موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 414

ونحن إذا استذكرنا ما مرّ آنفاً من انّ عمر كان جاداً في دفع عليّ عما أراده الله تعالى له على لسان نبيّه ، ولمّا كان عليّ (عليه السلام) هو واحد من العترة بل هو سيدهم ، أدركنا المعنى الحقيقي لكلمة عمر: « حسبنا كتاب الله » وهي تعني التفكيك بين القرآن والعترة عند التمسك بهما. والرد الحاسم على استبعاد العترة من أهلية التمسك بها ، لذلك ارتكب ما ارتكب ممّا لا يجوز لمثله أن يفعله ، وقال ما قال ممّا ليس من حقّه أن يقوله. ولكنه اليقظ الحذر والمتمرّس على الخلاف على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وشواهد ذلك يكفي منها يوم صلح الحديبية ، ويوم الصلاة على ابن أبيّ. وغير ذلك.
فأي مانع له الآن أن يعلن الخلاف ، ويقول ما لا يحل له ولأي مسلم أن يقوله فينسب الهجر إلى النبيّ المعصوم. ما دام هو بذلك يرفض قرناء الكتاب ، وكان من الطبيعي لمثله ، وهو يريد ذلك أن يقول للحاضرين: « وعندكم القرآن » - يعني لا حاجة لنا بالعترة الّتي يدعونا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى التمسك بالكتاب وبها كما في حديث الثقلين -.
ولندع هذا الجانب التفسيري لكلمته ، ولنعد إلى الجانب اللفظي لها. ولنستغفل عقولنا ثانية ، وكأننا نبحث عن حاقّ المعنى لقوله. فماذا كان يعني بكلمته: « حسبنا كتاب الله » ؟ أو ليس معنى ذلك هو رفض السنّة؟ الّتي هي تلو الكتاب؟ أفهل كان يرى حقاً عدم حجية السنّة؟
نعم كان وكان ، ولسنا نحمّله إلاّ تبعة أفعاله ، لأنّه ممّن أمر في أيامه بتحريقها ومحوها(1). وما دام ليس من حقنا أن نحمّله خشية الإتهام بأنا لسنا معه

(1) الجامع لأحكام القرآن 17/5 و 14/108 ، وشواهد التنزيل 1/334 ـ 337.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 415

على رأي فلنترك الحديث لأئمّة عمريّين لا يشك في ولائهم لعمر ، مثل الإمام الشافعي وابن حزم ، والبيهقي ، والسيوطي.
فلنقرأ ما يقول كلّ واحد في عدم الإستغناء بالكتاب وحده ولابدّ من السنّة معه ، وهم غير متهمين فيما يقولونه في إدانة من قال بالإستغناء بالكتاب وحده حتى ولو كان عمر:

1- ماذا قال الشافعي؟

قال الإمام الشافعي في الرسالة ونقله عنه البيهقي في المدخل(1): « قد وضع الله رسوله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم من دينه وفرضه وكتابه الموضع الّذي أبان جلّ ثناؤه أنّه جعله علماً لدينه بما أفترض من طاعته ، وحرّم من معصيته وأبان من فضيلته ، بما قرن بين الإيمان به مع الإيمان به فقال تبارك وتعالى: « فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ » (2) وقال: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ » (3) فجعل كمال ابتداء الإيمان الّذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثمّ برسوله معه.
قال الشافعي: وفرض الله على الناس إتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه: « لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ » (4).

(1) نقل كلامه بنصه السيوطي في رسالته مفتاح الجنة في الأحتجاج بالسنّة /3 ـ 4 ضمن مجموعة الرسائل المنيرية أواخر المجلد الثاني.
(2) الأعراف /158.
(3) النور /62.
(4) آل عمران /164.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 416

قال الشافعي: فذكر الله الكتاب والقرآن ، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم. وقال: « يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله وَالرَّسُولِ » (1)ـ ثمّ ساق الكلام إلى أن قال: فأعلمهم أنّ طاعة رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم طاعته فقال: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » (2).
واحتج أيضاً في فرض اتباع أمره بقوله: « لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » (3) وقوله: « وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (4) وغيرها من الآيات الّتي دلت على اتباع أمره ولزوم طاعته فلا يسع أحد رد أمره لفرض الله طاعة نبيه » .


