هوية التشيع 103

من اراء لاهل السنة سنمر ان شاء الله على بعضها وهي قد تستوجب ضجة ولكن كتاب الشيعة يعالجونها من زاوية علمية بدون تهريج ويحترمون فهم كل كاتب مادام له منشأ انتزاع من نص من القران او السنة ، واعود بعد ذلك للشهرستاني فهو عندما يعدد الائمة يقول : ان الشيعة ساقوا الامامة بعد موسى بن جعفر فقالوا والامام بعده علي بن موسى الرضا ومشهده بطوس ثم بعده محمد التقي وهو بمقابر قريش ثم بعده علي بن محمد النقي وهو مشهده بقم ، وبعده الحسن العسكري الزكي وبعده ابنه محمد القائم المنتظر ، هذا هو طريق الاثني عشرية(1) وكل الباحثين يعلمون ان الشيعة لا يقولون ان ابن محمد النقي مدفون بقم لانه مدفون بسامراء ويزوره الان الناس والمدفونة بقم شقيقة الامام الرضا صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين .
2- ابن حزم الاندلسي :


هذا النموذج الثاني اقدمه وهو من الذين سلطوا لسانهم على المسلمين انه علي بن احمد بن حزم الاندلسي الفارسي وهو من موالي يزيد بن معاوية وحسبه بذلك شرفا واول من دخل الاندلس من اجداده جده خلف . وكان ابن حزم في اول امره شافعيا ثم انتقل الى الظاهرية ، وله كتب كثيرة منها الفصل في الملل والنحل والمحلى وغيرهما ، ولهذا الرجل قدرة عجيبة على الافتعال والاختلاق وله جرأة في التهجم على الناس تكشف عن عدم ورع وعدم التزام بالصدق وسأذكر قبل ذكر اقواله اراء قومه فيه وتقييمهم له :
فقد قال فيه ابو العباس بن العريف : ان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان . وقال مؤرخ الاندلس أبو مروان بن حيان فيما كتبه عنه في فصل طويل منه قوله : ومما يزيد في بغض الناس له حبه لبني امية ماضيهم وباقيهم واعتقاده بصحة امامتهم حتى نسب الى النصب .
وقال ابن العماد الحنبلي كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء والمتقدمين لا

(1) الملل والنحل فصل الشيعة .
هوية التشيع 104

يكاد يسلم احد من لسانه فنفرت منه القلوب .
ويقول عنه مصطفى البرلسي البولاقي : أما ابن حزم فالعلماء لا يقيمون له وزنا كما نقله عنهم المحققون كالتاج السبكي وغيره لانه واصحابه ظاهرية محضة تكاد عقولهم ان تكون مسخت ومن وصل الى ان يقول ان بال الشخص في الماء تنجس ، او في اناء ثم صبه في الماء لم يتنجس ، كيف يقام له وزن ويعد في العقلاء فضلا عن العلماء ، ولابن حزم هذا واضرابه من امثال هذه الخرافات الشيء الذي لاينحصر ، ومن تأمل كذبه عن العلماء ولاسيما امام اهل السنة ابو الحسن الاشعري علم ان الاولى به وبأمثاله ان يكونوا في حيز الاهمال وعدم رفع رأس لشيء صدر منه ، راجع فيما كتبناه عن ابن حزم المراجع ادناه فقد افاضت في ترجمته وشرح حاله (1) .
وبعد شهادة هؤلاء الاعلام التي هي في الواقع رمز لمحصلة الاراء عن ابن حزم عند العلماء فاني لا استكثر عليه ان يقول في اخر الفصل الذي كتبه عن الشيعة : والقوم يعني الشيعة بالجملة ذوو اديان فاسدة وعقول مدخولة وعديمو حياء نعوذ بالله من الضلال(2) .
فاذا كان هذا وامثاله كالشهرستاني هم الذين يكتبون عن عقائد وفقه وسلوك الفرق الاسلامية فهل يمكن للاجيال ان تثق بتاريخها وسيرة اسلافها والانكى من ذلك ان الذين ينتقدون الشهرستاني وابن حزم وامثالهما فانهم انما يحملون عليهم اذا وخزوهم او شتموهم ، اما اذا شتم الشهرستاني او ابن حزم غيرهم كالشيعة مثلا فهو صادق وتؤخد اقواله ولا تثير حساسية .

(1) شذرات الذهب جـ3 ص299 ، والسيف اليماني للبرلسي رسالة صغيرة مع عدة رسائل ، ووفيات الاعيان جـ1 ص369 ، ولسان الميزان ج 4 ص 199 فصاعدا .
(2) الفصل في الملل والنحل ج4 ص181 .
هوية التشيع 105

مثال ثالث


وسترد علينا امثلة لذلك ، ولكني استعجل لك مثلا واحدا منها يعيش في القرن العشرين في عصر الذرة وتحت اروقة جامعة حديثة وهو محمد حسن هيتو محقق كتاب المنخول للغزالي فان هذا الرجل عندما يمر ببعض المواقف الحدية للغزالي من بعض المذاهب الاسلامية كالامام مالك والامام احمد بن حنبل والامام ابن حنيفة فيذكر بعض ارائهم ناقدا لها حينا ومستهجنا حينا اخر ، مثلا يذكر الغزالي عن ابي حنيفة رأيه في اقل الصلاة وهي : وضوء بالنبيذ في اولها وحدث في اخرها للخروج منها وبين ذلك نقر كنقر الغراب واكتفاء من القراءة بكلمة مدهامتان باللغة الفارسية الى اخر ما ذكره عن اقل الصلاة في رأي ابي حنيفة ، وكما ذكر رأي مالك بجواز قتل ثلث الناس اذا كان ذلك يؤدي الى صلاح الثلثين الباقين ، وهكذا اراء بعض الائمة التي ذكرها .
اننا في مثل هذا نرى محمد حسن هيتو يقع في ورطة فلا يدري اينفي ذلك وفيه تكذيب للغزالي ، ام يثبت ذلك وفيه طعن على ائمة المذاهب ، فتراه مرة يقول ان هذه الاقوال نتيجة لمرحلة مر بها الغزالي ، وتخلص منها بعد ذلك ، ومرة يقول ان الغزالي فرد من مدرسة تؤيد اهل الحديث وتطعن في اهل الرأي وان ذلك تعصب اقلع عنه الغزالي بعد ذلك كما هو واضح في مؤلفاته التي صدرت بعد ذلك كالمستصفى المتأخر عن المنخول ، على ان هذا الاعتقاد لايحل المشكلة التي هي كون الغزالي اما صادقا واما كاذبا . ان الذي يعنينا هنا ان هيتو اذا مر الغزالي بالرافضة وشتمهم لا نجده يعلل ذلك الشتم بعصبية او غيرها كأن الشيعة يستأهلون الشتم بدون نزاع وكان الحرص على وحدة المسلمين ليس من موارده هذا المورد هذا اذا كان الشيعة مسلمين في نظر هؤلاء والا فالمسألة سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول علماء المنطق ، وعلى كل الفت النظر الى ما كتبه هيتو عن الغزالي(1) . والله المستعان ما يصفون .

(1) المنخول للغزالي ص354 ، و488 .
هوية التشيع 106

وعودا على بدء نقول ان ما قدمناه من شواهد وامثلة كاف في تحديد موقع السنة من الفرس وتحديد مكان التشيع من العروبة لمن يعتبر هذه سبة وذلك فضيلة ، أما المسلم الذي شعاره شعار القران فان المسلمين عنده اكفاء باموالهم ودمائهم واعراضهم وانسابهم ، واذا كانت هناك اثار متولدة من وحدة العرق والدم فانها سواء عند الفارسي الشيعي والفارسي السني ولا يمكن التفرقة بين الشيء ونفسه ، والى هنا نكون قد اعطينا صورة عن الهوية العرقية للتشيع والتسنن وبوسع طالب المزيد ان يتخذ من هذه الدراسة منهجا وينحو هذا النحو في التوسع بالدراسة المختصة بهذا الموضوع .

هوية التشيع 107

الفصل السادس

اسباب رمي التشيع بالفارسية

1-للاجابة على هذا السؤال نقول :


انه لاخصوصية لهذه التهمة بالفارسية ، وانما هي صورة من صور رمي التشيع بكل ما هو مكروه ، ولما كانت العلاقات بين الفرس والعرب قد ساءت بعد ان امتد نفوذ الفرس في دولة الاسلام كما اشرنا اليه سابقا شاء اعداء الشيعة ان يرموهم بالفارسية ليضيفوا الى قوائم التهريج قائمة اخرى هذا هذا من جانب ومن جانب اخر لما كان الشيعة منذ فترة تكوينهم من المعارضين للحكم لانهم يرون ان الخلافة بالنص وليست بالشورى وانها لعلي (ع) وولده وانما تنازل عنها وسكت حرصا على مصلحة المسلمين وتضحية بالمهم في سبيل الاهم وقد حفظ بذلك بيضة الاسلام ، وان عقيدتهم هذه جرت عليهم الملاحقة خصوصا ايام معاوية وما تلاها الى العصور المتاخرة ، وللامعان بالتنكيل بهم وابعادهم عن الساحة حشدت لهم السلطات كل ما تملك من وسائل التحطيم المادي منها والمعنوي فاعتبرتهم خوارج عن جسم الامة ، ونسبت اليهم من الاراء ما هو بعيد عن روح الاسلام وصورتهم بانهم دعاة فوضى ولاحقتهم بكل صنوف الملاحقة وكان من ذلك انها استغلت الشعور الملتهب ضد الفرس منذ ايام الاحتكاك بين العرب والفرس فرمتهم بانهم ورثة الفرس وحملة عقائدهم فأضافتها الى قائمة التهم التي اصبحت لاتعد ولا تحصى واخذ كل خلف يضيف الى القائمة التي وضعها السلف بدون تحرج ولا رادع من مسؤولية او ضمير واين المسؤولية والسيف

هوية التشيع 108

القلم والحكم والاموال بيد خصوم الشيعة ، وانتهى الامر الى ان تتفجر العبقريات بالوان الاختلاق ، واصبح كل حامل سلاح لايعرف مدى مضائه يجربه بجسم الشيعة ، وكل من لايعرف نفسه يتحسس بطولتها بالسباب والتهجم على الشيعة ، وبالاختصار اصبح الشيعة مختبرا لممارسة البطولات من كل حامل سلاح حتى ولو كان سيفه مثلوما ويده ترتعش .
2- السبب الثاني في رمي التشيع بالفارسية :


هو ما المحت اليه سابقا من ان الفارسية ما كانت سبة يوم كان الفرس سنة وانما عادت سبة يوم تشيع قسم من الفرس ودليل ذلك انك ترى الطبقة الاولى والثانية من الذين تهجموا على الشيعة وكالوا لهم التهم لم يضعوا في قائمتهم تهمة الفارسية وبوسعك الرجوع الى ما كتبه ابن عبد ربه الاندلسي في العقد الفريد بالفصل الخاص بالشيعة وارتجل لهم المثالب والمطاعن فيه فانك لا تجدهذه التهمة ضمن التهم (1) . وكذلك لو راجعت ما كتبه الشهرستاني في ملله ونحله وما ذكره عن الشيعة فسوف لا تجد تهمة الفارسية من التهم التي ساقها(2) .
واما شيخ اهل السباب وصاحب اللسان الذي ما عرف الورع فانه برغم ما صال به وجال وبرغم ما أملاه عليه الهوى فانه لم يذكر للشيعة هذه التهمة(3) .
نعم ذكر ابن حزم ان هناك افرادا من الفرس شيعة في بعض استطراداته حتى جاء المقريزي في القرن التاسع فرام ان يصور ان التشيع فارسي فالمسألة جاءت متأخرة (4) وهكذا المتأخرون عن هذه الطبقة لم ترد في قوائمهم هذه التهمة وانما جاءت من بعد القرن التاسع وبدء القرن العاشر ، والغريب ان يكون بعض فرسان هذه الحملة من الفرس انفسهم ارادوا ان يظهروا انفسهم بانهم احرص

(1) العقد الفريد جـ2 ص404 فصاعدا .
(2) الملل والنحل هامش الفصل جـ1 ص195 .
(3) الفصل في الملل والنحل جـ4 ص179 .
(4) دراسات في الفرق والعقائد ص25 .
هوية التشيع 109

على العروبة من العرب انفسهم ورحم الله من يقول :
رفقا بنسبة عمرو حين تنسبه فانه عربي من قوارير

ولا استبعد ان له هدفا خبيثا من وراء ذلك وبذلك كانوا اساتذة للمستشرقين كما سيأتي :
3- السبب الثالث في رمي الشيعة بالفارسية :


يكمن في قوة استدلال الشيعة بان الخلافة بالنص وليست بالشورى ، لان القائلين بالشورى يستدلون بقوله تعالى : « وامرهم شورى بينهم » الشورى/38 ، وبقوله تعالى : « وشاورهم في الامر » ال عمران/159 ، مع ان الايتين اجنبيتان عن الموضوع لان قوله تعالى « وامرهم شورى بينهم » مدح للانصار الذين كانوا قبل الاسلام اذا ارادوا عمل شيء تشاوروا فيما بينهم ولم يستبدوا بارائهم ، واما قوله تعالى « وشاورهم » الخ فانه اراد ان تطيب قلوبهم واشعارهم بانهم اهل للمشاورة ليرفع من معنوياتهم فكان النبي (ص) يشاورهم في امور الحرب وبعض الامور الدنيوية وبوسع القارىء الرجوع الى التفاسير المحترمة مثل تفاسير الفخر الرازي والكشاف للزمخشري ، ومجمع البيان للطبرسي وغيرهم فان كل هؤلاء نصوا على ما ذكرته وقالوا : ان مشاورة النبي (ص) للمسلمين فيما لم يرد فيه نص وذلك عند تفسيرهم للايتين المذكورتين .
فالايتان لم ينزلا في تشريع منهج لاختيار الامام عن طريق الشورى وانما اراد بعض الباحثين ان يستفيد من الايتين مايلي :
بما ان الخلافة سكت عنها النبي ولم ينص على احد وبما ان القران يمدح الشورى بالامور المهمة فنرجع فيه الى منهج الشورى(1)أما الشيعة فقد رفضوا هذا وذهبوا الى :
أولا : ان النبي كان اذا اراد الذهاب في سفر لا يترك المدينة بدون خليفة

(1) انظر فجر الاسلام ص234 .
هوية التشيع 110

عليها ولو كان سفره ليوم واحد فكيف يترك امور الناس من بعده بدون راع .
وثانيا : من الثابت ان الشريعة الاسلامية تفرض الوصية على المسلم حتى في بعض الميراث البسيط وفي ذلك يقول القران الكريم في سورة البقرة ـ الاية/180 : « كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين » فكيف يترك هذا الامر المهم بدون ان يوصي به والحال ان استقرار الامة متوقف على ذلك وبدون ذلك يؤول الامر الى التنازع .
ثالثا : تظافرت الادلة من الكتاب والسنة على ان الامامة بجعل من الله ومن ذلك قوله تعالى : « وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا » سورة الانبياء /73 .
وقوله تعالى : « ونريد ان نمن على الذين استضعفوا بالارض ونجعلهم ائمة » القصص /5 .
وقوله تعالى « جعلناهم ائمة يهدون بأمرنا لما صبروا » السجدة /24 .
هذه بعض الايات التي يستدل منها على ان الامامة بجعل من الله تعالى .بالاضافة الى نصوص النبي على الامام من بعده ومن ذلك موقفه يوم الغدير عندما نزل عليه قوله تعالى : « ياأيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك » المائدة /70 ، فجمع النبي الناس وخطب خطبته المعروفة وقال في اخر خطبته : « ألست اولى بكم من انفسكم ؟ قالوا : بلى ، قال : اللهم فاشهد وانت ياجبرئيل فاشهد وكررها ثلاثا ، ثم اخذ بيد علي بن ابي طالب ورفعه حتى بان بياض ابطايهما للناس وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله والعن من نصب له العداوة والبغضاء » الى اخر الواقعة .
وقد روى هذا الموضوع مائة وعشرون صحابيا واربعة وثمانون تابعيا وكان عدد طبقات رواته من ائمة الحديث يتجاوز ثلثمائة وستين راويا وقد الف في هذا

هوية التشيع 111

الموضوع من الشيعة والسنة ست وعشرون مؤلفا وقد غطوا كل جوانب الموضوع وأشبعوه بحثا وتمحيصا فراجع (1)
وبالغم من وفرة مصادر هذا النص ودلالته الواضحة فأنك لا تعدم من يؤول هذا النص تأويلا سخيفا ، أو من يقول ان حديث الغدير لم يرد الا في كتب الشيعة كما يقول احمد شلبي في مؤلفاته ، وقد تسمع من يقول ان الشيعة دسوا هذه الروايات في كتب السنة وامثال ذلك من تافه الكلام الذي هو اشبه بخرافات العجائز وعلى العموم ان موضوع الامامة كتبت فيه عشرات الكتب وهو ليس من صلب موضوعي وانما فرضته المناسبة استطرادا ، وقد اتضح من هذا ان الشيعة يستندون الى النص في مسألة الامامة دون نظرية الشورى ، وذلك لان الشورى لا سند لها من الكتاب والسنة في نظرهم وانما هي مجرد اجتهاد من المسلمين الذين ظنوا ان لانص هناك ثم ان ثم ان الشيعة يتسائلون اين هي الشورى وما هي اركانها وشروطها وكيفيتها وهل تحققت في ايام الخلفاء ونصب الخلفاء بموجبها ام لا مع اننا نعلم ان الذين بايعوا الخليفة الاول بالسقيفة اثنان هم الخليفة الثاني وابو عبيدة ، وعلى رواية اخرى انهم اربعة كما يروي ذلك الحلبي في سيرته والبخاري في باب فضل ابي بكر ولذلك ذهب اهل السنة الى ان الامامة تنعقد ببيعة اثنين من اهل الحل والعقد فان هذه النظرية واضح منها انها تصحيح للموقف يوم السقيفة ورفع للتناقض في منهج الشورى نظريا وتطبيقيا فانه لا عاقل يمكن ان يتصور انتخاب خليفة من قبل اثنين فقط وهذان الاثنان يتم تمثيل المسلمين بهما ، وللتاكد من عدد المبايعين ونظرية عدد اهل الحل والعقد راجع المصادر التالية (2) .
لقد صورت البيعة خير تصوير صادق كلمة الخليفة الثاني ان خلافة ابي

(1) الجزء الاول من كتاب الغدير للاميني ، والاصابة لابن حجر في ترجمة الامام (ع) والاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة الامام علي ، واعيان الشيعة جـ3 ، وتفسير كل من الرازي ، والدر المنثور للسيوطي عند تفسير الاية المذكورة وتفسير مجمع البيان كذلك .
(2) السيرة الحلبية جـ3 ص358 ، وصحيح البخاري باب فضل ابي بكر ، والغدير للاميني جـ7 ص141 .
هوية التشيع 112

بكر فلتة وقى الله شرها فأن تعبير الخليفة عنها انها فلتة يؤكد انها لم تكن عن منهاج سابق (1) .
لقد بايع الاثنان ثم بعد ذلك تمت البيعة كما رسمها المؤرخون ولم تتعد بعض أرباض المدينة فهل كانت شورى تتقوم بأثنين أو حتى بالمدينة كلها مع ان مفاد قوله تعالى « وأمرهم شورى » يتناول المسلمين كافة واذا كانت لا تتناول المسلمين كافة فلا تنهض بالدليلية كما هو واضح ، وأروع من ذلك كله أن ترى فقيها من فقهاء أهل السنة يقول : ان معنى الشورى يتحقق ولو ببيعة واحد ، وهو ابن العربي المالكي وذلك عند تفسيره لمعنى الشورى .
ثم يرد تساؤل اخر هو هل ان الخليفة الثاني جاء الى الحكم عن طريق الشورى ام عن طريق تعيين الخليفة الاول له كما هو واقع الحال (2) ؟ ويتساءلون ثالثا هل ان الخليفة الثالث جاء الى الحكم عن طريق الشورى ام عن طريق خمسة عينهم الخليفة الثاني ولم يؤيده منهم الا ثلاثة (3) ان كل باحث موضوعي لا يمكن ان يستند الى صدور نظرية الشورى عن الشريعة الاسلامية لا نظريا ولا تطبيقيا .
والان لنرجع الامر الثالث فنقول ان نظرية الشورى لما كانت غير ناهضة بينما نظرية التعيين تقف على ارض صلبة اراد البعض ان يبعد هذه النظرية عن اطارها الاسلامي فافترض انها نظرية كان يذهب اليها الفرس ويرون ان ملوكهم حكموا بالحق الالهي وحيث ان الحسين صاهر الفرس فتزوج بنت يزدجر انتقل اليه الحق الالهي وقد سبق استعراض هذا المعنى في اول الكتاب .
فالهدف اذا دفع نظرية النص والوصاية عن كونها من الاسلام وجعلها من مورثات الفرس التي نقلوها معهم لما دخلوا الى التشيع ، فاذا قلت لهؤلاء ان الوصاية ثبتت بنصوص قبل دخول الفرس للاسلام قيل ذلك ان هذه الروايات دسها الشيعة في كتب السنة فاذا ذكرت لهم عدة طرق للرواية قيل ذلك ان الوصية

(1) انظر تأريخ الطبري جـ3 ص330و301 .
(2) تأريخ الطبري جـ4 ص54 .
(3) الطبري جـ 5 ص35 .
هوية التشيع 113

التي تذهبون اليها انما هي في امور بسيطة بيتية وليس لها صلة بموضوع الخلافة وهكذا ، هذه في نظري اهم الاسباب التي رمي التشيع بالفارسية من اجلها وهو زعم اصبح يفند نفسه بنفسه لوجود الواقع الخارجي الذي يعين هوية التشيع بصورة مجسدة ، جاء المستشرقون بعد ذلك فضربوا على هذا الوتر ومعهم تلاميذهم يرقصون على انغامهم ان اهداف كثير من المستشرقين لاتخفى لانها تستهدف صيد عصفورين بحجر ، فان الهدف الاساسي ضرب وحدة المسلمين ، وبعد ذلك تزييف ركائزهم الفكرية ، لاجل ذلك تجد كتب المستشرقين تؤكد على هذه النقطة وترتب عليها اثارا كثيرة ، وكان هذا الموضوع مختص بالشيعة فقط اما السنة الفرس فهم محروسون من ان يتدسس اليهم الفكر الفارسي حتى ولو كان ثمانون بالمئة من الفرس منهم .
ولست انفي ان تكون هنالك اسباب اخرى لرمي التشيع بالفارسية قد يكون منها احيانا بعض الاستنتاجات المخطئة أو سوء الفهم الذي يعتبر كل التقاء بين نظريتين هو تاثير وتأثر وقد يكون صدفة ، ان مجرد التقاء نظرية للشيعة مع نظرية للفرس لا يشكل مبررا بحال من الاحوال لاعتبار الفكر الفارسي مصدر العقائد الشيعية ، لوضوح ان الفكر الديني في العقائد والاحكام مصدره الكتاب والسنة ، في حين ان نظريات الفرس هي نظريات وضعية لا تستند الى شريعة واحدة أو متعددة حتى يقال ان هؤلاء اخذوا من هؤلاء .
كيف صار الفرس شيعة


اذا حاولنا مسح الابعاد التاريخية البيئية للفرس نجد ان من تشيع منهم يقسمون اقساما :
1-القسم الاول :


وهو القسم الذي تشيع بعملية انتقاء واختيار عن طريق الصحابة الذين رافقوا عمليات الفتح ونقلوا معهم عقائدهم وفكرهم الشيعي وقد ساعد على

هوية التشيع 114

ذلك ان اعتناق التشيع انذاك لا يسبب لهم ضررا لان العملية كانت شيئا طبيعيا وبعدهم عن مواطن الاحتكاك ولان الفكر كان ضمن نطاق الامور العقائدية ولا يتجسد في فعاليات سياسية ومن ابرز مواطن التشيع في هذا القسم خراسان ، ثم قم بعد ذلك .
2- القسم الثاني :


هم الذين تشيعوا تعاطفا مع الشيعة الذين نالهم الاضطهاد بعد ذلك وهذا القسم جمعه الاضطهاد معهم لانه كان مضطهدا ومن هؤلاء الموالي في قسم كبير منهم ممن كان داخل بلدان الخلافة او الذين لحقهم الاضطهاد داخل ايران وقد بدأت تصل اليهم أفواج من المهجرين المضطهدين لاجل تشيعهم والذين دفع منهم زياد بن ابيه خمسين الفا الى خراسان حتى يخلص الكوفة من العناصر الشيعية الصلبة (1) والاضطهاد قرابة احيانا ، وكان بعد ذلك ان تمازجت افكارهم بعد التقاء مشاعرهم وصار الفكر متبادلا بينهم وساعد على ذلك استمرار الاضطهاد فترات امتدت طويلا والعقائد كثيرا ما يرسخها الاضطهاد .
3-القسم الثالث :


الذين تشيعوا عن طريق اللقاء الثقافي المعمق لان الشيعة اضطروا الى تعميق ثقافتهم وولوج مختلف ميادين المعرفة للدفاع عن وجودهم والذود عن عقائدهم بالنظر الى تعرضهم الى وضعيات شرسة خصوصا وان الحكم ووسائل القوة ليست بأيديهم ، وكان ان استهوت ثقافتهم قطاعا كبيرا من الفرس نظرا لخلفيتهم الحضارية ونهوض الحجة في نظرهم لكثير من معتقدات الشيعة التي لم يدعمها سيف ولا بريق مال ولا طمع في حكم بل لمجرد الاقتناع بصحة ادلتهم .
4- القسم الرابع :


هم الذين دخلوا التشيع مع التيار الذي صنعه الحكام واعلنوا ضرورة

(1) الطبري جـ 6 ص 126 طبعة 1932 .
هوية التشيع 115

العدول الى مذهب الشيعة وهؤلاء قلة لا يعتد بها وقد تظاهرت بذلك لانه لا يمكن للعقائد ان تفرض فرضا وذلك حينما اعلن خدابنده ثم الصفويون في بداية القرن العاشر رسمية المذهب الشيعي وذلك مثلما حدث لديار بكر وربيعة التي كانت شيعية ايام الحمدانيين ثم حولها الحكام الى سنية ، وكما حدث لمصر بعد حكم الفاطميين اذ حولت الى سنية ايام الايوبيين وكما حدث ذلك لكثير من البلدان .
ولست ازعم انه لايوجد من قد يكون دخل التشيع وله اهداف غير سليمة وليس ذلك بذنب للتشيع فكثير من اليهود دخلوا الاسلام وتظاهروا بذلك وفي نفوسهم اهداف خبيثة ولانعتبر الاسلام مسؤولا عن ذلك كما ان هذه الفصيلة التي تدخل الاسلام او التشيع ولها اهداف مسمومة لا تعدو اصابع اليد ولا تشكل خطرا بدليل ان جوهر الاسلام محفوظ رغم وجود امثال هؤلاء ، وليس من المنطق في شيء ان ننتزع حكما عاما على مذهب من المذاهب لان بعض الافراد المندسين فيه عرفوا بنظريات هدامة ، لاسيما اذا كانت اسس المذهب واضحة لا تلتقي مع المندسين بشكل من الاشكال ، فالاصرار على تحميل مذهب مسؤولية فعل فرد مندس فيه عملية اما ان تكون مشبوهة وغير نظيفة واما ان تكون بلهاء لاتتصرف بمقاييس .

هوية التشيع 116




هوية التشيع 117


الباب الثالث


هوية التشيع العقائدية
وفيه فصول


هوية التشيع 118




هوية التشيع 119

الفصل الاول

توطئة


قبل الولوج في صلب الموضوع لا بد من الاشارة الى نقاط يتعين البدء بها تجنبا عن الخلط الذي يقع فيه كثير من الباحثين لسبب او اخر وينتهي الامر الى التجني على الحقائق والى الخلط والى اقوال هي بالهزل اشبه منها بالجد .
والمؤسف ان مثل هذه الاقوال الهزيلة بقيت مع التاريخ كأنها حقائق مقدسة وكانها مسلمات لا تقبل النقاش يأخذها المتأخرون من المتقدمين بدون الرجوع الى تمحيص او الى مقاييس ، فما اعظم مسؤولية هؤلاء الذين رحلوا وخلفوا هذه التركة الموبوءة وهذا الزاد المسموم الذي ابتلي به المسلمون والله المستعان على الخلاص منه وهاهنا نقاط سنجعلها توطئة لهذا العنوان حتى اذا دخلناه فعلى بصيرة .
1- النقطة الاولى:


ان الشيعة الذين اكتب عنهم هنا واذكر آراءهم او ادافع عما ينسب لهم هم الامامية الاثنا عشرية الذين يؤلفون الجمهور الشيعي اليوم والذين تملأ كتبهم مكتبات العلم وان شئت فقل الذين تعيش افكارهم فعلا وتتجسد في سلوك حي ، وتدون اراؤهم فعلا في الفقه والعقائد والتاريخ ، ولست اتكلم عمن يسمى شيعيا لغة لانه ذهب الى تفضيل علي (ع) على غيره فعرف بالتشيع من اجل ذلك وما عدا ذلك فليس له مضمون عقائدي أو فقهي في أبعاد التشيع ، فهناك

هوية التشيع 120

من سمي شيعيا وليس له من مضمون الا انه يعتقد ان عليا افضل من غيره وانه حي لم يمت وقد انقرض هؤلاء الاشخاص من الوجود وهناك من يعدهم فرقة شيعية الى الان .
ن مثل هذا القول يضحك ويبكي ، فهو يضحك لان مثل هؤلاء الافراد يسمون فرقة ، ويبكي لان المسلمين وصل بهم الاسفاف الى حد جعلهم يلتمسون أمثال هذه الحالات للتهريج بعضهم على بعض . ودعني اضرب لك مثلا في مثل هذا الموضوع فانتبه له :
فقد ذكر الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين : ان من فرق الشيعة فرقة الكاملية وقال عنها مايلي بالحرف الواحد :
وهم يزعمون ان الصحابة كلهم كفروا اذ فوضوا الامر الى ابي بكر ، وكفر علي حيث لم يحارب ابي بكر ، ان هؤلاء الاشخاص الذين لم يبين الرازي موقعهم ولا عددهم هم فرقة في نظره وكل مضمونهم الفكري هذه الكلمات الاربع ، ثم انهم يكفرون الامام عليا وهم مع ذلك شيعة في نظر الرازي ، هل سمعت بالاكوس عريض اللحية ، انه هؤلاء هل رأيت هذا التناقص شيعي يتشيع لعلي وهو يكفر عليا ، هل رأيت الخصومة كيف تنسي الانسان حتى البدهيات ، واي انسان انه الرازي صاحب العقلية الكبيرة ومع ذلك يصل الى حد هذا الاسفاف اللهم انا نعوذ بك من الخذلان فراجع ما كتبه الرازي عن هذه الفرقة ونظائرها وقف بنفسك على هذا التناقض(1)
2-النقطة الثانية :


ان بعض ما يسميه كتاب الفرق بأنه فرقة قد لا يتجاوز فردا واحدا له رأي شاذ وقد لا يتجاوز عدد افراد الفرقة على احسن الفروض عشرة افراد ، وقد يكونون منقرضين لا يوجد لهم اثر الا في مخيلة البعض او في وريقات من كتب

(1) اعتقادات فرق المسلمن ص60 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي