|
|
مهجورة ، فماذا تكون نسبة مثل هؤلاء الى الامة حتى يسمون فرقة . هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى اذا كانت كل فرقة تؤاخذ برأي فرد شاذ منها ويسمى ذلك الشاذ فرقة فان كل فرقة يمكن ان تنقسم حينئذ الى الاف الفرق وسوف ينتهي الامر الى ان يعد كل فرد امة برأسه فلا يوجد شخص ليس له ما يمتاز به عن غيره في بعض الاراء السليمة ، اما الاراء الشاذة فما دامت لا تعد من الاراء السائدة والمتعارف عليها عند الفرقة فلا تعتبر من ارائها وقد بادت بعض الفرق ومع ذلك فلا تزال اراؤهم تلقى على بعض من يعيش اليوم مع انه بريء منها .
يتحتم على كل كاتب اذا اراد ان يكون لرأيه وزن ان يشعر بمسؤولية الكلمة لما يترتب على الكلمة من آثار ولوازم لها خطرها وفعلها في المجتمع ، فلا بد حين الكتابة من ان يعتمد على مصادر الفئة نفسها التي يكتب عنها على ان يكون ذلك المصدر أو الكتاب من الكتب المعتبرة عند الفئة والمتسالم عليها انها تمثل الفئة وتشكل محصل ارائهم وجماع مذهبهم كالصحاح عند السنة والصحاح عند الشيعة فيما تسالموا عليه من رواياتها واعترفوا بصحته لا كل ما يرد فيها فأن في كتب الصحاح عند الفريقين ما لا يعترف به(1) . كل ذلك مع اعتماد الموضوعية والبحث عن الحقيقة ، فضلا على ان يكتب الباحث عن فرقة ويكون مصدره في البحث عنها من مؤلفات خصومها ، وليت الخصوم الذين يستند اليهم ممن يعرف بالصدق والاستقامة ولكنهم يستندون الى اقوال من عرف بالوضع والافتعال وعدم التحرج فيرسلون رأيه ارسال المسلمات ويرتبون على كلامه كل اللوازم لتلك الكلمات . وهذا وضع من شأنه ان يسقط كل امثال هذه الكتب عن الاعتبار فمتى كان الكذب والوضع مصدرا عن احوال الناس والله تعالى نهانا عن تصديق الفاسقين .
|
|
(1) دراسات في الكافي والصحيح لهاشم معروف طبعة بيروت الاولى .
|
ان يكون الكتاب الذي يؤخذ مصدرا من الكتب ذات الاختصاص بموضوعه فلا يمكن اخذ رأي فقهي لبعض الفرق من كتاب ادب اوقصص ولاتؤخذ عقيدة فئة من ديوان شعر كما رأينا البعض يفعله فان لكل فرع من فروع المعرفة كتبا تختص به فينبغي الرجوع اليها اذا كنا نتوخى الدقةفيما نكتب والا فان ما نكتبه سوف لا يوصف بالعلمية .
ان الملاحظ ان كتب الادب عندنا تحفل بالاراء العقائدية والفقهية ويتخذها كثير من الكتاب مصدرا عما يكتبه من عقائد واحكام الفرق ، ولست اريد ان اقول ان جميع كتب الادب عندنا لا يعتمد عليها كلا ، وانما المقصود ان كتب ذات الاختصاص تكون ألصق بموضوعها وأكثر احاطة وبذلك توفر مصدرا موثوقا .
ان معالجات كتاب الفرق فيما يقومون به من تقييم للفرق هي معالجات غير علمية وذلك لان المفروض ان تكون العقائد والاحكام عند الفرق مصدرها واحدا من مصادر التشريع المعترف بها والتي تقرها الشريعة كالكتاب والسنة والاجماع وغيرها .فاذا ذهب الشيعة مثلا الى نظرية التعيين في الخلافة واوردوا دليلا من الكتاب او السنة فينبغي النظر دليلهم فاذا كان الدليل مستوفيا لشروط الصحة فيها والا نوقش الدليل علميا . لا ان يقال : ان الفرس يرون لملوكهم حقا الهيا بالحكم وبما ان الشيعة يقولون بالنص لا الشورى فهم قد اخذوا ذلك من الفرس ان مثل هذا المنطق لايصدر عن عقلية ناضجة فمتى كان مجرد الالتقاء مع الاخرين بنظرية معناه الاخذ منهم .ان الاسلام مثلا يذهب الى التأميم في حالات معينة اذا توقفت المصلحة العامة على ذلك والشيوعية تذهب الى التأميم فهل معنى ذلك ان الاسلام شيوعي أو الشيوعية اسلام لانها التقت مع الاسلام في موضوع معين . أني أطلب من قارىء الكتاب ان يعود الى كتب الفرق فاذا وجد
فيها منطقا غير هذا المنطق فليقل ما شاء ، ان معظم أدلة ابن حزم والشهرستاني وابن عبد ربه الاندلسي ومن لف لفهم من هذا النمط ، وبعضهم يصدر فتاوى بدون دليل وبدون شبهة من دليل وانما هي مجرد استحسان انقدح في نفسه فأراد ان يدونه بدون مسؤولية . ودعني اضرب لك مثلا واحد ذلك هو ان المستشرق ولهوزن ذكر ان اصل الشيعة يهودي ، واستند في ذلك الى قول نسب للشعبي وقد نقله أصحاب كتب الفرق كابن حزم والشهرستاني وابن عبد ربه الاندلسي والقول المنسوب للشعبي هو :
قال الشعبي احذرك الاهواء المضلة : شرها الرافضة فانها يهود هذه الامة يبغضون الاسلام كما يبغض اليهود النصرانية ولم يدخلوا الاسلام رغبة ولا رهبة من الله ان محبة الرافضة محبة اليهود قالت اليهود لايكون الملك الا في ال داود وقالت الرافضة لا يكون الملك الا في ال علي ، وقالت اليهود لايكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح ، وقالت الرافضة لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي ، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم وكذلك الرافضة انتهى بتلخيص(1) .
هذه القصة استعرضها الدكتور عرفان عبد الحميد في كتابه دراسات في الفرق وعقب عليها ناقدا ومزيفا بالامور التالية :
اولا : ان العقد الفريد وتاريخ الطبري هي كتب ادب وتاريخ وليست كتب عقائد .
وثانيا : ان الطبري استند في هذه الرواية الى سيف بن عمر وهو كذاب
|
|
(1) العقد الفريد جـ2 ص409 .
|
متهم بالوضع وقد نصت على كذبه كتب الجرح والتعديل ولم تأخذ بأقواله في شيء .
ثالثا : : ان الشعبي نفسه متهم بالتشيع فلا يصدر منه مثل هذا القول وانما اختاروه فوضعوا على لسانه هذه القصة وقد عده ابن سعد والشهرستاني شيعيا(1) وانا اضييف الى ملاحظات الدكتور عرفان مايلي :
أ- سؤال عن انه هل لليهود صلاة يشترط بها وقت الغروب ؟ هذا من جانب والجانب الاخر هذه كتب الشيعة كافة في الفقه وانا اتحدى من يجد فيها رأيا واحدا يذهب الى ان وقت الصلاة المغرب عند اشتباك النجوم وانما اجماعهم انه بعد غروب الشمس مباشرة ويحتاطون فيشترط بعضهم ذهاب الحمرة المشرقية فليراجع القارىء اي كتاب فقه من كتبهم .
ب- أما الجهاد فان باب الجهاد في كل كتب الشيعة كفيل بالرد على هذه الفرية فان حكم الجهاد عندهم انه قائم في كل وقت بشروطه كما هو عند سائر الفرق الاسلامية .
جـ -اما كون الخلافة عندهم في ال علي فليس ذلك منهم وانما هو استناد الى ادلة الكتاب والسنة وقد تقدم بعضها وسيرد قسم اخر منها فينبغي النظر في ادلتهم والحكم عليها هل هي تامة ام لا ، ثم ينبغي توجيه هذا الانتقاد للنبي (ص) لانه قال : الائمة من قريش ، كما يذهب لذلك جمهور المسلمين ان هذا النمط من الكلام يوقفك على عقلية هؤلاء الكتاب الذين يكتبون عن الشيعة ومصدرهم قول وهمي ينسب الى شخص قبل الف سنة وبين ايديهم مصادر الشيعة ولا يرجعون اليها فما تسمي هذا ؟ وبعد هذا الاستطراد نعود للهوية العقائدية عند الشيعة انها لا تختلف بشيء عما عند باقي فرق المسلمين الا اذا استثنينا موضوع الامامة وما يتصل به من صفات الامام اما باقي نقاط الخلاف
|
|
(1) انظر دراسات في الفرق والعقائد ص30 .
|
التي يفترق بها الشيعة عن باقي فرق المسلمين فان ما بين المذاهب الاربعة انفسهم من نقاط الخلاف اضعاف ما يوجد بين السنة والشيعة بل ان علماء المذهب الواحد وفقهائهم بينهم من الخلاف اكثر مما بين الشيعة والسنة بدون مبالغة ، وربما يرد علينا ما يؤيد هذه الدعوى خلال البحث في فقرات قادمة .
سأذكر هنا جملا قصيرة عما كتبه علماء الشيعة انفسهم عن ارائهم الدينية وعقائدهم لتكون مجرد مؤشر لمن يريد التوسع ويبحث عن الحقيقة بعيدا عن الاهواء والعواطف .
وكتابه « عقائد الشيعة » من الكتب الرائدة في هذا الميدان وقد ضمنه كل عقائد الشيعة بدون مواربة لذا كان كتابه من المصادر التي يرجع اليها بالاضافة الى ان الرجل من اساطين المذهب وعمالقة الطائفة . وهذه نبذة عما كتبه عن عقيدة الامامية بالالوهية قال :
اعتقادنا بالتوحيد : ان الله تعالى واحد ليس له مثله شيء قديم لم يزل ولا يزال سميعا بصيرا حكيما حيا قيوما عزيزا قدوسا عالما قادرا . لايوصف بجوهر ولا بجسم ولا صورة ولا عرض ، خارج عن الحدين حد الابطال وحد التشبيه .
واعتقادنا في القران : انه كلام الله ووحيه وتنزيله وكتابه وانه لا يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه وان القران الذي انزله الله تعالى على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في ايدي الناس ليس باكثر من ذلك ومن نسب الينا انا نقول انه اكثر من ذلك فهو كاذب ـ ، هذا ما كتبه ابن بابويه الذي عاش وسط القرن الرابع وتوفي سنة 381 هـ(1) .
|
|
(1)دراسات في العقائد والفرق الاسلامية ص18 .
|
|
|
2- الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قال في « أوائل المقالات » :
|
ان الله عز وجل واحد في الالهية والازلية لا يشبهه شيء ولا يجوز ان يماثله شيء وانه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على الوجوه كلها والاسباب ، وعلى هذا اجماع اهل التوحيد الا من شذ من اهل التشبيه ، وان الله عز وجل حي لنفسه لا بحياة ، وعالم لنفسه لا كما ذهب اليه المشبهة وقادر لنفسه ، واقول ان القران كلام الله ووحيه ، وانه محدث كما وصفه الله تعالى ، وأمنع من اطلاق القول عليه بأنه مخلوق ، وان الله عالم بكل ما يكون قبل كونه ، وانه لا حادث الا وقد علمه قبل حدوثه ، ولا معلوم وممكن ان يكون معلوما الا وهو عالم بحقيقته ، ولا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء لهذا اقتضت دلائل العقول والكتاب المسطور .
ثم تحدث الشيخ المفيد وأشار الى قول من يدعي ان القران حذف منه شيء فأول هذا القول بأن المحذوف هو الشروح والتفسيرات ولا شيء من اصل القران محذوف وذكر انه من الذاهبين الى هذا الرأي فقال في ذلك :
وقال جماعة من اهل الامامة انه لم ينقص من اية ولا من كلمة ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف علي من تأويله ، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا وان لم يكن من كلام الله تعالى وقد يسمى تأويل القران قرانا ، قال تعالى :« ولا تعجل بالقران من قبل ان يقضى اليك وحيه » (1) فقد سمي تأويل القرآن قرآنا ، وعندي ان هذا القول اشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآ'ن (2).
|
|
3- السيد محسن الامين العاملي قال :
|
وعقيدة الشيعة ان كل من شك في وجود الباري او وحدانيته ، أو نبوة
|
(1) سورة طه اية 114 .
(2) اوائل المقالات للمفيد ص53 الى اخر الفصل .
|
النبي (ص) او جعل له شريكا في النبوة فهو خارج عن دين الاسلام ، وكل من غالى في احد من الناس من اهل البيت أوغيرهم وأخرجه عن درجة العبودية لله تعالى ، وأثبت له نبوة أو مشاركة فيها ، أو شيئا من صفات الالهية فهو خارج عن ربقة الاسلام ، والشيعة يبرأون من جميع الغلاة والمفوصة وأمثالهم . انتهى بتخليص(1) .
