هوية التشيع 163

أما مناشئ الغلو فابرزها وأهممها في نظرنا أربعة مناشئ هي على التوالي :
أ- المنشأ الاول :


ان يغالي الانسان بشخص أو فكرة ليتخذ من ذلك مبررا لاختياره الانتماء لهذه الفكرة او الشخص فكانه يريد مرجحا امام الناس ومبررا نفسيا ويتبلور هذا المعنى اكثر واكثر في العقيدة بالاشخاص فان الاتباع يحاولون رفع من يعتقدون به الى مستويات غير عادية وهذا المعنى موجود على الصعيد الديني والسياسي ، فقد وصف هوبز الحاكم بأنه المعبر عن ارادة الله وارادة الشعب ، ومنحه السلطة المطلقة في التصرف ، ولم يعط الشعب حق عزله واعتبر ارادته من ارادة الله تعالى ، وقد ذهب فلاسفة الالمان نفس المذهب فيما خلعوه على الحاكم من صفات ، وأشدهم في ذلك : هيكل استاذ ماركس ، فالملك عند هيكل صاحب السلطة المطلقة ، وله مركز مستقل عن مصالح الافراد وتتمثل في شخصيته الذات النهائية وهو مجموع الشعب مشخص في واحد ، وهو وهو الخ .وقد سبق هؤلاء جميعا أفلاطون حين أعطى الحاكم منازل مقدسة ، وكذلك الفارابي حيث صور رئيس المدينة بأنه متصل بالعقل الفعال حيث يقترب من الله تعالى (1) .
ان كل هذه المواقف تبرير لاعتناق الفكرة بنحو واخر بوجود تصور معين .
ب- المنشأ الثاني للغلو :


رد الفعل فان البعض قد يضطهد من اجل معتقداته ، وقد ينتقص أو يشتم أو يهزأ به فيدفعه كل ذلك الى المغالاة بدافع رد الفعل ، ولهذا رأينا القران الكريم في مثل هذه المواطن أخذ العوامل النفسية بعين الاعتبار اذ يقول تعالى : « ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم » 108 / الانعام . وهذه المسألة لها تطبيقات على ابعاد التأريخ في كثير من الموارد ، ومن هنا ذهب دونالدسن : الى ان القول بالعصمة هو رد فعل من الخلفاء الغاصبين وهو

(1) نظرية الامامة ص135 فصاعدا .
هوية التشيع 164

واهم بذلك (1) .
وقد كان لردة الفعل دور كبير في تاريخ المسلمين وعقائدهم يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند معالجة كثير من المواقف وتقييم النصوص في مختلف الميادين .
ج- المنشأ الثالث :


هو الغلو الذي ينشأ من الطيبة والبراءة وحسن الظن بالاخرين فيركن الى مروياتهم من دون تمحيص خصوصا من الذين اندسوا في الاسلام لسبب واخر وأرادوا تغطية حقيقتهم فتحمسوا تحمسا مشبوها لاشخاص أو افكار ، وهذا المنشأ : الحديث فيه طويل فان كثيرا من المندسين لعبوا دورا بارزا في تسجيل نظريات ومواقف تنزع الى الغلو حتى أفسدوا على كثير من المسلمين عقائدهم لمختلف الاهداف التي كانت تدفعهم وقد كان لكل مذهب من المذاهب حصة من هؤلاء تكثر أو تقل تبعا لظروف المذهب نفسه وربما يمر علينا هذا المعنى مفصلا فيما يأتي
د- المنشأ الرابع عدم الدقة :


فقد يبتلى بعضهم بشبهات نتيجة فهم خاطئ ، أو تعميم غير مبرر علميا كأن يرى رأيا لشخص من طائفة فيعمم رأيه على الطائفة كلها ، وقد تذهب جماعة الى رأي ثم تبيد ويبقى الرأي فيأتي من يحمل الرأي للاخرين ، قد يكون استنتاجا لرأي من لازم من لوازم القول لم يتفطن له صاحب القول نفسه ، وقد يكون نتيجة خطأ في تطبيق ضابط من الظوابط الكلية على بعض الجزيئات وهكذا ، ولذا لابد من التروي والحذر الشديد عند الكتابة عن فئة او طائفة ، ولا بد من اخذ رأيها من مصادرها المتسالم عليها ، فاذا كان بعض الشيعة في يوم من الايام غالى بالامام علي لقلعه باب خيبر فليس كل الشيعة كذلك واذا كان شخص قال لعلي وهو يخطب أنت أنت فليس كل الشيعة كذلك .

(1) عقيدة الشيعة لدونالدسن ص228 .
هوية التشيع 165

موقفنا من الغلو والغلاة

وبعد شرح مناشئ الغلو أو اهمها نقول : ان الشيعة تبعا لمواقف أئمتهم وقفوا موقفا حازما من الغلو والغلاة فسلطوا عليهم الاضواء وتبرأوا منهم وكافحوهم وشهروا بهم ، وهم بذلك لا يتعدون موقف امير المؤمنين (ع) حينما يقول : « هلك في اثنان محب غال وعدو قال » وموقف الامام الصادق (ع) حينما يقول : « ما نحن الا عبيد الذي خلقنا واصطفانا ، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة ، وانا لميتون وموقوفون ، ومسؤلون ، من احب الغلاة فقد ابغضنا ، ومن ابغضهم فقد احبنا ، الغلاة كفار والمفوضة مشركون ، لعن الله الغلاة الا كانوا نصارى الا كانوا قدرية الا كانوا مرجئة الا كانوا حرورية » (1) .
والامامية لا يورثون الغلاة واليك نص عباراتهم في ذلك : يرث المحق من المسلمين من مبطلهم ومبطلهم من محقهم ومبطلهم ، الا الغلاة يرث منهم المسلمون وهم لا يرثون المسلمين كما ان الامامية لا يغسلون موتى الغلاة ولا يدفنونهم ويحرمون تزويجهم واعطائهم الزكاة ، وتجد هذه الاحكام موزعة في كتب فقه الامامية في ابواب الطهارة والزكاة والارث ، ان الامامية لا يعتبرون الغلاة مسلمين :
يقول الشهيدان الاول والثاني في اللمعة وشرحها في باب الوقف ! عند تعريف المسلمين : والمسلمون من صلى الى القبلة أي اعتقد الصلاة اليها وان لم يصل لا مستحلا ، الا الخوارج والغلاة فلا يدخلون في مفهوم المسلمين وان صلوا اليها للحكم بكفرهم (2) والحقا بهم المشبهة والمجسمة في الحكم ، بل ان

(1) بحار الانوار للمجلسي جـ3 ص51 .
(2) اللمعة الدمشقية جـ 1 ص228 طبع ايران .
هوية التشيع 166

الامام الصادق (ع) يعتبر الجلوس الى الغالي وتصديقه بحديثه مخرجا من الايمان كما روى ذلك المفضل بن يزيد قال : قال لي ابو عبد الله الصادق وقد ذكر أصحاب ابي الخطاب والغلاة : « لا تقاعدوهم ولا تؤاكلوهم ولاتشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم » وقال الصادق لمرازم أحد اصحابه : « قل للغالية توبوا الى الله فانكم فساق مشركون » (1) .

آراء بعض الباحثين

وانطلاقا من ذلك يقول الشيخ المفيد : الغلاة من المتظاهرين بالاسلام وهم الذين نسبوا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وذريته الى الالوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا الى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد فهم ضلال كفار(2) .
ولا احتاج الى حشد النصوص والادلة من براءة الشيعة من الغلاة وأي موقف أشد صراحة من هذه المواقف التي ذكرتها .ولا يسع مؤمنا يؤمن بالله ورسوله ويصدر عن تعاليم الاسلام في سلوكه ثم ينزع الى الغلو في عقيدة أو بشر الا من ضرب الله على بصيرته . ولاجل وضوح موقف الشيعة من الغلاة انطلقت الاصوات الموضوعية تشهد ببرائتهم من ذلك ، ومن هذه الاصوات : مؤلفوا دائرة المعارف الاسلامية فقد جاء في دائرة المعارف :
الزيدية والامامية الذين يؤلفون المذهب الوسط يحاربون الشيعة الحلوليين حربا شعواء ـ الحلولي لا نعتبره من الشيعة كما مر ـ ويعتبرونهم غلاة يسيئون الى المذهب بل يعتبرونهم مارقين عن الاسلام(3) .
ويقول الدكتور أحمد محمود في نظرية الامامة عند ذكره للبابية والبهائية :

(1) الامام الصادق لاسد حيدر جـ 4 ص150 .
(2) شرح عقائد الصدوق للشيخ المفيد باب الغلاة .
(3) دائرة المعارف الاسلامية جـ14 ص63 .
هوية التشيع 167

وفي البابية آراء غالية جعلت منها مذهبا منشقا تماما عن الاسلام ، واتفق علماء الازهر في مصر وعلماء الشيعة في العراق وايران على تكفير البابية والبهائية وأغلق المحفل البهائي في مصر(1) . وقد استعرض الدكتور أحمد امين حركة الغلاة فقال : أن افرادا بسطاء هم الغلاة الذين يؤلهون عليا وان الشيعة تبرأ منهم ولايجوز عندهم الصلاة عليهم (2) .هذه امثلة بسيطة في موضوع الغلو والغلاة أضعها امام الذين دأبوا على رمي الشيعة بالغلو ولست أنفي أن يكون بعض من شمله اسم الشيعة بمعنى انتمائه الى الفئة التي تفضل عليا أو قل للتشيع بمعناه اللغوي قد نسبت له اراء وأقوال تفيد الغلو وقد بادوا وبادت معهم آراؤهم ولا يوجد اليوم منهم أحد الا في بطون الكتب ومن ذلك ماذكره البغدادي في الفرق بين الفرق حيث قال : الامامية من الرافضة هم خمسة عشرة فرقة هي : الكاملية ، والمحمدية ، الباقرية ، والناووسية ، والشمطية ، والعمارية ، والاسماعيلية ،المباركية ، والموسوية ، والقطعية ، والاثنا عشرية ، والهشامية ، والزرارية ، واليونسية ، والشيطانية ،(3) وتعقيبا على قول البغدادي نذكر ان الامامية هم الاثنا عشرية وهم جمهور الشيعة اليوم ولا يوجد من الشيعة غيرهم وغير الزيدية والاسماعيلية في هذه الاونة ، ثم ان الاثني عشرية الذين هم مدار بحثنا يمتازون عن غيرهم بعقائدهم ولا يصح ان تنسب اليهم اراء غيرهم لانه يجمعه معهم الاسم وشيء اخر هو ان من ذكرهم البغدادي قد يمثلون لكل فرقة ذكرها بضعة أفراد ليس الا ، وهذا اللون من الخبط والتساهل تعلمنا أن نرى مثله كثيرا في كتاب الفرق لأبن طاهر وغيره خذ مثلا ما يقول ابن طاهر في كتابه الفرق بين الفرق عن جابر بن يزيد الجعفي يقول :
جابر بن يزيد الجعفي من المحمدية وهم أصحاب محمد بن عبد الله بن الحسن ينتظرون ظهوره وكان يقول برجعة الاموات الى الدنيا قبل القيامة(4) .

(1) نظرية الامامة ص436 هامش .
(2) فجر الاسلام ص2371 .
(3) الفرق بين الفرق ص53 .
(4) الفرق بين الفرق ص44 .
هوية التشيع 168

