دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 33

البرامكة ، ومن قال : بأنه نشأ في واسط فقد عزاه إلى المزارعين والطبقة العاملة حيث كانوا يتغنون بها عند ممارسة أعمالهم من تأبير النخل أو سقي المزارع أو البناء ، فإذا استقر الرأي على أنها وليدة البلاط العباسي ، فالظاهر أنها انتقلت إلى واسط وتغنى بها العمال والمزارعون ، ومنها يظهر أنه نظم في الرثاء أولا ثم أستخدموه في أغراض مختلفة .
بيئة النشأة
البلاط الحقول

غرض الإنشاء
الرثاء مختلف

ونستخلص من مختلف المناقشات ووجهات النظر التي قدمناها حول ولادة الموال وتطوراته بأن الرشيد لما عزم القضاء على البرامكة عام 128 هـ بدأ بقتل وزيره الأعظم جعفر البرمكي البلخي فرثته جاريته الأعجمية على لون من الشعر المسمى عندهم بالمثنوي(1) على بحر البسيط ، وبما أنها كانت غير عربية فوقع اللحن في نظمها إلا أنها ضبطت القافية والوزن على السليقة ثم شاع هذا النمط بين أقرانها في رثائهم لسائر البرامكة وكن ينادين في النوح عليهم بكلمة يا مواليا فعرف هذا النمط فيما بعد بالمواليا باعتبارين صدوره من الموالي وترديدهن كلمة يا مواليا .
وبعد مضي فترة وانقطاع قصير انتقل هذا النمط إلى واسط فقام بعض المزارعين بإنشاده بألفاظه الملحونة حتى عم ما بين الطبقة العاملة والكادحة التي كانت تعمل عند أسيادها ، ومن الجدير ذكره أن تلك الأشطر التي

(1) المثنوي : ويقال له الدوبيت كما يقال المزدوج ويقال الثنائي أيضا يتألف من أربعة أشطر أي بيتين ، ولا يخفى أن الدوبيت أيضا وزن من الأوزان وللتفصيل راجع المدخل إلى الشعر القريض من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 34

أنشأتها الجارية البرمكية حرفت قليلا وتداولت في واسط ، ثم حدث فيه تطورات ثلاث وهو بأرض واسط .
الأول : أبدلت القافية بالجناس ، ولعل الفكرة أقتبست من الجناس الذي هو لون من ألوان الشعر النبطي والذي استنبطه الشاعر النبطي محسن الهزاني من المروبع الذي هو بدوره لون من ألوان الشعر النبطي ، وبما أن بعض القبائل النبطية كانت تسكن واسط تأثرت به وطورته بحيث جعلت القفلة مطابقة مع الأشطر الأولى .
والتطور الثاني : أبدلت لهجة الفصحى الملحونة باللهجة الدارجة حيث كان منتشرا منذ القدم في تلك النواحي .
والتطور الثالث : استخدم الموال في أغراض مختلفة فلم يعد مختصا بالرثاء كما أنشأته الجارية البرمكية بل تجاوز الغزل والمدح والهجاء وغيرها .
ومن هناك انتقل إلى ثلاث نقاط رئيسية :
1ـ بغداد وذلك بفضل ملا جادر الزهيري فنشرها وتغنى بها حتى عرف باسمه ، وإلى الحويزة وذلك بفضل السيد الموالي حيث تغنى بها وانتشر عبره وسمي باسمه ثم حذف الياء للتخفيف .
2ـ مصر حيث طوروه وأجروا على التسمية تخفيفا فأبدلت المواليا إلى الموال .
3ـ ولعله انتشر عبر الانباط إلى الخليج ثم انتشر إلى سائر الأمصار العربية والتي منها الشامات وأصبح لكل منهم أسلوبه الإنشائي والغنائي .

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 35


الخريطة

دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 36

مغالطات

ومن غريب القول أن السامرائي (1)يتردد في منع الرشيد من رثاء البرامكة ويستشهد في تفنيد ادعاء الخوف بما روى الخطيب البغدادي (2) بعض المقطوعات الشعرية في رثائهم(3) .
ولكن فيه مغالطة كبيرة حيث أن الخطيب البغدادي يشفع الأشعار قصتها ويذكر أن عيون الرشيد قد قبضوا على من رثاهم .
وينقل المسعودي (4) في مروج الذهب وابن عبد ربه(5) في العقد الفريد بعض المقطوعات ليستدل على حرية رثائهم في عهد الرشيد غافلا من أن بعضها نشرت بعد عصر الرشيد وبعضها الآخر مشفوعة بمظاهر الخوف ، وللمثال نذكر واحدة من تلك الحالات :

(1) السامرائي : هو عامر بن رشيد ، ولد 1351 هـ في سامراء ، تخرج من كلية الحقوق ( فرع اللغة العربية ) تولى الإدارة عامة بوكالة الأنباء العراقية ، مدير عام الإعلام ، عضو جمعية اتحاد الأدباء ، له مؤلفات منها : لمحة على الأزياء الشعبية ، مباحث في الأدب الشعبي ، وآراء في العربية .
(2) الخطيب البغدادي : هو أحمد بن علي ( 392 ـ 463 هـ ) محدث ومؤرخ ولد في العراق وتوفي في عاصمتها بعدما نشأ وتعلم بها ، له مؤلفات جليلة منها : الجامع لآداب الرواية ، الفقيه والمتفقه ، شرف أصحاب الحديث .
(3) راجع موالات بغدادية : 15 .
(4) المسعودي : هو علي بن الحسين ( نحو 270 ـ 346 هـ ) مؤرخ ورحالة وبحاثة من أصل بغداد يصل نسبه إلى عبد الله بن مسعود ، له مؤلفات جليلة منها : أخبار الزمان ، التنبيه والإشراف ، ذخائر العلوم .
(5) ابن عبد ربه : هو أحمد بن محمد بن عبد ربه الاندلسي ( 246 ـ 328 هـ ) أديب من أهل قرطبة ينتهي نسبه إلى سالم مولى هشام بن عبد الرحمان بن معاوية نظم الشعر وألف المصنفات . فمن ذلك ديوان شعره وكتاب العقد الفريد .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 37

نقل الخطيب البغدادي في كلام طويل له : « فو الله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى وصلب فرأينا أبا قابوس(1) قائما تحت جذعة يزمزم فأخذه صاحب الخبر وأدخله على الرشيد ، فقال له : ما كنت قائلا تحت جذع جعفر ؟ فقال أبو قابوس : أينجيني منك الصدق ؟ قال : نعم ، قال : ترحمت والله عليه وقلت في ذلك ـ من الوافر ـ :
أمين اللهِ هـَب فضـل بن يحيى لـنـفسِك أيُّهـا الـملكُ الهمـامُ
ومـا طَـلبي إليـكَ العفـوَ عَنهُ وقـد قعد الوشـاة بنـا و قاموا
أرى سبب الرضـا فيـه قويـّا عـلـى اللهِ الـزيـادةُ والتمـامُ
نـذرتُ عليَّ فيـه صيـام حولٍ و إن وجبَ الرضا وجب الصيامُ
وهـذا جعفـرٌ بالجِسـر تَـمحو محـاسنَ وجهِـهِ ريـحٌ قَـتـامُ
أقـولُ لـهُ وقُـمت إليـهِ نصباً إلى أن كـادَ يَـفضحني القيـامُ
أَمـا والله لــولا خَـوفُ واشٍ وعَيـنٌ للخـليـفـةِ لا تَـنـامُ
لَـطُفنا حولَ جذعِـك واستَلمنـا كَمـا للنـاس بـالرُكنِ استِـلامُ

فاطرق هارون مليا ، ثم قال : رجل أولى جميلا فقال فيه جميلا ، يا غلام ناد بأمان أبي قابوس وأن لا يعرض له (2) .
إلى غيرها من القصص التي ذكرها الخطيب البغدادي وغيره ، ولا أعرف كيف فهم منها السامرائي أن الشعراء كانوا في أمان ولهم حرية كاملة في رثاء البرامكة .

(1) أبو قابوس النصراني : كان شاعرا من أهالي بغداد ويبدو من اشعاره أنه اختص بالبرامكة وبالأخص جعفر البرمكي ، كما يبدو أنه بقي على دين النصرانية لما في شعره أدب النصرانية .
(2) تاريخ بغداد : 7 / 157 ـ 158 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 38

تعليقات

وأخيرا يطيب لي أن أنقل بعض التعليقات العامة على الموال تكميلاً للبحث دون التعليق عليه ، ومن تلك مقولة لأحمد صالح (1) :
« إنه من السذاجة أن ننسب تاريخ فن شعبي إلى حادثة واحدة (2) كما أنه غير سائغ أن ينسب إلى زنوج واسط وحدهم دون بقية أصحاب أغاني العمل لهذا الفن ، والرأي عندنا الموال في صورته الأولى مجرد تقضية شطرين أو ثلاثة هو التفرغ المنطقي لأغاني عمل الفلاحين التي رأينا أنها تجري كثيرا على هذا النظام ومن الطبيعي أن تتطور هذه الأشكال وتنعقد على مر الزمان وأن يلعب الشعراء والمثقفون دورا خطيرا في تركيبها وتعقيدها حين تصل المدينة وتهاجر من ميدان العمل إلى مجال الفراغ وأغراض الغرام والمنادمة ، ونحن نرجح أن تكون مصر والعراق أكثر مناطق العالم الإسلامي صلة بهذا الفن ، وذلك لطبيعة الأدب الشعبي فيهما لكن هذا الفن ذاع من المناطق الأخرى وتأثر بعوامل الهجرة والنقل كثيرا .. وهو من الفنون التي لا يلتزم فيها مراعاة قوانين العربية ، وهو من بحر البسيط لولا أن له ضرباً تخرجه عنه » (3) .
ويقول يوهان فك (4) : « إن هذه الروايات عن منشأ الموال أساطير حظها من الصحة ضئيل » (5) .

(1) أحمد : هو ابن رشيد أو رشيدي صالح .
(2) يقصد نسبة الموال إلى جارية جعفر البرمكي .
(3) أنماط تراثية شعبية فولكلورية : 71 ، موالات بغدادية : 8 عن فنون الأدب الشعبي : 1/ 167 .
(4) يوهان فك : هو المستشرق الألماني .
(5) موالات بغدادية : 13 عن العربية ترجمة عبد الحليم النجار : 96 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 39

ويقول الحجاوي (1) : « الفنانون الشعبيون يحبون الجناس والتورية وكلما تلا المنشد البيت من الموال أصغى المستمعون مترقبين البيت الثاني ثم الثالث فإذا تكررت اللفظة وتعددت معانيها تبعا للسياق أي حملت كل منها معنى جديدا كان لذلك وقع السحر عند المستمعين واعتبروا هذه القطعة المغناة موالا حقا لأنه يحمل ( الزهر ) والزهر هو اللفظة العامية عند الفلاحين التي تحل في مكان كلمة الجناس الاصطلاحية وذلك لأنهم يقفون عند اللفظة و( يزهرونها) أي ينبتونها بالتساؤل والتفسير كما ينبتون الزهرة فإذا فرعت المعنى عرفوا نوعها .. والموال الذي لا يحمل هذا الزهر يسمونه الموال الابيض أي العادي الفارغ من سحر الفن أما الموال الأصيل المزهر أو ما يسميه الفلاحون الأحمر... »(2) .
ويقول السامرائي(3) : إن الأستاذ عبد الحليم لاوند ذكر : « بأن بعض العارفين بهذا الفن قال له بأنه سمي بالزهيري لأنه أزهر الشعر أي أحسنه وأجوده (4)غير أنه يرى أن لفظة ( زهيري ) لا بد أن تكون نسبة إلى أحد الوشاحين الأندلسيين الكبار أو إلى مدينة(5) الزهراء(6) وهنا أود أن أشير وبحذر شديد إلى أمر يتعلق بلفظة ( ازهيري ) وبرأي عبد الحليم لاوند فقد جاء في كتاب رحلة إلى الأندلس لمؤلفه الأستاذ ناجي جواد (7) بأن المواويل

(1) الحجاوي : هو زكريا .... أديب مصري .
(2) موالات بغدادية : عن مجلة الغد المصرية العدد : 2 / شباط 1959 م مقال لزكريا الحجاوي بعنوان فن المربع .
(3) السامرائي : هو عامر رشيد السامرائي التي سبقت ترجمته .
(4) موالات بغدادية : 19 عن نظرات في رجل الموصل : 126 .
(5) مدينة الزهراء : اسسها المنصور بن أبي عامر بالقرب من قرطبة على الوادي الكبير في الأندلس عام 377 هـ وأصبحت مركزا تجاريا ناشطا هدمها وأحرقها محمد بن هاشم المهدي عام 400 هـ .
(6) موالات بغدادية : 20 عن نظرات في رجل الموصل : 132 .
(7) ناجي بن جواد الساعاتي : ولد عام 1338 هـ في بغداد ، تخرج من كلية الحقوق ببغداد ، امتهن تصليح الساعات ثم تجارتها إلا أنه لم يترك الأدب ، فأصدر كتابه القصة الصغيرة ، ثم قصة : مع الأيام ، ثم أنعطف إلى كتابة أدب الرحلات فألف عدد منها : كرحلة إلى أفريقيا ، ورحلة إلى تونس ، وأصبح عضو الاتحاد الأدباء .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 40

في إسپانيا تسمى ( سجيديا ) أي صغيرة (1) وقد استفسرت من أحد الأساتذة المختصين باللغة الإسبانية عن معنى ( سجيديا ) فقال : بأن لفظة ( سيگدليا ) ( Seguidilla ) المأخوذة من ( سيگديا ) أي تتابع تعني نمطا شعريا يمكن أن يتألف من أربعة أبيات أو سبعة بأوزان خاصة معينة وتعني غناء أو نغما خاصاً بمقاطعة المانشا(2) في جنوب إسبانيا ، ورقصا خاصا بهذا النغم أيضا (3) فهل وصل التحريف إلى كلمة ( صغيرة ) التي ذكرها ناجي جواد حتى أصبحت ( زهيري ) وهل سيؤكد ذلك الأمر لنا إذا كان صحيحا ارتباط الموال بالمواليا ؟ » (4) .
ويقول العبطة (5) : « الموال الزهيري يأتي على رأس الشعر الشعبي في بغداد وهو نوع مشهور في تاريخ الشعر الشعبي العراقي والعربي وقد تطور من شكله الرباعي حينما اخترعه الواسطيون إلى أشكال عدة بعد أن تسلمه أهل بغداد وانتشر منها إلى سوريا ومصر والمغرب ونوعه القديم الذي سمي به الرباعي ، وأما المستعمل في مصر وسوريا هو الخماسي المسمى بالأعرج ، وأما النوع الأخير وهو السباعي فقد اشتهر به البغداديون ونظموه دون غيرهم » (6) .
ويقول واصف(7) : كان الشعب في بغداد ينظم مواويله ويصوغ ألحانها ثم يغني ويرقص في الحفلات العامة والخاصة ، وفي الأعياد والمواسم ، وعلى الزوارق وضفاف نهر دجلة ، وأصبح كل شيء في حياته يموج بكل رائع وجميل لأنه ينبع من أعماقه في صدق وصفاء وقوة(8) .

(1) موالات بغدادية : 20 عن رحلة إلى الأندلس : 99 .
(2) المانشا : تقع في الجنوب الشرقي من إسبانيا ، جنوب غرب ميناء فلانسيا على مقربة من بحر الأبيض المتوسط .
(3) يقول السامرائي لقد أفادني بذلك الدكتور حكمت الأوسي .
(4) موالات بغدادية : 19 ـ 20 .
(5) العبطة : هو المحامي محمود العبطة .
(6) الفولكلور في بغداد : 63 .
(7) واصف : هو ميلاد واصف .
(8) معرفة أوزان الشعر الشعبي العراقي : 21 عن قصة الموال لميلاد واصف .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 41

وأما فتحي (1)فيقول : لما وصل فن الموال إلى حلب عن طريق بغداد والموصل وحسب مواضيع أفراحهم وحفلاتهم الشعبية وكان حينئذ أحمد أبي الحسن بن قاسم الزهيري(2) وهو من قرية منبج(3) المجاورة لحلب والقريبة منها وكان عالما مشهورا بموازين الشعر وغيره ، فأضاف عليه شطرين فقط فصار سباعيا كما تراه اليوم وقد لقب بالزهيري حسب كنية أبي الحسن الزهيري فرتب هذا الرجل أوزانه ولم يدع لأحد مجالا للإضافة عليه فتعشقه الحلبيون وغيرهم من المدن والقرى المجاورة لها فلغوا قول المواليا وأسموه موالا يغنون به (4).

(1) فتحي : هو عمر بن ... الدمشقي ، أديب وكاتب سوري .
(2) الزهيري : هو أحمد بن أبي الحسن بن قاسم ، لعله هو أحمد بن حسن الزهيري ( 1140 ـ 1214 هـ ) الأديب الشاعر الذي توفي في صنعاء في الثامن من محرم من آثاره : ديوان شعر .
(3) منبج : مدينة سورية مركز قضاء في محافظة حلب فيها استعاد هرقل عود الصليب من الفرس عام 8 ق . هـ حكمها أبو فراس الحمداني قبل أن يأسره الروم ، فيها آثار سلوقية ورومانية .
(4) أبدع ما قيل في فن المواويل : 5 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 42

الموال وأقرانه

الموال بطبيعته يعتمد بالدرجة الأولى على الجناس ، والتورية في حالات أخرى وأقل تركيبته يكون من أربعة أشطر بشكل عام ، ويحتوي بيت الموال على فكرة متكاملة كما هو الحال في الأبوذية ولأجل ذلك جاء المثل الشعبي فلان غنى مواله ، أي أنه أدى ما يريد قوله ، أو يقال « يطلع براسو موال » أو يقال : « يريد يقره براسه موال » كل حسب لهجته يريد القول بأنه مصمم على شيء ومخطط له .
ومن شفع القول في هذه المسألة أن هناك خلافا في أن الموال مقدم على الموشح والزجل والأبوذية أم لا حين ألمح بعضهم أن الأبوذية من مولدات الموال لكونه رباعي الأشطر ويلتزم بالجناس ، ولا يخفى أنهما يختلفان في الوزن وفي قافية الشطر الرابط ( القفلة ) حيث أن الأبوذية تنتهي بـ ( يه ) بينما في الموال لا يلتزم بهذا .
كما لمح آخرون بأن الموال ورث أمجاد الموشح لمجرد وجود الشبه بين اللونين في اللحن احيانا وفي عدد الاشطر احيانا اخرى ، ولكن هذا لا يكفي اذ انه لا يلتزم بحر البسيط فقط كما هو الحال في الموال ولا في الجناس ولا في غيرهما (1) .
وهناك من يدعي بأن الكان وكان والقوما من مولدات الموال وذلك لأن كليهما من صناعة البغداديين كما أن الأول ينظم على « مستفعلن فاعلاتن مستفعلن مستفعلن » « مستفعلن فاعلاتن مستفعلن فعلان » والثاني ينظم على « مستفعلن فعلان مستفعلن فعلان » وبما أن هذه التفعيلات قريبة من تفعيلات الموال فاحتملوا أنه من مولداته .

(1) راجع باب المدخل إلى الشعر القريض وباب الموشح من القريض ، وباب المدخل إلى الشعر الدارج وباب الموشح من الشعر الدارج .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 43

بل قد قارنوه مع الحماق والدوبيت (1) وذلك لأن الأول يحتوي على أربعة أشطر وهو دارج عند أهل مصر والمغرب والشام ويقال إنه يقابل القوما عند أهل بغداد(2) وأما الدوبيت فإنه أيضا يحتوي على أربعة أشطر إلا أن وزنه يختلف تماما مع الموال بل إن قافيته تختلف أيضا إذ أن الشاعر قد يلتزم فيه بالتقفية في كل الأشطر وقد يلتزم في الأول والثاني والرابع ، كما لا يلتزم بالجناس (3) .
وأما الزجل فإنه أندلسي المنشأ ورباعي الأشطر ، له أوزان كثيرة تختلف تشطيرته عن تشطيرة الموال ، يلتزم ناظمه بالتقفية في الأشطر الثلاثة دون الرابع وقد يلتزم بأمور أخرى مما لا يمكن قبول القول بأنهما من واد واحد .
وأما العتابة فرغم أنه يتألف كالأبوذية من أربعة أشطر ويلتزم في ثلاثة منها بالجناس إلا أن الشطر الرابع ينتهي بباء ساكنة (4) مسبوقة بألف ممدودة ، مضافا إلى الاختلاف في الوزن (5) .
وأما الميمر فقد أشرنا سابقا إلى أنه ينظم على الرجز والسريع بينما الموال ينظم على البسيط إلى أمور أخرى(6) .
والذي جعل البعض أن يعتمد بعض هذه الأقوال هو مجرد الشبه في التركيبة ، وفي الحقيقة فإن كل هذه تجمعها كلمة المسمطات(7) .

(1) راجع موالات بغدادية : 13 .
(2) راجع الموسوعة العربية الميسرة : 1 / 735 ، و 2 / 1408 هـ ، الأوزان الشعرية للمؤلف ( مخطوط ) .
(3) راجع باب المدخل إلى الشعر القريض من هذه الموسوعة ، والأوزان الشعرية للمؤلف ( مخطوط ) .
(4) بل تأتي قافيتها أيضا ألفا مقصورة وتارة ممدودة .
(5) راجع باب المدخل إلى الشعر الدراج ، وباب ديوان العتابة من هذه الموسوعة .
(6) راجع باب المدخل إلى الشعر الدارج ، وديوان الميمر من هذه الموسوعة .
(7) راجع باب المدخل إلى الشعر القريض من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 44

نصوص قديمة

بعدما قدمنا أول موال ( مواليا ) الذي نظمته جارية جعفر البرمكي ثم ترنمه عمال واسط يجدر بنا أن نسرد بعض المواليا التي تقدم تاريخها على عصرنا بغرض معرفة التطور الذي طرأ عليه ، وهنا لا بد من الإشارة إلى تعليق ابن خلكان(1) المتوفى عام 681 هـ على بيت لإبراهيم الغزي (2) المتوفى عام 524 هـ وهو ـ من البسيط ـ :
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت حبات منتثرٍ في ضوء منتظم

إذ يقول ابن خلكان : إنه ينظر إلى قول الشريف الرضي (3)من جملة قصيدة ـ من البسيط ـ :
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي مواقع اللثم في داجٍ من الظلم (4)

وقد ألم به بعض البغاددة(5) في مواليا على اصطلاحهم ،

(1) ابن خلكان : هو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان البرمكي ولد بأربل عام 608 هـ ، و مات بأرمينية تولى منصب قاضي القضاة في مصر ، كان مؤرخا كاتبا وأديبا شاعرا ومدرسا قاضيا ، أشتهر بمؤلفه : وفيات الأعيان .
(2) إبراهيم الغزي : هو ابن يحيى بن عثمان الكلبي وقيل غير ذلك ولد بغزة عام 441 هـ وتوفي قرب بلخ سكن دمشق وبغداد ودرس بها ، كان أديبا شاعرا ، له ديوان شعر اختاره لنفسه يحتوي على ألف بيت .
(3) الشريف الرضي : هو محمد بن الحسين بن موسى الموسوي ( 359 ـ 406 هـ ) ولد ببغداد وتوفي بها ، من أعلام الإمامية ونقباء الأشراف ، كان فقيها عالما ، وأديبا شاعرا ، تولى زعامة الشيعة ، من آثاره : حقائق التأويل ، والمجازات النبوية ، تلخيص البيان .
(4) ديوان الشريف الرضي : 2/ 274 .
(5) البغاددة : البغداديون ( أهل بغداد ) .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 45

فإنهم لا يتقيدون(1) بالإعراب فيه ، بل يأتون به كيفما اتفق وهو :
ظفرت ليلـه بليـلي ظفـرة المجنـون (2)
وقـلت وافـى لـحظي طـالع ميمـون
تبسـمت فأضـاء اللـؤلـؤ المـكنـون
صار الدجى كـالضحى فاستيقظ الواشـون(3)

وهذا هو الذي يعرف عنه العراقيين بالنايل .
ومن تلك النصوص قول أخي أبن نقطة المتوفى عام 583 هـ عندما عوتب على تجواله في سحور رمضان وإنشاده المواليا وأخوه ابن نقطة زاهد العراق فأنشد المواليا التي سبق وذكرناها « قد خاب من شبه الجزعة إلى دره »(4) .
هذا وقد ورد ديوان ابن فارض (5)هذه المواليا منسوبة إليه :
قـلت لجـرّار عشقتـو كـم تشرّحـني
ذَبَـحتني قـال ذا شغـلي توبّـخـني
و مـال إليّ وبـاس رجـلي يُربّـخني (6)
يريـد ذبـحي فينفخـني ليسـلخني(7)


(1) في الأصل جاء « ما يتقيدون » وهي نافية ولعدم وضوحها أبدلنا بلا .
(2) ليله : محرفة ليلى ، اسم علم مؤنث .
(3) وفيات الإعيان : 1 / 59 .
(4) راجع شذرات الذهب في أخبار من ذهب : 4/ 278 ، وجاء في البداية والنهاية : 13 / 27 أن الذي كان ينشد الموال هو ابن نقطة هو أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع المركلسي أخ الشيخ عبد الغني ، والجمع بينهما أن كلاهما كانا يكنيان بأبي نقطة .
(5) ابن فارض : هو عمر بن علي بن المرشد الحموي ( 576 ـ 632 هـ ) توفي بالقاهرة من فحول الشعراء ، ومن شعراء الحكمة والوعظ ، أختلفوا في عقيدته فقيل هو من الإمامية ، وقيل غير ذلك .
(6) باس : قبل ، يربخني : يجعلني ضعيفا .
(7) ديوان ابن فارض : 210 .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 46

وممن يتردد اسمه في هذا المجال الفار الشطرنجي(1).
وممن عرفوا بنظم الموال وإنشاده ابن السويدي (2)المتوفى عام 690 هـ الذي أنشأ :
البـدر والسعـد ذا شـبهـك وذا نـجمـك
والقـدر و اللحـظ ذا رمحـك وذا سـهمك
والـبغض والحـب ذا قسمـي وذا قـسمك
والمسـك والحسـن ذا خـالك وذا عمك(4)

وهذا من الموال المصري الذي يعادله في المدرسة العراقية النائل وقد التزم في قافيته بأكثر من حرف .
هذا وقد نظم على الموال في بيئته الأولى السيد صفي الدين الحلي المتوفى عام 750 هـ قبل أن يتطور ليلتزم بالجناس وهو قوله :
قـالت وقد طـاولت أمـري وبـان القدر
وجـه لهـا من الدجى يخجـل بنوره البدر
مـاريت مـلاح مـثلك حـاز هـذا الفخر
تجدف بخَن (4)السفيـنة وأنت فوگ الصدر(5)

(1) الفار الشطرنجي : هو شهاب الدين أحمد بن محمد المتوفى عام 770 هـ قال عن الأتابكي في النجوم الزاهرة : 11 / 106 أنه كان أديبا بارعا في المواليا وله شعر جيد وكان ماهرا في الشطرنج ، وقد وصفه بالموال ـ راجع أيضا المنهل الصافي للمؤلف نفسه ـ الأتابكي 1/ 127 .
(2) ابن السويدي : هو إبراهيم بن محمد بن علي بن طرخان الأنصاري ( 600 ـ 690 هـ ) طبيب دمشقي ، أشتغل بالعقليات ، يصل نسبه إلى سعد بن معاذ الأنصاري ، من آثاره : التذكرة الهادية ، قلائد المرجان ، خواص الأحجار .
(3) المنهل الصافي : 1 / 127 ، وعنه فنون الأدب الشعبي : 1 / 22 وعنه الأدب الشعبي العراقي : 30 .
(4) الخن : مقدمة السفينة .
(5) الأدب الشعبي العراقي : 30 ، ولكن صفي الدين الحلي له بعض الموال الذي التزم فيه بالجناس كما في جناس عون الآتية بعد قليل .
دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 47

حيث التزم القافية فقط وهو ما عرف عند العامة فيما بعد بالنايل (1).
ومما أنشده أبو الثناء الحلبي(2) لبعضهم :
لقيتهمـا قـلت وقّـيـني مـن الآفـات
بالله ارحـمي صبـك المُضنـى وإلا مات
قـالـت تريـد بحـدّوثَـه وخرافـات(3)
تنصب علينا وتأخذ سادس الكافات (4)(5)

وهو من النائل عند العراقيين .
ومن ذلك أيضاً قول الشيخ حطيبة(6) المتوفى عام 808 هـ أنشأه عندما عرف بأن معشوقته أحبت غيره :
سـرّي فـضحت و أنـت سـرك صنت
قصدي رضاك وأنت تطلبي لي العنت (7)
ذلـيت من بعـد عزي في الهـوى وهنت

(1) النايل : وزنه بسيط ولا يلتزم بالجناس بل بالقافية ولا حدود لأشطره حيث ينظم على شكل قصيدة دارجة .
(2) أبو الثناء الحلبي : هو محمود بن نعمة بن أرسلان الكاتب الشيرازي المتوفى عام 556 هـ ، ولد في شيراز وتوفي في دمشق ، نحوي لغوي ، وأديب شاعر ، وقيل أنه توفي عام 565 هـ .
(3) حدوثة : قصة صغيرة وهي مصغرة الحديث .
(4) سادس الكافات : لعله أراد بالكافات الست الإعضاء الستة من الإنسان التي تبدأ بحرف الكاف الكشح ، الكوع ، الكعب ، الكتف ، الكرش ، الكبد ، أراد بالسادس الكبد لأنه موضع الألم والحزن ومن ذلك قول بعضهم ـ من الطويل ـ :
ولي كبد مقروحة من يبـيعني بها كبـدا ليست بذات قروح
أباها علي الناس أن يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح
(5) الوافي بالوفيات : 3 / 310 .
(6) الشيخ حطيبة : هو أحمد بن عبد الله الدمياطي المتوفى في أول محرم ، ويذكر أنه أحد المجاذيب الذين يعتقد فيهم العامة الولاية ، قيل إنه كان متيما بحب امرأة فبلغه أنها تزوجت غيره فحصل له من ذلك طرف خبال ثم تزايد حتى أختل .
(7) العنت : الزلة ، ومنه قولهم : « إرضاء المتعنت صعب » .

السابق السابق الفهرس التالي التالي