|
|
عن محمد بن علي بن الفضل، قال: أخبرني الحسين بن محمد الفرزدق، قال: حدَّثنا علي بن موسى بن الاَحول، قال: حدَّثنا محمد بن أبي السري إملاءً، قال: حدَّثني عبدالله بن محمد البلوي، قال: حدَّثني عمارة بن زيد، عن أبي عامر الساجي واعظ أهل الحجاز، قال: أتيت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله ما لمن زار قبر أمير المؤمنين وعمَّر تربته؟
قال: «يا أبا عامر، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه الحسين بن علي عليه السلام : انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: والله لتقتلنّ بأرض العراق وتدفن بها، فقلت: يا رسول الله، ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن، إنّ الله جعل قبرك وقبر وُلدِك بقاعاً من بقاع الجنّة، وعرصة من عرصاتها، وانّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحنّ إليكم، وتحتمل المذلّة والاَذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله، [و] مودّةً منهم لرسوله، أولئك ـ يا علي ـ المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي، وهم زواري غداً في الجنّة...» الحديث(1).
ولعل في هذا الاِسناد ضعف من جهة البلوي وعمارة بن زيد، ولكن في الاَحاديث التالية ما يعضده ويقويه..
2 ـ من حديث الاِمام الحسن السبط عليه السلام : عن سعد بن عبدالله الاَشعري، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ، قال: «بينا الحسن بن علي عليه السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ رفع رأسه فقال: يا
| |
(1) تهذيب الاَحكام 6 : 22/7.
|
أبه، ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: يا بني، من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة»(1).
وفي إسناد هذا الحديث ثلاثة هم من كبار أئمة الحديث وحفاظه ونقاده: الاَول طرف الاِسناد الاَقصى، عبدالله بن سنان، والثاني والثالث، هما طرفه الاَدنى، سعد ابن عبدالله الاَشعري، وأحمد بن محمد بن عيسى.
وأمّا ما جاء في تضعيف محمد بن خالد البرقي، فليس بقادح فيه بعد العلم بما أقرّوا به من منزلة البرقي في العلم والاَدب والمعرفة بالاَخبار وعلوم العرب(2)، هذا أولاً، وثانياً بعد معرفة أنّ أحمد بن محمد بن عيسى لا يروي عن رجل متهم، ولا يتساهل في الرواية عن الضعفاء والمتهمين، فكان لا يروي إلاّ عمّن يعتقد وثاقته. وهو يعدّ شيخ القميين ووجههم وفقيههم، غير مدافع(3).
ومن أجل هذا أيضاً يشفع الضعف المروي في الحسن بن راشد(4).
وبعد هذا فالحديث مشفوع بالحديث الآتي أيضاً، وهو مطابق له متناً.
3 ـ من حديث الاِمام الحسين السبط عليه السلام : محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن الحسن الكوفي، قال: حدَّثنا محمد بن علي بن معمر، قال: حدّثنا محمد بن مسعدة، قال: حدّثني عبدالرحمن بن أبي نجران، عن علي بن شعيب، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ، قال: «بينا الحسين عليه السلام قاعدٌ في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
|
(1) تهذيب الاَحكام 6 : 20/1، و40/1.
(2) انظر: رجال النجاشي: 335/ رقم 898.
(3) انظر: رجال النجاشي: 81 ـ 82 رقم 198.
(4) رجال النجاشي: 38 رقم 76.
|
ذات يوم، إذ رفع رأسه إليه فقال: يا أبه، قال: لبيك يا بني، قال: ما لمن أتاك بعد وفاتك زائراً لا يريد إلاّ زيارتك؟ قال: يا بني، من أتاني بعد وفاتي زائراً لا يريد إلاّ زيارتي فله الجنّة، ومن أتى أباك بعد وفاته زائراً لا يريد إلاّ زيارته فله الجنّة، ومن أتى أخاك بعد وفاته زائراً لا يريد إلاّ زيارته فله الجنّة، ومن أتاك بعد وفاتك زائراً لا يريد إلاّ زيارتك فله الجنّة»(1).
4 ـ من حديث الاِمام الباقر عليه السلام : محمد بن أحمد بن داود، عن الحسن بن محمد بن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا الحسن بن متيل الدقاق وغيره من الشيوخ، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، قال: حدّثني الحسن بن علي بن فضّال، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام ، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء. وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقرّ له بالاِمامة من الله»(2)
5 ـ من حديث الاِمام الصادق عليه السلام : محمد بن أحمد بن داود، عن الحسن بن محمد ابن علان، عن حميد بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يزيد، عن علي ابن الحسن، عن عبدالرحمن بن كثير، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام : «لو أن أحدكم حجّ دهره ثمَّ لم يزر الحسين بن علي عليهما السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لاَنّ حق الحسين عليه السلام فريضة من الله تعالى واجبة على
|
(1) تهذيب الاَحكام 6 : 21/5، و40/2.
(2) تهذيب الاَحكام 6 : 42/1.
|
كل مسلم»(1).
ولا ريب في أن تكون لزيارة الاِمام الحسين عليه السلام مثل هذه المزية، ذلك أنّ للحسين عليه السلام خصوصية فريدة، في دوره الفريد في تاريخ الاِسلام، فلقد كان في حركته العظمى من أجل إحياء الدين وكشف أسطورة السلاطين العابثين، تجسيداً حياً للفاروق الاَعظم الذي لم يدع برزخاً بين الولاء الحق لرسالة السماء الصافية، وبين التحايل على الدين لدى طائفة الحكام وحواشيهم، والذل والخنوع والرضا بالدون لدى سائر الناس.. لذا فإنّ زيارته التي تستحضر هذا البعد الاَساس، هي مصداق الولاء لله ولرسوله ولاَوليائه ولدينه الحنيف، من ناحية، ومصداق البراءة من سلاطين الجور وشياطين الاَنس من ناحية أخرى.
ومن هنا أكثر أئمة أهل البيت عليهم السلام من الحث على زيارته، وافرادها بفضائل خاصة قد لا نجد نظيرها في ما ورد في زيارة غيره من الاَئمة عليهم السلام (2).
ونجد البعد الاَساس في الزيارة المتمثل في الاعتراف بالحق وتجديد العهد وأداء الاَمانة، صريحاً في حديث الاِمام الرضا عليه السلام الآتي:
6 ـ من حديث الاِمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه، قال: حدّثنا محمد بن السندي، عن أحمد بن إدريس، عن علي بن الحسين النيسابوري، عن عبدالله بن موسى، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاَداء، زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة
|
(1) تهذيب الاَحكام 6 : 42/2.
(2) انظر: تهذيب الاَحكام 6 : 42 ـ 52 باب 16.
|
في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه، كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة»(1).
هذه هي فلسفة الزيارة في أوجز عبارة.
|
(1) تهذيب الاَحكام 6 :78 ـ 79.
|
الزيارة في تراث السلف
إذا كانت مفردة «السلف» تتسع لاَجيال عديدة، بل هي لغوياً تمتد منذ جيل الآباء صعوداً حتى عهد الرسالة، فإنّنا نقتصر منها هنا على الطبقات العليا، وتحديداً حتى منتصف القرن الثالث، لتشمل عهد الرسالة وعهود الصحابة وأئمة أهل البيت عليهم السلام والتابعين وأئمة الحديث والفقه انتهاءً بأئمة المذاهب الاَربعة. هذه الطبقات التي عاصرت السنن رواية وتدويناً وأسست للفقه وسائر علوم الدين، وإليها ينتهي احتجاج المسلمين بطوائفهم كافة، لنرى كيف كانت زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبور الاَولياء والصالحين تمثل جزءاً من ثقافة الاَمّة الاَصيلة على امتداد تلك الطبقات. وليس غرضنا فيه الاستقصاء، بل الاكتفاء بما فيه إثبات المطلوب.
وقبر حمزة كان مزاراً للصالحين من الصحابة والتابعين.. وقبر الكاظم موسى مقصداً لمن أدرك وفاته وعاش بعده.. وقبر الرضا علي بن موسى كان ملاذاً لاَهل العلم والصالحين مذ كان القبر.. كل ذلك سنقرأه لاحقاً.. ونقرأ أنّ قبر أبي حنيفة كان ملاذاً للشافعي، يأتيه كل يوم، داعياً ومستشفعاً ومتوسّلاً.. وأنّ
قبر معروف الكرخي (المتوفى 200 هـ) كان عندهم (الترياق المجرّب) يقصده المحتاج والمكروب من كل مكان.