ولم يكن جابر من اتباع محمد بن عبد الله بن الحسن ، ولا كان يقول برجعة مطلق الاموات وانما كان يقول برجعة بعض اهل البيت لروايات سمعها ليس الا ، وهكذا يكون التحقيق عند امثال ابن طاهر من الكتاب كأن مسألة العقائد أمر بهذه السهولة بحيث ينسب للناس ما لم يقولوه ويرجعهم الى فئة ليسوا منها .
واعود ملوضوع الغلاة فأقول قد اتضح للقارئ موقف الشيعة من الغلاة ولكن مع ذلك تجد باحثا كالزبيدي صاحب تاج العروس يعرف الامامية في كتابه التاج فيقول : الامامية هم فرقة من غلاة الشيعة(1) ، وتجد الدكتور محمود حلمي في كتابه تطور المجتمع الاسلامي العربي يقول : وقد سموا بالشيعة لانهم شايعوا عليا وقدموه على سائر أصحاب رسول الله (ص) واستشهد اهل الشيعة بنصوص من القرآن الكريم فسروها على حسب نظريتهم وغالى بعض الشيعة في تبرير أحقية علي بن ابي طالب وأضفى عليه بعض صفات التقديس والالوهية(3) انك لتستغرب لهجة هؤلاء الكتاب خصوصا بعض كتاب مصر فانهم يصورون الشيعة كانهم اناس لا ايمان لهم ولا دين يتلاعبون بالنصوص من دون رقيب من الله تعالى ولا ضوابط من علم وخلق ، وانهم والله اولى بذلك ، والا فما الدليل على ما ذكره محمود حلمي وهذه كتب الامامية بين يديه فليدلنا على مكان تنسب فيه الشيعة الحلول والالوهية الى علي وسوف لا يجد ذلك قطعا انهم يصدرون فيما يقولون عن عدم شعور بالمسؤولية : « كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولوا الا كذبا » الكهف / 5 والانكى من ذلك أن تجد من تأثر بهؤلاء الكتاب من قريب أو من بعيد وهو من الشيعة وتراه يكتب بنفس الاسلوب ورحم الله من يقول :
وظلم ذوي القربى أ شد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

يقول الدكتور كامل مصطفى في كتابه : وبذلك يتبين أن الغلاة وان كانوا مغضوبا عليهم من الشيعة المعتدلين وأئمتهم : قد أسسوا العقائد الاصلية للتشيع

(1) تاج العروس ج8 ص194 .
(2) تطور الجتمع الاسلامي ص48 .
هوية التشيع 169

من بداء ، ورجعة ، وعصمة وعلم لدني بحيث صارت مبادئ رسمية للتشيع فيما بعد ولكن على صورة ملطفة انتهى ، وظهر لي ان الدكتور كامل اخذ ذلك من تصريح ابن نوف وهو احد اصحاب المختار وهو قد اخذها من المختار (1) وأعيد الى الذاكرة ان العقائد قد أخذها الشيعة من القران والسنة كما برهنا عليه فيما مر ، ثم لو قدر أن ابن نوف هذا او المختار قد قالا قولا خاصا بهما فما ذنب الشيعة ومن هو ابن نوف حتى يمثل الشيعة ؟! واذا كان الدكتور كامل يعترف بأن الغلاة مغضوب عليهم من الشيعة وأئمتهم فكيف تأخذ الشيعة منهم وهي انما غضبت عليهم لغلوهم اذا كانت هذه العقائد من الغلو وهو ليس منه في شيئ ، أليس هذا هو التناقض بعينه ؟ واذا كنا نعذر حلمي وأمثاله لانهم لم يأخذونا من مصادرنا فما عذر مثل كامل الشيبي وهو من الشيعة ويعيش بين مصادرهم .وليس هذا بالاستنتاج الوحيد من الدكتور كامل الذي لا نقره عليه بل له استنتاجات كثيرة من هذا النوع ومنها : انه عندما استعرض مصادر القول بالرجعة عند الشيعة ذكر ان من مصادرها كلمات الامام علي (ع) وردت في نهج البلاغة عندما اظفره الله تعالى بأصحاب الجمل وقال له بعض أصحابه : وددت أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على اعدائك فقال له أمير المؤمنين (ع) : أهوى أخيك معنا ؟ قال : نعم ، قال : فقد شهدنا ، ولعل الامام يشير الى الاية : « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياء عند ربهم يرزقون » 169 / آل عمران . ولكن الخبر يتوجه الى الرجعة بكل ما فيها من عبرة وعمق بل ان بقية الخبر تنفذ الى أغوار بعيدة من فلسفة الرجعة وحكمتها فان الامام يقول :
ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمن ويقوى بهم الايمان ، ومن ذلك يبدو ان عليا لا يكتفي بتقرير عودة الماضين في الجهاد ليقطفوا ثمرة جهادهم بل ان يقرر ان المجاهدين الاتين يحضرون هذا النصر ، ليزيد من ايديهم ويربط على قلوبهم وتلك أمور فيها من

