مؤلفاته ، ان التركيبة التي تكون منها احمد امين هي الحقد والكراهية للشيعة ، زائداً تقليد المستشرقين فيما يقولونه عنهم .
يذهب الشيخ محمد ابو زهرة الى نفس رأي احمد امين ويضيف له : ان اكثر الشيعة الاوائل فرس ولنسمتع الى ما يقوله في هذا الموضوع وهو يستعرض اراء المستشرقين ويعقب عليها قال : وفي الحق انا نعتقد ان الشيعة قد تاثروا بالافكار الفارسية حول الملك ووراثته ويزكي هذا ان اكثر اهل فارس الى الان من الشيعة وان الشيعة الاولين كانوا من اهل فارس (1) ورحم الله ابا الطيب المتنبي اذ يقول :
| ودهر ناسه ناس صغار |
|
وان كانت لهم جثث ضخام |
وابو زهرة مورد انطباق هذا البيت ، انه يقول ان الشيعة الاولين كانوا من اهل فارس وانا اطلب من كل قارئ ان يستخرج لي من الشيعة الاولين خمسة من الفرس وانا متأكد سلفا انهم لا يجدون هذا العدد ، فهل تبقى بعد ذلك قيمة لاقوال مثل ابي زهرة وكم لابي زهرة من اقوال لاتعرف التحقيق وعلى كل حال لقد لقي الرجل ربه واسأل الله تعالى له العفو .
وهذا الرجل ممن نسج على منوال المستشرقين بنسبة التشيع للفارسية فهو يرى ان الافكار الشيعية تأثرت بالفارسية عن طريق عبد الله بن سبأ الذي نقل للتشيع أكثر من رافد فكري ومن هذه الروافد : الفارسية فقد قال بالحرف الواحد :
وان ابن السوداء انتقل الى المدينة وبث فيها اقوالا واراء منافية لروح الاسلام نابعة من يهوديته ، ومن معتقدات فارسية كانت شايعة في اليمن وبرز في
|
|
(1)تاريخ المذاهب الاسلامية جـ1 ص41 .
|
صورة الداعية المنتصر لحق الامام علي (ع) وادعى ان لكل نبي وصيا وان عليا وصي محمد الخ (1) .هذه مجرد عينة من النماذج التي نسجت على منوال المستشرقين ، وانك لتجد هذه الفكرة عند المتأخرين من كتاب السنة شائعة يتلقاها الخلف عن السلف ثم يحاول تعميقها وترسيخها بما يملكه هو من عبقرية وسوف لا اتعجل الرد على الفكرة الا بعد استوفيها فأذكر لك اقوالهم في تعليل دخول الفرس للتشيع فان ذلك يكون بمثابة الروح للبحث . ان ابرز هذه التعليلات التي سأقولها واعتبروها مبرراً لدخول الفرس الى التشيع ثلاثة امور :
|
|
(1)القاموس الاسلامي جـ3 ص222 .
|
|
أسباب دخول الفرس للتشيع في نظر السنة
|
|
|
 |
اصهار الحسين الى الفرس لانه تزوج ابنة يزدجرد وهو احد الملوك الساسانيين واسمها شاه زنان فولدت له علي بن الحسين الذي اجتمعت فيه الخواص الوراثية للاكاسرة وخواص الامامة من ابائه كما يقول ابو الاسود الدؤلي :
| وان وليداً بين كسرى وهاشم |
|
لاكرم من نيطت عليه التمائم |
التقارب في الاراء بين الشيعة والفرس ومن ذلك موضوع الحق الالهي فكل
|
|
(1)الزندقة والشعوبية ص56 .
|
منهما يرى ان الحق الالهي ثابت لمن يتولاه من القادة فالفارسي يراه للملوك الفرس والشيعي يراه للامام الذي يقول بامامته ، وهذا المعنى وان صوره بعضهم بانه تأثر من الشيعة بالفرس ، ولكن لما كان التشيع اقدم من دخول الفرس فيه ولما كان الرواد من الشيعة كلهم عرب كما اثبتنا ذلك فيما سلف ولما كانت نظرية الشيعة في الامام لم تختلف عند زرارة عما كانت عليه عند ابي ذر وعمار ينتج من ذلك ان نظرية الحق الالهي التقى بها الشيعة مع الفرس ولم تكن نتيجة تأثر باراء الفرس بحكم ايمان الشيعة بأن علي وصي النبي (ص) وانه منصوص عليه ، وقد دأب على ذكرهذا التقارب كثير من المستشرقين وتلاميذهم يقول محمد ابو زهرة :
وبعض العلماء ومنهم دوزي المستشرق قرر ان اصل المذهب الشيعي نزعة فارسية اذ ان العرب تدين بالحرية والفرس تدين بالملك وبالوراثة ولايعرفون معنى الانتخاب ، الى ان قال ان الشيعة قد تأثروا بالافكار الفارسية حول الملك ووراثته (1) .
وكذلك يذهب الى هذا الرأي احمد امين وجملة من المستشرقين ذكرهم هو من الذاهبين لهذا الرأي ، وقد افاض في شرح هذا المعنى في كتابه فجر الاسلام معززاً رأيه بأراء المستشرقين(2).
ارادة هدم الاسلام عن طريق الدخول في المذهب الشيعي والتستر بحب اهل البيت ثم نقل افكارهم الهدامة للاسلام كالقول بالوصية والرجعة والمهدي وغير ذلك . وفي ذلك يقول احمد امين : والحق ان التشيع كان مأوى يلجأ اليه كل من اراد هدم الاسلام لعداوة او حقد ومن كان يريد ادخال تعاليم ابائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته كل هؤلاء كانوا يتخذون حب اهل البيت ستاراً (3) وارجو ملاحظة نغمة استعداء
|
(1) تأريخ المذاهب الاسلامية ج1 ص40 .
(2)فجر الاسلام ص276 .
(3)فجر الاسلام نفس الصحيفة 276 .
|
السلطة على الشيعة فهي نغمة ضرب عليها الكثيرون من قبله ومن بعده كصاحب المنار مثلاً (1)ان هذا الاتجاه في تصوير التشيع بأنه أثر فارسي واضح عند كثير من المتأخرين مثل محب الدين الخطيب ، وأحمد شلبي ، ومصطفى الشكعة ، وغيرهم .
ولاجل القاء الضوء على صحة او عدم صحة هذه الدعاوى التي نسبت للتشيع وبالذات الامور الثلاثة التي عللوا بها دخول الفرس للتشيع لابد من ذكر امور :
1- الرد على الامور الثلاثة .
2- تحديد هوية التشيع عرقياً .
3- تحديد هوية التشيع فكرياً .
4-تحديد هوية السنة من نفس المنطلق والعلل التي اخذ بها كتاب السنة
وسنبحث هذه الامور .
|
|
(1) مجلة المنار لرشيد رضا مجلد11 سنة 1326هـ .
|
|
الاجابة على اسباب دخول الفرس للتشيع
|
|
|
 |
اصهار الحسين (ع) الى الفرس.
ان من القواعد المسلم بها ان حكم الامثال فيما يجوز او لا يجوز واحد ، وبناءاً على هذا فان العلة التي ذكرها هؤلاء الكتاب في اعتناق التشيع من قبل الفرس وهي اصهار الحسين (ع) للفرس موجودة عند عبدلله بن عمر بن عبد الخطاب ، وعند محمد بن ابي بكر ، فقد ذكر الزمخشري في ربيع الابرار وغيره من المؤرخين ، ان الصحابة لما جاؤا بسبي فارس في خلافة الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد فباعوا السبايا وامر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الامام علي ان بنات الملوك لايعاملن معاملة غيرهن فقال الخليفة كيف الطريق الى العمل معهن فقال : يقومن ومهما بلغن ثمنهن قام به من يختارهن فقومن فاخذهن علي فدفع واحدة لعبدالله بن عمر واخرى لولده الحسين واخرى لمحمد بن ابي بكر ، فاولد عبدالله بن عمر ولده سالماً ، واولد الحسين زين العابدين واولد محمد ولده القاسم فهؤلاء اولاد خالة وامهاتهم بنات يزدجرد (1) . وهنا نسأل اذا كانت العلة في دخول الفرس للتشيع هي مصاهرة الحسين للفرس فلماذا لا تطردهذه العلة فيتسنن الفرس لاصهار عبد الله بن عمر لهم ومحمد بن ابي بكر كذلك ؟ وكل من
محمد وعبد الله ابناء خليفة كما كان الحسين ابن خليفة . بالاضافة لذلك ان كلا من يزيد بن بن الوليد بن عبد الملك وامه شاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد ومروان بن محمد اخر خلفاء بني امية امه ام ولد من كرد ايران فماذا لاتطرد العلة هنا ايضاً (1) وبالعكس لماذا لايميل العرب السنة لاهل البيت الذين امهاتهم عربية في حين نجد قسما من العرب يبغض اهل البيت كالنواصب مثلا . هذا سؤال يوجه للعقول التي تقول ولا تفكر .
التقارب في الاراء بين الشيعة والفرس . وان كلا منهما يقول بنظرية الحق اللالهي ، ويقول بالوراثة ولا يعرف الانتخاب ، وفي هذا الامر شيئان الاول الاتحاد في الاراء الذي يسبب الدخول للتشيع وهذا الامر لايقول به من يحترم عقله فمتى كان مجرد الاشتراك في رأي دافعا للاتحاد بالعقيدة ، ان كل باحث يعلم ان كل امة او جماعة لاتخلو من الاتحاد مع بعض الامم الاخرى ، في رأي من الاراء او مسالة من المسائل ومع ذلك فلا يقوم ذلك سببا للاندماج ولنعد لاحمد امين نفسه ونلزمه بنتائج رأيه اذا وجد السبب فانه يقول عند بحثه لمسألة الجبر والاختيار :
ان مسألة الجبر والاختيار تكلم فيها قبل المسلمين فلاسفة اليونان ونقلها السريانيون عنهم وتكلم فيها الزرادشتيون كما بحث فيها النصارى ثم المسلمون (2) .
وقد توزع هؤلاء بين القول بالجبر والقول بالاختيار ، وبناء على منطق احمد امين فان المسلمين نصارى لانهم اتحدوا مع النصارى في شق من الرأي ، والا فما مبرر احمد امين في اعتباره الشيعة فرسا لانهم اتحدوا مع الفرس بالقول بنظرية الحق الالهي . ؟
|
(1) تاريخ الخميس للديار بكري جـ2 ص321و322 .
(2) فجر الاسلام ص284 .
|
اما الشق الثاني من الدعوى وهو ان كلا من الفرس والشيعة يقولون بالوراثة فهو باطل فيما يخص الشيعة لان الشيعة لا تعتبر الامامة متوارثة ولا تقول بالارث في ذلك بل تذهب الى ان الامام منصوص عليه من قبل الله تعالى عن طريق النبي (ص) او الامام وكتب الشيعة طافحة بذلك (1) .
وليست مسألة النص على الامام من المسائل المتاخرة عندهم بل هي معلومة من الصدر الاول عند الطبقة الاولى وذلك لوضوح النصوص التي اعتبروها مصدرهم في مسألة الامامة . وللتدليل على ذلك اذكر محاورة طريفة حدثت بين الخليفة الثاني وعبدالله بن عباس وكان الخليفة يأنس بابن عباس ويميل اليه كثيراً فقال له يوماَ : يا ابا عبدالله عليك دماء البدن ان كتمتها هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة . يقول ابن عباس : قلت نعم ، قال : او يزعم ان رسول الله (ص) نص عليه ؟ قلت : نعم ، فقال عمر : لقد كان من رسول الله في امره ذروة من قول لاتثبت حجة ولا تقطع عذرا ، ولقد كان بريع في امره وقتا ما ، ولقد اراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام فعلم رسول الله اني علمت ما في نفسه فامسك (2) ان المنع الذي اشار اليه الخليفة عمر هو عندما طلب النبي من اصحابه في ساعاته الاخيرة دواة وكتف وقال علي بداوة وكتف اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا فقال الخليفة عمر : انه يهجر وقد غلب عليه الوجع (3) .
وعلى العموم ان هذه المحاورة وامثالها توضح رأي الشيعة في موضوع
|
(1) الفصول المهمة لشرف الدين ص281 ، وعقائد الامامية للمظفر ص71 .
(2) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد جـ3 ص97 .
(3) انظر صحيح البخاري جـ 5 ص137 ،انظر طبقات ابن سعد جـ4 ص61 ، وانظر النهاية لابن الاثير جـ 5 ص246 في مادة هجر .
وفي هذا المعنى يقول احد الشعراء :
| اوصى النبي فقال قاتلهم |
|
قد راح يهجر سيد البشـر |
| لكن ابا بكر اصاب ولم |
|
يهجر وقد اوصى الى عمر |
لان كلا منهما كانت وصيته في مرض الموت .
|
الامامة وانها بالنص وليست بالوراثة فمن اين جاء المستشرقون وتلاميذهم بنظرية الوراثة لولا عدم الاحاطة بالتشيع او التحريف واتباع الهوى .
3- الامر الثالث وهو دخول الفرس بالاسلام ارادة هدمه ثم لتحقيق مأربهم ونقل نظريات اسلافهم وهو ادعاء طريف ولابد من الوقوف قليلا حوله فنقول :
اولاً : ان مؤلفات هؤلاء القوم في الدفاع عن الاسلام ومساجدهم ومؤسساتهم الدينية وجهادهم في سبيل الله كل ذلك يشكل شواهد قائمة على كذب هذه الدعوى .
وثانياً : لابد من سؤال لهؤلاء القائلين بهذا القول في ان ارادة الالحاد والهدم عند الفرس هل هي مختصة بالفرس الذين اختاروا الاسلام ودخلوا في التشيع ام انها عند كل الفرس من كل من كان من السنة منهم او من الشيعة ، ولابد ان تكون الاجابة بالعموم لان ارادة الالحاد جائت من كونهم فرساً لامن امر اخر واذا كانت كذلك فلماذا انصبت الحملات على الفرس الشيعة فقط دون الفرس السنة .
وقد يقول قائل ان ذلك انتقل للفرس من الشيعة وهنا ينتقل الكلام الى عقائد الشيعة وقد ذكرنا ان مصدر عقائدهم الكتاب والسنة فلا سبيل لرميهم بما ينافي الكتاب والسنة هذا اذا كان هؤلاء يبحثون عن الحقيقة ـ وهم ابعد الناس عنها ـ ولو لم يكونوا بعيدين عن الارادة الخيرة لما بضعوا شلو الامة وفرقوها شيعا ولخجلوا من المفارقات في اقوالهم لاننا سنوقفك عن قريب على ان تاريخ وفقه وعقائد اهل السنة ابطاله الفرس انفسهم ونحن لانرى بذلك اي عيب او غضاضة ما دمنا نعلم اننا كلنا من مصدر واحد وما دام قرآننا يصرح اناء الليل واطراف النهار بشعار الوحدة وتوحيد المصدر ! بقوله تعالى :« ألم نخلقكم من ماء مهين » 20 /المرسلات .
ثالثاً : ان المسائل التي اوردها القوم واعتبروها مما يهدم الدين ورموا بها
الشيعة الفرس مثل الوصاية والرجعة والقول بالمهدية يشاركهم بها او بمثلها اهل السنة وما سمعنا احدا ينبزهم بها او يعتبرها عليهم سبة ، كما ان هذه القضايا وردت في روايات اهل السنة بطرق موثوقة وسنذكر ذلك قريبا ان شاء الله ، هذا بالاضافة الى ان هذه الاراء ليست من ضروريات الاسلام عند الشيعة وقد تكون من ضروريات المذهب كالقول بالمهدي ، فلماذا كل هذا الضجيج المفتعل ولماذا كل هذا الصرف للطاقات الذي يخلق فجوات بين اهل القبلة فضلا عن عدم جدواه ؟ ولماذا هذا الحماس المفتعل ازاء امور لاينفرد بها الشيعة بل يقول بها السنة انفسهم ؟
|
هوية التشيع العرقية واراء الباحثين فيها
|
|
|
 |
في صدر هذا العنوان لابد من سؤال عن معنى مضمون العروبة الذي يميزها عما عداها واول ما يتبادر للذهن ان العربي هو الذي يولد من ابوين عربيين وبعبارة اخرى هو المنحدر من دم عربي ، وهذا الفرض غير متحقق لاننا لايمكننا الحصول على دم خالص مائة بالمائة من الشوائب والاختلاط ولان الدماء انسانية الانتماء كلها تعود لمصدر واحد وهي مختلطة اختلاطا يصعب معه فرزها عن غيرها ، ثم بعد ذلك لانه ليس من المتصور ان الدماء تتأثر بالعقيدة والفكر والمشاعر ، فأي معنى للعروبة مع هذه الفرض ، وانطلاقا من هذا فان كل رأي يقوم على فرض وجود دم عربي خالص هو فرض غير علمي ولايمكن الركون اليه.
ومع التنزل والتسليم بصحة هذه المقولة وهذا الفرض فقد ذكرنا فيما مر ان الشيعة الذين بدأ بهم التشيع وقام على ايديهم هم من القبائل العربية ذكرنا الطبقة الاولى منهم ولانريد ان نثقل على القارئ فنذكر له الطبقتين الثانية والثالثة فبوسع كل قارئ الرجوع الى كتب التراجم ليرى انهم في جمهورهم من العرب .
واذا كان افتراض ان هناك دما خالصا غير متاثر بغيره يعتبر امرا خياليا نعود الى السؤال عن معنى العروبة ، وسنجد الجواب ان العروبة هي المزيج المتكون من الفكر والمشاعر واللغة والتربة ، وانتزاع العروبة من هذه المصادر هو المسلك الصحيح فهي التي تحدد الهوية ومعظم من كتب في تحديد هوية الانسان اكدوا على
هذه العوامل فقط وهي اللغة والتاريخ والبيئة والمصالح المشتركة هذه هي التركيبة المزجية التي تكون وتحدد معالم الانتماء لامة ما (1) وانطلاقا من ذلك لنرى اين مظان الشيعة من هذه العوامل ولنبدأ من ذلك بالعامل الاول .
ان مهد التشيع الاول هو الجزيرة العربية لان شيعة علي (ع) الاوائل هم من الصحابة ومن جزيرة العرب كما ذكرنا ذلك من قبل ، ومع افتراض وجود شخص او شخصين مثل سلمان الفارسي وابي رافع القبطي فأن نشأة هؤلاء واقامتهم لفترة طويلة بالحجاز ومن الحجاز انتشر التشيع الى الاقطار الاخرى كالعراق وسوريا ومصر والشام وافريقيا والهند والخليج واوربا وامريكا والصين وروسيا وغيرها من سائر اقطار العلم على امتداد السنين .وسنرى في اخر هذا الفصل اقوال الباحثين في ذلك ونصوصهم على ان مهد الشيعة الاول هو الجزيرة العربية .
يعتبر العلماء ان اللغة هي العامل الاساسي في تحديد انتماء كل شخص الى قومية من القوميات لان اللغة قسم من المشاعر بل تذهب البحوث الحديثة الى انها الجزء المهموس من الفكر وذلك لتقسيمهم للفكر الى قسمين صامت ومهموس (2) . وبحكم كون الشيعة من اهل الحجاز فلغتهم كانت عربية وشيعة علي كما هو واضح من الشريحة التي قدمناها من فصحاء العرب وابطال البيان .
|
(1) انظر القومية العربية للدكتور حازم زكي نسيبه ص101 ، وانظر نحو الوحدة العربية ليوسف هيكل فصل اللغة ، وانظر اراء واحاديث في الوطنية والقومية لساطع الحصري ص20 .
(2) مجلة عالم الفكر الكويتية مجلد 6العدد الخاص باللغة .
|
وكان تفوق رواد الشيعة بالبيان والخطابة ادبا اخذوه من امامهم علي (ع) امير البيان حتى نبغوا في ذلك وعدهم المؤرخون قادة بيان ونوابغ فصاحة ومن هؤلاء : عدي بن حاتم الطائي وهاشم المرقال وخالد بن سعيد العبشمي الاموي ، والوليد بن جابر بن ظالم الطائي وغيرهم(1) .
وبحكم كون اللغة العربية هي لغة القران الكريم فقد كان الشيعة يقعون عند التصنيف من قسم المتشددين في اعتبار اللغة العربية لغة العبادة ولغة العقود ولا يتساهلون في ذلك ابدا ولا يقوم عندهم مقام اللغة العربية ، في ذلك اي لغة اخرى ، ونلمح من تشددهم في ذلك ان اللغة عندهم ليست مجرد قالب للمعنى ولو كانت كذلك لقام مقامها قالب اخر ، لكنها عندهم تستبطن مشاعر وخواص اصيلة في مضمون الرسالة ولهذا نزل القران بها لذلك نرى جمهور فقهاء الشيعة يذهبون الى عدم جواز القراءة في الصلاة والاذان وافتتاح الصلاة بغير اللغة العربية ، في حين يذهب كل من ابي حنيفة بصورة مطلقة والشافعية والمالكية بجواز ايقاع الاذان بغير العربية اذا كان المؤذن اعجميا ويريد ان يؤذن لنفسه او لجماعة اعاجم مثله (2) ويذهب الشافعية والاحناف والمالكية الى جواز ايقاع تكبيرة الاحرام بغير اللغة العربية اذا كان غير قادر على اللغة العربية ذكر ذلك عنهم صاحب الفقه على المذاهب الاربعة في باب شروط تكبيرة الاحرام من الجزء الاول . ولم اجد في حدود ما عندي من مصادر : لهم اشتراطا صريحا في ايقاع العقود باللغة العربية في حين يذهب الشيعة الى لزوم ايقاع العقد بالعربية اختيارا(3) وفيما يخص عقد النكاح يجوز الحنفية والمالكية والحنابلة ايقاعه بغير اللغة العربية مع القدرة عليها ويذهبون الى صحة هذا العقد (4) .
|
(1) انظر اسدالغابة ج1 ص35 ، واعيان الشيعة للامين جـ1 ص61 .
(2)انظر الفقه على المذاهب الاربعة جـ1 ص314 ، وفجر الاسلام ص250 ، وكنزالعرفان للمقداد السيوري جـ1 ص117 .
(3) كنز العرفان جـ2 ص72 .
(4) الاحوال الشخصية لمحمد ابو زهرة ص27 ط مصر الاولى .
|
مما يتصل بوضوع اللغة انه بالنظر لاهمية اللغة العربية في موقعها من الشريعة الذي يتضح من اختيار السماء لها لتكون الظرف الحامل للفكر الاسلامي لما كرم الله تعالى به هذه اللغة في كتابه اذ يقول في الاية الثانية من سورة يوسف :
« وكذلك انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون » ويقول في الاية السابعة والثلاثين من سورة الرعد « وكذلك ارسلناه حكما عربيا » الامر الذي اجمع معه مفسرو القران الكريم على ان القران حكمة عربية ومحاوراته على نسق محاورات العرب واساليبهم ، واذا شئت قلت انه اخذ مشاعر العرب وخواصهم الحضارية عندما اختار لغتهم ولم يختص او يتأطر بهم لان رسالة الاسلام عالمية ولكن الله تعالى جعل اللغة العربية هي القناة التي ينقل الدين القويم عن طريقها للناس . ولاجل ضمان حفظ خواص الرسالة ذهب كثير من الفرق الاسلامية الى ضرورة كون الخليفة عربيا . لا لسبب اخر قد يفهم منه معنى عنصري فرسالات السماء منزهة عن ذلك وقد انشطرت الفرق الاسلامية في ا شتراط عروبة الخليفة الى شطرين : وكان الشيعة من الشطر الذي يؤكد على عروبة الخليفة الى شطرين : وكان الشيعة من الشطر الذي يؤكد على عروبة الخليفة لقول النبي (ص) : « الائمة من قريش »(1) في حين ذهب كثير من المسلمين غيرالشيعة الى عدم اشتراط هذا الشرط . ويبدو ان هذا المعنى يبتدئ من الخليفة الثاني نفسه حيث قال :
لوادركني احد رجلين فجعلت هذا الامر اليه لوثقت به : سالم مولى ابي حذيفة وابو عبيدة الجراح ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى(2) .
وواضح من ذكره لسالم ان الخليفة لا يشترط عروبة الخليفة والا لنص على العرب فقط وقد ذهب لذلك ايضا مشاهير المعتزلة مثل ضرار بن عمر وثمامة بن اشرس والجاحظ وكثير غير هولاء(3) .
|
1) الفصل بين الملل والنحل جـ4 ص89 .
(2) طبقات ابن سعد جـ3 ص343 .
(3) ضحى الاسلام جـ1 ص62 .
|
كما يذهب الى عدم عروبة الخليفة الخوارج بجملتهم ونصوصهم صريحة بذلك(1)والى عدم اشتراط عروبة الخليفة يذهب الاحناف ايضا ولذا صححوا خلافة آل عثمان (2) ان اشتراط عروبة الخليفة في واقع الامر لا يمكن ان يصدر عن بواعث عنصرية او عن تعصب فان ذلك غير متصور في رسالة سماوية هي خاتمة الرسالات الانسانية ضرورة ان الاسلام دين المساواة ولكن بهذا الشرط يضمن الاسلام توفر حاكم يعي دقائق الشريعة والخلفيات الحضارية التي ترتبط بها اللغة التي نزلت بها . لهذا فقط يشترط الاسلام عروبة الخليفة من دون انتقاص للاخرين او بخس لمكانتهم او قدح باخلاصهم .
|
|
4ـ التاريخ والمصالح المشتركة :
|
ان تاريخ الشيعة الذين عددنا اسماءهم جزء من تاريخ الجزيرة العربية بكل ابعاد هذا التاريخ ومقوماته . وكذلك المصالح المشتركة المادي منها والمعنوي وكذلك النهج الشعبي في التفكير والعادات والسلوك . ولذلك لما جاء الاسلام اخذ يجاهد لتخليص المسلمين من بعض عاداتهم وانماط سلوكهم التي كانت تؤلف قدرا مشتركا بين سكان الجزيرة العربية وبالنظر لكون هذا المعنى مما لا ينبغي الاطالة فيه لانه بحكم البديهيات نكتفي بما ذكرناه ومن هذه الحقائق التي قدمناها تتضح الهوية العرقية للتشيع فهو عربي بانتمائه ومهده ولغته وآرائه ولاجل هذا ذكر الباحثون الموضوعيون ان التشيع عربي بكل خواصه واقصد بالباحثين هنا المتأخرين منهم وذلك لان هذه المسالة لم تكن تشغل بال خصوم الشيعة في العصور الاولى وانما نشأت مؤخرا لاسباب كثيرة اهمها تحول الفرس الى شيعة ابتداءاً من القرن العاشر اما التاريخ الذي يسبق القرن العاشر فالشيعة من الفرس كانوا فيه فئة قليلة وسوف يأتينا هذا المعنى مفصلا . وحينما تحول الفرس الى شيعة ظهرت لهم مثالب وعيوب لم تكن موجودة يوم ان كانوا من السنة ولا اريد ان اتعجل بك النتائج فهي آتية ان شاء الله .
|
(1) الفرق بين الفرق للبغدادي باب الخوارج .
(2) الامام الصادق لاسد حيدر جـ 1 ص 157 .
|
والان دعني اقدم لك نماذج من اقوال بعض الباحثين الذين تنالوا هذه المسألة فلم يسعهم من ناحية : انكار عروبة التشيع ، في الوقت الذي ارادوا فيه شتم الشيعة عن طريق شتم الفرس وشرح مثالبهم فلنستمع لما يقولون .
يقول احمد امين في نص ذكرناه سابقا واستشهدنا بمقطع منه ونذكره هنا لارتباطه بالموضوع : والذي ارى كما يدلنا التاريخ ان التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الاسلام ولكن بمعنى ساذج وهو ان عليا اولى من غيره من وجهتين كفايته الشخصية وقرابته للنبي (ص) ولكن هذا التشيع اخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الاسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية حيث ان اكبر عنصر دخل في الاسلام الفرس فلهم اكبر الاثر بالتشيع ، ورأيه هنا واضح ان اوائل الشيعة ليسوا بفرس وان ناقض نفسه بمكان اخر(1) .
|
|
2- الدكتور علي حسين الخربوطلي قال :
|
وهناك فريق من العرب تشيع لعلي بعد ان آلت الخلافة الى ابي بكر ويرى جولد تسيهر ان الحركة الشيعية نشأت في ارض عربية بحتة فقد مال لاعتناق التشيع قبائل عربية تشبعت بالاراء الثيوقراطية وبشرعية حق علي بالخلافة فأقبلت على تعاليمه في لهفة وحماسة اهل العراق من الفرس ، ورأوا ان الامامة ليست من المصالح التي تفوض الى نظر الامة ويعين القائم بها تعيينا باختيار جماعة المسلمين وانتخابهم بل هي ركن الدين وقاعدة الاسلام فيجب تعيين الامام ويكون معصوما وان عليا هو الذي عينه الرسول(2) .
|
|
3- المسشتشرق فلهوزن قال :
|
اما ان اراء الشيعة تلائم الايرانيين فهذا مما لاشك فيه ، واما كون هذه
|
(1) فجر الاسلام ص276 .
(2) الدولة العربية ص127 .
|
|