ونقرأ عند الغزالي والنووي والفاخوري وآخرين: أنّ الزائر حين يودّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويفرغ من زيارته، يستحب له أن يخرج كل يوم إلى البقيع، ويخصّ يوم الجمعة، يأتي المشاهد والمزارات، فيزور العباس، ومعه الحسن بن علي، وزين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق، ويزور أمير المؤمنين عثمان، وقبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وجماعة من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعمته صفية، وكثيراً من الصحابة والتابعين..
ويقول: سلام عليكم بما صبرتم، فنعمى عقبى الدار، سلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون.
ويقرأ آية الكرسي وسورة الاِخلاص.
أو يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون.. اللهم اغفر لاَهل بقيع الغرقد، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم(1).
والآن إلى نماذج من فعل السلف في طبقاتهم الاَولى:
|
أولاً ـ في عهد الصحابة:
|
|
|
 |
1 ـ الزهراء البتول عليها السلام تزور قبر أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
من حديث الاِمام علي عليه السلام : «لمّا رُمِس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، جاءت فاطمة،
| |
(1) الغدير/ الاَميني 5 : 233 ـ 234 ـ تحقيق مركز الغدير ـ عن (وفاء الوفاء) للسمهودي 4 : 1410.
|
فوقفت على قبره، وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعته على عينيها،
وبكت، وأنشأت تقول:
| ماذا على مَن شمَّ تربةَ أحمـدٍ |
|
أن لا يشُمَّ مـدى الزمان غواليا |
| صُبَّت عليَّ مصائـب لو أنّها |
|
صُبَّت على الاَيـام عُدنَ لياليا(1) |
2 ـ أعرابي يزور قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
من حديث علي عليه السلام : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلتَ فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان في ما أُنزل عليك: «ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً» وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر «قد غُفر لك»(2).
3 ـ عمر يزور قبر غريمه
أخرج المحب الطبري حديثاً طويلاً في ما اتفق بالاَبواء بين عمر وقد خرج حاجاً في نفر من أصحابه، وبين شيخ استغاث به هناك، فلما انصرف عمر من حجّه ونزل ذلك المنزل، استخبر عن الشيخ، فقيل له إنّه قد مات. فوثب عمر
|
(1) السيرة النبوية/ ابن سيد الناس 2 : 432، السيرة النبوية/ زيني دحلان 2 : 310، إرشاد الساري/ القسطلاني 3 : 352، أعلام النساء/ عمر رضا كحّالة 4 : 113.
(2) وفاء الوفا/ السمهودي 4 : 1399، المواهب اللدنية/ القسطلاني 4 : 583.
|
مسرعاً، مباعداً بين خطاه، حتى وقف على قبره، فصلّى عليه، ثمَّ اعتنقه وبكى(1).
فقد هبَّ عمر مسرعاً لزيارة قبر شخص بعينه، ثمَّ اعتنقه وبكى، أما الصلاة المذكورة فالمراد بها الدعاء، وهو الظاهر، وقد يُراد بها الصلاة على الميت.
4 ـ بلال يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام عمر
سأل بلالُ عمرَ أن يقرّه بالشام، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى بيني وبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففعل ذلك عمر. ثمَّ إنّ بلالاً وهو بالشام رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول له: «ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟» فانتبه حزيناً وجلاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه. فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام فجعل يضمّهما ويقبّلهما. فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان بلال قد ترك الاَذان بعد وفاة رسول الله، فاستجاب لهما، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه. فلما أن قال: «الله أكبر، الله أكبر» ارتجت المدينة.. فلما قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله»، ازدادت رجّتها بأهلها، فلما أن قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» خرجت حتى العواتق من خدورهن، وقالوا: أبُعِثَ رسول الله ؟ ! فما رئي يوم أكثر باكياً وباكيةً بالمدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك اليوم(2).
ولهذا الخبر إسناد جيد، نذكره لتشكيك منكري شد الرحال للزيارة فيه، اتّباعاً
|
(1) الرياض النضرة 2 : 330.
(2) اُسد الغابة 1 : 307 ـ 308، ترجمة بلال بن رباح، وأخرجه ابن عساكر في ترجمة بلال أيضاً، وفي ترجمة إبراهيم بن محمد الاَنصاري، انظر: مختصر تاريخ دمشق 4 : 118 و 5 : 265، وتهذيب الكمال 4 : 289/782.
|
للهوى، لا متابعة لاَصول النقد العلمي.
فقد أسند الخبر إلى: إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، قال: حدّثني أبي محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان بن بلال، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: الخبر...
وليس في هذا الاِسناد من يطعن عليه في سائر كتب الرجال.
وروي الحديث بهذا الاِسناد من طريقين، ومداره على (محمد بن الفيض الغساني) وهو الذي يرويه عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال، ومحمد بن الفيض هذا هو المولود سنة 219هـ ، والمتوفى سنة 315هـ ، قال السبكي: روى عن خلائق، وروى عنه جماعة منهم: أبو أحمد بن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر المقرىء في معجمه(1).
هكذا صنع بلال، وهو أحد السابقين إلى الاِسلام، صاحب السيرة المعروفة، وفي عهد عمر، والصحابة متوافرون في المدينة المنوّرة.
5 ـ أمير المؤمنين علي عليه السلام يزور قبر خباب:
خَبّاب بن الاََرَت، من السابقين الاَولين إلى الاِسلام، وكان مع علي عليه السلام بالكوفة وقد مرض مرضاً طويلاً فلم يشهد معه صفين، فلما رجع أمير المؤمنين عليه السلام من صفين، وقف على قبره وأحسن عليه الثناء. قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صفين، حتى إذا كنّا عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال: «ما هذه القبور؟»، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّ خَبّاب بن الاَرَث توفي بعد
|
(1) شفاء السقام :54 (الباب الثالث).
|
مخرجك إلى صفين فأوصى أن يدفن في ظاهر الكوفة، فدفن الناس عنده، فقال علي رضي الله عنه: «رحم الله خبّاباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً» ثمَّ دنا من قبورهم، فقال: «السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط(1)، ونحن لكم تبع عمّا قليل لاحق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، وأرضى الله عزوجل»(2).
6 ـ عائشة تزور قبر أخيها:
عن عبدالله بن أبي مليكة، أنّ عائشة أقبلت ذات يومٍ من المقابر، فقلت لها: يا أمَّ
المؤمنين من أين أقبلتِ؟
قالت: من قبر أخي عبدالرحمن بن أبي بكر.
فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن زيارة القبور؟
قالت: نعم، كان نهى، ثمَّ أمر بزيارتها.
صحَّحه الذهبي(3) .
7 ـ محمد بن الحنفية يزور قبر الحسن السبط عليه السلام :
وقف محمد بن الحنفية على قبر الاِمام الحسن عليه السلام فخنقته العبرة،نطق فقال:
|
(1) أي متقدم.
(2) اسد الغابة (ترجمة خباب) 2 : 143، العقد الفريد 3 : 12.
(3) المستدرك 1 : 532/1392.
|
رحمك الله يا أبا محمد، فلئن عزّت حياتك، فلقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح ضمّه بدنك، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الاَنبياء، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، عذّتك أكف الحق، وربيت في حجر الاِسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك(1).
8 ـ أبو أيوب الاَنصاري يزور قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
اتفق الحاكم والذهبي على صحة الخبر المروي في زيارة أبي أيوب الاَنصاري قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام ولاية مروان على المدينة، أي قبل سنة 64هـ، إذ أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟
فأقبل عليه، فإذا أبو أيوب الاَنصاري، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آتِ الحَجَر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله»(2).
وفيه أكثر من دلالة:
الاَولى: إنّ علماء الصحابة وأجلاّئهم كانوا يعرفون صحة الزيارة، ويستحبونها، وهو ما صرّح به الترمذي في تعليقته المشار إليها، وستأتي بنصها الكامل لاحقاً.
|
(1) العقد الفريد 3:13، الغدير 5 : 25/9.
(2) المستدرك على الصحيحين 4 : 560/8571، وتلخيص الذهبي في ذيل الصفحة.
|
والثانية: إنّ رجالات بني أمية كانوا ينهون عن ذلك ويستنكرونه.
والثالثة: إنّها إشارة مفيدة إلى تاريخ النهي عن الزيارة وجذوره الاَولى، ولعل هذا الخبر الثابت يكشف لنا عن أقدم ما ورد في النهي عن الزيارة وورود القبر الشريف، وهي ممارسة سياسية، مارسها هذا الوالي الاَموي أيام حكومتهم.
يؤكد هذا جواب أبي أيوب الاَنصاري لمروان، وفيه التصريح الواضح بأنّ بني أمية ليسوا من أهل الدين الاَمناء عليه، بل إنّما يُخشى على الدين منهم، وهذا الذي يصنعه مروان واحدة فقط من الاَحدوثات التي أحدثها وسيحدثها الاَمويون في الدين.
هذه الاَخبار ونظائرها لا تمثل أحداثاً منفردة في تاريخ الصحابة، وإنّما هي أخبار دونت دون سواها لما وافقها من خصوصية، ساعدت على انتشارها، وما هي إلاّ شواهد على واقع الحال الذي كان يعيشه جيل الصحابة والذي لم نعرف عنه في مصدر واحد، ولا في حديث واحد ـ ولو موضوع ـ نهياً عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أحدٍ من الصحابة بعد وفاتهم. وعدم وجود النهي وحده قاطع بالاِثبات، تؤكِّده هذه الاَحداث المروية لما فيها من خصوصيات أفردتها عن العرف السائد.
وتؤيده السيرة الثابتة للصحابة والتابعين أنّهم إذا أرادوا الخروج من المدينة أتوا قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للوداع، وإذا دخلوا المدينة ابتدأوا بزيارته والسلام عليه. وهذا أمر ثابت أشهر من أن يحتاج إلى برهان، ولم ينكره أحد ممّن له خلاف في
بعض شؤون الزيارة وأحوالها.
|
ثانياً: بعد الصحابة:
|
|
|
 |
1 ـ عمر بن عبدالعزيز
استفاض عن عمر بن العزيز أنّه كان يبرد البريد من الشام ليسلّم له على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . نقل ذلك أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم النبيل، المتوفى سنة 280هـ في كتابه «المناسك» وقد جرّده من الاَسانيد ملتزماً فيه الثبوت، قال: كان عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىء النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام، ثمَّ يرجع.
وذكره ابن الجوزي أيضاً في كتابه الذي أفرده لمثل هذه الاَخبار، وأسماه «مثير العزم الساكن إلى أشرف الاَماكن»، قال السبكي: نقلته من خطه(1).
ودلالته واضحة ليس على استحباب الزيارة وحسب، بل على شد الرحال لاَجلها أيضاً. ومثله في الدلالة ما ثبت عن بلال رضي الله عنه.
2 ـ الاِمام جعفر الصادق عليه السلام :
وقد سأله أحد أصحابه: إنا نأتي المساجد التي حول المدينة، فبأيها أبدأ؟
قال عليه السلام : «أبدأ بِقُبا، فصلّ فيه، وأكثِر، فإنّه أول مسجد صلّى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه العرصة، ثمَّ ائت مشربة أم إبراهيم فصلّ فيها، فهو مسكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصلاّه، ثمَّ تأتي مسجد الفضيخ فتصلّي فيه، فقد صلّى فيه
نبيك، فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحرة فصلّيت فيه، ثمَّ مررت بقبر حمز بن عبدالمطلب عليه السلام فسلمت عليه ، مررت بقبور الشهداء...» الحديث(1).
وفيه أمر صريح بزيارة قبر سيد الشهداء حمزة خاصة ثمَّ قبور سائر الشهداء رضوان الله عليهم أجمعين.
3 ـ الشافعي يزور قبر أبي حنيفة
أخرج الخطيب البغدادي وغيره، عن علي بن ميمون صاحب الشافعي، قال: سمعت الشافعي يقول: إنّي لاَتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد حتى تُقضى(2).
وفيه زيادة على الزيارة، العمل بالتوسل والاستشفاع.
4 ـ أبو علي الخلاّل شيخ الحنابلة وقبر موسى بن جعفر عليه السلام :
الحسن بن إبراهيم، أبو علي الخلاّل، شيخ الحنابلة في وقته، كان يقول: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب(3).
|
(1) تهذيب الاَحكام 6 : 22/7.
(2) تاريخ بغداد 1 : 123، مناقب أبي حنيفة/ الخوارزمي 2 : 199.
(3) تاريخ بغداد/ الخطيب البغدادي 1 : 120.
|
5 ـ أبو بكر بن خزيمة وقبر الرضا عليه السلام :
قال أبو بكر محمد بن المؤمّل: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر ابن خزيمة (223 ـ 311هـ)، وعديله أبي علي الثقفي (244 ـ 328)، مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة علي بن موسى الرضا بطوس. قال: فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا(1).
وكل ذلك شاهد على التوسل والاستشفاع، بعد القصد إلى الزيارة.
6 ـ أئمة المذاهب الاَربعة وسائر أهل العلم:
عند ذكر الحديث الذي أخرجه مسلم والترمذي والنسائي والحاكم من حديث بُريدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمّدٍ في زيارة قبر أمّه، فزوروها فإنّها تذكر الآخرة» أشرنا إلى أن للترمذي تعقيباً على الحديث، وهذا هو نصّه:
قال الترمذي: حديث بُريدة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأساً، وهو قول: ابن المبارك، والشافعي، وأحمد،
وإسحاق(2).
وابن المبارك: هو عبدالله بن المبارك بن واضح، وصفه الذهبي بالاِمام، شيخ الاِسلام، عالم زمانه، وأمير الاَتقياء في وقته.. سمع من هشام بن عروة،
|
(1) تهذيب التهذيب/ ابن حجر العسقلاني 7 : 339.
(2) سنن الترمذي 3 : 370/1054 (كتاب الجنائز ـ باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور).
|
والاَعمش، وموسى بن عقبة، والاَوزاعي، وأبي حنيفة، وابن جريج، وهذه الطبقة، وحدَّث عنه: مَعمر، والثوري، وعبدالرزاق الصنعاني، وابن أبي شيبة وهذه الطبقة، ولد سنة 118، وتوفي سنة 181هـ في مدينة هيت ـ من مدن غرب العراق ـ ودفن فيها.. ونقل الذهبي لبعض الاَفاضل في زيارة قبره:
| مررتُ بقبر ابن المبارك غَدوةً |
|
فأوسعني وعظاً وليس بناطقِ |
وإسحاق: هو إسحاق بن راهويه قرين أحمد بن حنبل، وكان أحمد يسميه الاِمام، ويقول: لا أعرف له في الدنيا نظيراً، ولقّبه الذهبي بشيخ المشرق، سيد الحفّاظ ولد سنة 161هـ، وتوفي سنة 238هـ، وله في سير أعلام النبلاء ترجمة واسعة(2).
ـ وقد تقدّم عن الشافعي زيارته قبر أبي حنيفة، وتوسله به، ومداومته على ذلك، ويأتي في (التوسل) توسل أحمد بالشافعي.
ـ وقال مالك بن أنس: لا بأس بمن قدم من سفر، أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيصلّي عليه ويدعو له، ولاَبي بكر وعمر. فقيل له: فإنّ ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربّما وقفوا في الجمعة أو في الاَيام المرّة والمرّتين أو أكثر عند القبور فيسلّمون ويدعون ساعة.
فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الاَمّة إلاّ بما صلح به أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الاَمة وصدرها أنّهم كانوا
|
(1) سير أعلام النبلاء 8 : 378 ـ 421.
(2) سير أعلام النبلاء 11 : 358 ـ 383.
|
يفعلون ذلك، ويكره إلاّ لمن جاء من سفر، أو أراده.
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلّموا، قال: وذلك رأيي.
قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لاَن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم(1).
الاَولى: أنّ جمهور الناس في القرن الثاني للهجرة، حيث عاش مالك، كانوا متفقين على المداومة على زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، يصنعون ذلك مراراً، ويدعون عند قبره على الدوام، وهم جيل اتباع التابعين، الذين ورثوا عن التابعين عاداتهم وعباداتهم.
والثانية: أنّ مالكاً، كان يجيز القصد إلى الزيارة، ويحبّذه، فيدعو المسافر أو القادم إلى التوجه لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاصداً لذلك.
وهذا ما قاله الباجي في شرح كلام مالك، مؤكداً أنّ قصد الزيارة هو المبرر الذي اعتمده مالك في جوازها، بل استحبابها، قائلاً: لاَنّ الغرباء قصدوا ذلك.
أمّا عن رأي مالك، كما قال السبكي، فهو أنّ الزيارة قربة، ولكنه على عادته في سدّ الذرائع يكره منها الاكثار الذي قد يفضي إلى محذور. وهذا واضح في كلام مالك الآنف الذكر، وهو يحبّذها للغرباء والمسافرين.
وأمّا أئمة المذاهب الثلاثة الاَخرى، فهم يقولون باستحبابها واستحباب
| |
(1) شفاء السقام :70 ـ 71.
|
| |