(1) الصلة بين التصوف والتشيع ـ فصل الغلاة .
هوية التشيع 170

الافلاطونية القديمة والحديثة مدخل كبير انتهى كلامه(1).
وأنا اضع هذا النص بين يدي القارئ ليرى ما هو مقدار الصواب من هذه الاستنتاجات التي اوردها الدكتور والاثار التي رتبها عليها والاكتشافات الافلاطونية التي ذكرها ، وأعقب على ذلك بما يلي :
اولا :اذا كان هذا النص واردا في الرجعة فمعنى هذا ان الامام عليا (ع) هو الذي وضع عقيدة الرجعة وليس الغلاة كما يقول الدكتور كامل . ثانيا :ان هذا النص وبكل بساطة أجنبي كما ذكره الدكتور ولا صلة له بالمرة بالمعاني التي ذكرها وكل ما في الامر ان هذا النص يفيد معنى الرواية « من احب عمل قوم حشر معهم وشاركهم في عملهم » ولذلك سأل الامام علي (ع) الرجل عن هوى اخيه هل هو مع امير المؤمنين (ع) وأصحابه فلما أجابه بنعم قال : « لقد شهدنا » اي انه شاركنا بمشاعره ثم قال له الامام : ان جميع من سيرعف بهم الزمان وهم على رأينا سيشاركوننا بعد ذلك بحصول الثواب والفرح بالنصر ، وكم لهذا الموضوع من نظائر ، ومن ذلك ما رواه مؤرخو واقعة الطف حيث قالوا : ان جابر بن عبد الله زار الحسين (ع) بعد قتله فقال في الزيارة : « اشهد انا شاركناكم فيما انتم فيه » فقال له رفيقه الاعمش : ان القوم قطعت رؤسهم وجاهدوا حتى قتلوا فكيف شاركناهم نحن فيما هم فيه ؟ فقال له جابر : ان نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحاب الحسين ذكر ذلك أصحاب المزارات كافة ، هذا هو معنى كلام الامام علي (ع) لا كما ذهب اليه الدكتور .

أين موضوع الغلو

أعود بعد ذلك لاضع بين يدي الاستاذ فرغل بعض روايات من مئات من نوعها تدله على موضوع الغلو ليعلم ان الغلو عند غير الشيعة ، وعلى أسوأ

(1) الصلة بين التصوف والتشيع ص114 .
هوية التشيع 171

الفروض فان عند السنة أضعاف ما عند الشيعة ، وسأبدأ معه من الخلافة وأتسلسل معه .
1- الشاهد الاول :


ذكر الشيخ ابراهيم العبيدي المالكي في كتابه عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق قال روي ان النبي (ص) قال يوما لعائشة : ان الله لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة مرة واربعين مرة ـ مع ملاحظة ان حجم الشمس كما يقول الفلكيون مليون وثلاثمائة الف مرة تقريبا - وجعلها على عجلة وخلق للعجلة ثمانمائة عروة وستين عروة وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الاحمر ، وأمر ستين ألفا من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي اختصهم الله بها ، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تجول في القبة الخضراء وتجلو جمالها على اهل الغبراء وفي كل يوم تقف على خط الاستواء فوق الكعبة لانها مركز الارض: ـ ملاحظة : خط الاستواء ليس فوق الكعبة ـ وتقول يا ملائكة ربي اني لاستحيي من الله عز وجل اذا وصلت الى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المسلمين أن اجوز عليها والملائكة تجر الشمس لتعبر الكعبة ، بكل قوتها فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها فالله تعالى يوحي الى الملائكة ومن الالهام فينادون : أيتها الشمس بحرمة الرجل الذي اسمه منقوش على وجهك المنير الا رجعت الى ما كنت عليه فيه من السير ، فاذا سمعت ذلك تحركت بقدرة المالك فقالت عائشة :
يا رسول الله من الرجل الذي اسمه منقوش عليها ؟
قال : هو ابو بكر الصديق يا عائشة قبل ان يخلق الله العالم علم بعلمه القديم انه يخلق الهواء ويخلق على الهواء هذه السماء ويخلق بحرا من الماء ويخلق عليه عجلة مركبا للشمس المشرقة على الدنيا وان الشمس تتمرد على الملائكة اذا وصلت الاستواء وان الله قدر ان يخلق في اخر الزمان نبيا مفضلا على الانبياء وهو بعلك يا عائشة على رغم الاعداء ونقش على وجه الشمس اسم وزيره أعني أبا بكر صديق

هوية التشيع 172

المصطفى فاذا اقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس وعادت الى سيرها بقدرة المولى وكذلك اذا مر العاصي من امتي على نار جهنم وأرادت النار ان تهجم على المؤمن فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسانه ترجع النار الى ورائها هاربة(1).
2- الشاهد الثاني :


ذكر محمد بن عبد الله الجرذاني في مصباح الظلام قال : روي عن ابن عباس جاء جبريل وقال يا محمد اقرأعمر السلام وأخبره أن رضاه عز ، وغضبه حلم ، وليبك الاسلام بعد موتك على موت عمر فقال : يا جبرئيل أخبرني عن فضائل عمر وماله عند الله تعالى ؟ فقال : يا محمد لو جلست معك قدر ما لبث نوح لم أستطع أن اخبرك بفضائل عمر وماله عند الله تعالى (2).
3- الشاهد الثالث :


ذكر الامام أحمد في مسنده باسناده عن عائشة : ان ابا بكر استأذن على رسول الله (ص) وكان مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه وساقيه فاستاذن أبو بكر فاذن له وهو على تلك الحال فتحدث ، ثم استاذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله (ص) وسوى ثيابه ولما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهش له ولم تباله ، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله ، ثم دخل عثمان فجلس فجلست وسويت ثيابك فقال : الا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة(3).
هذه ثلاثة نماذج من عشرات من الروايات : التي يأباها الخلفاء أنفسهم فان لهم من مواقفهم ومناقبهم ما يكفيهم انهم ليسوا بحاجة الى ان تشاد لهم صروح من خيال أبله كما أن تاريخنا الاسلامي أعز علينا من ان نرضى بان تكون

(1) عمدة التحقيق ص184 .
(2) مصباح الظلام ج2 ص216 .
(3) مصباح الظلام جـ2 ص16 .
هوية التشيع 173

مادته من هذا التخريف ، فان لنا من محتويات تاريخنا الناصع ما هو محل اعتزاز الانسانية والحاقا بهذا اشفع لك هذه الروايات ببعض النماذج الاخرى التي خلقها التنافس بين المذاهب بدون ان يلتفت الى انه بذلك يحط من قيمة المذاهب كلها . يقول ابن الجوزي في كتابه الياقوتة : ان أبا حنيفة كان في حياته يعلم الخضر ولما مات اسف الخضر وناجى ربه وقال الهي ان كان لي عندك منزلة فأذن لابي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أتعلم شرع محمد علي الكمال فأحياه الله تعالى وتعلم منه العلم الى خمسة وعشرين سنة الخ(1). فمن هو الذي يقول بالرجعة يا مسلمون ؟
ويقول ابن الجوزي في كتاب المناقب عن علي بن اسماعيل قال : رأيت القيامة قد قامت وجاء الناس الى قنطرة ولا يترك أحد يجوز حتى يأتي بخاتم ورجل جالس ناحية يختم للناس ويعطيهم فقلت : من هذا ؟ قالوا : أحمد بن حنبل (2).
وبوسعك أن تقرأ روايات في الامام مالك وفي الامام الشافعي وفي كثير من الفقهاء والائمة مما نسج من الخيال ووضع في طريق القارئ يؤذي ذوقه ويخدش حدسه ، وبعد ذلك فماذا يسمى مثل هذا هل هذا غلو ام لا سؤال موجه للاستاذ فرغل ؟ . وسأقدم لفرغل نموذجا واحدا فقط يقول صاحب تفسير روح البيان:
عند تفسير قوله تعالى : « ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية » ان نصف الثمانية الذين ذكرتهم الاية هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، مايقول مولانا فرغل في ذلك ؟؟!!