2- ماذا قال ابن حزم؟

قال ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام: « لاتعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما نقل من أفعاله فقال سبحانه خبراً عن رسوله: « وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى » (5) ، وقوله تعالى:

(1) النساء /59.
(2) النساء /65.
(3) النور /63.
(4) الحشر /7.
(5) النجم /3- 4.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 417

« لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » (1) ، وقوله: « وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا » (2). فأخبر (عزّ وجل) انّ كلام نبيّه وحي من عنده كالقرآن في أنّه وحي...اهـ » (3).


3- ماذا قال البيهقي؟

وقال البيهقي بعد احكامه هذا الفصل: « ولولا ثبوت الحجة بالسنّة لما قال صلّى الله عليه (وآله) وسلّم في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فربّ حامل مبلّغ أوعى من سامع) ثمّ أورد حديث: (نضّر الله امرؤاً سمع منا حديثاً فأدّاه كما سمعه ، فربّ مبلّغ أوعى من سامع) » . وهذا الحديث متواتر كما سأبينه.
قال الشافعي: « فلمّا ندب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها ، دلّ على أنّه لا يأمر أن يؤدّى عنه إلاّ ما تقوم به الحجة على من أدي إليه ، لأنّه إنّما يؤديَ عنه حلال يؤتى ، وحرام يجتنب ، وحدّ يقام ، ومال يؤخذ ويعطى ، ونصيحة في دين ودنيا » .
ثمّ أورد البيهقي من حديث أبي رافع قال: « قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتي الأمر من أمري ممّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) » (4).

(1) الأحزاب /21.
(2) النساء /82.
(3) الإحكام في اُصول الأحكام 1/174.
(4) رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم ، والبيهقي في دلائل النبوة ، وإسناده صحيح ، وقال الترمذي حسن صحيح ، مشكاة المصابيح 1/57.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 418

وأخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبى فضالة المكي: « انّ عمران بن حصين (رضي الله عنه) ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً فى القرآن؟ فغضب عمران وقال لرجل قرأت القرآن؟ قال: نعم ، فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً ووجدت المغرب ثلاثاً ، والغداة ركعتين ، والظهر أربعاً ، والعصر أربعاً؟ قال: لا ، قال: فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)!؟
أوجدتم فيه من كلّ أربعين شاة شاة ، وفى كلّ كذا بعير كذا ، وفى كلّ كذا درهماً كذا؟ قال: لا ، قال فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم.
وقال: أوجدتم في القرأن: « وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ » (1) ، أو وجدتم فيه فطوفوا سبعاً ، واركعوا خلف المقام؟ أو وجدتم في القرآن: لاجلب ولاجنب ولا شغار في الإسلام؟
أما سمعتم الله يقول في كتابه: « وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (2)؟
قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله صلّى الله عليه وأله وسلّم أشياء ليس لكم بها علم » (3).
وأخرج البيهقي والحاكم عن الحسن قال: « بينما عمران بن الحصين يحدث عن سنّة رسول الله إذ قال له رجل يا أبا نجيد حدّثنا بالقرآن ، فقال له

(1) الحج /29.
(2) الحشر /7.
(3) مفتاح الجنّة في الإحتجاج بالسنة للسيوطي /5 ضمن مجموعة الرسائل المنيريه المجلد الثاني.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 419

عمران أنت وأصحابك تقرؤن القرأن!؟ اكنت تحدّثني عن الصلاة وما فيها وحدودها؟
أكنت تحدّثني عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنتَ ، ثمّ قال: فرضَ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الزكاة كذا وكذا ، فقال الرجل: أحييني أحياك الله.
قال الحسن فما ماتَ ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين » (1).


4- ماذا قال السيوطي؟

قال في ديباجة كتابه: « اعلموا يرحمكم الله انّ من العلم كهيئة الدواء ، ومن الآراء كهيئة الخلاء ، لاتذكر إلاّ عند داعية الضرورة ، وان ممّا فاح ريحه في هذا الزمان. وكان دارساً بحمد الله تعالى منذ أزمان ، وهو انّ قائلاً رافضياً (؟) زنديقاً أكثر في كلامه: انّ السنّة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علواً وشرفاً - لايحتج بها ، وأنّ الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث: ماجاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن ، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلاّ فردّوه. هكذا سمعت هذا الكلام بجملة منه وسمعه منه خلائق غيري... فاعلموا رحمكم الله من أنكر كون حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة ، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة...
وأصل هذا الرأي الفاسد أنّ الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار على القرآن... » (2) إلى آخر كلامه.

(1) مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة للسيوطي /23 ضمن مجموعة الرسائل المنيريه المجلد الثاني.
(2) نفس المصدر /2.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 420

ونحن لانريد مناقشته في حكمه الكلي على الكبرى فهو عين الصواب ، ولكن هلّم الخطب في تطبيق الحكم على الصغرى في المقام.
ويجب أن لايُستغفَل القارئ بما قاله السيوطي الّذي شنّها حرباً شعواء على ذلك الرافضي المجهول الهوية. كما يجب أن لانظلمه مادامت حجته صحيحة كما حكاها عنه السيوطي نفسه.
فإنّ الّذي زعمه السيوطي في حكاية قوله: « هو إهمال السنّة بالمرة فلا يحتج بها » . بينما الّذي حكاه من فحوى دليله هو وجوب عرض السنّة على الكتاب ، والأخذ بها ما دامت غير مخالفة له. وأين هذا من عدم حجيتها والاكتفاء بالقرآن؟.
وإذا صحّ ماذكره السيوطي عنه من الدليل يكون الرافضي المجهول الهوية على حق في كلامه ، لأنّ الحديث الّذي يخالف القرآن زخرف وباطل ويضرب به عرض الجدار. وهذا هو المنطق الصحيح والسليم الّذي يقطع جهيزة كلّ الوضاعين والمدلـّسين الّذين كذبوا في الحديث ونسبوه زوراً إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو منه ومنهم بريء.
وأين هذا ماشهّر به السيوطي بقوله: « إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار على القرآن... » ؟ وهل من الإنصاف أن يرمي بالزندقة لأنّه يقول إنّ السنّة ليست ناسخة للقرآن ولا قاضية عليه ، ولأنّ السنّة الصحيحة هي الّتي لاتخالف القرآن!
ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر: « حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن » أليس ذلك نبذه للسنّة نبذ الحصاة وراء ظهره؟

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 421

ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر في خطبته: « لا يبقين أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي » ، فظنوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار(1). كما بعث إلى الامصار يأمرهم: من كان عنده شيء فليمحه؟(2).
فيا هل ترى من هو الّذي أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ ذلك الرافضي المنكود حظه؟ أم هو عمر بن الخطاب المشهود رفضه ؟
ثمّ هل من حقّنا ان نسأل السيوطي عن حكمه هل هو مخصوص بذلك الرافضي؟ أم هو عام لكل من أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ وهل يرضى أن يحكم به على عمر؟ وهل يرضى بذلك علماء التبرير وهو منهم؟ ثمّ ماباله وهو من أهل السنّة ، ومادام غيوراً على السنّة ، يستنكر ما قاله الرافضي الّذي حامى عن حريم السنّة بأن لا تشوبها شوائب الكذابين ، بل كان الأولى أن يدعو له ويستغفر له ، فهو يريد حماية السنّة لاعدم الاحتجاج بها ونبذها كمن قال: « حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن » ، بالله لقد صحّ المثل السائر: (رمتني بدائها وانسلّت) ، وما علينا الآن إلاّ أن نقول للسيوطي رضينا بك حَكَماً بيننا وبينك ورضينا بحكمك على كلّ من قال بعدم الاحتجاج بالسنّة من الأولين والآخرين من أيّ فرق المسلمين.
ويكفينا في إدانة السيوطي كتابه: (اللاليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) لماذا كتبه؟ أليس لتخليص السنّة من الشوائب. إذن فقول الرافضي بعرض السنّة على الكتاب خير ميزان وليس فيه عين ، وكتابه المذكور لم يخلّص

(1) طبقات ابن سعد 5/188 ، وتقييد العلم للخطيب البغدادي.
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 422

السنّة من كلّ شين. « أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » (1).
وأخيراً فقد تبين لنا أنّ عمر إنّما قال: « حسبنا كتاب الله ، عليكم بالقرآن » ليستفرد بالكتاب وهو الثقل الأكبر ويستبعد الثقل الأصغر وهم العترة ، وسيّد العترة عليّ كما هو معلوم عند المسلمين ، وكان أبو بكر يقول ذلك أيضاً (2). وليس معنى ذلك الاستبعاد لأهل البيت عن ساحة الخلافة ، يعني بالضرورة أن لانجد عمر يتحدّث بفضائلهم كما كان أبو بكر يفعل كذلك ، حتى لقد عقد المحب الطبري في الرياض النضرة باباً في ذكر ما رواه أبو بكر في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وباباً (في ذكر مارواه عمر في عليّ) ، ووردت عنهما أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت ، يقف عليها الطالب في كتب المناقب للخوارزمي الحنفي وابن المغازلي المالكي والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي سوى ما أورده الحاكم في المستدرك وابن عساكر الشافعي في تاريخ دمشق وغيرهم وغيرهم. فالحديث بفضائل أهل البيت ليس بضارّ لهما بل ربّما أصابا منه نفعاً من تطييب النفوس بإظهار المودة بعد ما تمّ استبعادهم عن الخلافة ، ثمّ تجريدهم حتى من بعض اختصاصهم.
ألم يروي الطبراني في الأوسط وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عمر قال: « لمّا قبض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جئت أنا وأبو بكر إلى عليّ فقلنا ما تقول فيما ترك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: نحن أحقّ الناس برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

(1) يونس /35.
(2) كنز العمال 15/10 ط حيدر آباد الثانية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 423

قال: فقلت والّذي بخيبر؟ قال: والّذي بخيبر ، قلت: والّذي بفدك؟ قال: والّذي بفدك. فقلت أما والله حتى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا » (1).


5 - ماذا قال السندي في حاشيتيه على البخاري؟

قال: إنّ الأمر الصادر يفيد أنّه أمن من الضلال ، فالكتاب الّذي يريد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكتبه سبب للأمن من الضلال ودوام الهداية. فكيف يخطر على بال إنسان أنّه سيترتب عليه عقوبة أو فتنة أو عجز.
أمّا قوله: « حسبنا كتاب الله » لأنّه تعالى قال: « ما فرّطنا في الكتاب من شئ » (2) ، ويقول: « اليوم أكملت لكم دينكم » (3) ، فكلّ من الآيتين لا يفيد الأمن من الضلال ودوام الهداية للناس ، ولو كان كذلك لما وقع الضلال ، ولكن الضلال والتفريق في الأمة قد وقع بحيث لا يرجى رفعه ، كما أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقل لهم أنّ مراده أن يكتب لهم الأحكام حتى يقال على ذلك: إنّه يكفي فهمها من كتاب الله ، ولو فرض أنّ مراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان كتابة بعض الأحكام ، فلعل النص على تلك الأحكام منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سبب للأمن من الضلالة. وعلى هذا لا وجه لقولهم: « حسبنا كتاب الله » ، بل لو لم يكن فائدة النص إلاّ الأمن من الضلالة لكان مطلوباًَ جداً ، ولا يصح تركه للإعتماد على أنّ الكتاب جامع لكلّ شي ، كيف والناس محتاجون إلى السنّة أشد احتياج مع كون الكتاب جامعاًَ ، وذلك لأنّ الكتاب وإن كان جامعاًَ إلاّ أنّه لا يقدر كلّ أحد على الإستخراج منه. وما يمكن لهم استخراجه منه لا يقدر كلّ أحد استخراجه منه على وجه الصواب.

(1) مجمع الزوائد 9/39.
(2) الأنعام /38.
(3) المائدة /3.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 424

ولهذا فوّض الله لرسوله البيان مع كون الكتاب جامعاً فقال تعالى لنبيّه: « لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم » (1) ، ولاشك أنّ إستخراجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الكتاب على وجه الصواب يكفي ويغني في كونه نصاً مطلوباً لنا ، لاسيما إذا أمرنا به ، ولاسيما إذا وعد على ذلك الأمن من الضلال ، فما معنى قول « حسبنا كتاب الله » بعد ذلك(2)؟


6 - ماذا في القراءة الخلدونية ؟ (3)

ليس من جديد عند ابن خلدون سوى التفافه على حديث الدواة والكتف ، بقفزة غير بارعة فطواه وطمس معالم الإدانة فيه في موضع مقدمته فقال: - وهو يذكر أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باحضار الدواة والقرطاس ليكتب صلّى الله عليه (وآله) الوصية -: « وان عمر منع من ذلك » (!). ثمّ قال: « وما تدعيه الشيعة من وصيته لعليّ (رضي الله عنه) وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل.
والّذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وان عمر منع من ذلك ، فدليل واضح على أنّه لم يقع » (4).
ثمّ عاد في تاريخه فقال: « في مرضه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ثمّ جمع أصحابه فرحّب بهم وعيناه تدمعان ودعا لهم كثيرأ وقال: (أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم واستخلفه

(1) النحل /44.
(2) حاشية السندي علىّ صحيح البخاري 1/33 ، نقلاً عن معالم الفتن لسعيد أيوب /260.
(3) القراءة الخلدونية اسم لكتاب كان يدرس في الصف الأوّل من المدارس الإبتدائية في العهد الملكي في العراق نسبة لمؤلفها أبن خلدون. وهزءاً بعقلية ابن خلدون في رأيه في المقام شبّهنا ما لديه بما في القراءة الخلدونية.
(4) مقدّمة ابن خلدون /380 ط دار الكتاب اللبناني.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 425

عليكم ، وأودّعكم إليه إني لكم نذير وبشير ألاّ تعلوا على الله في بلاده وعباده فإنه قال لي ولكم: « تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (1) ، وقال: « أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِين َ » (2)).
ثمّ سألوه عن مغسِّله؟ فقال: (الأدنون من أهلي).
وسألوه عن الكفن؟ فقال: (في ثيابي هذه أو بياض مصر أوحلّة يمانية).
وسألوه عن الصلاة عليه؟ فقال: (دعوني على سريري في بيتي على شفير قبري ، ثمّ اخرجوا عني ساعة ، حتى تصلي عليّ الملائكة ، ثمّ ادخلوا فوجاً بعد فوج فصلّوا وليبدأ رجال من أهل بيتي ثمّ نساؤهم).
وسألوه عمّن يدخله القبر؟ فقال: (أهلي).
ثمّ قال: (إئتوني بدواة وقرطاس ، اكتب لكم كتاباً لاتضلّون بعده) فتنازعوا وقال بعضهم: إنه يهجر ، وقال بعضهم: أهجر؟ يستفهم ، ثمّ ذهبوا يعيدون عليه ، ثمّ قال: (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه). وأوصى بثلاث: أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأن يجيزوا الوفد كما كان يجيزهم. وسكت عن الثالثة أو نسيها الراوي ، وأوصى بالأنصار فقال: (إنّهم كرشي وعيلتي الّتي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، فقد اصبحتم يامعشر المهاجرين تزيدون والأنصار لا يزيدون). ثمّ قال: (سدّوا هذه الأبواب في المسجد إلاّ باب أبي بكر فإنّي لا أعلم أمرءاً أفضل يداً عندي في الصحبة من أبي بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن صحبة إخاء وإيمان حتى يجمعنا الله عنده).

(1) القصص /83.
(2) العنكبوت /68.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 426

ثمّ ثقل به الوجع واغمي عليه ، فاجتمع إليه نساؤه وبنوه ، وأهل بيته والعباس وعليّ.
ثمّ حضر وقت الصلاه فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فقالت عائشة: « إنّه رجل أسيف لايستطيع أن يقوم مقامك فمر عمر » . فامتنع عمر وصلّى أبو بكر ، ووجد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم خفّة فخرج ، فلمّا اُحس به أبو بكر تأخر فجذبه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقامه مكانه ، وقرأ من حيث انتهى أبو بكر ثمّ كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس بصلاة أبي بكر.
قيل صلوا كذلك سبع عشرة صلاة. وكان يدخل يده في القدح وهو في النزع فيمسح وجهه في الماء ويقول: (اللّهم أعنّي على سكرات الموت).
فلمّا كان يوم الاثنين وهو يوم وفاته خرج إلى صلاة الصبح عاصباً رأسه ، وأبو بكر يصلي فنكص عن صلاته ورده رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيده صلّى قاعداً على يمينه ثمّ أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكرهم. ولمّا فرغ من كلامه قال له أبو بكر: « إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما تحب » ، وخرج إلى أهله في السنح ، ودخل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيته فاضطجع في حجرة عائشة. ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر عليه وفي يده سواك أخضر فنظر إليه وعرفت عائشة أنّه يريده قالت: « فمضغته حتى لانَ واعطيته إياه فاستنّ به ثمّ وضعه » ، ثمّ ثقل في حجري(1) فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: (الرفيق

(1) وابن خلدون حين يروي لنا حديث عائشة عن السواك الأخضر الّذي بيد عبد الرحمن بن أبي بكر ومضغ عائشة له وأعطته للنبيّ فاستنّ به ثمّ وضعه ثمّ ثقل في حجرها... الخ ولم يعقـّب عليه بشيء ، وكأنه مصدّق به ، ومهما تباله الراوي وأستغفل القارئ فلا يكاد يُصدّق بأن إنساناً في حالة النزع يمكنه أخذ السواك ليستنّ به. وما أدري كيف غفل ابن خلدون أو تغافل عن ذكر تتمة معزوفة السواك الّذي مضغته السيدة عائشة حين قالت ـ فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا (سير أعلام النبلاء للذهبي=
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 427

الأعلى من الجنة) ، فعلمت أنّه خُيّر فأختار. وكانت تقول: قبض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين سحري ونحري وذلك نصف نهار يوم الاثنين لليلتين من شهر ربيع الأوّل... » (1).
هذا ما أردنا نقله من قراءة ابن خلدون في مقدمته وتاريخه ، لنوقف القارئ على تخبطه في عرض ماجرى في فترة مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحتى وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وكأنّه قد جنّد نفسه لتكثيف حضور أبي بكر وآل أبي بكر. فأبو بكر فهم نعي النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسه حين قال: (انّ عبداً من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين ماعنده) ، وفهمها أبو بكر فبكى فقال: « بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا » فقال: (على رسلك يا أبا بكر)؟
وأبو بكر يحظى ببقاء بابه شارعاً إلى المسجد وتغلق سائر الأبواب غير بابه؟
وأبو بكر يؤمر بالصلاة دون غيره؟ وأخيراً أضطجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجرة ابنة أبي بكر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر يدخل وفي يده سواك أخضر فينظر إليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعلم عائشة ابنة أبي بكر أنّه يريده فتأخذه وتمضغه حتى لان وتعطيه فيستنّ به. وأخيراً توفي وهو في حجرها وبين سحرها ونحرها. فهذا الحضور المكثـّف لأبي بكر وآل أبي بكر يثير التساؤل عن عمل أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبقية نسائه أين كانوا وماذا كان في حضورهم؟ في قراءة أبن خلدون؟

= 1/431 نقلاً عن البخاري. وفي الهامش تخريجه عن مسلم في صحيحه ، والقرطبي في تفسيره ، والبيهقي في سننه الكبرى ، والتبريزي في مشكاة المصابيح ، والزبيدي في اتحاف السادة المتقين ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ، وابن حجر في فتح الباري. فراجع موارد ذكرهم).
وفي لفظ آخر: وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت (سير أعلام النبلاء 1/431) نقلاً عن البخاري ، وفي الهامش مصادر تخريجه فراجع ، ولعل الرجل كان على قدر من الحكنة أحسّ بأن ذكر الحبكة بجميع خيوطها سيكشف للقاريء عن زيفها جملة وتفصيلاً.
(1) تاريخ ابن خلدون 2/849 ط دار الكتاب اللبناني.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 428

ألم يقرأ ابن خلدون حديث سلمان الفارسي قال: « دخلت عليه - أي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - صبيحة يوم قبل اليوم الّذي مات فيه فقال لي: (ياسلمان ألا تسأل عما كابدته الليلة من الألم والسهر أنا وعليّ) فقلت يا رسول الله: ألا أسهر الليلة معك بدله؟ فقال: (لا هو أحق بذلك منك) » (1).
ألم يقرأ ابن خلدون حديث حذيفة قال: « كان عليّ أسند رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ظهره فقلت لعليّ هلمّ أراوحك؟ فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (هو أحق به) » (2).
وإذا كان ابن خلدون لم يقرأ ذلك ، فهل هو لم يقرأ. حضور العباس وحديث اللدود (3)؟ قال ابن أبي الحديد: « وقد وقع اتفاق المحدثين كلّهم على انّ العباس كان ملازماً للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيام مرضه في بيت عائشة وهذا لاينكره أحد » (4).
وهو لم يقرأ حديث مسارّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لابنته فاطمة؟ مرتين بكت في الاُولى وضحكت في الثانية وهذا ما رواه الشيخان وغيرهما ممّا جل عن البيان(5).
وهو لم يقرأ حديث ابن عباس: « إنه خرج في مرضه الّذي مات فيه عاصباً رأسه بعصابة دسماء ملتحفاً بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر وأوصى بالأنصار فكان آخر مجلس جلسه » (6).

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/591 ط مصر الأولى.
(2) ذخائر العقبى /95 ط القدسي.
(3) سيرة ابن هشام تحـ السقا ورفاقه 4/225 ، وطبقات ابن سعد 2/232 ، وتاريخ الطبري 3/ 188 ـ 189و195 وغيرها.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/591 ط الاُولى و 10/268 ط محققة بمصر.
(5) صحيح البخاري برقم 6285 و 6286 ، وصحيح مسلم برقم 2450 و2450/98 و 2450/99 ، وسنن ابن ماجه /2621 ، ومسند أحمد 6/282 ، وطبقات ابن سعد 2 ق ، ومشكل الآثار للطحاوي 1/48 ، ومشكاة المصابيح للتبريزي /6129 ، وحلية أبي نعيم 2/40 ، وغيرها.
(6) صحيح البخاري برقم 3799 و 3801 وغيره.

السابق السابق الفهرس التالي التالي