هوية التشيع 178

نرى كثيرا من المظاهر السلوكية سواء كانت مظاهر دينية ام لا تشترك بها شعوب دون ان تصدر عن علة واحدة . خذ مثلا ظاهرة تقديم القرابين فهي عند معتنقي الاديان السماوية شعيرة أمر بها الدين بهدف التوسعة على الفقراء والمعوزين في حين نجدها عند بعض الشعوب بهدف اتقاء سخط الالهة ، وعند البعض الاخر لطرد الارواح الشريرة وعند البعض الاخر تقدم الضحايا من البشر بهدف استدرار الخير كما هو عند قدماء المصريين ، فلم تكن العلة واحدة عند الشعوب كما ترى ، اذا فمن الممكن ان تكون فكرة الامام المهدي ليست عملية تعويض أو تنفيس وأنما هي فكرة تستهدف وضع نصب يظل شاخصا دائما يذكر الناس بان الظالم قد يمهل ولكنه لا يهمل لان الناس اذا تقاعسوا عن طلب حقوقهم فان السماء لا تسكت بل لابد من الانتقام على يد مخلص ، مع ملاحظة ان الاصل في مثل هذه الحالات ان يتصدى الناس لتقويم الاعوجاج ولذلك يقول الله تعالى :« ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد / 12 فاذا غلب عليهم التخاذل فان الله تعالى لا يهمل امر عباده ولذلك تشير الاية وهي قوله تعالى : « حتى اذا استأيس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين » يوسف /110 وقد حام المفسرون حول هذا المعنى الذي ذكرناه عند تفسيرهم للاية المذكورة (1)وذكروا ان السماء تتدخل عندما يطول البلاء وتشتد الحالة ويهلع الناس الى حد اليأس .
2- الشق الثاني :


الذين ربطوا فكرة الامام (ع) بالاخذ التقليدي وقالوا انها عبارة عن اقتباس أخذه المسلمون عن بعض الشعوب من دون ان يكون هناك عامل شعوري مشترك وسواء اخذت هذه العقيدة من هذا الشعب أو ذاك فان جولد تسيهر ، وفان فلوتن : المستشرقان قالا انها مقتبسة من اليهود بشكل وباخر ، ويؤكد فان فلوتن انها جاءت من تنبؤات كعب الاحبار ووهب بن منبه فهي من
(1) صفوة البيان لمخلوق جـ 1 ص397 ، ومجمع البيان للطبرسي جـ3 ص271 .
هوية التشيع 179

الافكار الاسرائيلية التي نشرت بين المسلمين(1). في حين يذهب أحمد الكسروي الى انها مقتبسة من الفرس حيث يقول :
لا يخفى أن قدماء الفرس كانوا يعتقدون باله خير يسمى يزدن ، واله شر يسمى أهريمن ، ويزعمون انهما لا يزالان يحكمان الارض حتى يقوم ساوشيانت ابن زرادشت النبي ، فيغلب اهريمن ويصير العالم مهدا للخير وقد تأصل عندهم هذا المعتقد فلما ظهر الاسلام وفتح المسلمون العراق وايران واختلطوا بالايرانيين سرى ذلك المعتقد منهم الى المسلمين ونشأ بينهم بسرعة غريبة ولسنا على بينة من امر كلمة المهدي من وضعها ومتى وضعت . انتهى بتلخيص(2) . ان هذا الرأي لا يستحق المناقشة في الواقع لاسباب كثيرة منها : افتراضه تساهل المسلمين بحيث يعتقدون بأمور لا يعرفون مصدرها ومنها عدم وجود صلة بين فكرة الهي خير وشر وفكرة مخلص ، ومنها ان حجم مسألة المهدوية ليس بهذه البساطة فالفكرة من الفكر الكبيرة الحجم بالعقيدة الدينية .
3- الشق الثالث :


ربط فكرة المهدي بالفكر الوضعي في بعده السياسي ويقول اصحاب هذه الفكرة ان فكرة المهدي اخترعها بعض الحكام الذين حكموا ولم تتوفر فيهم صفات يفترضها المسلمون في الحاكم ، فافترضوا ان هناك اماما غائبا محررا سيظهر بعد ذلك وقد عهد اليهم بالقيام بالحكم الى ان يظهروا وقالوا ان المختار الثقفي ممن سلك هذا الطريق وادعى انه منصوب من قبل المهدي من آل محمد ، وممن اكد هذا الري المستشرق وات(3)وهذا الرأي يضع الاثر مكان المؤثر فان الذين اتخذوا من فكرة المهدي سنادا لهم على فرض وجودهم بهذه الكثرة : لابد ان تكون فكرة المهدي شائعة عند الناس قبل مجيئهم فاستفادوا منها وركبوا ظهر العقيدة ، على ان نسبة هذا الرأي للمختار بأعتباره جزاءا من العقيدة الكيسانية