(1) الامام الصادق لاسد حيدر جـ 5 ص117 .
(2) المصدر السابق جـ3 ص470 .
هوية التشيع 174

الفصل الخامس

من عقائدنا ـ المهدي

ما رأيت كاتبا كتب عن الشيعة الا واتخذ من عقيدتهم بالمهدي وسيلة للسخرية والتهريج ووضع للفكرة حواشي ورتب عليها لوازم وأشرع سلاحه وتفيهق بكلامه وصال وجال كانه اكتشف كشفا ضخما وانه وحده العبقري وان الاخرين بلهاء ، ولنر من اين جاءت فكرة المهدي وهل أخذها الشيعة من مصدر ديني سليم أم لا ؟ وهكذا نمشي مع الفكرة ، ان الذين كتبوا عن المهدي ربطوا مصدر هذه الفكرة بأمرين أحدهما الفكر الوضعي والاخر العقيدة الدينية ، والذين ربطوا العقيدة بالفكر الوضعي انقسموا أيضا . وسنذكر أقوالهم حسب الشق الذي مالوا اليه ورجحوا انه المصدر لهذه الفكرة :
1- القسم الاول :


الذين ربطوا فكرة الامام المهدي بالفكر الوضعي في بعده النفسي يرون ان عقيدة المهدوية ليست وقفا على الفكر الشيعي ولا على المسلمين فقط بل ولا على الديانات السماوية كلها انما هي على مستوى الشعوب ذلك ان العامل المشترك بين كل هذه الفئات هو عامل نفسي موحد : وهو الشعور بوضعية غير عادلة من حكم قائم بالفعل وخزين متراكم من حكام سابقين عاشوا مع شعوبهم على شكل قاهر ومقهور ، ومتسلط ومسحوق ، ورزحوا تحت نير الظلم والطغيان . ولذا كانت هذه العقيدة عند الشعوب الشرقية ونظائرها ممن يشترك

هوية التشيع 175

مع الشعوب الشرقية بأنه مسحوق ، وحيث ان بعض هذه الشعوب عنده عقيدة دينية تبشر بالمهدي أيضا : فان هذه العقيدة مهمتها تدعيم هذا العامل النفسي وخلق لون من المشروعية لهذه النزعة في نفوس الناس وهذا هو المعنى الذي عبر عنه برتراند رسل بقوله :
ليس السبب في تصديق كثير من المعتقدات الدينية الاستناد الى دليل قائم على صحة واقع كما هو الحال في العلم ، ولكنه الشعور بالراحة المستمد من التصديق فاذا كان الايمان بقضية معينة يحقق رغباتي فأنا أتمنى أن تكون هذه القضية صحيحة وبالتالي فأعتقد بصحتها(1).
اذا فالقدر الجامع بناءً على هذا هو الامل بظهور مخلص من واقع سيئ تعيشه الجماعة ، وفي ذلك يقول الدكتور أحمد محمود :
ان الاعتقاد بظهور مسيح أو انتظار رجعة مخلص وليد العقل الجمعي في مجتمعات تفكر تفكيرا ثيوقراطيا في شؤونها السياسية ، وبين شعوب قاست الظلم ورزحت تحت نير الطغيان ، سواء من حكامهم أم من غزاة أجانب ، فازاء استبداد الحاكم وفي ظل التفكير الديني تتعلق الامال بقيام مخلص أو محرر يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.(2) فهذه العقيدة بالرغم من وجود مصادر دينية لها عند المسلمين واليهود والمسيحيين الا ان هذه المصادر ليست هي العامل الاساسي في النظر هؤلاء بالاعتقاد بها ، وانما تلعب دورا مبررا ثانويا ، ويرى الدكتور أحمد محمود أن عقيدة السنة بالصبر على الظالم وعدم الخروج عليه عمقت نزعة المهدي وترك الوسط الديني السني الذي يعتقد بموضوع المهدي يعيش بين عامل الالم من الواقع الفاسد الذي عاشه أيام الامويين وما تلاها من عصور ، وبين ضرورة الخلاص ، فمال الى الخلاص في المدى الابعد الذي وجده في عقيدة المهدي وقد حاول اشراك

(1) نظرية الامامة ص420 .
(2) نفس المصدر السابق ص399 .
هوية التشيع 176

الشيعة في ذلك باعتبارهم صابرين على الظلم حيث قال :
ان هذه العقيدة لا يؤمن بها الا اولئك الذين يعانون صراعا نفسيا نتيجة السخط على تصرفات الحكام وعدم استحقاهم لقب الخلافة لفسقهم ، ونتيجة خضوعهم من ناحية ثانية للامر الواقع أما خشية الفتنة كما هو عند السنة ، الذين لا يرون الخروج على ائمة الجور استنادا الى ادلة عندهم ، أو نتيجة للتخاذل بسبب فشل كثير من الحركات الثورية كما هو عند الشيعة الذين يرون الصبر على الخلفاء تقية فعقيدة المهدي مخرج لهذا الصراع ، أما الفرق التي تجعل من اصول مبادئها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف كالخوارج والزيدية : فان هذه العقيدة عندهم غير ذات موضوع ، الى ان قال : ولذا لا تبلغ اهمية المهدي عند فرقة من الفرق كما تبلغ عند الشيعة الاثني عشر الذين يتطرف حكمهم على الخلفاء من ناحية كما يتطرف تحريمهم الخروج على الخلفاء من ناحية اخرى(1).هذا ملخص ما قاله الدكتور أحمد محمود ولنا على مضامين هذا الفصل الملاحظات التالية :
1- الملاحظة الاولى :


ان هذا خلط بين السبب وبعض نتائجه ذلك لان الشعوب المرتبطة بدين معين تربط مظاهرها العقائدية بدينها في الجملة ، فاذا لم يوجد مصدر ديني لذلك المظهر يبحث عندئذ عن سببه الاخر ، ولا شك ان الاديان الثلاثة بشرت بفكرة المخلص وهو اما واحد للجميع يوحد به الله تعالى الاديان في الخلاص من الظلم ، أو متعدد لكل امة من الامم مهديها ، والهدف منه ومن التبشير به ان يوضع امام كل امة مثل اعلى يجسد فكرة العدل ولتكون الشعوب على تماس مباشر مع الفكرة الخيرة والمثل الاعلى كما هو متصور فالاصل في فكرة المهدي النصوص الدينية ، وساعد على ترسيخها في النفوس ارتياح النفوس اليها ، خصوصا اذا لم تقو على تجسيد العدل لسبب ما . ولكنها اذ تتخذ من فكرة المهدي وسيلة تعويضية

(1) نظرية الامامة ص127 .
هوية التشيع 177

تمسخ الغرض الاصلي من فكرة المهدي وهو ان تكون حافزا يدفع الناس الى السعي الى دفع الظلم وفكرة قيام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا اذا كانت النصوص الدينية قائمة في تحميل الانسان مسؤولية الدفاع عن نفسه وعن مقدساته بغض النظر عن قيام المهدي وعدمه كما هو واقع التعاليم الدينية ، فلا ينبغي ان تتحول فكرة الامام المهدي من نصب مثل أعلى لاستشعار سبل ومناهج الحياة الكريمة الى مخدر يميت في النفوس نزعات التطلع ووثبات الرجولة ، أو من محفز الى منوم .
2- الملاحظة الثانية :


ان اشراك الشيعة مع السنة بانهم لا ينهضون ضد الظالم تقية مغالطة صريحة ، وذلك لان عامل صبر السنة على الظلم عامل اختياري نتيجة تمسك بأحاديث يرون صحتها في حين أن صبر الشيعة على الظلم نتيجة عامل قهري لعدم وجود قدرة ووسيلة للنهضة ، وهذا عامل عام عند كل الناس ، أما لو وجدت عوامل النهضة فلا ينتظر الشيعة خروج المهدي ليصلح لهم الامر بدليل ان حكم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطهما قائم عندهم فعلا ، وكذلك الجهاد بكل اقسامه بوجود نائب الامام الخاص أو العام في رأي بعضهم قائم بالفعل ، أما دفاع الظالم عن النفس والمقدسات فلا يشترط فيه وجود امام أو نائبه على رأي جمهور فقهاء الشيعة لانه دفاع عن النفس ويتعين القيام به في كل وقت من الاوقات(1).
ان الرجوع الى تاريخ الشيعة يشكل ادلة قائمة على ما ذكرناه لكثرة ثوراتهم على الباطل في مختلف العصور والجهاد مع باقي فرق المسلمين في ساحات الجهاد ضد الكفر والظلم ولست بحاجة للاطالة بذلك لوضوحه .
3- الملاحظة الثالثة :


لاينهض اشتراك الشعوب في عقيدة المهدي دليلا على وحدة العامل ، لاننا

(1) شرح اللمعة للشهيد الثاني جـ2 ص381 ، وكنز العرفان للمقداد جـ1 ص342 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي