هوية التشيع 192

ب ـ والامر الثاني هو ان ما يظهر من اختلاف في اقوال الائمة بعضهم مع بعض وفي أقوال الامام الواحد في مقامات مختلفة مما يشكل علامة استفهام ودفعا لذلك قالوا بالتقية حتى لا يبقى اشكال في ذلك ، محصل قولهم ذكره صاحب كتاب دراسات في الفرق والعقائد(1).
ان هذا الباحث يظهر من تصويره لمسألة التقية عند الائمة أنه اختلط عليه المقسم بالقسم ، وذلك ان الموردين الذين ذكرهما انما هما من موارد تطبيق مبدأ التقية لا ان التقية انشئت من أجلهما ، هذا مع ان هذا الباحث وهو الدكتور عرفان من أكثر الناس أنصافا للشيعة فيما كتب عنهم بالقياس الى غيره فأنظر لما كتبه حولهم(2).وقد أعتبر كثير من الكتاب ان موقف الامام الصادق (ع) من التشديد على التقية فيه ضعف وتخاذل بينما الواقع ان الامام بموقفه هذا حفظ أصحابه من هجمات شرسة فقدت صوابها ولم يعد لها من منطق غير المخلب والناب وفي مثل هذه الحالات لابد من الحكمة ، وسأذكر لك صور مصغرة عما كان عليه الحال :
يقول الخطيب البغدادي بسنده عن ابي معاوية قال : دخلت على هارون الرشيد فقال لي : لقد هممت ان من يثبت الخلافة لعلي ان افعل به وافعل قال أبو معاوية : فسكت ، فقال لي : تكلم ، قلت : ان أذنت لي ؟ قال : تكلم ، قلت : يا أمير المؤمنين قالت تيم منا خليفة رسول الله ، وقالت عدي منا خليفة رسول الله ، وقالت بنو أمية : منا خليفة الخلفاء ، فأين حظكم يا بني هاشم ، والله ما حظكم الا ابن ابي طالب فسكت(3)لقد أحسن الرجل الدخول وعرف من أين يأتيه ، وهنا نقول اذا كان من يذكر حق علي بالخلافة يصنع به ما يصنع فما رأي هؤلاء المتفيهقين في أيام الرخاء الذين لم تلفح وجوههم النار ولم يعضهم الحديد .

(1) دراسات في الفرق والعقائد ص53 .
(2) دراسات في الفرق والعقائد ص42 .
(3) الامام الصادق لاسد حيدر جـ2 ص310 .
هوية التشيع 193

على ان هناك شيئا آخر وهو ان آئمة المسلمين الاخرين اضطروا الى استعمال التقية فيما تعرضوا له من مواقف ، ومن ذلك ما ذكره أحمد بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي عند استعراضه لموقف الامام احمد بن حنبل ايام المحنة والقول بخلق القران قال : لما امتنع أحمد بن حنبل من القول بخلق القران وضرب عدة سياط قال اسحق بن ابراهيم للمعتصم ولني ياأمير المؤمنين مناظرته فقال : شأنك به ، فقال اسحق للامام أحمد ما تقول في خلق القران ؟ فقال الامام احمد : أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا ، فقال : هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أم علمته من الرجال ، فقال أحمد : بل علمته من الرجال ، فقال اسحق : علمته شيئا بعد شيء قال نعم ، قال اسحق : فبقي عليك شيء لم تعلمه ؟فقال : نعم ، قال : فهذا مما لم تعلم وعلمكه أمير المؤمنين ، فقال احمد : فأني أقول بقول أمير المؤمنين ، فقال أسحق في خلق القرآن ، قال أحمد في خلق القرآن فأشهد عليه ، وخلع عليه وأطلقه الى منزله(1).
ولهذا قال الجاحظ في حواره مع أهل الحديث بعد أن ذكر محنة الامام أحمد ابن حنبل وامتحانه : فقد كان صاحبكم هذا ـ يعني الامام ـ يقول لاتقية الا في دار الشرك فلو كان ما اقر به من خلق القران كان منه على وجه التقية فلقد أعملها في دار الاسلام وقد أكذب نفسه ، ولو كان ما اقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم على انه لم ير سيفا مشهورا ولا ضرب ضربا كثيرا ، ولا ضرب الا الثلاثين سوطا مقطوعة الثمار مشبعة الاطراف حتى أفصح بالاقرار مرارا ، ولا كان في مجلس ضيق ، ولا كانت حالته ميؤسة ، ولا كان مثقلا بالحديد ، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد ، ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ويزنون ويخف ويحلمون ويطيش(2).
على ان سيرة المسلمين بالفعل قائمة على التقية فهناك أمور لايقرها بعض

(1) تاريخ اليعقوبي جـ3 ص198 .
(2) الامام الصادق لاسد حيدر جـ2 ص 310 .
هوية التشيع 194

المسلمين وهي قائمة عندهم .خذ مثلا بقاء قبر النبي (ص) فأن الوهابيين لا يتركون قبرا قائما رووا في الصحاح عن ابي الهياج الاسدي قال : قال لي علي ابن ابي طالب (ع) ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (ص) الا أدع قبرا قائما الا سويته ولا تمثالا الا طمسته وعلى هذه الرواية استند الوهابيون أو هي أحد مستنداتهم في تهديم القبور(1)ولكنهم لم يتعرضوا لقبر النبي مع ان لسان الرواية عام يستثن قبرا وليس ذلك الا تقية من المسلمين . وقد كان خبر أبي الهياج سببا للتهريج عند ابن تيمية على الشيعة مع ان الرواية ما ثبتت عندهم من ناحية سندها ، لقد شحن ابن تيمية كتابه بقوارص من الشتم يأباها خلق الاسلام وأدب القران ومن ذلك أنه اذا مر بذكر العلامة ابن المطهر الحلي يسميه بابن المنجس(2) .
في حين كان العلامة في خصومته مع العلماء في غاية التهذيب وبوسع القارئ ان يرجع الى الكتابين الذين طبعا معا وان يحكم على الاسلوبين ليرى الفرق بينهما .
والى هنا أرجو ان أكون قد وضعت بين يدي القارئ فكرة عن التقية كافية لاخذ صورة عن الموضوع ولا يخلو المعاصر من تقية متجسدة عند مختلف الشعوب .

(1) منهاج السنة لابن تيمية جـ1 ص333 .
(2) المصدر السابق جـ1 ص13 .
هوية التشيع 195


الباب الرابع


من الافتراءات على الشيعة


هوية التشيع 196




هوية التشيع 197

استهدفت فيما قدمته من بحوث توضيح هوية التشيع عرقيا وفكريا ، وكنت قد ذكرت سابقا ان قصة عبد الله بن سبأ تؤلف جزءا من كل براد من ورائه مسخ صورة التشيع ولئلا يقول القارئ ان مسألة ابن سبأ لا يمكن ان تكون أمرا وهميا فأني أقدم له هنا نماذج من المفتريات على الشيعة مقطوعة الكذب حتى يرى بأم عينه صدق دعوانا .
ان هذه الامور التي سيرد ذكرها وغيرها تحتم اعادة النظر في محتوى تاريخنا وعقائدنا ومحاولة تصحيح هذا المحتوى لان بقاء هذه الذخيرة الفاسدة في تاريخنا سيظل يعمل عمل السوس في اسس البناء حتى ينهار البناء فجأة ولا يكون ضحية هذا الانهيار الا المسلمون أنفسهم ، أما من كتب بهذه الامور وسطرها فقد مضى الى ربه وسيقف أمام حكم عدل ، ولكننا نحن ملزمون في تصحيح أوضاعنا فلا يجوز بحال من الاحوال أن نلقح أنفسنا وأبنائنا ضدمرض الحصبة مثلا وهو لا يمكث الا بضعة ايام ، ولا نلقح انفسنا ضد الفرقة والتناحر ، وضد الاوبئة الفكرية التي تبقى ويبقى أثرها طويلا ، وقد آن الاوان لاقدم لك نماذج من هذه المفتريات .

النموذج الاول : في الجمع بين النساء

الجمع بين النساء وعددهن ، وجمهور المسلمين على انه لا يجوز للحر أن يجمع زيادة على أربع زوجات لقوله تعالى : « فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع » النساء / 3 ، وللسنة الشريفة التي حددت الزوجات بأربع كما سيأتي ، والشيعة في ذلك كسائر فرق المسلمين لايبيحون الجمع بين أكثر من أربع زوجات ، وعندهم حتى لو طلق الرجل زوجة واحدة من الاربع فلا يجوز له

هوية التشيع 198

أن يكمل العدد برابعة حتى تنتهي عدة المطلقة ، وقد أجمعوا على ذلك واليك نموذجين من أقوالهم :
أولا :ـ يقول الشهيد الاول في اللمعة : لا يجوز للحر أن يجمع زيادة على اريع حرائر أو حرتين وأمتين ، أو ثلاث حرائر وأمة ، ولا للعبد أن يجمع أكثر من أربع اماء أو حرتين أو حرة وأمتين ، ولا يباح له ثلاث اماء وحرة (1) .
ثانياً :ـ يقول المقداد السيوري في كنز العرفان : الحصر في الاربع وعدم جواز الزائد في النكاح الدائم اجماعي ، وحتى المنقطع عند كثير من فقهائنا لقول النبي (ص) لغيلان لما اسلم وعنده عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن أي باقيهن ، ولقول الامام الصادق (ع) لايحل لماء الرجل ان يجري في أكثر من اربعة أرحام من الحرائر(2) . وبوسع القارئ ان يرجع لاي كتاب فقهي من كتب الامامية في باب النكاح ليرى ان هذه المسألة اجماعية عندهم ، ومع ذلك استمع الى بعض فقهاء المسلمين من اهل السنة الذين يجب ان يكونوا قدوة في الامانة والصدق :
أـ يقول ابن حزم في المحلى لم يختلف في انه لا يحل لاحد زواج أكثر من أربع نسوة : أحد من اهل الاسلام وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يحل لهم عقد الاسلام (3) .
ب ـ قال محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي : وأجاز الروافض تسعا من الحرائر ، ونقل عن النخعي وابن ابي ليلى ـ أي جواز التسع ـ وأجاز الخوارج ثماني عشرة ، وحكي عن بعض الناس اباحة اي عدد شاء بلا حصر :
وجه الاول : أنه بين العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع

(1) شرح اللمعة جـ2 ص73 .
(2) كنز العرفان جـ2 ص141 .
(3) المحلى لابن حزم جـ 6 ص441 .
هوية التشيع 199

والحاصل من ذلك تسع ، ووجه الثاني ذلك أن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرر على ما عرف في العربية ، فيصير الحاصل ثمانية عشر ، ووجه الثالث العمومات من نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، ولفظ مثنى وثلاث ورباع تعداد عرفي لاقيد ، كما يقال خذ من البحر ما شئت قربة أو قربتين أو ثلاثا ، ويخص الاولين تزوجه تسعا والاصل عدم الخصوصية الا بدليل ، الى اخر ما اورده ، ثم شرع يقدم أدلته على الحصر بأربع(1) .
وقد أتضح من قول ابن الهمام أمران : أولهما نسبة اباحة التسع للامامية وهو محض اختلاق ونتحدى من يذكر لنا مصدرا واحدا يقول بذلك من الشيعة ، وثانيهما ان هناك من أهل السنة من يقول باباحة التسع والاكثر كما نص عليه ، ابن الهمام نفسه .
جـ ـ يقول محمد أبو زهرة في الاحوال الشخصية : ان بعض الشيعة يجوز الزواج بتسع حرائر لان معنى قوله تعالى : « مثنى وثلاث ورباع » يعني أثنين وثلاثة وأربعة(2) وهذا من أبي زهرة كأمثال له كثيرة ، ان الرجل فيما أعرفه من مؤلفاته كثير التساهل فيما ينسبه للغير ، ولا يحتاط بالنقل وللمناقشة مكان غير هذا لان موارد تساهله كثيرة تحتاج الى جهد ومكان .
وبعد ماذكرته سأقدم لك الادلة على أن هذا الرأي عند أهل السنة وليس عند الشيعة كما مر عليك :
1- يقول الكاساني علاء الدين في البدائع : لايجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من الحرائر والاماء عند عامة العلماء ، وقال بعضهم : يباح له الجمع بين التسع ، وقال بعضهم : يباح له الجمع بين ثمانية عشر ، واحتجوا بظاهر قوله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء » الخ فالاولون قالوا انه ذكر هذه الاعداد بحرف الجمع وهو الواو وجملتها تسعة ، واستدلوا أيضا بفعل

(1) شرح فتح القدير جـ2 ص379 .
(2) الاحوال الشخصية ص 83 .
هوية التشيع 200

رسول الله وأنه تزوج تسع نسوة وهو قدوة الامة ، والاخرون قالوا ان المثنى ضعف الاثنين والثلاث ضعف الثلاثة ، والرباع ضعف الاربعة وجملتها ثمانية عشرة ، الى آخر ما ذكره وظاهر قوله ان هذه الاراء عند أهل السنة لانه لو كان للشيعة رأي هنا لنص عليه كعادته(1) .
2- يقول ابراهيم بن موسى الغرناطي الشاطبي صاحب الموافقات في كتابه الاعتصام : ثم ان بعض من نسب الى الفرق ممن حرف ـ من الحرفة ـ التأويل في كتاب الله تعالى أجاز نكاح أكثر من أربع نسوة اما اقتداء في زعمه بالنبي حيث أحل له أكثر من ذلك ولم يلتفت الى اجماع المسلمين ان ذلك خاص به ، واما تحريفا لقوله تعالى : « فانكحوا ما طاب » الخ فأجاز الجمع بين تسع نسوة في ذلك فأتى ببدعة أجراها في هذه الامة(2) وما ذكره الشاطبي هو عند السنة ولو كان عند الشيعة ، لنص عليه أولا ، وثانيا لتغيرت لهجته ، فان لهجة هذا الرجل مع الشيعة أترك لك نعتها بعد أن تسمعها فاسمع قوله : « قال : يحكى عن الشيعة ان النبي أسقط عن أهل بيته ومن دان بحبهم : جميع الاعمال ، وانهم غير مكلفين الا بما تطوعوا به ، وأن المحظورات مباحة لهم كالخنازير والزنا والخمر وسائر الفواحش ، وعندهم نساء يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الاجر ، وينكحون ما شأؤوا من الاخوات والبنات والامهات لا حرج عليهم ولا في تكثير النساء ، ومن هؤلاء العبيدية الذين ملكوا مصر وأفريقية ومما يحكى عنهم في ذلك أن يكون للمرأة ثلاثة أزواج وأكثر في بيت واحد يستولدونها وتنسب الولد لكل واحد منهم » انتهى وقد عقب عليه الناشر بالحاشية بقوله : انما يريد بعض فرق الشيعة الباطنية المارقين عن الاسلام(3) اني أدعو القارئ ليضع يده على انفه لئلا يشم هذه الجيف ، وبعد ذلك أعقب على قوله بما يلي :

1) بدائع الصنائع جـ7 ص65 .
(2) الاعتصام جـ2 ص44 .
(3) الاعتصام جـ2 ص44
هوية التشيع 201

اولا :ـ ان العبيدين وغيرههم ليسوا من الشيعة الامامية وان كنت أعتقد جازما عدم صحة مانسبه اليهم قياسا على ما نسبه لغيرهم وهو غير صحيح .
ثانيا :ـ لسنا الذين نبيح نكاح المحارم وحكم من يقع على احدى محارمه عندنا القتل فراجع اي كتاب من كتب فقه الشيعة باب الحدود ، وانما يقول الامام ابو حنيفة من عقد على امه أو اخته او بنته ، عالما عامدا ودخل بها فلا يقام عليه الحد وانما يعزر لان العقد أورث شبهة(1) .
اذا فلسنا نحن الذين نتساهل في الاعتداء على المحارم كما اننا لانريد التهريج على ابي حنيفة بل نرى رأيه هنا خطأ في تطبيق معنى الشبهة هنا على هذا العقد . ولان المحارم ليست محلا للعقد .
ثالثا :ـ أنا اسال الله تعالى ان يجعل حصيلة هذا القول في ميزان الشاطبي يوم يلقاه وسوف يساله عن ذلك لانه تعالى يقول : « ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره » 7و8 من سورة الزلزال ، وأنا انما اطلت الكلام في هذه المسألة وهي من البديهيات تقريبا حتى أوقفك على مدى أمانة بعض الناس ، ولست أدري بماذا يتعلل هؤلاء وحولهم كتب الشيعة تملاء المكتبات فهل ذكروا لنا كتابا واحدا يفتي باباحة لحم الخنزير أو شرب الخمر ان الذي يقول بذلك غيرنا اذا احببت فراجع تفسير قوله تعالى :« ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ان في ذلك لاية لقوم يعقلون » النحل /67 في تفاسير اهل السنة لترى رأي الامام أبي حنيفة حول النبيذ فرأيه معروف ، ودعني أذكر لك فتوى واحدة من فتاواه توضح لك رأيه في هذا الموضوع يقول أبو زهرة في كتابه فلسفة العقوبة :
والسبب في تساهل أبي حنيفة في موضوع بعض المسكرات هو انه ثبت بالرواية عنده ان بعض الصحابة تناول بعض هذه الاشربة ، فامتنع عن تحريمها حتى لا يتهم الصحابة بالمعصية وقال في ذلك : لو غرقوني في الفرات لاقول انها

(1) بدائع الصنائع جـ7 ص35 .
هوية التشيع 202

حرام مافعلت ، حتى لا افسق بعض الصحابة ولو غرقوني في الفرات على ان أتناول قطرة منها ما فعلت ، فالامر بالنسبة لابي حنيفة احتياط لكرامة الصحابة واحتياط لدينه(1) ولست افهم معنى الاحتياط هنا فان الحرام حرام على الصحابة وغيرهم ، ان استنتاج أبي زهرة لا يقبل بحال من الاحوال وصدق في تسمية كتابه فلسفة العقوبة فهو فلسفة غير ذات معنى أحيانا .
3- الرأي الثالث الذي يدل على ان الجمع بين اكثر من اربع عند غير الشيعة ما ذكره ابن قدامة في المغني معلقا على قول المتن :
وليس للحر ان يجمع بين أكثر من أربع زوجات أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحدا خالفه الا شيئا يحكى عن ابن القاسم بن ابراهيم انه اباح تسعا لقوله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم » الخ والواو للجمع ، ولان النبي (ص) مات عن تسع ، وهذا ليس بشيء لانه خرق وترك للسنة ، فان رسول الله قال لغيلان بن سلمة حين اسلم وتحته عشرة نسوة : أمسك أربعا وفارق سائرهن(2) ومن ذلك يظهر ان لا قول للشيعة في المسألة فما أدري من اين جاء من ينسب هذا القول للشيعة بهذا القول .
لقد أصبح هذا الخلط من الشاطبي وغيره زادا دسما للمستشرقين الذين أخذوا يؤكدون على ان الشيعة والصوفية يسقطون الشريعة ويحلون المحارم عند وصول الحقيقة ، والخ (3) .

النموذج الثاني : الشك بالنبوة

واذا كانت بعض الافتراءات على الشيعة قيلت ثم ماتت واندثرت ، وبعضها قيلت ولكنها لم تشتهر كما هو الحال في النموذج الاول الذي ذكرناه ، فان

(1) فلسفة العقوبة لابي زهرة ص183 .
2) المغني لابن قدامة جـ 6 ص439 .
(3) الحضارة الاسلامية لادم متز جـ2 ص30 .
هوية التشيع 203

هذ الفرية التي سأذكرها تعيش فعلا وقد سئلت عنها حيثما ذهبت ، وبالرغم مما شرحته لمن سألني في انها كاذبة ، فأني أعتقد انها لم تمسح من أذهانهم ، فان ما يشب عليه الانسان ليس من السهل الخلاص منه ان هذه المسألة هي : ان الشيعة يعتقدون ان الوحي أراده الله تعالى لعلي بن ابي طالب ولكن جبرئيل خان أو أخطأ فذهب بالوحي الى النبي ، هذا ملخص الفرية المنسوبة للشيعة ولقد وضعت هذه الفرية على لسان الشعبي عامر بن شراحيل في مقالة سبق ان ذكرت مقطعا منها وبينت كذب مضمونها ، والان اذكر لك صدر الكلمة وما يتصل بموضوعنا منها فقد ذكر ابن شاهين عمر بن أحمد في كتابه اللطف في السنة ، كما ذكره ابن تيمية في منهاج السنة ، قال : حدثنا محمد بن أبي القاسم بن هارون حدثنا أحمد بن الوليد الواسطي ، حدثني جعفر بن نصير الطوسي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه قال : قال لي الشعبي : احذركم أهل هذه الاهواء المضلة وشرها الرافضة ، لم يدخلوا في الاسلام رغبة ولا رهبة ، الى ان قال : واليهود تبغض جبرئيل ويقولون هو عدونا من الملائكة ، وكذلك الرافضة يقولون غلط جبرئيل بالوحي على محمد الخ (1) ان هذه الصورة التي وضعت على لسان الشعبي : أخذها ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل فنسبها لفرقة من الغلاة سماهم الغرابية : لانهم قالوا ان عليا أشبه بمحمد من الغراب بالغراب ، ولذلك غلط جبرئيل بالوحي فذهب به لمحمد وهو مبعوث لعلي ولا لوم عليه لانه اشتبه ، وبعضهم شتمه وقال بل تعمد ذلك ، هكذا رواه ابن حزم (2) في حين ذهب الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين الى انهم قالوا غلط ولم يتعمد (3) وقد عرفت ان منشأ الرواية الشعبي ونظرا لاهمية الموضوع فسأناقش هذه الرواية وأذكر لك سخفها وان الذين وضعوها لم يتفطنوا الى ما فيها من ثغرات :
أ ـ أول ما يقال في هذه الرواية ان الشعبي عندما كان يقارن بين اليهود

(1) منهاج السنة جـ1 ص16 .
(2) الفصل بين الملل والنحل جـ4 ص183 .
(3) أعتقادات فرق المسلمين ص59 .
هوية التشيع 204

والشيعة يسمي الشيعة بالرافضة ، وهذا اللقب الذي نبز به الشيعة وفندناه سابقا ، ذكر مؤرخو السنة انه عرف في اخر أيام زيد بن علي عندما طلب منه أفراد جيشه البراءة من الخليفتين فأبى فرفضه قوم منهم سموا بالرافضة هذه هي رواية هذا اللقب وهذه الواقعة كانت سنة مقتل زيد أي 124 هـجرية في حين ان الشعبي ولد سنة عشرين أو ثلاثين على رواية اخرى من الهجرة فالفرق بين وجوده والرواية سبعة عشر سنة لانه مات سنة مائة وخمس من الهجرة ، فأما ان يكون لفظ الرافضة ورد قبل هذا وهو ما لا تقول به رواياتهم او ان القصة مخترعة وهو الاصح(1) .
ب ـ ان رجال سند هذه الرواية بين متهم مثل عبد الرحمن بن مالك بن مغول فقد قالت عنه كتب التراجم بانه ضعيف ، وكذاب ، ووضاع ، ويقول عنه الدارقطني متروك ، ويقول عنه أبو داوود كذاب وضاع ، ويقول عنه النسائي ليس بثقة (2) .
وبين مجهول : كمحمد الباهلي ولم أجد لمحمد هذا اي ذكر في لسان الميزان وتاريخ بغداد وغيرهما .
جـ ـ سبق ان ذكرنا ان الشعبي يرمى بالتشيع وقد نص على تشيعه كل من ابن اسعد والشهرستاني ولا يعقل ان يقول شيعي هذا القول .
دـ وعلى فرض صحة جميع هذه المقدمات فمن هم هؤلاء الغرابية وكم عددهم وأين مكانهم وهل لهم من وجود خارجي ، أغلب الظن انهم من المقلع الذي نحت منه عبد الله بن سبأ خلقتهم نفس الاهداف التي خلقته .
هـ ـان الذي يدعي نبوة شخص فلا بد ان يكون هذا النبي منصوبا من رب وهنا يقال ان هذا الرب الذي أرسل رسوله لنبيه كان يعلم ان هذا الرسول مغفل لا يفرق بين من ارسل اليه وغيره ام لا فاذا كان لايعلم فهو لا

(1) راجع ترجمة الشعبي وفيات الاعيان جـ1 ص266 .
(2) لسان الميزان جـ ص427 .
هوية التشيع 205

يصلح للالوهية واذا كان يعلم وأرسله مع علمه فأي رب هذا الذي يرسل من لا ينفذ أوامره أو انه متواطىء مع جبرئيل فلا اشكال حينئذ . و ـ أوليس القران الكريم يقول عن جبرئيل : « مطاع ثم أمين » التكوير /21 .ويقول عن النبي (ص) : « ولكن رسول الله وخاتم النبيين » الاحزاب / 40 . والشيعة مسلمون يقرؤون القران آناء الليل وأطراف النهار فكيف لا يفهمون ذلك ، ألهم الا يقال كما قيل : انهم يرون القران محرفا ، وقد فندنا هذا القول بما اوردناه من نصوص ان من الثابت عند المسلمين قول النبي (ص) لا نبي بعدي والمسلمون سمعوا منه ذلك .
ز ـ كل من له المام بالتاريخ يعلم مدى طاعة الامام علي (ع) للنبي (ص) وجهاده بين يديه فكيف يجتمع ذلك مع علمه بأنه أخذ منه الرسالة الا ان يقال انه لا يعلم ان الرسالة هي له .
حـ ـ ان مصدر التشريع الاول والاساس هو القران الكريم عند كل فرق المسلمين ومنهم الشيعة فاذا نزل القران على مغفل وبيد خائن فأي ثقة تبقى به بعد ذلك .
ط ـ الا تكفي الاف المنائر والمساجد عند الشيعة والتي تصرح ليل نهار أشهد ان محمدا رسول الله للتدليل على ان هذه القصة فرية مفتعلة كأخواتها .
ي ـ ان كتب عقائد وفقه الشيعة تملأ الدنيا فهل يوجد في كتاب واحد منها ما يشير الى هذه الفرية ونرضى بأن يكون حتى من المخرفين ممن نراهم عند فئة أخرى . اننا نطالب بمصدر واحد اعتمد عليه هؤلاء في نقل ما نقلوه . واذا كان العوام يتلقون أقوال رجال فكرهم بالقبول مهما كانت فما بال المثقفين يعيشون نفس العقلية وما فائدة العلم اذا اذا لم يقوم تفكير الانسان ، والى كم يبقى المسلمون يجترون ما ادخل الى أمعائهم يوما ما ، ليت هؤلاء يصارحونا بأن لهم مصالح في بقاء هذه المهازل اذا لارحوا الاجيال ولكانوا صادقين مع انفسهم كما صنع مروان ابن الحكم في لحظة من لحظات استيقاظ ضميره وقد سئل عن موقف الامام علي (ع)

هوية التشيع 206

من عثمان بالثورة فقال : ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي فقيل له : ما لكم تسبونه على المنابر ؟ فقال : لا يستقيم لنا الامر الا بذلك(1) . ويبدو ان بعض الناس لا يصدق ان هذه الافتراءات لا اساس لها لان تصديقه بذلك فيه تبرئة للروافض ومعناه ترك بعض الناس بدون عمل ، على اني لا اشك ان كثيرا من الناس لا مصلحة لهم في امثال هذه التهم ولكن ليس من السهل التخلص من محتوى نفسي نشأ معهم خلال أدوار العمر ولكن ذلك لا يبرر الاصرار على الخطأ .
ك ـ ان الله تعالى يقول « وما ارسلنا من قبلك الا رجالا » وعلي عند البعثة طفل ابن سبع سنين فالاية تنص على ان النبوة لا تكون الا لرجل .
وفي ختام هذا الفصل يحسن بنا الاشارة الى ما كتبه جهابذة الشيعة في كتب العقائد عن النبوة وشخص النبي الكريم (ص) في كتب العقائد وانا الفت النظر الى عقائد الصدوق وأوائل المقالات للمفيد ، والشريف المرتضى في تنزيه الانبياء وغيرهم وأكتفي بفقرتين :
الاولى : يقول السيد محسن الامين العاملي :
ان من شك في نبوة النبي وجعل له شريكا في النبوة فهو خارج عن دين الاسلام(2) .
الثانية : يقول الرضا المظفر في عقائد الامامية .
نعتقد ان صاحب الرسالة الاسلامية هو محمد بن عبد الله وهو خاتم النبيين وسيد المرسلين ، وأفضلهم على الاطلاق كما انه سيد البشر جميعا لايوازيه فاضل في فضل ولا يدانيه أحد في مكرمة ، وانه لعلى خلق عظيم(3) .

(1) الصواعق المحرقةلابن حجر ص53 .
(2) أعيان الشيعة جـ1 ص92 .
(3) عقائد الامامية ص64 .
هوية التشيع 207

النموذج الثالث : رمي التشيع بالشعوبية

والشعوبية لغة : جمع شعوبي نسبة للشعب ، وقد تطلق ويراد بها النزعة العدائية للعرب ، وهي بالاطلاق الثاني مصدر صناعي ، والشعوبي في اطلاق آخر هو الذي يسوي بين العربي وغيره ولا يفضل العربي وقد اشتق هذا الاسم من الاية الكريمة « يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم » الحجرات /13. وذلك لان المسلمين من غير العرب دعوا الى التسوية وكانت هذه الاية من شعاراتهم ، ومن شعاراتهم الحديث النبوي الشريف لافضل لعربي على أعجمي كلكم لادم وآدم من تراب ، ثم توسع العرب فأطلقوا لفظ الشعوبي على من يحقر العرب وتوسعوا بعد ذلك فأطلقوه على الزنديق والملحد ، معتبرين الزندقة والالحاد مظهرا ينم على كره العرب لانه كره لدينهم ، ثم أطلق بعد ذلك على الموالي .
أسباب نشوء الشعوبية :


تنقسم الاسباب الى قسمين :
القسم الاول :


فعل والثاني رد فعل ، وهذا الاخير أعني ردة الفعل : ملخصة كانوا في الجاهلية ممزقين لاتجمعهم جامعة ، وكانت الدولة لغيرهم ، فجاء الاسلام ووحدهم وأوطأهم عروش كسرى وقيصر فنظر العرب فجأة فاذا بهم أمة عظيمة بيدها أكثر من سلاح تخافها الامم وينظر اليها الناس بأجلال باعتبارها المبشرة بالاسلام والحاملة لتعاليمه ، فنفخ ذلك فيهم روح الغرور وأخذوا يعاملون الشعوب التي افتتحوها معاملة فيها كثير من الغطرسة والصلف ولم يسووهم بهم ، ومنعوا الموالي من الزواج بالعربية وسموا من يولد من زواج كهذا

السابق السابق الفهرس التالي التالي