دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 21

ويتحصل من كلامه ما يلي :
1ـ إن المواليا ينظم على الفصحى الملحونة وعلى الدارج ( الشعبي ) .
2ـ إنه واسطي المنشأ .
3ـ إن وزنه البسيط .
4ـ إنه نشأ على بيتين أي أربعة أشطر ذو قوافي متحدة .
5 ـ إن التسمية جاءت من استخدام كلمة يا مواليا في آخر كل شطر منها .
6ـ إنها نشأت من الطبقة الكادحة .
7ـ تستخدم في أغراض متعددة .
8ـ بغدادي التطوير .
  • ويقول ابن خلدون (1) للعامة في بغداد نظم يسمونه بالمواليا ومن فنونه الكان وكان ، والقوما(2) .
    ويظهر من كلامه أمور ثلاث :
    1ـ إن المواليا بغدادي المنشأ .
    2ـ إنه شعبي النظم .
    3ـ إن الكان والكان والقوما من مولداته .
  • ويعلق القريشي (3) على كلام ابن خلدون قائلا : إن ما ذهب إليه ابن خلدون بعيد عن الواقع لأن المواليا برزخ ما بين فنون الشعر المعرب والملحن حيث يمكن النظم عليها ، ثم يضيف القريشي قائلا : إن المواليا من مخترعات النبطية ( النباطية ) الذين سكنوا واسط وتاريخ هذا النوع من النظم

    (1) ابن خلدون : هو عبد الرحمان بن محمد التونسي الاشبيلي الحضرمي ( 732 ـ 808 هـ ) مؤرخ أديب ، ولد في تونس ، وسكن القاهرة ، تولى الكتابة في فاس ، وتولى بعض المناصب بالغرناطة ، تولى قضاء المالكية في القاهرة مرارا ، توفي في القاهرة من آثاره : العبر ، لباب المحصل ، طبيعة العمران .
    (2) لغت نامه دهخدا : 45 / 1 ، تحت مادة « مواليا » عن مقدمة ابن خلدون .
    (3) القريشي : هو الدكتور رضا بن محسن .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 22

    مقدم على الزجل والموشح ، ومن نظم في ذلك أخ ابن نقطة (1):
    قد خاب من شبَّه الجَزعه إلى دُرّه(2)
    و قـاس قُبحَـه إلـى مُستحسِنَه حـره (3)
    أنـا مغنـي واخـي زاهـد إلـى مـرة
    بيرين(4) في الدار ذي حلوه وذي مره (5)

    ومحصل كلامه يتلخص في النقاط التالية :
    1ـ إن المواليا ينظم عليه في الفصحى الملحون والدارج .
    2ـ إن الأنباط من وراء ذلك .
    3ـ إنه واسطي المنشأ .
    4ـ إنه مقدم على الزجل والمرشح .
  • ويذكر السعيد : بأن الموال والذي يسميه الزهيري من مولدات الجناس الذي هو بدوره من مولدات المروبع والذي هو من ألوان الشعر النبطي ، وينظم الزهيري من سبعة أشطر، كل ثلاثة على قافية واحدة والسابع هي القفلة وأول من ولده من الجناس شخص اسمه زهير أو ابن زهير أو الزهيري من أهل العراق ، وممن نظم في ذلك من شعراء النبطيين عبد الله بن الفرج (6):

    (1) ابن نقطة : هو عبد الغني بن شجاع البغدادي المتوفى عام 583 هـ ، كانت له ببغداد زاوية يأوي إليها الفقراء وكان له أخ مزكلش ينشد كان وكان ومواليا في الأسواق ويسحر الناس في رمضان وأخوه هذا هو أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع المركلسي المكني أيضا بأبي نقطة على ما سيأتي وقد توفي ببغداد عام 597 هـ .
    (2) الجزعة : حجر كريم ( الجزع ) .
    (3) جاء في لغت نامه « قحبه إلى مستحضه حره » .
    (4) في لغت نامه « بيزين » .
    (5) لغت نامه دهخدا : 45 / 21 عن كتاب الكان وكان ، والقوما للقريشي : 11 ـ 18 ، معرفة أوزان الشعر الشعبي العراقي : 15 شذرات الذهب : 4/ 278 ، البداية والنهاية : 13/ 27 .
    (6) عبد الله بن الفرج : هو ابن محمد ( 1252 ـ 1319 هـ ) ولد في الكويت ثم سافر إلى الهند لتعلم اللغة الهندية ، وهناك تعلم فنون الموسيقى والعزف على العود والكمان ، كان في بداية حياته ينظم بالفصحى ثم تحول إلى نظم الشعر النبطي والدارج ، من آثاره : ديوان ابن فرج في الشعر النبطي .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 23

