الزيارة والتوسل 72

الاِكثار منها، لاَنّ الاِكثار من الخير خير، وكلهم مجمعون على استحباب الزيارة(1). ونذكِّر ثانيةً بما أسلفناه عن الشافعي، وما سيأتي عن أحمد.
7 ـ أحمد بن حنبل وزيارة قبر الحسين عليه السلام :
في ما ذكره ابن تيمية حول جسد الحسين عليه السلام ، قال: ولكن الذي اعتقدوه هو وجود البدن في كربلاء، حتى كانوا ينتابونه في زمن أحمد وغيره، حتى أنّه في مسائله: (مسائل في ما يُفعل عند قبره) أي قبر الحسين عليه السلام ، ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير، في زيارة المشاهد(2).
فهو يثبت زيارة الناس قبر الاِمام الحسين عليه السلام زمن أحمد وغيره، ويثبت أن أحمد لم ينكر عليهم الزيارة، بل يثبت أنّه قد كتب في ما ينبغي أن يفعله الزائر لقبر الحسين عليه السلام ، مراعاةً للسنة في الزيارة.
هذا مع أن ابن تيمية هو أشدّ المنكرين للسفر بقصد الزيارة، وهذه واحدة فقط من هفواته، ولاَجل هذا أفردنا هذا برقم خاص، مع أنّه داخل في الفقرة السابقة.
8 ـ رواية العتبي المتوفى 228هـ في زيارة الاَعرابي
من جميل الاَثر في زيارة سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه محمد بن عبيدالله بن عمرو ابن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان الاَموي، وكان صاحب أخبار وراويةً للآداب، وقد حدّث عن سفيان بن عيينة. وقد أخرج هذه الرواية ابن الجوزي في

(1) شفاء السقام: 71.
(2) رأس الحسين/ ابن تيمية: 209 مطبوع مع استشهاد الحسين للطبري.
الزيارة والتوسل 73

(مثير العزم الساكن إلى أشرف الاَماكن) وابن عساكر في (تاريخ دمشق) والقسطلاني بأسانيدهم عن: محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثمَّ قال: يا خير الرسل، إنّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: «ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيما » وإنّي جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك. ثمَّ بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطـاب من طيبهنّ القاع والاَكمُ
نفسي الفداء لقبرٍ أنـت ساكـنه فيه الـعفاف وفيه الجود والكرمُ

ثمَّ استغفر وانصرف.
وقد نظم أبو الطيب أحمد بن عبدالعزيز بن محمد المقدسي فيها أبياتاً وضمّنها البيتين، فقال:
أقول والدمـع من عـينيّ منسجمُ لمّا رأيــت جــدار الـقبرِ يُستَلمُ
والناسُ يغشـونه بـاكٍ ومـنقـطعٌ مـن الـمهـابـة أو داعٍ فـملتـزمُ
فما تمالـكت أن ناديتُ من حَـرَقٍ في الصدر كادت له الاَحشاء تضطرمُ
( يا خير من دُفنت في القاع أعظمه فطـاب من طيـبهـن القاع والاَكمُ )
( نفسي الفداء لقبــرٍ أنـت ساكنه فيـه العـفاف وفيـه الجود والكرمُ )
وفيه شمس التقى و الدين قد غربت من بعـد ما أشرقت من نورها الظُلُم
حاشا لوجهك أن يبلى و قـد هُدِيَتْ في الشـرق والغرب من أنواره الاَممُ
وأن تمـسّك أيدي الـترب لامسـةً وأنـت بيـن السمـاوات العلى علمُ

إلى قوله:

الزيارة والتوسل 74

لئـن رأينـاه قبـراً إنّ باطـنـه لروضة من رياض الخـلد تبـتسمُ
طافه به مـن نواحيــه ملائكـةٌ تغشـاه في كل يوم ما يـوم تزدحمُ
لو كنـت أبصرته حيـاً لقــلت له لا تمشي إلاّ على خدي لك القدمُ(1)

خاتمة في كلمات أئمة الحنابلة خاصةً في الزيارة:


أفردنا أئمة الحنابلة خاصة في هذا الموضع لاَنّه أوقع في الرد على متأخريهم، ابتداءً بابن تيمية، الذين ذهبوا إلى تحريم السفر بقصد الزيارة وعدّه من مصاديق الشرك، أو الكفر.
1 ـ أبو الفرج ابن الجوزي (597هـ) صنّف كتاباً بعنوان (مثير العزم الساكن إلى أشرف الاَماكن) وعقد فيه باباً في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقد تقدمت عنه نقول كثيرة.
وفي كتابه الآخر «مناقب الاِمام أحمد بن حنبل» ذكر أخباراً عديدةً في زيارة قبر أحمد بن حنبل، يفيد مجموعها أنّها عادة الحنابلة، وأنّها لديهم من القربات المهمة التي لا يفرطون بها(2). وذكر في كتابه (المنتظم) أنّه قد قصد زيارته في سنة 574هـ وتبعه خلق كثير يقدرون بخمسة آلاف إنسان(3).
وهذه بعض نصوص ابن الجوزي، تعكس صورةً واضحةً عن ثقافة الزيارة عند الحنابلة:

(1) شفاء السقام: 62 ـ 63، مختصر تاريخ دمشق 2 : 408، القسطلانيو المواهب اللدنية 4 : 583.
(2) مناقب أحمد: 400، 563، 639، 642، 643، 677 وغيرها.
(3) المنتظم في أخبار الملوك والاَمم 18 : 248.
الزيارة والتوسل 75

ـ عن أبي الفرج الهندبائي، قال: كنت أزور قبر أحمد بن حنبل، فتركته مدَّةً، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: تركت زيارة إمام السنّة؟!(1) .
ـ عن أبي طاهر ميمون، قال: رأيت رجلاً بجامع الرصافة في شهر ربيع الآخرة من سنة ست وستين وأربعمئة، فسألته، فقال: قد جئت من ستمئة فرسخ، فقلت: في أي حاجة؟
قال: رأيت وأنا ببلدي في ليلة جمعة كأنّي في صحراء أو في فضاء عظيم، والخلق قيام، وأبواب السماء فُتحت، وملائكة تنزل من السماء تُلِبسُ أقواماً ثياباً خضراً، وتطير بهم في الهواء، فقلت: من هؤلاء الذين اختصوا بهذا؟
فقالوا لي: هؤلاء الذين يزورون أحمد بن حنبل..
فانتبهت، ولم ألبث أن أصلحت أمري وجئت إلى هذا البلد وزرته دفعات، وأنا عائد إلى بلدي إن شاء الله(2) .
ـ قال ابن الجوزي: وفي صفر سنة 542هـ رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غُفر له.
قال: فلم يبقَ خاصٌّ ولا عامٌّ إلاّ زاره، وعقدتُ يومئذٍ ثمَّ مجلساً فاجتمع فيه ألوف من الناس (3).
ـ الله يزور أحمد بن حنبل كل عام!! كما نقل ابن الجوزي عن أبي بكر بن مكارم ابن أبي يعلى الحربي، قال: وكان شيخاً صالحاً، أنّه رأى في منامه أنّه أتى قبر

(1) مناقب أحمد :6390، وأخرجه الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد 4 : 423.
(2) مناقب أحمد :639.
(3) المنتظم 18 : 55.
الزيارة والتوسل 76

أحمد يزوره على عادته، فرأى القبر قد التصق بالاَرض ولم يبقَ منه إلاّ القليل، فقال: هذا من كثرة الغيث.. فسمع أحمد من القبر يقول له: لا، بل هذا من هيبة الحقّ عزَّ وجلَّ، لاَنّه عزَّ وجلَّ قد زارني، فسألته عن سرِّ زيارته إيّاي في كل عام، فقال عزَّ وجلَّ: يا أحمد، لاَنّك نصرت كلامي، فهو يُنشر ويتلى في المحاريب.
يقول الحربي: فأقبلت على لحده أُقبِّله، ثمَّ قلت: يا سيدي، ما السر في أنّه لا يُقبَّل قبرٌ إلاّ قبرك؟
فقال لي: يا بنيَّ، ليس هذا كرامة لي، ولكن هذا كرامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لاَنّ معي شعرات من شعره.. ثمَّ قال: ألا ومن يحبني لِمَ لا يزورني في شهر رمضان؟(1) .
وليست العبرة في صحَّة هذه الاَخبار أو عدم صحَّتها، إنَّما العبرة في ملاحظة أنّ ثقافة الزيارة عند الحنابلة لا تختلف كثيراً عنها عند الصوفية، إلاّ في ممارسات خارجية قد يصنعها بعض الصوفية دون الحنابلة.. مع ملاحظة أنّ دعاة السلفية من المنتسبين إلى مذهب أحمد بن حنبل حين حاربوا هذا النمط من ثقافة الزيارة قد وجَّهوا حملاتهم على التراث الصوفي خاصةً، وتراث الطوائف الاِسلامية الاَخرى عامة، وغضّوا الطرف كاملاً عمّا تراكم في تراثهم من ذلك.
ولا ريب في أنّ الاَحداث التي دوَّنها ابن الجوزي في (المنتظم) في هذا الموضوع كانت صحيحة، وفيها حدثان كان فيهما شاهداً ومعايشاً، وثمَّة حقيقة أُخرى يثبتها، ويشاركه فيها ابن كثير، قد تفوق كلَّ ما تقدَّم ذكره في ما تعارف عليه الحنابلة في الزيارة..

(1) مناقب أحمد :607.
الزيارة والتوسل 77

ففي ترجمة أبي جعفر بن أبي موسى (ت 470هـ) إمام الحنابلة في وقته، وقد دفن عند قبر أحمد، قال ابن الجوزي: كان الناس يبيتون هناك كل ليلة أربعاء، ويختمون الختمات، ويخرج المتعيِّشون فيبيعون المأكولات، وصار ذلك فرجةً للناس ـ أي فَرَجاً ـ ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء الشتاء فامتنعوا.. وقال ابن كثير: دفن إلى جانب الاِمام أحمد، فاتخذت العامَّة قبره سوقاً كلَّ ليلة أربعاء، يتردَّدون إليه(1).
وكلُّ ما تقدَّم يكشف بوضوح عن عقيدة شيخ الحنابلة في وقته أبي الفرج بن الجوزي في الزيارة، بل في شدِّ الرحال إليها، الذي سيأتي بحثه لاحقاً..
ولنتابع مع آخرين من أقطاب الحنابلة..
2 ـ موفق الدين ابن قدامة المقدسي (620هـ): يصرِّح باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويستدلُّ لذلك بما رواه الدارقطني وأحمد من حديث ابن عمر وأبي هريرة(2).
3 ـ نجم الدين بن حمدان الحنبلي (695هـ): ويسنّ لمن فرغ عن نسكه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه، وله ذلك بعد فراغ حجه، وإن شاء قبل فراغه(3).
4 ـ ابن تيمية (728هـ): وابن تيمية الذي أنكر السفر بقصد الزيارة، لم ينكر أصل الزيارة، فأثبتها للحاج وأدخلها في المناسك، فقال في مناسكه: «باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أشرف على مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الحج أو بعده... فإذا

(1) المنتظم، والبداية والنهاية: أحداث سنة 470هـ.
(2) المغني/ ابن قدامة 3 : 788.
(3) نقله السبكي في شفاء السقام: 67 عن (الرعاية الكبرى في الفروع الحنبلية).
الزيارة والتوسل 78

دخل المسجد بدأ برجله اليمنى... ثمَّ يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء، ثمَّ يأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيستقبل الجدار، ولا يمسّه ولا يقبّله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائماً وِجاه النبي، ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون..(1).
ويأتي في الفقرة اللاحقة ما يثبت خطأ ما ذهب إليه ابن تيمية في تجنُّب مسِّ القبر والمنبر.

التبرُّك

زيادة في تقرير صحة الزيارة وكونها قربة، فقد ثبت في الكثير من سير الصحابة والتابعين وكبار السلف أنّهم كانوا يتبرّكون بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقبره ومنبره. والاَثر في هذا كثير، نكتفي منه بالنزر اليسير الشاهد على المطلوب:
1 ـ قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتبرك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى.
قال: لا بأس به(2).
ويؤيد ذلك عن أحمد الرواية الآتية:
2 ـ عن الحافظ أبي سعيد بن العلا، وهو معاصر لابن تيمية، قال: رأيت في كلام

(1) ذكره ابن عبدالهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي: 7 المطبعة الخيرية، القاهرة. ط1، بواسطة الزيارة في الكتاب والسنّة/ جعفر سبحاني :28 ـ 29.
(2) أخرجه العز بن جماعة، كما في/ وفاء الوفا 2 : 424.
الزيارة والتوسل 79

الاِمام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر(1)وغيره من الحفّاظ: أنّ الاِمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيل منبره، فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه التقيّ ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد، عندي جليل!!
قال ابن العلا: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الاِمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به!
أخرج هذا ابن الجوزي وابن كثير(2)، وهما من أشد الناس اتباعاً لاَحمد وتعظيماً له، وان ابن كثير خاصة من أشد الناس متابعة لابن تيمية.
3 ـ وروى ابن حجر العسقلاني عن أحمد أنّه لا يرى بأساً في تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبره(3).
4 ـ محمد ابن المنكدر، وهو من أعلام التابعين، توفي سنة 130هـ، كان يجلس مع أصحابه في المسجد النبوي الشريف، فكان يقوم ويضع خدّه على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمَّ يرجع، فعوتب في ذلك، فقال: إنّه ليصيبني خطرة، فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان يأتي موضعاً من المسجد في الصحن فيتمرّغ فيه ويضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: إنّي رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا

(1) مناقب أحمد/ ابن الجوزي: 609، البداية والنهاية/ ابن كثير: 10 : 365 حوادث سنة 241هـ.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 3 : 475/1609.
(3) أبو الفضل، محمد بن ناصر السلامي البغدادي، من أئمة الحنابلة في القرن السادس، وعنه أخذ أبو الفرج ابن الجوزي علم الحديث وعليه قرأ المسانيد، وكان مقدّم أصحاب الحديث في وقته ببغداد. ولد سنة 467 وتوفي سنة 550هـ. سير أعلام النبلاء: 20 : 265 ـ 270.
الزيارة والتوسل 80

الموضع، يعني في النوم.
ذكرهما عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)(1)وقد ترجم له ترجمة وافية، وأثنى عليه ثناءً بالغاً، وعدّه، نقلاً عن نقّاد الرجال، من أجدر التابعين من طبقته ممّن يؤخذ منه حتى مراسيله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرّخ مولده ببضع وثلاثين للهجرة، وهو خال عائشة، وكان خصيصاً بها، وحين توفيت كان هو ابن نيف وعشرين سنة(2).
5 ـ وأمّا التبرك بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو أمر شائع، وشواهده يطول ذكرها، نكتفي منها بواحد، عالي الاِسناد، صريح الدلالة:
أخرج الذهبي من حديث التابعي الكبير عبيدة السلماني المتوفى سنة 72هـ، وهو من أجلّ التابعين وأفاضل أصحاب الاِمام علي عليه السلام ، ومن أئمة الحديث والقضاء، وكانوا لا يختلفون في أنّه أقضى من شُريح(3).
قال الذهبي: قيل لعَبِيدة السلماني: إنّ عندنا من شَعْر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من قِبَل أنس بن مالك.
فقال عَبيدة: لاَن يكون عندي منه شعرة أحب إليّ من كل صفراء وبيضاء على ظهر الاَرض.
وعقّب الذهبي قائلاً: هذا القول من عَبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شَعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس، ومثل هذا ما يقوله هذا الاِمام بعد

(1) سير أعلام النبلاء/ الذهبي 5 : 358 ـ 359.
(2) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 5 : 353 ـ 361.
(3) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 4 : 40 ـ 44.
الزيارة والتوسل 81

النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمسين سنة، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، او شسع نعل كان له، أو قلامة ظفر، أو شَقَفة من إناء شرب فيه؟
فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك، أكنت تعده مبذّراً أو سفيهاً؟! كلاّ.. فأبذل مالك في زورة مسجده الذي بنى فيه بيده، والسلام عليه عند حجرته في بلده، وتملاَّ بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمناً حتى يكون هذا السيد أحبّ إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلّهم. وقبّل حجراً مكرّماً نزل من الجنّة، وضع فمك لاثماً مكاناً قبّله سيد البشر بيقين، فهنّأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظفرنا بالمِحْجَن الذي أشار به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحجر ثمَّ قبّلَ مِحْجَنه، لحَقّ لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل، ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل مِحْجَنه ونعله.
قال: وقد كان ثابت البُناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ بيده فقبلها، ويقول: يدٌ مسّتها يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فنقول نحن إذا فاتنا ذلك: حجر معظّم بمنزلة يمين الله في الاَرض مسّته شفتا نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم لاثماً له.. فإذا فاتك الحج، وتلقيّت الوفد فالتزم الحاج وقبّل فمه، وقل: فمّ مسَّ بالتقبيل حجراً قبّله خليلي صلى الله عليه وآله وسلم (1).
وفي كلام الذهبي هذا تعريض واضح بابن تيمية وأتباعه، وهو يحث على شدّ الرحال لزيارة قبره، وبذل الاَموال من أجل ذلك، بل من أجل الحصول على شيء من آثاره، ولو شسع نعل كان له.
وخلاصة القول: إنّ التبرك بمسّ قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنبره وآثاره أمر معروف

(1) سير أعلام النبلاء 4 : 42.
الزيارة والتوسل 82

عند متقدمي السلف، مشهود بينهم، وسائر الفقهاء لا يخالفون في هذا، غير أن بعضهم كان يرى أنّ التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي أن لا يدنو الزائر من قبره كثيراً، بل يقف أمامه على فاصلة، بكل إجلال، كما لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائماً أمامه، وهو رأي لا نكارة فيه لمن يرى هذا من التأدّب، وهو بعد لم يستند إلى أدلّة تجعل منه السنّة الثابتة في الزيارة،إنّ القائلين به أيضاً كانوا يستثنون من غلبته شدّة الشوق، فقبل القبر أو المنبر، أو رمى بنفسه عليهما، ولا ريب أنّ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصنعون معه مثل هذا في حياته في حالات الشوق الشديد الذي لا يمتلك معه المرء نفسه، وقد كان ذلك ممّا يبعث في نفسه الشريفة الارتياح، ويزيده لهم محبّة، وعليهم رحمة وشفقة.
كما اتفقوا أيضاً على أنّ من فعل ذلك لغرض التبرك وحده، فلا بأس به، ولا نكارة عليه.
وإنّما كرهوا أن يكون ذلك تصنّعاً، وأن يتخذه المرء عادةً وسنّةً، دون أن يكون ذلك مصحوباً بشوق حقيقي. وهو المستفاد مما نسب إلى الاِمام علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام ـ على فرض صحَّة إسناده ـ وقد رأى رجلاً يفعل ذلك مراراً وفي كل يوم، فقال له: «ما يحملك على هذا؟».
قال: أُحبُّ التسليم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال له زين العابدين عليه السلام : «هل لك أن أحدّثك عن أبي؟».
قال: نعم.
قال عليه السلام : «حدّثني أبي، عن جدّي، أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ وسلّموا حيث ما كنتم،

الزيارة والتوسل 83

فسيبلغني سلامكم وصلاتكم»(1).
وأخرج عبدالرزاق في (المصنّف) نحو هذا عن الحسن بن علي عليهما السلام .
وليس في هذا الكلام إنكار لاَصل الزيارة، لاسيما بعد أن ثبت أنّهم يفعلونها، وأنّهم مجمعون على صحّتها وكونها قربة، ولكنه لما رأى الرجل قد جاوز الحد في صنيعه عند القبر، مكرراً ذلك غداة كل يوم كما جاء في صدر الخبر، الاَمر الذي يبعُد معه احتمال كونه يصنع ذلك كلَّه بشوق حقيقي خالٍ من التصنُّع، أنكر عليه ذلك، وأراد تعليمه أنَّ السلام يبلغه ولو من بعد، دون الحاجة إلى هذا القدر من التصنُّع المكرَّر يوماً بعد آخر.
ويشهد لهذا أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام ، منها:
ـ حديث الاِمام الباقر عليه السلام عن أبيه علي بن الحسين نفسه، أنّه كان يقف على قبر النبي ويلتزق بالقبر(2).
ـ وأنّ الاِمام الصادق عليه السلام كان يأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع يده عليه. وسيأتي بكامله مع أحاديث أُخرى مماثلة في (آداب الزيارة).
ـ وحديث الاِمام الصادق عليه السلام : «مرّوا بالمدينة فسلّموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قريب، وإن كانت الصلاة تبلغه من بعيد»(3).
ـ وقوله عليه السلام : «صلّوا إلى جانب قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانت صلاة المؤمنين

(1) أخرجه السبكي عن القاضي إسماعيل في كتاب (فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم )، شفاء السقام:79.
(2) الكافي 4 : 551/2.
(3) الكافي 4 : 552/5 ـ كتاب الحج ـ باب دخول المدينة وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الزيارة والتوسل 84

تبلغه أينما كانوا»(1).
وسيأتي في (آداب الزيارة) أن الاَئمة عليهم السلام وسائر أهل العلم كانوا يعلِّمون الناس سنناً وآداباً خاصةً في الزيارة، ليتمسّك بها الناس، فلا يتجاوزونها.
وشأن الزيارة في ذلك شأن سائر العبادات والقربات المحفوفة بالسنن والآداب.



(1) الكافية 4 : 553 / 7 تهذيب الأحكام 6 : 7 / 4.
الزيارة والتوسل 85
الفصل الرابع
آداب الزيارة
وردُّ الشبهات المثارة حولها


آداب الزيارة

كغيرها من الاَعمال التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى، لابدّ أن تكون للزيارة سنن وآداب، ينبغي التزامها، والعمل بمقتضاها والحذر من مجاوزتها وإغفالها لما قد يجره ذلك عن خروج من السنن أحياناً، ومجاوزة للآداب أحياناً أخرى.
وقد تقدّم في (زيارة القبور وفضيلتها) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه نهى أن يقول الزائر هجراً، أي أن يأتي بالكلام الذي لا يستقيم مع روح الدين الاِسلامي ومقاصده.
ولما كانت زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبور الاَولياء الصالحين ممّا عمل به المسلمون منذ الصدر الاَول، واستمروا عليه، فقد وجد الاَئمة عليهم السلام وسائر الفقهاء لزاماً تعليم الناس فقه الزيارة وسننها وآدابها، حفاظاً على صورة الدين الحنيف، وعلى صورة هذه الشعيرة من شعائره، فورد عنهم في هذا أثر كثير، يؤكد

الزيارة والتوسل 86

بالمرتبة الاَولى إجماعهم على أنّها من سنن هذا الدين، وأنّها من الاَعمال التي يتقرّب بها العبد إلى الله تعالى..
ونكتفي هنا بإيراد نماذج منتخبة، تحقق الغرضين معاً، شرعية الزيارة، ثمَّ سننها وآدابها.
1 ـ في حديث حسن الاِسناد عن الاِمام جعفر الصادق عليه السلام : «إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها، ثمَّ تأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمَّ تقوم فتسلّم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمَّ تقوم عند الاسطوانة المقدمة من جانب القبر الاَيمن عند رأس القبر، وأنت مستقبل القبلة، ومنكبك الاَيسر إلى جانب القبر، ومنكبك الاَيمن مما يلي القبر، فإنّه موضع رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وأشهد أنّك رسول الله، وأشهد أنّك محمد بن عبدالله، وأشهد أنّك قد بلغت رسالات ربّك ونصحت لاَمّتك وجاهدت في سبيل الله وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين، بالحكمة والموعظة الحسنة، وأدّيت الذي عليك من الحقّ، وأنّك قد رؤفت بالمؤمنين، وغلظت على الكافرين، فبلغ الله بك أفضل شرف محلّ المكرّمين.
الحمد لله الذي استنقذنا بك من الشرك والضلالة، اللهم فاجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقرّبين وعبادك الصالحين وأنبيائك المرسلين وأهل السماوات والاَرضين ومن سبّح لك يا رب العالمين من الاَولين والآخرين على محمد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك ونجيبك وحبيبك وصفيّك وخاصّتك وصفوتك وخيرتك من خلقك، اللهم أعطه


الزيارة والتوسل 87

الدرجة والوسيلة من الجنّة وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الاَولون والآخرون.
اللهم إنّك قلت: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً» وإنّي أتيت نبيّك مستغفراً تائباً من ذنوبي، يا رسول الله إنّي أتوجه بك إلى الله ربّي وربّك ليغفر ذنوبي».
قال: «وإذا كان لك حاجة فاجعل قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يديك واسأل حاجتك، فإنّها أحرى أن تُقضى إن شاء الله»(1).
وفي الحديث ما هو صريح بالتوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
أمّا استدبار القبر الشريف أثناء الدعاء فقد ورد مثله في أحاديث أُخر، كما ورد أيضاً استقباله في الدعاء، مما يدل على جواز الاَمرين، وليس في أيّهما مخالفة لاَدب الزيارة أو أدب الدعاء.
2 ـ من حديث الاِمام موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه الباقر عليهم السلام ، قال: «كان أبي علي بن الحسين عليهما السلام يقف على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسلّم عليه، ويشهد له بالبلاغ، ويدعو بما حضره، ثمَّ يسند ظهره إلى المروة(2)الخضراء الدقيقة العرض مما يلي القبر، ويلتزق بالقبر، ويسند ظهره إلى القبر ويستقبل القبلة، فيقول: اللهم إليك ألجأت أمري، وإلى قبر محمد عبدك

(1) الكافي 4 : 550 ـ 551/1 ـ كتاب الحج ـ باب دخول المدينة وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تهذيب الاَحكام 6 : 5/1 باب3.
(2) المروة: الحجر البراق.
الزيارة والتوسل 88

ورسولك أسندت ظهري، والقبلة التي رضيت لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم استقبلت...» في دعاء طويل(1).
3 ـ عن محمد بن مسعود، قال: رأيت أبا عبدالله عليه السلام انتهى إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده عليه، وقال: «أسأل الله الذي اجتباك واختارك وهداك وهدى بك أن يصلّي عليك»، ثمَّ قال: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(2).
4 ـ عن الاِمام الصادق عليه السلام : «إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأت المنبر وامسحه بيدك، وخذ برمّانتيه، وهما السفلاوان، وامسح عينيك ووجهك به، فإنّه يقال إنّه شفاء العين. وثمَّ عنده فاحمد الله وأثنِ عليه، وسل حاجتك، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنّة، ومنبري على ترعة من ترع الجنّة(3)، ثمَّ تأتي مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فتصلّي فيه ما بدا لك، فإذا دخلت المسجد فصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا خرجت فاصنع مثل ذلك، وأكثر من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم »(4).
وهو صريح بجواز التبرّك بمنبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
5 ـ نصّ زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في (الفقه على المذاهب الاَربعة).
وردت عن أعلام المذاهب الاَربعة نصوص عديدة في زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،

(1) الكافي 4 : 551/2.
(2) الكافي 4 : 552/4.
(3) الترعة: الباب الصغير.
(4) الكافي 4 : 553/1، باب المنبر والروضة، تهذيب الاَحكام 6 : 7/5.

السابق السابق الفهرس التالي التالي