(1) نظرية الامامة ص339 .
(2) التشيع والشيعة ص35 .
(3) تاريخ الامامية وأسلافهم ص165 .
هوية التشيع 180

فنده كثير من المحققين ، وحتى مع فرض صحته يبقى متأخرا عن وجود عقيدة المهدي كما ذكرنا . وليس للمختار تلك المكانة الكبيرة عند فرق المسلمين حتى يأخذوا عنه ويتأثروا بآرائه مع التفات المسلمين لهدفه .

عقيدة المسلمين بالمهدي

ان فكرة الامام المهدي في نطاق العقيدة الدينية بغض النظر عن تفاصيلها موضع اتفاق جمهور المسلمين فان روايات المهدي وانتظار الفرج على يديه وظهوره ليملأ الارض عدلا وردت عند كل من الشيعة والسنة ، وممن رواها من أئمة السنة :
الامام أحمد في مسنده ، والترمذي في سننه ، وأبو داوود في سننه ، وابن ماجة في سننه ، والحاكم في مستدركه ، والكنجي الشافعي في كتابه اليبان في اخبار صاحب الزمان وابن حجر العسقلاني في القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في اخبار الامام المنتظر ، وأحمد بن عبد الله أبو نعيم صاحب الحلية في نعت المهدي ، ومحمد بن ابراهيم الحموي في مشكاة المصابيح ، والسمهودي في جواهر العقدين وعشرات من أعلام السنة وغيرهم (1) لا اريد الاطالة بذكرهم .
وقد أخرج أئمة السنة أحاديث المهدي عن طريق الامام علي (ع) وابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وابي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وام سلمة ، وغيرهم .
ومن تلك الاحاديث ما رواه ابن عمر بسنده عن النبي (ص) : يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملاء الارض عدلا كما ملئت جورا ، ذلك هو المهدي ، وكقول النبي (ص) : المهدي من عترتي من ولد فاطمة ، وقد صحح هذه الاحاديث وغيرها مما ورد في الامام المهدي : ابن تيمية

(1) راجع أعيان الشيعة جـ4 ص348 .
هوية التشيع 181

مستندا الى مسند الامام أحمد بن حنبل وصحيح الترمذي ، وسنن أبي داوود(1).
وقد ذهب ابن حجر تبعا للنصوص الى تكفير منكر المهدي فقد اجاب في الفتاوى الحديثة حين سئل عمن ينكرون خروج المهدي المنتظر فقال : فهؤلاء المنكرون للمهدي الموعود به آخر الزمان وقد ورد في حديث عن ابي بكر الاسكافي ان النبي (ص) قال : من كذب بالدجال فقد كفر ، ومن كذب بالمهدي فقد كفر ، الى ان قال : ونملي عليك من الاحاديث المصرحة بتكذيب هؤلاء وتضليلهم وتفسيقهم ما فيه مقنع وكفاية لمن تدبره : أخرج أبو نعيم أنه (ص) قال : يخرج المهدي وعلى رأسه عمامة ومعه مناد ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه ، ثم أخذ يورد الاحاديث الواردة في المهدي(2). هذه بعض المأثورات السنية في الامام المهدي ، أما الشيعة فرواياتهم في موضوع الامام المهدي بكل جوانبه كثيرة واردة عن النبي (ص) وأهل بيته ، وقد ألفوا في ذلك كتبا كثيرة استوفت وغطت كل التساؤلات حول موضوع الامام المهدي : مثل كتاب الغيبة لمحمد بن ابراهيم النعماني ، وكمال الدين وتمام النعمة لمحمد بن علي بن بابويه القمي ، وكتاب الغيبة لمحمد بن الحسن الطوسي (3)وغيرهم كثير وقد تناولها فكتب بالمهدي كل من الصدوق في علل الشرائع ، والمرتضى في تنزيه الانبياء والمجلسي في البحار والمفيد في الفصول ، وفي الارشاد ومن المتأخرين كتب عشرات المؤلفين بالمهدي وأشبعوا الموضوع . وقد استعرضوا الادلة في موضوع المهدي وأذكر من أدلتهم دليلين فقط :
1- فمن الادلة العقلية التي اوردها دليل اللطف ومفاد هذا الدليل : ان العقل يحكم بوجوب اللطف على الله تعالى وهو فعل ما يقرب الى الطاعة ويبعد عن المعصية ويوجب ازاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل الى حد الالجاء لئلا يكون للناس على الله حجة فكما ان العقل حاكم بوجوب ارسال الرسل وبعثة

(1) نظرية الامامة ص405 .
(2) الامام الصادق جـ6 ص146 .
(3) أعيان الشيعة جـ4 ص388 .
هوية التشيع 182

الانبياء ليبينوا للناس ما اراد الله منهم وللحكم بينهم بالعدل : كذلك يجب نصب الامام ليقوم مقامهم تحقيقا لنفس العلة ، فان الله لا يخلي الارض من حجة ، وليس زمان بأولى من زمان في ذلك ، الى اخر ما أوردوه .
2- أما من الادلة النقلية فذكروا ما يلي : قال الله تعالى «وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم » فقد فسرت هذه الاية كما عن الامام الصادق (ع) بخروج المهدي وتحقيق هذه الاشياءعلى يديه (1)وقد قيل ان لسان حال هذه الاية عام يشير الى تحقيق هذه الامور على ايدي المسلمين فأجابوا أن القرائن تفيد ان هذه الامور لم تتحقق على النحو الذي ذكرته هذه الاية من مجيء الاسلام حتى يومنا هذا ، ووعد الله لابد من تحقيقه ، وتلك قرينة على تحققه في المستقبل ، يضاف لذلك ان من أساليب القرآن الكريم أن يعبر عن الخاص بصيغة العام وعن المفرد بالجمع في كثير من الموارد ، ولذلك قال الفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى : « يايها الذين امنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم » الخ المائدة : /57 .
قال : انها في أبي بكر بقرينة أنه هو الذي قاتل المرتدين مع ان لسان الاية عام(2) ، ومن الاحاديث التي استدل بها الشيعة في موضوع المهدي ما رواه الطوسي في الغيبة عن النبي (ص) : لا تذهب الدنيا حتى يلي امتي رجل من اهل بيتي يقال له المهدي (3)، هذه فكرة موجزة أردت بها الاشارة الى اجماع المسلمين على موضوع المهدي . وحينئذ لايبقى قيمة لاقوال المهرجين الذين يريدون ابعاد الفكرة عن الاسلام غير عابئين بما ورد فيها من اثار ونصوص ، واذا كانت البعض قد استغل الفكرة عبر التاريخ فما ذلك بموجب لنكرانها ورمي من يعتقد بها

(1) أعيان الشيعة جـ 4 ص389 .
(2) تفسير الرازي جـ 3 ص416 .
(3) أعيان الشيعة جـ 4 ص390 .
هوية التشيع 183

بالتخريف ، وما أسهل نفي فكرة اذا كانت لا تلتقي مع مصلحة شخص أو كان يجهلها . على انني لا أصحح جميع ما احاط بها من ذيول بل لابد من الاقتصار على ماتثبت صحته بالطرق المعتبرة ويجدر بالبعض ان يبتعد عن التهريج الذي يصل ببعضهم الى القول :
ما آن للسرداب ان يلد الذي صيرتموه بزعمكم انسانا
فعلى عقولكم العفاء لانكم ثلثتموا العنقاء والغيلانا

ان هؤلاء تسرعوا فقالوا بما لا يعرفون واننا نقول لامثال هؤلاء سلاما كما امر القرآن الكريم .

المردود الايجابي في عقيدة المهدي

بقي ان نعرف ما هي حصيلة عقيدتنا بوجود المهدي فان تقييم مثل هذه الامور يصحح كثيرا من التصورات الخاطئة عن امثال هذه العقائد خصوصا اذا عرفنا ان العقائد فواعل بالنفوس .
1- المردود الاول :


فأول المردودات الايجابية بهذه العقيدة حصول الامتثال لامر الله تعالى بهذه العقيدة ككل العقائد ، فان المفروض ان النصوص تحتم الايمان بها كما ذكرنا اراء العلماء بذلك .
2- المردود الثاني :


الشعور بقيام الحجة على العباد لله تعالى بوجود الامام اذ لو حصلت الكفاية بغيره لما حصل الخلاف بين المسلمين ، فان قيل ان الخلاف حاصل بالفعل قيل : ان ذلك ناتج من عدم الالتزام بأمامته ، بالاضافة الى الشعور بالتسديد في اراء العلماء لوجود الامام بين أظهرهم وان لم يعرفوه .

هوية التشيع 184

3- المردود الثالث :


في وجود المهدي لطف يقرب العباد الى الله تعالى لشعورهم بان الله تعالى يهيئ لاقامة العدل ورفع الظلم ، فان قيل ان رفع الظلم يجب ان يحدث بالاسباب الطبيعية من قبل الناس : قيل ان ذلك صحيح ولكن اذا تهاونوا بذلك فلا بد أن يدافع الله تعالى عن الذين آمنوا ، فان قيل ذلك ان ذلك يحصل بالاخرة ، قيل ان مثل ذلك كمثل اقامة الحدود في الدنيا مع ان المجرم لا يترك بالاخرة . هذه بعض الفوائد في موضوع الامام المهدي وليست هي علة تامة بل حكمة ونحن نتعبد بما ورد في النصوص ، وهناك فوائد اخرى ذكرتها المطولات وغطت أبعاد المسألة يمكن الرجوع اليها .

المردود السلبي في عقيدة المهدي

1- المردود الاول :


ان أول المردودات السلبية أن هذه الفكرة تشل الانسان وتمنعه عن القيام بواجباته وتخدر الانسان وتتركه خائفا ذليلا بانتظار ظهور الامام ليأخذ له بحقه ، وقد صور بعضهم شدة لهفة الشيعة لانتظار ظهور الامام بان قسم من الشيعة لا يصلون مخافة ان يخرج الامام وهم مشغولون بالصلاة فلا يستطيعون اللحاق به(1)وهذا التصور مردود جملة وتفصيلا فلا أحتاج الى اكثار القول فيه بل الفت النظر الى كتب فقه الامامية فان الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الدفاع عن النفس قائم بالفعل ولا يرتبط بالمهدي من قريب أو بعيد ومن ادعى خلاف ذلك فليدلنا على المصدر ، أما الدعاوى الفارغة والقول البذيء فمردود على القائل وهو به اولى ، ومن قفا مؤمنا بما ليس فيه حسبه الله تعالى في ردغة الخبال ، كما يقول الحديث النبوي الشريف(2).

(1) منهاج السنة لابن تيمية جـ 1 ص29 .
(2) تفسير الفخر الرازي عند قوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم» الخ .
هوية التشيع 185

2- المردود الثاني :


ان الايمان بفكرة المهدي يؤدي الى الازدراء بالعقل لما في ذلك من مفارقات مثل طول العمر غير المعتاد ، وغيبته عن الابصار ، وعدم وجود فائدة في امام كهذا وغير ذلك . والجواب على ذلك بالاختصار : ان الشيعة لايجعلون بقاءه هذه المدة أمرا طبيعيا وانما هو معجزة لانهم يقولون لما ثبت بالادلة وجوده وغيبته والوعد بظهوره فلا بد والحالة هذه من الايمان بذلك بالاضافة لعدم خلو الزمان من امام مفترض الطاعة ، وبناءا على ان وجوده معجزة ينقل حينئذ الكلام الى المعجزات ككل فأما أن تصدق أو تكذب واذا كذبناها كذبنا الثابت في الاسلام أما أنه لايرى فليس بمعلوم بل يجوز أن يرى ولا يعرف ويستفاد بآرائه لانه يشترك مع الناس بالارآء ويلقي بالرأي الصحيح ، يبقى الكلام على عدم تعليل اختفائه ، وما اكثر العقائد والاحكام التي لا نجد لها علة ونقول بمضمونها مثل رمي الجمرات في الحج ، والهرولة ، ومعاقلة المرأة الرجل الى ثلث الدية وأعداد ركعات الصلاة وهكذا . فانها كلها أحكام غير معللة بل معظم الاحكام هكذا ، وكذلك كثير من العقائد .
3- المردود الثالث :


الازدواجية التي تحصل من وجود امام تجب طاعته و لايحكم واخر يحكم ولا تجب طاعته ، والجواب ان فقهاء الامامية بالجملة في حال غيبة الامام يقرون حكومة الحاكم العادل الذي يرعى مصالح المسلمين ويحمي ثغورهم ويجاهد عدوهم ويرتبون المشروعية على تصرفاته بالجملة .
أما بعد فهذه المامة موجزة بفكرة الامام المهدي أردت ان اذكر من يكتبون عنها فيصورون الشيعة كانهم اقتبسوا أحكامهم من كسرى وقيصر مع وفرة ما أوردناه من أحاديث حول فكرة المهدي فهل يسع مسلما يؤمن بالله . نكرانها أورميها بعيدا عن الاسلام ، اللهم الا ان يقال ان احاديث المهدي دسها الشيعة في كتب السنة كما قيل ذلك في موارد أخر فان بعضهم أذا لزمته الحجة بحديث قال ذلك ،

هوية التشيع 186

وعليه يجب ان نرمي كل كتب التراث بالبحر اذا كانت قابلة لهذا التصور ولا يبقى بها ثقة ارضاء لسواد عيون بعض من لا يروق له الاذعان للحق ويربطه أن يتأصل الخلاف بين المسلمين اننا مدعوون الى حمل شعار القرآن : « ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون » الانبياء /92 وما أروع ايماءة القرآن بالامر للامة بعباد الله عقب ذكر وحدة الامة ففي الاية أشارة الى ان كثيرا من الناس يعز عليهم وحدة الامة لان مصلحتهم المادية في فرقتها ولان أصناما من العصبية في رؤوسهم يعبدونها وقد أمرهم الله تعالى بنبذها وعبادته وحده لانه وحد الامة وصهرها بكلمة التوحيد .

التقية وأحكامها

ومما ألصق بالشيعة وأصبح لا يتخلف عنهم عندما يخطرون في الذهن وكانه عضو منهم خاصة دون باقي المسلمين : التقية ، والذي ساعد على ذلك ان التشيع انفرد على مدى تاريخه بالتعرض الى ضغط يفوق الوصف لانه يشكل جبهة المعارضة في وقت لا معنى للمعارضة الا العداء وليس كما تعطيه لفظة المعارضة من مدلول في الوقت الحاضر ، وكان اعتياديا ان يتعرضوا الى مطاردة وتنكيل ، وكان لابد من المحافظة على انفسهم من الابادة التامة فلجئوا الى التقية باعتبارها وسيلة يقرها الدين للاحتماء بها عند الضرورةورووا لها سندها من الكتاب والسنة وكان من الاولى ان يمدحوا على ذلك لانهم استعملوا ما امر به الشارع لحفظ النفس عند الخطر ، ولئلا يعرضوا الى أحد أمرين اما الابادة ، أو الانهيار ، والارتماء في احضان الضالمين كما فعل غيرهم ممن آوى الى فراش الحكم والحكام يرتع في موائدهم ويعيش في حمايتهم ويتكلف الادلة لتصبح آراؤهم منسجمة مع الشرع ، كما قال ابن خلكان في ترجمة أبي يوسف القاضي : قال ان زبيدة زوجة الرشيد كتبت الى أبي يوسف القاضي ما ترى في كذا ، وأحب الاشياء الي ان يكون الحق فيه كذا فأفتاها بما أحبت فبعثت اليه بحق فضة فيه حقائق فضة

هوية التشيع 187

مطبقات في كل واحد لون من الطيب وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير والخ(1).
وقد كان للشيعة مندوحة عن كل ما عانوه من الجور والظلم بشيء من مجاراة الحكام ولكنهم أبوا ذلك وتصلبوا من أجل مبادئهم الا في حالات شاذة .
على ان هناك ظاهرة ألفت النظر اليها : وهي ان الشيعة منذ تعرضوا للضغط عاشت عندهم التقية على مستوى الفتاوى ولم تعش على المستوى العملي بل كانوا عمليا من اكثر الناس تضحية وبوسع كل باحث أن يرجع الى مواقف الشيعة مع معاوية وغيره من حكام الامويين وحكام العباسيين كحجر بن عدي وميثم التمار ورشيد الهجري وكميل بن زياد ومئات غيرهم وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية .
وبعد هذا فان القول بالتقية لم ينفرد به الشيعة بل هم في ذلك كسائر المسلمين وذلك واضح من آراء المسلمين عند شرحهم للايات الكريمة والاحاديث الواردة في هذا الخصوص . فمن الايات الكريمة التي وردت في هذا الموضوع قوله تعالى : « لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير» آل عمران / 28 وقوله تعالى : « الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان » النحل /106 .
أما الاحاديث فمنها ما ذكره البخاري في صحيحه كتاب الادب باب المداراة مع الناس عن النبي (ص) انا لنكشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم(2).
وكقوله : رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه(3)ذكر ذلك ابن العربي عند تفسيره للاية 106 من سورة النحل ، وكقول النبي (ص) :

(1) وفيات الاعيان جـ2 ص465 .
(2) البخاري جـ4 ص43 .
(3) أحكام القران لابن العربي ص1166 تسلسل عام .
هوية التشيع 188

لمحمد بن مسلمة ومن معه لما أرسلهم لقتل كعب بن الاشرف فقالوا : يارسول الله أتاذن لنا ان ننال منك ؟ فأذن لهم (1)وقد انقسم المسلمون في مفاد هذه النصوص ودلالتها على التقية الى اقسام قال بعضهم بجوازها بالقول دون الفعل ، وعممها بعضهم الى الفعل ، واختلفوا في وجوبها مطلقا ، أو جوازها مطلقا أو التفصيل فتجب في بعض الموارد وتجوز في أخرى وسأذكر لك في الفصل القادم آراء بعض فقهاء المسلمين لاخذ صورة عن الموضوع وذلك بعد مدخل بسيط لصلب الموضوع :
تعريف التقية


عرف المفسرون التقية بأنها : « اخفاء المعتقد خوفا من ضرر هالك ، ومعاشرة ظاهرة مع العدو المخالف والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء ، وانتظار زوال المانع من شق العصا » (2).وعرفها الشيخ المفيد في كتابه أوائل المقالات بأنها : « كتمان الحق وستر الاعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدنيا والدين » (3)والمؤدى واحد في كل من التعريفين .
وبعد تعريف التقية أعود الى أراء فقهاء المذاهب الاسلامية في أحكام التقية المختلفة .
أقوال فرق المسلمين فيها


1- المعتزلة :


أجاز المعتزلة التقية عند الخطر المهلك وعند خوف تلف النفس وفي ذلك يقول أبو الهذيل العلاف : ان المكره اذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله ان يكذب ويكون وزر الكذب موضوعا عنه(4).

(1) المصدر السابق جـ2 ص 1257 .
(2) دراسات في الفرق والعقائد ص 54.
(3) اوائل المقالات ص66.
(4) الانتصار للخياط 8 ص128 .
هوية التشيع 189

2 ـ الخوارج :


انقسم الخوارج حول التقية الى ثلاثة اقسام ، فقسم وهم الازارقة اتباع نافع بن الازرق منعوا التقية ونددوا بمن يعمل بها بشدة وكفروا القاعدين عن الثورة بوجه الظلم والظالمين ، وفي ذلك يقول نافع بن الازرق : التقية لاتحل والقعود عن القتال كفر واضح لقوله تعالى : « اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله » الخ النساء /77 . ولقوله تعالى : « يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم » المائدة /55 . والقسم الثاني وهم النجدات اتباع نجدة بن عويمر فقد اجازوا التقية في القول والعمل ولو ادى ذلك الى قتل النفس التي حرم الله .
والقسم الثالث وهم الصفرية اتباع زياد بن الاصفر فكانوا وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء فأجازوها في القول دون الفعل ، كما نص على ذلك عنهم الشهرستاني (1)وادلتهم قابلة للمناقشة ولست بصدد ذلك .
3ـ اهل السنة :


التقية عند السنة بالاجماع جائزة في القول دون العمل ، ويذهب بعضهم الى الوجوب فيقول بوجوبها في بعض الحالات ومنهم الغزالي حيث يقول في ذلك : ان عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان القصد سفك دم مسلم فالكذب فيه واجب (2)وقد اقتصر بعضهم على الرخصة بالتقية اذا كان المسلم بين كفار يخافهم على نفسه او ماله ومن هؤلاء القائلين بالرخصة الرازي المفسر والطبري كذلك في تفسيريهما عند قوله تعالى :« الا ان تتقوا منهم تقاة (3)» بينما ذهب قسم آخر من العلماء الى ان التقية متعينة ليست بين الكفار فقط بل حتى اذا كان المسلم بين مسلمين شابهت حالهم الحال مع الكافرين اي في حال عدم قدرة المسلم على

(1) الملل والنحل هامش الفصل ج 4 ص 68 . (2) أحياء العلوم جـ3 ص119 .
(3) تفسير الطبري جـ3 ص229 ، وتفسير الرازي عند تفسير الاية المذكورة .
هوية التشيع 190

اظهار عقيدته المذهبية بين مسلمين من فرق أخرى وممن ذهب لهذا الرأي الامام الشافعي وابن حزم الظاهري(1).
وحكم التقية كباقي الاحكام باق الى يوم القيامة خلافا لمن قصره على ايام ضعف الاسلام وفي ذلك يقول الفقهاء :
انها جائزة للمسلم الى يوم القيامة ، مستندين الى قول النبي (ص) لعمار ابن ياسر لما قال النبي (ص) ما تركوني حتى نلت منك فقال له : ان عادوا فعد لهم بما قلت ، ذكر ذلك البيضاوي في تفسيره للاية 106 من سورة النحل فراجعه .
4- رأي الشيعة بالتقية :


لا يختلف الشيعة عن السنة في القول بالتقية فانها عندهم وسيلة أرشد اليها الشرع لحفظ النفوس الواجب حفظها ، وحفظ باقي الامور التي أمر الشرع بحفظها هذا كل هدف التقية عندهم لاغير ، وليس كما يقول البعض ان الشيعة اتخذوا من التقية اداة للختل والمراوغة والازدواجية ولاجل المؤسسات السرية الهدامة(2).
والتقية عند الشيعة تختلف باختلاف المقام فقد تكون واجبة وقد تكون مباحة وقد تكون محرمة ، ولذلك تجد عبارات فقهاء الشيعة فقد ذكرت الحالات الثلاثة يقول ابن بابويه القمي :اعتقادنا في التقية : أنها واجبة وأن من تركها فكأنما ترك فرضا لازما كالصلاة ، ومن تركها قبل ظهور المهدي فقد خرج عن دين الله ودين نبيه والائمة ، بينما يقول الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان :
التقية جائزة عند الخوف على النفس وقد تجوز في حال دونه عند الخوف على المال ولضروب من الاستصلاح ، وأقول انها قد تجب أحيانا من غير وجوب وأقول انها جائزة في الاقوال كلها عند الضرورة وليس تجوز في الافعال في قتل المؤمنين وما

(1) المحلى لابن حزم جـ8 ص335 ، والمسألة 1408 .
(2) ضحى الاسلام جـ3 ص246 .
هوية التشيع 191

يغلب انه استفاد في الدين(1).
بينما يقول فقيه شيعي معاصر : وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر وليس هي واجبة على كل حال بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الاحوال كما اذا كان في اظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للاسلام وجهاد في سبيله فانه عند ذلك يستهان بالاموال فانه عند ذلك يستهان بالاموال ولا تعز النفوس ، وقد تحرم التقية في الاعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة ، أو رواجا للباطل ، أو فسادا في الدين ، أو ضررا بالغا على المسلمين بأضلالهم أو افشاء الظلم والجور فيهم ، الى ان قال : ان عقيدتنا في التقية قد استغلها من اراد التشيع على الامامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم وكأنهم لا يشفى غليلهم الا ان تقدم رقابهم ـ أي رقاب الشيعة ـ الى السيوف لأستئصالهم(2).
ومن هذه المقتطفات التي ذكرتها يتضح ان التقية تتبع الحالات والظروف وتكون محلا للاحكام المذكورة تبعا لاختلاف العناوين ، وقد سبق ان ذكرنا استدلالات الشيعة للتقية من الكتاب والسنة ، ولذلك كان الامام الصادق (ع) يقول : « التقية ديني ودين ابائي » وخصوصافي عصره حيث كانت السيوف هي اللغة الوحيدة ، وقد حاول بعضهم ان يفلسف من موقف الامام الصادق ومواقف الشيعة في التقية بان التقية علاج لأمرين :
أ ـ هو ان سكوت ائمة اهل البيت عن المطالبة بحقهم والتصدي للظالمين من ناحية ، ومن ناحية اخرى ان المفروض انهم الائمة المفترضة طاعتهم ، ان ذلك يشكل تناقضا لا مخرج منه الا التقية ، قال بذلك كل من الرازي في كتابه محصل اراء المتقدمين والمتأخرين والملطي في كتابه التنبيه والرد عن اهل الاهواء والبدع (3).

(1) أوائل المقالات 97 .
(2) عقائد الامامية للمظفر ص87 .
(3) التنبيه والرد بحث التقية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي