مخاطباً لبني العباس :
خلـو الفخار لعلامـين ان سئلوا يوم السـؤال وعمالين ان علموا
لا يغضبون لغير الله ان غضبوا ولا يضيعون حكم الله ان حكموا
تبدو التلاوة مـن أبياتهم سحراً ومن بيـوتكـم الأوتـار والنغم
منكم عليـة أم منهم وكان لـكم شيخ المغنين ابراهيـم أم لهـم
اذا تلوا سـورة غـنى خطيبكم قف بالديـار التي لم يعفها القدم
ما في ديارهم للخـمر معتصر ولا بيوتهـم للسـوء معتصـم
البيت والركن والاستار منزلهم وزمزم والصفا والخيف والحرم
وليس من قسم في الذكر نعرفه الا وهم غيـر شـك ذلك القسم
صلى الاله عليـهم كلما سجعت ورق فهم للورى كهف ومعتصم

يقول ابو فراس رحمه الله :
البيت والركن والأستار منزلهم وزمزم والصفا والخليف والحرم

الا لعن الله من ازعجهم عن منازلهم وطردهم منها واخاف ابا عبد الله الحسين حتى اخرجه عن مدينة جده وهو يتلو فخرج منها خائفاً يترقب ولم يكتف بذلك حتى اخافه واخرجه عن البيت والركن وزمزم والصفا والخيف والحرم ومنعه من اكمال الحج وكان قد احرم بالحج

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 317

فتحلل بعمرة مفردة وخرج من مكة الى العراق يوم التروية لما علم ان يزيد دس مع الحاج ثلاثين رجلا من شياطين بني امية وامرهم بقتل الحسين عليه السلام على اي حال اتفق وانفذ عمرو بن سعيد بن العاص الى مكة في عسكر عظيم وامره بقبض الحسين عليه السلام سراً وان لم يتمكن يقتله غيلة
وقد انجلى عـن مكـة وهو ابنها وبه تشرفـت الحطيم وزمزم
لم يدر اين يـريـح بـدن ركابه فكأنما المـأوى علـيه محرم
ولما رأوا بعـض الحـيـاة مذلة عليهم وعز الموت غير محرم
ابوا ان يذوقوا العيش والذل واقع عليه وماتوا ميتة لـم تـذمم

المجلس الخامس والخمسون بعد المائتين

في كتاب عمدة الطالب وكتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي حدثنا ابو الفرج علي المعروف بالأصبهاني املاء من حفظه قال كان محمد ابن زيد العلوي الحسيني الداعي بطبرستان (الذي ملك بلاد طبرستان بعد اخيه الحسن بن زيد الملقب بالداعي الى الحق والداعي الكبير ويلقب هو بالداعي الصغير) اذا افتتح الخراج نظر الى ما في بيت المال من خراج السنة الماضية ففرقه في قبائل قريش ثم في الأنصار والفقهاء واهل القرآن وسائر طبقات الناس حتى لا يبقى معه درهم فجلس في بعض السنين يفرق فبدأ ببني هاشم فلما فرغ منهم دعا سائر بني عبد مناف فقام اليه رجل فقال له الداعي من اي بني عبد مناف انت قال من بني امية قال من ايهم فسكت قال لعلك من ولد معاوية قال نعم قال من اي

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 318

ولده فسكت قال لعلك من ولد يزيد قال نعم قال بئسما اخترت لنفسك تقصد ولاية آل ابي طالب وعندك ثأرهم فان كنت جئت جاهلا بهذا فما بعد جهلك جهل وان كنت جئت مستهزئاً بهم فقد خاطرت بنفسك فنظر اليه العلويون نظراً شزراً فصاح بهم محمد الداعي وقال كفوا عنه كانكم تظنون ان في قتله ادراكا لثأر الحسين جدي ان الله قد حرم ان تطالب نفس بغير ما اكتسبت والله لا يعرض له احد بسوء الا جازيته بمثله ثم امر له بمثل ما امر به لسائر بني عبد مناف وبعث معه من يوصله الى مأمنه وقال لمن حضره : اسمعوا حديثاً احدثكم به يكون لكم قدوة حدثني ابي عن ابيه قال عرض على المنصور جوهر فاخر وهو بمكة فعرفه وقال هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك وقد بلغني انه عند ابنه محمد ولم يبق منهم غيره ثم قال للربيع حاجبه اذا كان غداً وصليت بالناس في المسجد الحرام فاغلق الابواب كلها الا باباً واحداً وقف عليه ولا تخرج الا من تعرفه حتى تظفر بمحمد بن هشام فتأتيني به ففعل الربيع ذلك وعرف محمد بن هشام انه هو المطلوب فتحير واقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب فرآه متحيراً وهو لا يعرفه فقال له يا هذا اراك متحيراً فمن انت قال ولي الأمان قال لك امان الله التام والعام وانت في ذمتي حتى اخلصك قال انا محمد بن هشام بن عبد الملك فمن انت قال انا محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب فقال عند الله احتسب نفسي اذاً فقال لا بأس عليك ولكن تعذرني في مكروه انا لك به وقبيح اخاطبك به يكون فيه خلاصك بمشيئة الله تعالى قال افعل ما تريد فطرح رداءه على رأسه ووجهه وشده به واقبل يجره فلما اقبل على الربيع لطمه لطمات وقال للربيع يا ابا الفضل ان هذا الخبيث جمال من اهل الكوفة اكراني جماله ذاهبا وراجعا وقد هرب مني

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 319

واكرى جماله بعض قواد الخراسانية ولي عليه بذلك بينة فابعث معي حرسيين يصيران به معي الى القاضي لئلا يهرب مني فبعث معه حرسيين فلما بعد عن المسجد قال له يا خبيث تؤدي الي حقي قال نعم يا ابن رسول الله فقال للحرسيين انصرفا فانصرفا فلما رجعا اطلقه فقبل محمد بن هشام رأسه وقال بابي انت وامي الله يعلم حيث يجعل رسالته ثم اخرج جوهر نفيسا فدفعه اليه وقال شرفني بقبول هذا فقال انا اهل بيت لا تقبل على المعروف ثمنا فانصرف راشدا . وآل ابي طالب معادن العفو والحلم والصفح وكرم الاخلاق وعادتهم خلفا عن سلف مقابلة الاساءة بالاحسان فكم قابلوا بني امية على اعظم الاساءة باعظم الحلم والاحسان في مواضع لا تحصى بدأهم بذلك جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبهداه اهتدوا وعلى منهاجه نهجوا فقد كان من اشد الناس عليه بمكة ابو سفيان بن حرب فهو الذي جيش الجيوش عليه يوم احد والاحزاب وسعت زوجته هند في قتل عمه حمزة اسد الله واسد رسوله وبقرت بطنه عن كبده لتأكل منها فسميت آكلة الأكباد ووقف عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما وقفت موقفا اغيظ علي من هذا الموقف ومع ذلك لما فتح مكة حلم وصفح وزاد بان قال من دخل دار ابي سفيان فهو آمن فجازى بنو امية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على احسانه هذا اليهم بان اخافوا سبطه وريحانته الحسين بن علي في بلد يأمن فيه الطير والوحش وهي مكة بلد الله الحرام فخرج منها يوم التروية خائفا يترقب وكان قد احرم للحج فجعلها عمرة مفردة واحل من احرامه فكان الناس يخرجون الى منى والحسين خارج الى العراق لأن يزيد دس اليه مع الحاج ثلاثين رجلا من شياطين بني امية ليقبضوا عليه او يقتلوه ثم جهز عليه ابن زياد الجيوش بأمر يزيد فاحاطوا به ومنعوه التوجه في بلاد الله العريضة ومنعوه واهله من ماء الفرات الجاري

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 320

حتى قتلوه عطشان ضاميا وقتلوا انصاره واهله واولاده وسبوا نساءه من بلد الى بلد واتوا بعلي بن الحسين زين العابدين وهو عليل مقيدا مغللا حتى ادخلوه على يزيد ومع ذلك لما طرد اهل المدينة بني امية منها في ايام يزيد ولما رأوا من قبح افعال يزيد وكفره وطغيانه وفي جملة المطرودين مروان بن الحكم عرض مروان على جماعة من اهل المدينة ان يجعل اهله وعياله عندهم فابوا فعرض ذلك على علي بن الحسين فاجابه اليه وجعل عيال مروان مع عياله وحماهم واكرمهم ولكن الطينة الاموية ابت ان تقابل الاحسان الا بالاساءة كما قال الشاعر :
ومن يصنع المعروف مع غير اهله يجازى كما جوزي مجير ام عامر

وقال الأخر :
ملكنا فكـان العفـو منا سجية فلما ملكتـم سـال بالـدم ابطح
وحللتم قتل الأسـارى ولم نزل نعف عن العاني الاسير ونصفح
وحسبكم هذا التـفـاوت بيننـا وكل اناء بالذي فيـه ينـضـح

فجازى بنو مروان زين العابدين على احسانه هذا بان جفوا ولده زيد الشهيد واهتضموه حتى ظهر بالكوفة فقتل فنبشوه وصلبوه عاريا على جذع بالكوفة اربع سنين ثم انزلوه واحرقوه لبئسما جزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اله وذريته ولبئسما جزته امة تواليهم :
فلا بل اجداثا لآل امية سقيت ولا صوب الغمام اصابها
ليس هذا لرسول الله يا امة الطغيـان والبـغـي جـزا


السابق السابق الفهرس التالي التالي