    مـا لوم دهري وعـالج بالصبر والمـاي(1)
    غذاي حنظـل ومديـوث الصبر بالمـاي(2)
    إلغـرم فاتر و اعرّض طـارشٍ بالمـاي(3)

    إيش إل نداري آمـن الانذال أيـش النغص (4)
    هنـا عـلى الـدار ببحـور الأمـاني نغص (5)
    نـسعى على المـاء حتى في غدانـا نغص (6)

    إش بصرتك لا دحتنا غصةٍ بالماي (7)(8)

    ويفهم من عرضه هذا الأمور التالية :
    1ـ إن الموال ( الزهيري ) مولد من الشعر النبطي .
    2ـ إن منشؤه عراقي .
    3ـ إن النسبة إنما جاءت إلى منشئه .
  • ويقول الخاقاني : إن أهل بغداد ومدن شمالي العراق اصطلحوا في تسمية الموال بالزهيري نسبة إلى رجل اشتهر بحسن نظمه وغنائه له يسمى ملا جادر الزهيري ، وإن أول من نطق به أهل واسط (9) .
    ويظهر من ذلك :
    1ـ إنه واسطي المنشأ .
    2ـ إنه انتقل إلى بغداد وسائر المدن الشمالية .

    (1) الماي : محرفة الألم .
    (2) الماي : الماء .
    (3) الماي : محرفة الإيماء
    (4) النغص : من الغصة .
    (5) نغص : من الغوص .
    (6) نغص : من غص في اللقمة .
    (7) دحتنا : من الدحو .
    الماي : محرفة الموج .
    (8) الموسوعة النبطية الكاملة : 2 / 198 .
    (9) العروض في الشعر الشعبي العراقي : 112 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 24

    3ـ إن جادر البغدادي كان له دور في نشره في بغداد عبر إنشاءه وإنشاده .
  • ويذكر الشمري (1) : يقال إن هذا الفن سمي بالزهيري لأنه أزهر الشعر أي أجوده والزهر هو اللفظة العامية عند الفلاحين التي تحل مكان كلمة الجناس وذلك لأنهم يقفون عن اللفظة ويزهونها أي ينبتونها بالتساؤل والتفسير كما ينبتون الزهرة فإذا فرعت المعنى عرفوا نوعها(2).
    ويفهم من كلامه :
    1ـ إن الزهيري ليست نسبة إلى الشخص بل إلى العملية .
  • ويقول الدويش(3) تعليقا على نسبته إلى جادر الزهيري : إن هذا القول ينقصه ما تقصيته شخصيا من رجال طاعنين في السن ممن نظموا أو حفظوا الكثير من المواويل وممن سمعوا عن أسلافهم الأقدمين ، إذ اجمعوا على القول بأن هناك من اشتهر بقول الزهيري قبل المرحوم الملا جادر مثل المرحوم علي باشا يحيى الزهير المتوفى عام 1246 هـ والمرحوم عبد الرزاق الزهير المتوفى عام 1252 هـ ، ويتمثل ذلك بقوله :
    إلغـادره مـا تخـلـيـنـي بـراياتي (4)
    أصبحت أنا انشر على المخلوق راياتي(5)
    أصحابنـا خـانوا بعـهـدي وراياتي (6)(7)

    (1) الشمري : وهو ربيع بن سليم محمود الشمري ، ولد عام 1365 هـ في بغداد ، كاتب مؤلف عضو نقابة الفنانين ، الفرقة القومية للتمثيل ، أتحاد الفنانين ، جمعية الشعراء الشعبيين ، له مؤلفات منها : بيادر شوك ، أغاني السأم ، عروض الشعر الشعبي في الوطن العربي .
    (2) العروض في الشعر الشعبي العراقي : 112 .
    (3) الدويش : هو عبد الله بن عبد العزيز .
    (4) براياتي : محوفة بآرائي من الرأي .
    (5) راياتي : من الراية .
    (6) وراياتي : أصلها وراءه يأتي .
    (7) ديوان الزهيري : 12 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 25

    أمـر من الله وهـذا يومنـا الماعود(1)
    أمسيت أخط بقلم واصبحت أخط بعود(2)
    إن أقبلت لاطفي الملبـس بسن العود(3)

    وإن أدبرت ضيعت رشدي وراياتي(4)(5)

    ومن السهل واليسير ملاحظة الفارق الزمني بين التاريخين البالغ أربعين عاما ، وأضيف إلى هذا أن الشاعر عبد الله محمد الربيعة(6)عاصر علي باشا يحيى الزهير(7) وخاطبه في أحد مواويله :
    شـاقول يـا من عنا لمسامعي واقرا(8)
    زمل عنـا من عنا بمكـارمه واقرى(9)
    هـدات فعلـه هـذا ذيبـهم واقرى(10)

    قالوا استوصف علي قلـت لهم واحد(11)
    أمضي من الزلـزلة في عزيـة واحد(12)
    واحـد بـألف وألـف فـدوه الواحد (13)


    (1) الماعود : أصلها الموعود .
    (2) بعود : أراد بالعود ريشة الكتابة .
    (3) العود : كبير القوم .
    (4) راياتي : من التروي بمعنى التفكر والتأمل .
    (5) ديوان الزهيري : 112 .
    (6) عبد الله بن محمد الربيعة :
    (7) علي بن يحيى الزهير .
    (8) واقرا : من الوقر وهو الصمم .
    (9) واقرى : أراد وأقر من الإقرار بمعنى الاعتراف .
    (10) واقرى : من القرى وهو ما يقدم للضيف .
    (11) واحد : مركبة « وا + حد » وا للندبة وحد مخففة حيد بمعنى الرجل الشهم وقد سبق شرحها في ديوان الأبوذية من هذه الموسوعة .
    (12) واحد : أصلها أحد بمعنى أمضى والواو للعطف .
    (13) الواحد : للعدد .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 26

    فدوة لبو حسين سور البادية وقرى (1)(2)

    ويظهر من كلامه أمران :
    1ـ إن الموال الزهيري منسوب إلى عشيرة الزهيرية(3) .
    2ـ إنه متقدم على جادر الزهيري .
  • وهناك من يرى أن الموال الزهيري سمي بذلك لأنه موال يغنى وتصاحبه الموسيقى والعزف على آلة المزهر شائعة الاستعمال منذ القديم(4) .
    ويريد القول :
    1 ـ إن الزهيري نسبة إلى المزهر آلة الطرب .
  • ويظهر من سرد العزاوي(5) لأنواع أدب الأرياف أن الموال والزهيري لونين من الشعر الريف في كتابه عشائر العراق(6) ، ولكن سرعان ما يتراجع عن هذا في كتاب آخر له باسم تاريخ الأدب العربي (7) فيعتبرهما اسمين لفن واحد .
  • وبعد تمحيص الآراء يظهر أنه لا خلاف في أن الموال نشأ من خلال المدرسة العراقية على أربعة أشطر متحدة القوافي ثم انتشر إلى سائر البلاد العربية وتطور ولا زال ينظم على البسيط ( مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن) .
    وأما موارد الخلاف فهي كثيرة تحاول ان نقلل الفجوة من خلال الجمع بين الآراء والتوفيق بين وجهات النظر ، وللوصول إلى نتيجة مرضية فلا بد مناقشة الموضوع من جهات مختلفة .

    (1) وقرى : أراد القرى واحدها القرية .
    (2) ديوان الزهيري : 76 .
    (3) ويذكر إن في واسط نهر باسم الزهيري ، كما أن محلة في بغداد يقال لها الزهيرية .
    (4) ديوان الزهيري : 13 .
    (5) العزاوي : هو عباس بن محمد ( 1307 ـ 1391 هـ ) ، محام وأديب عراقي كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق ، له مؤلفات جليلة منها : تاريخ العراق بين احتلالين ، تاريخ علم الفلك في العراق ، والتعريف بالمؤرخين .
    (6) عشائر العراق : 4/ 277 .
    (7) تاريخ الأدب العربي في العراق : 2/ 99 ، 253 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 27

    1ـ بلد المنشأ :

    لم يختلف اثنان على أن الموال نشأ في ظل المدرسة العراقية ولكن اختلفوا في كونه واسطي أو بغدادي أو حويزي ، ولا يخفى أن الأخير لدى التصنيف الثقافي الشعبي يعتبر متأثراً بالمدرسة العراقية ، ومن بين هذه الأقوال الثلاثة يبدو أن القول بأن نواته نشأ في بغداد هو الوحيد المدعوم بالدليل والمثال ، وأما مجرد القول بأنه واسطي أو حويزي فلا يكفي .
    بلد المنشأ
    بغداد واسط الحويزة


    2ـ تاريخ النشأة :

    على أثر الخلاف الواقع في بلد المنشأ اختلف في تاريخ الإنشاء فمن ذهب إلى أنه بغدادي فأبعد تاريخ يمكن أن يسجل للنشأة هو عام 187هـ الذي قتل فيه جعفر البرمكي في نكبة البرامكة المعروفة ، وعلى أثره جاء رثاؤه على لسان جاريته فكانت معه ولادة الموال ، ومن ذهب إلى أنه واسطي فأكثر ما يمكن أن يقال فيه أنه نشأ بعد تشييد واسط عبر الحجاج بن يوسف الثقفي عام 87 هـ ، ويظهر من كلام خليل الشيخ علي القائل : « إنه شاع وللمرة الأولى في نهاية العصر الأموي وفي مدينة واسط العراقية التي بنيت في عهد الأمويين » إن الموال نشأ ما بين عام 87 هـ وبين عام سقوط الدولة الأموية 132 هـ ، ولكنه صرف ادعاء لم يوثق بدليل كما لم يتمكن من إعطاء أي مثال على ما ذهب إليه ، فعليه لا يمكن الركون إليه .
    تاريخ النشأة
    87-132 هـ 187هـ نحو 750هـ 1246هـ 1250هـ 1286هـ

    ولكن صفي الدين الحلي المتوفى عام 750 هـ رغم أنه يرى بأنه واسطي المنشأ إلا أنه لم يتوغل في تاريخ ولادته بل يظهر من كلامه أن تاريخ ولادته متأخر عن العصر الأموي على الأقل ولكنه لم يشفعه بدليل

    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 28

    ونظن أنه مجرد استنتاج حيث وجد هذا اللون من الشعر متداولا في واسط في عصره بشكل مطرد باسم المواليا ورأى إلى جانبه أن البغداديين أيضاَ يتداولونه ولكن بشكل آخر قريب منه فاستنتج بأن أصله من واسط ولما وقع بأيدي البغداديين طوروه ، وبما أنه لم يقم الدليل على استنتاجه فلا يمكن الاعتماد عليه .
    وأما الحسني الذي ذهب إلى أنه ولد في الحويزة البلدة الخوزستانية المتأثرة بالثقافة والأدب العراقي الشعبي وتصنف ضمن المدرسة العراقية فإنه ينسب إلى السيد الموالي دون أن يؤرخه أو يفصل الكلام عنه ، مما يمكننا القول بأنه أيضا استنتاج فلا يمكن قبوله دون التوثيق بل إنه يستند فيما يستند عليه في ذلك على التغاير بين الموال والمواليا لمجرد تغايرهما في القافية والجناس مما سيأتي الكلام حوله .
    الاسم
    الزهيري الموال المواليا

    إذاً فالقول الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في هذه النقطة هو ما ذهب إليه السيوطي المتوفى عام 910 هـ الذي عضد كلامه بالمثال على أقل التقادير وقد حبك قصة الولادة بشكل معقول .

    3ـ الشخصية المنتسبة إليها :

    قبل الخوض في العرض والمناقشة لا بد من الإشارة إلى أن هناك خلاف حول اتحاد التسميات الثلاث: المواليا ، الموال ، الزهيري ، أو تغايرهما بشكل أو بآخر وسيأتي الكلام عنه .
    المواليا = الميمر .
    الموال = الزهيري .
    لقد ذهب الكرملي إلى أن المواليا نسبة إلى جارية لجعفر البرمكي كان اسمها مواليا وهذا الرأي لم يدعمه أي دليل ولم يوثق بمصدر ، والسيوطي

    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 29

    الذي قد سبقه بقرون لم يشر إلى ذلك فلا يمكن الاعتماد عليه .
    المُنشأ
    الجارية يحيى عبد الرزاق جادر السيد الانباط
    البرمكية الزهير الزهير الزهيري الموالي
    (مواليا)

    وقال السيوطي : إن السبب في إطلاق المواليا عليه أن موالي البرامكة استخدموه في رثائهم للبرامكة فسمي بالمواليا وهو احتمال وجيه إلا أنه لم يوثق بدليل .
    وقال الرافعي : إن الموالي استخدموا بعد كل شطر يا مواليا فعرف بذلك ، وهذا تحليل لطيف إلا أنه لا دليل عليه ويأتي بالدرجة الثانية مما ذكره السيوطي .
    وأما نسبته إلى السيد الموالي الذي كان يسكن الحويزة فغير مدعوم بدليل ، كلما في الأمر يحتمل أن يكون السيد الموالي أكثر في إنشاده والتغني به مما جعل الحسني أن ينسبه إليه ولكن من أين له إثبات ذلك .
    وهنا احتمالان الأول : إن الموال جاء نتيجة تخفيف المواليا ومثل هذا شايع في تطوير الكلمات ، والثاني : وهو أن السيد الموالي بسبب كثرة التغني بالموالي سمي بالموالي أي أن تسمية الرجل بالموالي جاء من كثرة إنشاده الموال ولعل هذا الاحتمال أقرب من احتمال العكس بمعنى أن السيد الموالي هو الذي اخترعه فعرف اختراعه باسمه ثم أسقط الياء للتخفيف من كثرة الاستعمال ، وهذا الاحتمال نشأ من القول بعدم اتحاد المواليا مع الموال كما لا يخفى .
    وأما نسبته إلى جادر الزهيري أوعبد الرزاق أو يحيى فلا يمكن قبول ذلك لعدم الدليل المقنع كما لا يمكن رفض دوره أو دورهما تماما ، ولكن الذي لا يمكن قبوله أن يكون جادر هو الذي وضع نواة الموال بعدما قدم السيوطي روايته ، وما يمكن الركون إليه هو احتمال أن جادر الزهيري قام

    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 30

    بتطويره أو نشره ، ومع هذا الاحتمال لا مجال للقول بأنه منسوب إلى شخصية مجهولة يقال له زهير أو ابن زهير أو الملقب بالزهيري ، كما لا مجال إلى القول بأن التسمية بالزهيري مقدم على التسمية بالموال حيث أن التدرج من المواليا إلى الموال ثم إلى الزهيري أقوى من القول بالتدرج من المواليا إلى الزهيري ثم إلى الموال .
    الموالياالزهيريالموال
    وبما قدمنا يتبين بعد قول من أعتبر النسبة إلى الزهيري إنما جاء من المعنى اللغوي وأنه أزهر أنواع الشعر حيث أن النسبة إلى الأزهر يكون أزهري ، أو على ما قيل بأن العامة تقول للأزهر زهر فالنسبة تكون زهري ، كما يظهر عدم الوثوق بالقول الذي يرى أنه منسوب إلى المزهر ـ آلة الطرب ـ لأن النسبة حينئذ تكون مزهري .
    ونستبعد أيضا أن يكون منسوبا إلى قرية كانت في ضواحي بغداد يقال لها الزهيرية كما لمح . البعض إلى ذلك(1) لأن ياقوت الحموي بين سبب نسبتها (2) .

    4ـ المفردات المستخدمة :

    لقد اختلف أهل هذا الفن ومن في فلكهم في التعامل مع المفردات المطروحة في هذا المجال ، فالكرملي يرى بأن المواليا متحد مع الميمر وهذا الرأي غريب جدا لأن الميمر ينظم على بحر الرجز أو السريع ، والمواليا ينظم على بحر البسيط ، بينما يرى أن المواليا والموال متغايران ، ولعل الذي

    (1) موالات بغدادية : 21 .
    (2) معجم البلدان : 3/ 162 وفيه أن الزهيرية : « بلفظ التصغير وهو مربض ببغداد يقال له ربض زهير بن المسيب في شارع باب الكوفة من بغداد قرب سويقة عبد الواحد ابن إبراهيم وقال : الزهيرية أيضاً ببغداد قطيعة زهير بن محمد الأبيوردي الى جانب القطيعة المعروفة بأبي النجم مما يلي باب التبن مع حد سور بغداد قديماً إلى باب قطربل وكان عندها باب يعرف بالباب الصغير وزهير هذا رجل من الأزد من عرب خراسان من أهل أبيورد ، وهذا كله خراب لا يعرفه أحد » .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 31

    دفعه إلى هذا هو مسألة الجناس فإن الموال يخضع للجناس بينما المواليا يكتفي بتوحيد القافية ، ولا يخفى أن القول باتحاد الموال والمواليا لا يعني بالفعل اتحادهما في كل الأمور بل المراد أن المواليا كان النواة الحقيقية للموال ثم تطورت القافية إلى الجناس ، كما تطور من لحن الفصحى إلى النظم باللهجة الدارجة ( الشعبية ) ، ثم لم يعد للمواليا وجود على صورته الأولى وهذا شأن التطوير .
    ومن الجدير ذكره ان الميمر لا يلتزم باتحاد قافية القفل ( الرباط ) بل لا يتحد روحها مع الشطر الاول بينما الموال لا بد فيه من توحيد قافية القفل مع الاشطر الاولى .
    و اما من قال بأن الموال ( الزهيري ) من مولدات الشعر النبطي فهذا بعيد أيضا لأن القائل ذكر بأنه مولد من الجناس والذي هو مولد من المروبع وهو لون من ألوان الشعر النبظي فالجناس يختلف مع الموال ( الزهيري ) في الوزن حيث أنه يأتي على « مستفعلن مستفعلن فاعلاتن » كقول الهزاني (1) :
    گـالَنْ لي إگعِـد عِـندنِـا گِـلت ما عاد (2)
    مارضـا مـع سُمـر العَكـاريش ما عاد(3)
    واليـوم يـا صَـم المـراشيـف ما عاد(4)
    عطشان ما من عذب الانياب تسگون (5)(6)

    (1) الهزاني : هو محسن بن عثمان من الهزازنة التي تنتمي إلى قبيلة عنزة ، ويسميه بعضهم « محيسن » مصغرا كما سموه بعبد المحسن ، ولد في الحريق ـ من قرى نجد ـ في النصف الأخير من القرن الثاني عشر الهجري ، يذكر أنه ابتدع الجناس حيث ولده من المروبع والذي هو لون من ألوان الشعر النبطي وصف الهزاني بشاعر الغزل ، كما ينسب إليه الأوزان السامرية .
    (2) ما عاد : مخففة ما أقعد .
    (3) ما عاد : ما رجع .
    (4) ما عاد : محرفة ما أعد من العد بمعنى الإحصاء .
    (5) تسگون : محرفة تسقون من السقاية .
    (6) الموسوعة النبطية الكاملة : 2 / 193 .
    دائرة المعارف الحسينية ـ ديوان الموال (الزهيري) 32

    ويمكن القول بأن الأصل هو مواليا ثم خفف فأصبح موال ونشره جادر الزهيري فسمي في بعض المناطق بالزهيري أيضا .
    الموالياالموالالزهيري .

    5 ـ لهجة النشأة :

    فقد سبق وأشرنا إلى أن أول شعر نظم من هذا النوع كان في رثاء جعفر البرمكي وكان ملحونا ولما تطور في واسط أو بغداد نظم على الدارج .

    لهجة النشأة
    الفصحى الملحون الدارج ( الشعبي)

    وعزى الرافعي عامل اللحن إلى الخوف من هارون الرشيد حيث كانت الجواري تتقي بطشه ، إلا أن هذا التعليل مردود لأن اللحن لا يمكن أن يدفع الخوف ، والصحيح أن اللحن إنما وقع بسبب أنهن كن أعجميات كما أن البرامكة أنفسهم كانوا من بلخ(1).
    عامل التحريف
    الخوف الجهل

    6 ـ بيئة النشأة وأغراضها :

    الخلاف في ذلك يتبع الخلاف في بلد النشأة ، فمن قال : أنه نشأ ببغداد يقول أنه نشأ على هامش البلاط العباسي وهو من نظم جواري

    (1) بلخ : مدينة أفغانية ، أول من بناها لهراسب ، فتحها الأحنف بن قيس عام 33 هـ ، كان لها شأن في العصور القديمة والوسطى ، جعلها أسد بن عبد الله القسري عاصمة مقاطعة خراسان وذلك عام 107 هـ ، دمرها الجنكيزخانيون عام 617 هـ ، تقع في شمال أفغانستان وقد اقتسمت بينها وبين تركمستان عند تحديد الحدود الدولية .

    السابق السابق الفهرس التالي التالي