دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 375

الصافي (1) ، ولو أعدنا بالحساب من تعداد الشعراء إلى تعداد الموالات لكان الشعر الكاظمي يأتي في الرتبة الأولى ثم الكربلائي ثم النجفي ثم البغدادي والخوزستاني وأخيرا الكوفي .
ورغم أن الموال كان بغدادي المنشأ والانتشار فلم تكن نسبة بغداد في النظم عن القضية الحسينية كبيرة ، وفي الحقيقة فإنه لو ضم شعراء الكاظمية إلى شعراء بغداد اللذان هما من خميرة واحدة لشكلت نسبة معتدة بها وذلك لأن كليهما من منطقة واحدة لولا الاتجاه العقائدي حيث غلب على الأولى أنهم من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بينما غلب على الثانية انهم من اتباع مدرسة غير اهل البيت عليهم السلام ، وإلا فإن الموال البغدادي هو الشائع في العراق ، وقد ألف العلاف مؤلفا سماه بالموال البغدادي كما وضع السامرائي مصنفا عنونه بالموالات البغدادية إلى غيرها .
ولدى الحديث عن جغرافية الموال فإن أبعد نقطة من المدرسة العراقية هي خوزستان الإيرانية التي يسكنها في الغالب عشائر عربية لها أرتباطاتها التاريخية والعشائرية مع القبائل العراقية في الجنوب العراقي ، ولذلك فإن خوزستان تصنف أدبيا ضمن المدرسة العراقية كما أشرنا إلى ذلك لدى الحديث عن الأبوذية ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وهو ما السر أن للموال الخوزستاني وجود ظاهر في القضية الحسينية بينما لا وجود للموال الجنوبي فيها ، ولعل السبب يعزى إلى أن هذه القفزة جاءت من العلاقات الولائية للمدينتين المقدستين بل المدن المقدسة كلها النجف وكربلاء والكاظمية وانتشار الكتب والمصنفات الحسينية ذو الطابع النجفي أو الكربلائي في تلك الديار مما تركت بآثارها على شعراء تلك المنطقة .
5ـ إن الغالب في نظم الموال الزهيري في هذا الديوان هو المسبع منه حيث هو الأصل وأما ما زاد على البندين فقد التزم به بعض الشعراء ولم تتجاوز أكثر من أثني عشر موالا حيث نظموا على ثلاثة بنود أربعة موالات ، بينما نظموا على كل من الأربعة والخمسة بنود ثلاثة موالات ، فهذه عشرة

(1) سعيد الصافي : هو ابن كاظم ولد في الرميثة بالعراق ، وهاجرها إلى قم بإيران ، شاعر شعبي معاصر له ديوان دموع الظنون ، وديوان الوديعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 376

موالات ، كما نظموا على الثمانية بنود موالا واحدا ، وعلى العشرين بندا أيضا موالا واحدا .
والنسبة بين المسبع وبين مازاد عليه هو 1 / 12 تقريبا وهو عدد يعتد به في هذا المجال ، ومن الملاحظ ان اكثرهم من المدرسة النجفية ثم تليها المدرسة الكاظمية .
6ـ إن الموال الحسيني على ما ورد في هذا الديوان لم يكن لينظم على كل القوافي حيث تخلى الشعراء عن أكثر القوافي والتي بلغت ثمانية عشر قافية وتركوها لينظم عليها الحاج جابر الكاظمي بطلب منا فجزاه الله خيرا .
هذا ولقد شاع النظم على الحروف الإثنتى عشرة وهي الباء والتاء والدال والراء والسين والعين والفاء والكاف واللام والميم والنون والياء ، ومن الملاحظ أن أختيارهم وقع أولا على قافية اللام والتي نضموا عليها خمسة وثلاثين موالا ، ثم على قافية الدال التي يعبر عنها بمطية الشعراء والتي شاركتها في ذلك أيضا اللام ، فنظم على الدال عشرون موالا ، ويليها الراء والميم حين نظموا على كل منهما اثنى عشر موالا ، ويأتي بعدهما قافية الياء والباء حيث نظموا عليها تسعة موالات ، وأخيرا يأتي دور النون التي نظم على قافيتها ثمانية موالات فقط ، بينما نسبة بقية الحروف ضئيلة جدا .
7ـ إن ظاهرة غريبة اعتاد عليها أدباء الدارج وشعرائهم وهي عدم الإفصاح عن اسم الشاعر ولذلك نجد أن أربعة من الشعراء لم يفصح عن أسمائهم وهم من أهل هذا القرن أو القرن الذي سبقه مما لا يمكن نسبة ذلك إلى طعن سن الزمان ، بل إن أثنين آخرين ذكرا بالكنية واللقب ولم يصرح عن اسمهما ، وهذا يدل على عدم الاهتمام بهذا الأمر شأنهم شأن الكثير من المؤلفين الذين لا يفصحون عن مصادر نقلهم ولا عن الناظم الذي يستشهدون بشعره غافلين عن أن عدم التوثيق يقلل من شأن المصنِف والمصنَف ، وكأن اللامبالاة أصبح ديدن بعضهم ، ومع الأسف فقد ظهرت أخيرا جماعة حشروا أنفسهم في طبقة المؤلفين ممن لا يتذوقون الأسس العلمية والمنهجية في التأليف وقد أودعوا الأمور إلى المجهول ، وعلى كل فإن هذه الموالات الست أخذت منا الكثير من الطاقة الزمنية والمالية دون جدوى .
8ـ إن الموالات ( 138 ) لم تخرج عن الحالات التسعة التي أشرنا

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 377

إليها في المقدمة عند الحديث عن دخول العلل على العروض والضرب فلو استثنينا منها الموالات الإثني عشر التي تفوق بنودها على اثنين لظهر أن الموال السالم من العلة هو الأكثر حظا من غيره حيث بلغ عدده 38 موالا بينما يظهر أيضا أن الموال المقطوع أقل الجميع حظا حيث لم ينظم عليه إلا أربعة موالات ، والجدول البياني التالي يوضح لنا حظوظ الحالات التي نظم عليها الموال :

الحالات العلة او عدمها العدد
الحالة الاولى
الحالة الثانية
الحالة الثالثة
الحالة الرابعة
الحالة الخامسة
الحالة السادسة
الحالة السابعة
الحالة الثامنة
الحالة التاسعة
سالمان
سالم ومقطوع
سالم ومعصوب
مقطوعان
مقطوع وسالم
مقطوع ومعصوب
معصوبان
معصوب وسالم
معصوب وسالم
( 38 )
( 28 )
( 12 )
( 12 )
( 12 )
( 7 )
( 4 )
( 6 )
( 7 )
126

فهذه الحالات التسع لـ 126 موالا وأما الحالات الإثنى عشرة والتي يفوق عدد بنودها على بندين فهي على الشكل التالي :

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 378


البنود عدد الموالات
العلة او عدمها
القائل
رقم المقطوعة عنوان المقطوعة التسلسل
الموال ذو ثلاث بنود
(1)
(2)
(3)
(4)
مقطوع ، مقطوع ، سالم
سالم ، مقطوع ، سالم
سالم ، مقطوع ، سالم
سالم ، معصوب ، سالم
كاظم سبتي
جابر الكاظمي
مهدي الخضري
احمد غلوم
(44)
(56)
(97)
(115)
يسرة
تغض
سهل
حمه
(1)
(2)
(3)
(4)
الموال ذو اربعة بنود
(1)
(2)
(3)
مقطوع ، مقطوع ، سالم ، مقطوع
مقطوع ، سالم ، مقطوع ، مقطوع
مقطوع ، مقطوع ، سالم ، سالم
عبد الامير الفتلاوي
هادي الثويني
جابر الكاظمي
(71)
(90)
(124)
فنك
وصلة
ملنه
(5)
(6)
(7)
الموال ذو خمسة بنود
(1)
(2)
(3)
سالم ، معصوب ، سالم ، مقطوع ، سالم
جميعها سالمة
جميعها سالمة
جابر القصاب
عبد الحسن الكاظمي
مهدي الخضري
(81)
(85)
(87)
ايساجلة
ماحله
وحل
(8)
(9)
(10)
الموال ذو ثمانية بنود
(1)
سالم ، معصوبان ، مقطوع ، سالم ، معصوب ، مقطوعان كاظم سبتي
(28)
وسد
(11)
الموال ذو عشرة بنود
(1)
سالم ، مقطوعان ، ستة سالمات ، معصوب ، ثلاثة سالمات ، مقطوع ، سالمان ، معصوب ، مقطوعان ، معصوب عبود غفلة
(11)
لمته
(12)


دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 379

ومن الملاحظ أن هناك موالات لم تدخلها العلة كما في الموالين المحتويين على خمسة بنود ، وأما في بقية الموالات فعدد البنود السالمة منها جاءت أكثر من غيرها حيث بلغت 29 من أصل 76 ، وأما عدد البنود المقطوعة فقد بلغت 21 من أصل 76 ، بينما بلغ عدد البنود المعصوبة ثمانية من أصل 76 .
9ـ أما الأغراض الشعرية فرغم أن قضية الإمام الحسين عليه السلام عند عامة الشعراء سواء في الفصحى أو الدارج أو في غير الشعر العربي غلب عليها طابع الرثاء والمأساة إلا أن هذه النسبة في هذا اللون من الشعر الدارج خفت ، حيث أن الرثاء احتل موقعه في 34 موالا من أصل 138 موالا ، وهذا غريب جدا وبالأخص عند الشعراء الشعبيين وما هذا إلا لخصوصية الموال الذي تحدثنا عنه في المقدمة بأنه تميز بطابع الحكم والأمثال أكثر من غيرهما ، بينما تميز الأدب الحسيني بالرثاء وذكر المصائب والمأساة فإذا ما دمجت هاتان الميزتان لتولد من الصراع بينهما هذه النسبة من الرثاء وهي نسبة الربع وتزيد عليها إذا ما ضم النعي إليه باعتبارهما من قافلة واحدة ، ولعل البعض يتساءل لماذا احتل التقريظ مكانة لائقة في هذا الديوان ، فلعل الجواب يكمن في أن ديدن الشعراء الشعبيين درج على تقريظ المؤلفات بالموال أكثر من غيره لعذوبته وصعوبته ، وفي نظم التقريظ توجد منافسة بينهم ، ويظهر جانبا من عرض العضلات في سوق عكاظهم أكثر من غيره ، وبما أن الشعراء الشعبيون أيضا اعتادوا على إرسال التقاريظ لزملائهم لدى طبع نتاجهم الأدبي فلذلك كان للأدب الحسيني نصيبا وافرا من ذلك ، وربما قرظ الشاعر الشعبي ديوانا من الشعر الدارج الحسيني الذي لم يحتو على بيت واحد من الموال ، ببندين أو ثلاث من الموال لما درج عرفهم على ذلك .
وأما الأغراض الأخرى فهي تبدو طبيعية إلا الاستنهاض الذي في الحقيقة هو من نتاج ذلك الصراع الذي تحدثنا عنه ، حيث أن الشاعر إذا ما تمكن من العدول إلى الرثاء أو المدح وأراد الجمع بين خصوصية الموال وخصوصية القضية الحسينية فكان البرزخ بينهما هو الاستنهاض للإمام أمير المؤمنين عليه السلام باعتباره أبو الأئمة ورأس سلالة هذه الشجرة المباركة أو الإمام المهدي عليه السلام الذي تنتهي به هذه السلالة الطيبة في آخر الزمان وعلى يده تنشأ دولتهم الحق في آخر المطاف من هذه الحياة .

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 380

وبالنسبة إلى الأغراض الأخرى والتي لم نتحدث عنها بالتفصيل نضع هذا الجدول لتتضح الصورة جلية .

التسلسل الغرض عدد الموال
1 رثاء 34
2 مدح 29
3 ولاء 20
4 استنهاض 16
5 تقريظ 11
6 عتاب 6
7 منقبة 5
8 شكوى 4
9 تاريخ 3
10 غزل 2
11 هجاء 2
12 نعي 2
13 مباراة 2
14 تكريم 1
15 مناجاة 1
138



وعلى كل فإنه إذا أعيد النظر في تقسيم الأغراض وصنف بين وصف المأساة ووصف الشخصية لغلب الثاني على الأول وما هذا إلا لخصوصية الموال بشكل عام .
وأما الحديث عن الجهة الثانية وهو تقييم الشعر الحسيني المودع في هذا الديوان فإنه أمر شائك من الناحية الاعتبارية بغض النظر عن الناحية الفنية لأن للاعتبارات في بيئتنا الأثر البالغ في الدراسات العلمية والفنية ولذلك قلما تجد الدارس الذي لا يتأثر ببيئته الجغرافية او العقائدية ومهما حاول وتوصل إلى الحقيقة فإنه متهم وإن أخلص في عمله واستقل في رأيه

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 381

ومع هذا سنخوض في غمار ذلك محاولين جهد الإمكان تجنب أي شيء من شأنه الانحياز ، ناصبين أمام أعيننا الموضوعية وإن لم نضمن بذلك دفع السهام التي قد تصيبنا .
وقبل كل شيء فلا بد من تحديد مقومات الجودة في شعر الموال ، والظاهر أنها تكمن في النقاط التالية :
1ـ ضبط الجناس بحيث لا تتكرر المادة وتعالج بشتى الوسائل وبتكلف لإعطاء صورة مختلفة لدفع التكرار .
2ـ مراعاة قلة التحريف في الجناس لما أن الوضوح عامل من عوامل القوة فمتى ما قل التحريف فيه كان الموال أقوى .
3ـ قد يستخدم الجناس مخففا من كلمة فلا بد وأن يكون التخفيف بشكل متعارف فكلما كان أقرب إلى المتعارف كلما كان استخدامه أفضل .
4ـ أن يلتزم الناظم باستخدام أوضح المعاني لجناس الرباط وهذه من الشروط التي يفضلها أرباب هذا الفن كما هو الحال في الأبوذية .
5ـ انسجام الكلمات والتي تولد منها سلاسة اللفظ ، بل يمكن أن يعد كل واحد منهما موضوعا برأسه ليتولد منها عذوبة اللفظ ، فقد يجد القارئ صعوبة في قراءة موال وإن كان من أهله ، بينما يتعاطى مع موال آخر أسهل منه بكثير ، وما ذلك إلا لعدم انسجام الكلمات أو لعدم سلاسة الألفاظ في الأول ، وبذلك فلا تضمن العذوبة في مثل هذا النظم ، وعندها يصعب حفظه وتداوله والغناء عليه وتفقد مرونته ، وهذا ما يحدث عادة فيما إذا كان الناظم متكلفا في نظمه .
6ـ تجنب الزحاف في أشطر الموال وهو عامل آخر يفقد الموال ـ بعدم تجنبه ـ قيمتها الحقيقية ، وهذا عادة يرتبط بعدم قدرة الشاعر .
7ـ سهولة الوصول إلى المعنى المقصود والغرض المطلوب دون لف أو دوران الذي يصيب بعض الشعراء ، ولعله يحصل من جراء تكلف الشاعر في النظم أو في بيان الغرض الذي من أجله نظم الموال .
8ـ حسن اختيار الغرض بشكل عام أو صبغته إذ قد يمكن أداء

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 382

الغرض بأكثر من وجه ، فاختيار الوجه المناسب مع الموال هو الذي يصنفه في المرتبة المقبولة بل المميزة .
9 ـ لا بد أن يفي الموال بالغرض الذي من أجله جاء النظم فلو تمكن من أحتوائه في بندين فبها ونعمت ، وإلا فبثلاث أو أكثر ، ولا يخفى أن الشاعر إذا أمكنه الإيفاء بالغرض بأقل البنود لما استحسن تجاوزه ، وقوة شاعريته تكمن في الإيفاء بالغرص بأقل ما يمكن من البنود وأقلها بندان .
10 ـ وأخيرا لا بد وأن يراعي الجوانب الدينية والعقائدية والاجتماعية والتاريخية والعلمية وما إلى ذلك ليكون كلامه من مقتضى الحال والمقام .
11ـ لا بد أن يحسن الشاعر التضمين حيث اعتاد الناظمون للموال على أن يضمنوه أمثالا درجت عندهم فرب تضمين أخرجه من القوة بل لا بد أن يكون التضمين مفهوما عند السامع .
12ـ الخضوع للحالة التي نشأ عليه الموال وهي البرزخية بين الدارج والفصيح فلا يحلو عندهم التمسك ( الحسچة ) ولا التفصح ( الفصحى ) بل بين بين ، وهو يولد حركة أكثر ويخرجه من الجمود الممل ، وهذا في الحقيقة تابع للظروف البيئية ( الاجتماعية ) ولغة العصر ، وهذه البرزخية هي المحبوبة عند البغداديين ولذلك كثر نظمهم عليه ، ومن الملاحظ أن عصر ابن خلفة يختلف مع عصرنا هذا من هذه الناحية .
وهذه الامور وإن لم تكن خاصة بالموال بل إن قسما منها من مقومات الشعر بشكل عام أو الأدب بشكل أوسع ، والقسم الآخر منها من مقومات كلما كان الجناس دخيلا في صياغته ، ولكنها لو اجتمعت في الموال لكان من أرقاها ولما عيب عليها .
وبعد هذه المقدمة الوجيزة آن الأوان لأن نستعرض بعض الجوانب البارزة في شعر هذا الديوان ، وفي الحقيقة أن الحديث عن شعر الموال « الزهيري » لا يمكن فصله عن الشعر العام ، كما أن الحديث عن الشعر الحسيني لا يمكن إبعاده عن الحديث عن بقية الأشعار ، ولكن نحاول هنا جهد الإمكان أن لا نخرج في حديثنا كثيرا عن الإطار الذي رسمناه لأنفسنا لدى الحديث عن شعر الموال المودع في هذا الديوان والذي قمنا بمراجعته

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 383

كرارا ومرارا ، بندا بندا ، بل شطرا شطرا ، لكي نقف على نقاط قد تكون مفيدة للبحث أو نكشف عن بعض المزايا والخصوصات ، وبعد دراستها ومداولتها ظهر لنا رغم قصر الباع وقلة المتاع النقاط التالية :
1ـ إن الموال الحسيني بدأ تبعا للموال الزهيري بهدوء ، وظل يتقدم رويدا رويدا ليبقي على عوده أصلب من غيره كشجر الأرز(1) ، ولكن شاءت الأذواق أن تحكم عليه بالانحسار للمستلزمات التي ترافقه مما لم يستسهله أغلب شعراء الدارج .
2ـ إن كل جيل من أجيال القرنين الذين برز فيهما النظم على الموال التزم بخصوصياته وبدأ نحو التغيير بعد ما نشأ قريبا من الحسچة(2) ، ثم أخذ بالتدريج يتقرب إلى الفصحى واستخدام المفردات الحديثة ، كما يظهر لنا من سير الموال الحسيني .
3ـ إن الدراسة عن مجموع الموالات التي هي من نتاج الجيل السابق أوصلتنا إلى وجود اتجاهات مختلفة أبرزها ثلاثة : الاتجاه النجفي ، الاتجاه الكربلائي ، الاتجاه الكاظمي ، وقد أعرضنا عن الاتجاه البغدادي لقلة نظمهم في القضية الحسينية وأما سبب أعراضنا عن الموال الخوزستاني فلحداثته أولا ولتبعيته لإحدى الاتجاهات الثلاثة ثانيا حيث لا توصف بالاستقلالية .
فالاتجاه النجفي يتمثل بالشاعر عبود غفلة المتوفى عام 1356 هـ ويعد أقواها ومن خصائصه :
1ـ استخدام المرادفات اللفظية بدلا من التكرار فللمثال كلمة السيف ومرادفاتها كالصارم ، المرهف ، المهند ، الأبيض ، الماضي وغيرها ، ومثلها كلمة الرمح ومرادفاتها : الأسمر ، العسال ، العالي ، الذابل وغيرها وكذلك كلمة الظعن ومرادفاتها كالركب والمزمل وغيرهما قد استخدمها غفلة في

(1) شجر الأرز : يذكر أنه كل سنة ينمو بمقدار سنتيمترا واحدا ، ويذكر أيضا بأن الشجر كلما تأخر نموه كلما كان أصلب عوده .
(2) الحسچة : هو لون من ألوان اللهجة الدارجة في جنوب العراق ، من مميزاته بعده عن الفصحى .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 384

نظمه مراعيا عدم التكرار ، ومن ذلك على سبيل المثال استخدامه السيف ومرادفاتها في قوله :
« بيض المواضي أو سمرها الساعدك لمته » و « متى رهيفك الهامات الكفر يبره » و « سيف الهضم امضه من سيف النوايب وسن » وهي من إحدى موالاته الحسينية (1).
2ـ الميول إلى الحسچة أكثر منه إلى الفصحى ، وقد ظهر في الموالين الحسينيين اللذين وصلتنا من عبود غفلة إلى جانب موال غزلي آخر بعنوان « وبها » الذي عرفت نسبته إليه ، ورغم أنه لم يسمع لغفلة أكثر من هذه الموالات الثلاثة إلا أنها معبرة عن اتجاهاته .
3ـ قوة الاختيار للمعاني والأغراض مما ولد عنده قوة التعبير وقد اختار من الأغراض في الدرجة الأولى الاستنهاض ثم الرثاء .
وهذه الخصوصيات لا تلازم شعر الموال فحسب بل تشمل مجمل شعره وقد تمكن من المحافظة على أسلوبه الموحد ونفسه المميز في أغلب نظمه حتى عد هذا الاتجاه منهجا له ، ورغم أنه لم يصلنا منه أكثر من موالين في الإمام الحسين عليه السلام إلا أن إحدهما احتوى على عشرين بندا وهي بمثابة ستة موالات عادية .
وأما الاتجاه الكربلائي فيتمثل بالشاعر كاظم منظور المتوفى عام 1394 هـ ومن خصائصه :
1ـ أستخدام المفردات السلسة بدلا من المفردات المعقدة والغامضة أيضا .
2ـ التقيد باستخدام الجناس الواضح .
3ـ جمالية فن الانتقال من بند إلى آخر .
4ـ غلبة الغرض الولائي على الأغراض الأخرى .
5ـ المحافظة على أن تبقى اللهجة في حدود الحد الوسطي بين

(1) راجع الشطر : 3 ، 5 ، 35 من المقطوعة : (11) .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 385

الحسچة والفصحى دون الميول إلى أحد الجانبين ، وبذلك فإن هذا الاتجاه يعد احدث بالنسبة الى الاتجاه النجفي ، وللمثال على هذا الاتجاه قول منظور في هذا الشطر . « أو نامت ابفي العلم عين الخدر سالمه » (1) فالشطر يحتوي على ستة مفردات واحدة منها فقط مخففة وهي « في » التي خففت من « فيء » ولكنه حافظ على الطابع الدارج ( الشعبي ) وإذا ما قورن هذا بشطر من موال لغفلة ، « وابچفوفها اتروف جروان الدموع أو تون »(2)فنجد أن هذا الشطر يحتوي على خمسة مفردات واحدة منها فقط غير محرفة أو مخففة وهي كلمة « الدموع » والفرق بينهما واضح وجلي .
هذه الظاهرة بهذه الخصائص التزمها منظور ليس فقط في موالاته بل في كل شعره الشعبي فلم يتخطاها فأصبح نمطا خاصا به ، هذا وقد بلغت موالاته الحسينية اثنى عشر موالا .
وأما الاتجاه الكاظمي والمتمثل بالشاعر عبد الحسن الكاظمي المتوفى عام 1418 هـ والذي من خصائصه :
1ـ الاعتناء بالمفردة أكثر من المعنى .
2ـ تفضيل المدح من بين الأغراض على غيره ، ويمتاز بقوة المدح في استخداماته .
3ـ الالتزام بوحدة الموضوع في الموال .
4ـ الميول إلى الفصحى أكثر منه إلى الحسچة ولعل ذلك لأجل قربه من العاصمة بغداد ، وللمثال قول الكاظمي عبد الحسن في هذا الشطر : « جددت ندوة عكاظ وسوق نظمك سمه » (3)ومن الملاحظ أن الشطر يحتوي على ستة مفردات كلها فصيحة إلا أنها في قالب شعبي ، والكاظمي هذا لم يتخل عن هذه الخصائص في مجمل شعره ، ومن الجدير ذكره أن ما وصلنا من الموال الحسيني من نظمه لم يتجاوز الأربعة .

(1) راجع الشطر : 2 من المقطوعة 112 بعنوان : « سالمه » .
(2) راجع الشطر : 14 من المقطوعة 11 بعنوان : « لمته » .
(3) راجع الشطر : 5 من المقطوعة 85 بعنوان : « ماحله » .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 386

وفي الحقيقة أن لكل واحد من الشخصيات الثلاثة نفسه الخاص واسلوبه المميز في اختيار المفردات ، وهذه الظاهرة لا تختص الموال فقط بل هو نمط التزمه الشاعر في نظمه بشكل عام وصبغة اصطبغ بها ، والموال لصعوبة نظمه يعتبر موردا من موارد تقييم الشاعر إذ قلما ينظم فيه على وتيرة واحدة دون أن يخلط بين الاتجاهات الأدبية وهنا تكمن قوة النظم لدى هؤلاء الشعراء الثلاثة حيث حافظ كل منهم على اتجاهه دون تكلف ، بينما لم يسلم الكثير من ذلك وإن سلم فبتكلف .
وجاء الجيل الثاني وانتهج إحدى الاتجاهات السابقة الذكر وربما خلط بعضهم بينها لعدم المقدرة على التواصل للنهج الواحد ، وعندها يفقد الموال وحدة الأسلوب ومعه يفقد القوة المتوخاة منه ، ولكن برز من بين الجيل الثاني الشاعر جابر الكاظمي ليقوم بالتوفيق بين تلك الإتجاهات السابقة ويختار منها موارد القوة مع مراعاة ما يناسب عصره لينتهج المنهاج التالي ويستقل بلغته الخاصة تختلف في مجملها مع تلك الاتجاهات :
1ـ اختيار الحداثة دون أن تفقده روح « التحسچ » بمعنى أن الاستخدام للمفردات الحديثة إنما يتم في إطار « الحسچه » وبروحها ، ويبدو أن السبب من وراء هذا النمط هو انتشار الشعر الشعبي العراقي وبالأخص الحسيني منه وتوسع نطاقه ليشمل بقية الأقطار العربية وهذا يتطلب من الشاعر أن يوسع أفقه لتفهمه الشعوب الأخرى من بني لغته ، فعليه أن ينظم بمفردات مشتركة كي لا ترفضه تلك الشعوب .
بل إن الشعب العراقي نفسه في الخارج قد تغيرت لهجته رويدا رويدا بسبب اختلاطه بالشعوب الأخرى(1) وافتقد بيئته فنسي لهجته ، وهذا لا يعني أن العراقي في الداخل بقي على حاله بل هو الأخر تغير بأتجاه آخر فاقترب

(1) وهنا تذكرت أحد الإخوان من الذين هاجروا العراق ما يقرب العشر سنوات وعندما أتيحت له فرصة زيارة أهله في العراق والتقى ببعضهم في شمالها وأراد الوصول إلى الوسط حيث موطنهم نصحوه بعدم تخطي الحواجز الأمنية المنصوبة على الطريق وذلك لأن لهجته قد تغيرت كثيرا حتى قيل له أنت لا تعد عراقيا فينكشف أمرك دون شك .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 387

من الفصحى وذلك بسبب المؤسسات التعليمية والقنوات الإعلامية وما في فلكها ، بالإضافة إلى المحاولات التي بذلتها الدوائر الخاصة في فترة زمنية لمنع الأدب الشعبي من الانتشار وتطويقه ومكافحة طباعة الكتب والنشرات الخاصة به ، ومعاقبة من يتعاطاه لأسباب سياسية محضة ، عادت ودعمته لدواعي سياسية أيضا في ظروف أمنية خاصة ، فكل هذه الأسباب كان لها التأثير المباشر أو غير المباشر في هذا التحول .
وللمثال قول الكاظمي جابر « مجمر صدودك وضع بين الجوانح شبث » (1) من الملاحظ أن جميع المفردات فصيحة إلا أن لهجتها دارجة وبذلك يفهمه كل من يتكلم العربية دون معاناة .
ولا يخفى أن الشعر الذي يستخدم فيه المفردات الفصيحة والدارجة يصنف فنيا من الشعر الملمع الذي بات مرغوبا في مجمل البلاد العربية والذي أصبح بمرور الأيام لونا من ألوان الشعر الشعبي الذي أفردنا له ديوانا وقد تحدثنا عنه في مقدمة ذلك الديوان بشكل مفصل (2) .
2ـ اختار الرثاء من بين الأغراض والذي قلما نظم عليه الموال للأسباب التي سبقت الإشارة إليها ، ولعل اختيار الرثاء كان فذلكة منه حيث وجد أن ظاهرة الحزن هو الطابع العام في الشعر الحسيني وهو مفقود في الموال الحسيني بشكل عام حيث لاحظ أن الحديث فيه عن القضية الحسينية جاء جانبيا فلذلك مال إلى الرثاء ليكون الحديث عن صلب القضية الحسينية .
3ـ لقد تأثر بكاظم منظور في اختياره للسلاسة ولعل من وراء هذا الاختيار أمرين : الأول : معاشرته لكاظم منظور معاشرة التتلمذ ، الثاني : إقبال الجمهور على الموال السلس .
4ـ كما تأثر بكاظم منظور في اختياره الجناس الأكثر وضوحا لقربه منه ولأن وضوح الجناس من المقومات المفضلة في الموال والذي يزيده قوة ويفضي عليه روعة وقد التزم بالجناس الأوضح في الرباط الذي أهمله كاظم منظور .

(1) راجع الشطر الثاني من المقطوعة رقم : 13 بعنوان « شبث » .
(2) راجع ديوان الملمع من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 388

5ـ اختار في الموال أيضا وحدة الموضوع وهذه الخصوصية برزت في الاتجاه الكاظمي المتمثل بعبد الحسن الكاظمي ، ولعل تأثر جابر الكاظمي بها كان لأمرين للقرب الجغرافي ولوقعه في النفوس وتقبله بالقبول الحسن لدى الجمهور أكثر من غيره .
6ـ محاولاته تصب في خانة حسن التعبير وجمال الصورة وترابط المفرادت وهذا ما كان يحاول تطبيقه الشاعر عبود غفلة وبالفعل فقد وفق في ذلك فكانت موالاته الثلاثة التي حملت إلينا محبوكة الألفاظ قوية المعاني بارعة الصياغة .
7ـ ومن مميزاته بشكل عام سواء في الموال أو غيره أنه كثير الاستخدام للآيات والأحاديث وتضمين معانيهما ونصوصهما في شعره مما أضفى على نظمه نكهة خاصة .
هذه الخصائص معا كونت اتجاها آخر في أواسط الجيل الثاني الذي يتوسط بين الجيل الراحل والنامي ، ومن الجدير ذكره أن الموالات الحسينية التي نظمها جابر الكاظمي بلغت أربعين موالا وهو رقم قياسي بالنسبة إلى من سبقه ومن عاصره ولكنه لم ينظم على النفس الطويل كما فعل عبود غفلة أو كاظم سبتي ، ولكنه نظم على القوافي الصعبة التي ابتعد عنها الشعراء وتجنبوها .
والآن وبعد عرض هذه الاتجاهات لا بأس باستعراض مواضع القوة والضعف في شعر كل من الاتجاهات الثلاثة السابقة :
فأما عبود غفلة فقد التزم في مواله المعنون بـ « لمته »(1) بوحدة الموضوع والنفس الواحد رغم طوله الذي بلغ عشرين بندا حيث حافظ على السياق والأسلوب دون أي تغيير وهذا يدلنا على سيطرته على النظم دون تكلف ، وقد زاده روعة حينما استخدم الأسلوب القصصي الذي شاركه في هذه الخصوصية الشاعر مهدي الخضري المتوفى عام 1347 هـ كما سيأتي ، إن غفلة بدأ بقصة ما جرى على أهل بيت الحسين عليه السلام وأطفاله بعد

(1) راجع المقطوعة : 11.

السابق السابق الفهرس التالي التالي