نعتقد ان الله واحد ليس كمثله شيء قديم لم يزل هو الاول والاخر ، عليم حكيم عادل قادر حي غني سميع بصير لا يوصف بما توصف به المخلوقات ، ونعتقد بانه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات بانه واحد في ذلك وصفاته عين ذاته ، وكذلك يجب توحيده في العبادة ، ونعتقد ان النبوة وظيفة الهية وسفارة ربانية يجعلها الله لمن يختاره من عباده الصالحين فيرسلهم الى سائر الناس لارشادهم ، ونعتقد ان الامامة اصل من اصول الدين لا يتم الايمان الا بالاعتقاد بها ، ويجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة ، وهي كالنبوة لطف من الله تعالى . ونعتقد ان القران هو الوحي الالهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الاكرم ، لايعتريه التبديل والتغير والتحريف ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق او مغالط وكلهم على غير هدى فانه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(2).
هذه اربع مقتطفات اوردتها بتلخيص لتكون مؤشرا لمن يريد التوسع في معرفة عقائد الشيعة وليرجع الى المؤلفات في ذلك وراعيت فيها ان تكون ممتدة على ابعاد التاريخ الشيعي فان اثنين ممن ذكرتهم وهما الصدوق والمفيد عاشا في القرن الرابع اما الآخران فقد عاشا في القرن الرابع عشر . ومن المضحك حقا بان نسجل اننا قوم مسلمون ولكن كثيرا من الامور المضحكة قد يرغم الانسان
|
(1) اعيان الشيعة للامين جـ1 ص91 .
(2) عقائد الامامية للمظفر ص43 فصاعدا .
|
على عملها بحكم الضرورة فما نصنع ونحن ما زلنا هدفا للرماة وايسر ما نرمى به هو ما يخرج عن الاسلام وما يؤدي الى الكفر . وقد اردت بوضع هذه المقتطفات في صدر البحث لتكون مجرد مذكر للقاريء وهو يمشي معي في هذه المسيرة التي ساطلعه خلالها على ما ينسب للشيعة من دواهي ، والقاريء الذي اقصده هو القارىء السني خاصة من دون باقي القراء لان في ذهنه عن الشيعة صور من العسير جدا انتزاعها بسهولة الا ان املي بعون الله واخلاص قصدي في تخليص هذا الطريق من الشوائب يفتح لي باب امل في وضع لبنة بصرح وحدة المسلمين .
|
عبد الله بن سبأ
|
|
|
 |
بالرغم من وفرة المصادر عن الشيعة وبالرغم من خطورة موضوع الكتابة عن العقائد ، وبالرغم من الواقع المجسد للشيعة من مؤسسات دينية وفعاليات عقائدية ومساجد تردد كلمة التوحيد ليل نهار برغم ذلك كله فاننا مازلنا نرى من يكتب عن الشيعة يترك هذا الواقع القائم وراء ظهره ويولي وجهه شطر كتابات صدرت من قوم كتبوا ومن خلفهم دوافع غير سليمة لمختلف الاسباب فبدلا من ان يعودوا الى مؤلفات الشيعة انفسهم رأيناهم يرجعون الى اقوال صاغها الوهم وافترضها الحقد وخلقتها الخصومة وقد يكون الجهل احد عوامل وجودها . ومما افترضه هؤلاء الكتاب بأن عقائد الشيعة الاساسية وضعها يهودي حاقد اندس في صفوف المسلمين اسمه عبد الله بن سبأ .
وهذا العبد المفترض موضوعه طريف جدا ، فقد صنعه قوم واخترعوه اختراعا واعطوه من الصفات والنعوت ما هو من المعجزات وصنعوا له من القابليات ما لا يمكن نسبته الا الى عفاريت الاساطير ومردة الجن وما تعجز عن تحقيقه امة قوية فضلا عن فرد وان مثل هذا الكلام يجسد فجيعتنا بعقولنا قبل ان يجسد هذه الخرافات في تأريخنا وسنرى من الذي حاك عبد الله بن سبأ ، ومن هو ، وماالذي عمله ، ولماذا تربط الشيعة به .
|
من الذي حاك عبد الله بن سبأ
|
|
|
 |
ان الذي يريد التعرف على مصدر ولادة عبد الله بن سبأ سيجد انه ولد من روايات الطبري وروايات الطبري تستند في هذا الموضوع على ركيزتين هما :
سيف بن عمر وتقول عنه كتب التراجم مايلي بالحرف الواحد .
يقول ابن حبان كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الاثبات وقالوا انه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة ، كما يقول عنه الحاكم النيسابوري اتهم سيف بالزندقة وهو بالرواية ساقط ، ويقول عنه بن عدي : بعض احاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها ، ويقول عنه ابن معين ضعيف الحديث فليس فيه خير ، وقال بن حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي وقال عنه ابو داود صاحب السنن ليس بشيء ، وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف ، وقال عنه السيوطي انه وضاع وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه : سيف بن عمر متروك اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا(1) .
السري بن يحيى كما يسميه الطبري ، وهو ليس بالسري بن يحيى الثقة ، لان السري بن يحيى الثقة يكون زمانه اقدم من الطبري فقد توفي سنة 167 هـ . في حين ولد الطبري سنة 224 ، فالفرق بينهما سبعة وخمسون عاما ، ولا يوجد عند الرواة سري بن يحيى غيره ، ولذلك يفترض اهل الجرح والتعديل ان السري الذي يروي عنه الطبري يجب ان يكون واحدا من اثنين : كل منهما
|
|
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر جـ 4 ص 295 ، والغدير جـ8 ص68 .
|
كذاب وهما :السري بن اسماعيل الهمداني الكوفي وهو أولهما ، وثانيهما السري ابن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفى سنة 258 ، والذي ادرك ابن جرير الطبري وعاصره اكثر من ثلاثين عاما . وكل من هذين قد كذبه اهل الحديث واتهموه بالوضع فقد كذبهما صاحب تهذيب التهذيب ، وصاحب ميزان الاعتدال ، وصاحب تذكرة الموضوعات ، وصاحب لسان الميزان ، وغيرهم واتهموا كل واحد من منهم بالوضع وبوسع القارىء مراجعة المصادر التي ذكرتها في ترجمة المذكورين(1) .وقد ذكر النقاد للطبري سبعمائة حديث وحديثا واحدا ، وهذه الاحاديث تغطي زمن الخلفاء الثلاثة واسانيد هذه الروايات كلها عن السري الكذاب ، وعن شعيب المجهول وعن سيف الوضاع المتهم بالزندقة .
ومن تلك الروايات رواياته في احوال عبد الله بن سبأ وسنده عن شعيب وعن سيف بن عمر ، وكل من كتب عن عبد الله بن سبأ فهو عيال على الطبري وعنه اخذ واليه استند (2) ومن ذلك تعرف مقدار ما في موضوع عبد الله بن سبأ من وثاقة وصدق وفي رأيي ان من العبث ان نلفت انظار هولاء الذين يصرون على وجوده وما قام به من اعمال لانهم يوجدونه حتى لو لم يكن موجودا وذلك لامور في نفوسهم .
للتعرف على هوية عبدالله بن سبأ سوف أبدأ بالمنبع الاساس وهو تاريخ الطبري وأعقبه بباقي المصادر عنه ، وسأنقل قول الطبري من خلال ما نقله أبو زهرة ، قال : كان عبدالله بن سبأ يهوديا من اهل صنعاء امه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول اضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام ، فلم يقدر على مايريد عند احد من اهل الشام فأخرجوه حتى اتى مصر فقال لهم فيما يقول : العجب ممن يزعم ان عيسى يرجع ويكذب بان محمدا
|
(1) لسان الميزان جـ3 ص12 ، والغدير للاميني جـ 8 ص143 .
(2) انظر الغدير للاميني جـ9 ص218 .
|
يرجع وقد قال الله تعالى : « ان الذي فرض عليك القران لرادك الى معاد » القصص / 85 .
ثم ان محمدا احق بالرجعة من عيسى ، ثم قال بعد ذلك انه كان الف نبي ولكل نبي وصي وعلي وصي محمد ، ومحمد خاتم النبيين وعلي خاتم الاوصياء(1) .
وهنا نقاط ذكرها اريد ان اؤكد عليها للمقارنة مع غيرها وهي : اولا انه ابن السوداء وثانيا انه من اهل صنعاء ، وثالثا انه يؤكد رجوع النبي (ص) للدنيا ورابعا انه ذكر ان عليا وصي النبي ، وخامسا انه اسلم ايام عثمان ، وبعد ذلك نعود لابي زهرة وفي نفس كتابه المذكور اي تاريخ المذاهب الاسلامية قال في مورد اخر : عبد الله بن سبأ كان يهوديا من اهل الحيرة ، اظهر الاسلام واخذ ينشر بين الناس انه وجد في التوراة ان لكل نبي وصيا وان عليا وصي محمد ، وان عليا اراد قتله ولكن نهاه عبدالله بن عباس فنفاه للمدائن بدل قتله(2) .
وبين هذين المقتطفين الفروق التالية الفت النظر اليها وهي :
انه في الاولى من اهل صنعاء ، وفي الثانية من اهل الحيرة ، وانه في الاولى اسلم ايام عثمان وفي الثانية اظهر الاسلام ولم يحدد وقت اسلامه ، وان الامام اراد قتله كما ذكر في الثانية في حين لم يذكر ذلك في الاولى ، وانه من المقتطفة الثانية قرأ فكرة الوصاية في التوراة في حين في الاولى لم يذكر مصدر فكرة الوصاية فلنحفظ هذا لنرى ما بين المقتطفات من فروق وخصائص قد تتضارب .
|
|
2-محمد فريد وجدي في دائرة المعارف ، قال :
|
السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في الانتصار لعلي وزعم انه كان نبيا ثم غلا فزعم انه الله ودعا الى ذلك قوما من اهل الكوفة فاتصل خبرهم بعلي فأمر باحراق قوم منهم ، ثم خاف من احراق الباقين ان ينتقض عليه قوم فنفى
|
(1) تأريخ المذاهب الاسلامية جـ1 ص32 .
(2) تأريخ المذاهب الاسلامية جـ1 ص43 .
|
بن سبأ للمدائن ، فلما قتل علي زعم ابن سبأ انه ليس المقتول عليا وانما هو شيطان صور على صورته وهذه الطائفة تزعم ان المهدي المنتظر انما هو علي ، وكان ابن السوداء في الاصل يهوديا من اهل الحيرة فأظهر الاسلام واراد ان يكون له عند اهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم انه وجد في التوراة ان لكل نبي وصيا وان عليا وصي محمد (ص) فلما سمعوا ذلك قالوا لعلي انه من محبيبك فرفع علي قدره واجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله فنهاه عبد الله بن عباس فنفاه الى المدائن(1) وفي هذه المقطتفة : انه من اهل الحيرة لا صنعاء ، وانه ابن السوداء وان الامام عليا خدع به ، و انه ادعى النبوة لعلي ، ثم ادعى له الالوهية والى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب ولكن كيف يمكن بعد ذلك ان نجمع بين كونه ينسب له الالوهية ثم يجعله وصيا لمحمد : اترك تقدير هذا الى العقول الجبارة كمحمد فريد وجدي ونظائره ممن يقود خطى الجماهير في دروب الثقافة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، ولا تستعجل ايها القارئ فستستمع امورا اخرى من المقتطفات القادمة تصطدم مع ما مر .
|
|
3- أحمد عطية الله ، قال حفظه الله :
|
ابن سبأ رأس الفرقة السبائية من الشيعة وهو عبد الله بن سبأ كان من يهود صنعاء واظهر اسلامه في خلافة عثمان يعرف بابن السوداء انتقل الى المدينة وبث فيها اقوالا واراء منافية لروح الاسلام ونابعة من يهوديته ومن معتقدات فارسية كانت شايعة في اليمن ، برز في صورة المنتصر لحق علي ، وادعى ان لكل نبي وصيا و وان عليا وصي محمد ، كما ادعى ان في علي جزءا الهيا ، طاف بانحاء العراق ناشرا دعوته فطرده عبد الله بن عامر من البصرة فنزل الكوفة واوغر صدور الناس على عثمان ، وانتقل الى دمشق في ولاية معاوية وفيها التقى بابي ذر الغفاري وحرضه على الثورة مدعيا انه ليس من حق الاغنياء ان يقتنوا مالا ، واخرج من الشام فنزل مصر فالتف حوله الناقمون على عثمان وفيهم محمد بن ابي
|
|
(1) دائرة معارف القرن العشرين جـ 5 ص17 فصاعدا .
|
بكر وابو حذيفة ، ووضع على لسان علي اقوالا لم يقلها كادعاء علم الغيب وبعد استشهاد علي قال انه لم يقتل وسيرجع وبذلك وضع فكرة الرجعة بين الشيعة(1) .
وفي هذه المقتطفة التي رواها عطية الله امور :
منها : ان ابن سبأ جمع الى عقائده اليهودية معتقدات اخرى فلقلها للتشيع ومنها الرجعة ولكن الرجعة هنا لعلي وليست لمحمد كما هي عند ابي زهرة ، ومنها انه اعطى لعلي جزءا من الالوهية لا كلها ، حتى يمكن الجمع بين كونه جزء اله وبين كونه وصيا للنبي (ص) ، ومنها الكشف عن هذه الطاقات الهائلة عند ابن سبأ بحيث ان كل الثورات على عثمان ومعاوية كانت من فعله .
4-وبنفس هذا المضمون المتضارب كتب كل من احمد امين في فجر الاسلام ، ومحمد بن يحيى في التمهيد والبيان في مقتل عثمان والزركلي في الاعلام(2) .
ولا اريد ان اطيل عليك فان كل خلف ياخذ عن سلفه بدون تمحيص مما ادى الى هذا الخلط والاضطراب في الروايات فهو في هذه الاخبار تارة من اهل الحيرة واخرى من اهل صنعاء ، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء ، بينما يذهب ابن طاهر البغدادي في الفرق بين الفرق والاسفرأيني في كتابه التبصير في الدين ان ابن السوداء شخص اخر ليس عبد الله بن سبأ(3) .
وهو في بعض هذه الروايات يدعى الرجعة للنبي ، وفي بعضها الاخر يدعي الرجعة لعلي وهو تارة يدعي بان في علي جزء من الالوهية واخرى انه اله كامل ، وفي هذه الروايات نجد عليا مرة يحرق الغلاة ولا يخاف ، واخرى يخاف اي يحرق ابن السوداء مع انه يهودي بسيط لا يابه له احد ، وهكذا نقع في هذا الخليط المضطرب ، واهم هذه الامور في نظرنا هو انه مرة يكون دعيا لفضل علي
|
(1) القاموس الاسلامي جـ3 ص222 .
(2) انظر فجر الاسلام ص276 ، والتمهيد والبيان ص96 ، والاعلام للزركلي جـ4 ص220 .
(3) انظر هامش منهاج السنة لابن تيمية ص220 .
|
فقط واخرى يكون محرضا على عثمان وواضعا لاهم عقائد الشيعة من وصية وعلم غيب للائمة وقول بالرجعة ، وهذان الامران هما روح الموضوع فان من صنع فرية عبد الله بن سبأ رمي فيها عصفورين بحجر واحد واراد هذين الامرين :
الاول : أن عثمان قتل بتحريض من السبائية لا انه صنع أشياء نقم فيها عليه المسلمون واشتركوا في قتله وفيهم صحابة النبي مما ذكره التاريخ مفصلا بل كل مافي الامر ان يهوديا حاقدا حرك المسلمين فانساقوا معه بغباء وبدون تفكير حتى ارتكبوا هذه الجناية وقتلوا الخليفة بدون ان يصدر منه ذنب .
والثاني : ان عقائد الشيعة لا سند لها من الاسلام وانما هي من هذا اليهودي العبقري عبد الله بن سبا فالشيعة اذا يهود لا صلة لهم بالمسلمين . وعلى كل حال ان هذا الاضطراب في الصورة المرسومة لعبد الله بن سبأ ايقظ الباحثين ودفعهم لالقاء الضوء على هذه الشخصية الاسطورية فاصحروا بارائهم وكسروا الطوق واعلنوا للناس زيف هذه الفرقة التي لا سبيل للجمع بين ابعادها واجزائها ، وبدأ الواقع يتضح رويدا رويدا والاهداف من وراء اسطورة ابن سبأ كشفت عن وجهها وسأذكر لك اراء كثير من النقاد بعد ان اذكر ما عندي في هذه المسألة لنصل الى صورة واضحة في هذا الموضوع .
اننا نرى ان عبد الله بن سبأ شخصية وهمية مخترعة وندلل على وهميتها بالامور التالية :
1-الاختلاف في انه هو ابن السوداء ام لا مع ان الذي قام بكل المصائب هو ابن السوداء ، وابن طاهر والاسفرأيني يقولان ان ابن السوداء شخص اخر شارك عبد الله بن سبأ بمقالته .
2-الاختلاف في وقت ظهوره فالطبري وجماعة يصرحون بأنه ظهر ايام عثمان بينما يذهب جماعة اخرون الى انه ظهر ايام علي (ع) أو بعد موته ومن هؤلاء
| |